متجوزه بقالى سنه حكايات رومانى مكرم 1
متجوزه بقالى سنه حكايات رومانى مكرم 1
متجوزه بقالى سنه وجوزى كل اسبوع بيعزم امه واخواته عندنا علي العشاء وهما ساكنين معايا في نفس الشارع وكل عزومه اكل مختلف وهما عمرهم ما عزمونا
ولم قولتله اعزم بابا وماما رفض وقال انا مش فاتح مائده الرحمان
أنا مروة، بقالي سنة واحدة متجوزة إبراهيم. سنة كاملة ماشوفتش فيها يوم حد رايق. كل خميس السيناريو يتكرر كأنه شريط كاسيت ومملول؛ الساعة تدق خمسة العصر، ألاقي جرس الباب بيرن، وتدخل حماتي وبناتها التلاتة، كأنهم جيش داخل يفتح عكا. وهما أصلاً ساكنين في نفس الشارع، يعني بيننا وبينهم خطوتين!
المشكلة مش في لمتهم، المشكلة إن إبراهيم كل أسبوع يأمرني: “عايز لقمة تشرف يا مروة، مش عايزين كلام من بتاع كل مرة، المرة دي اعملي بط ورقاق، الأسبوع الجاي كباب حلة وممبار”. ونازل طلبات وفلوس بتتفصص على الأكل، وأنا ضهري يتأطم في المطبخ من النجمة عشان أخلص الوليمة.
واللي يحرق الدم بجد؟ إنهم بعد ما يخلصوا أكل، يمسحوا إيديهم في الجلابيب ويقوموا، ولا واحدة فيهم تفكر ترفع طبق معايا، ولا حتى يقولوا “تسلم إيدك يا مروة”. والأدهى والأمر، إن بقالنا سنة كاملة أهو، وعمرهم ما قالوا لنا “تعالوا اشربوا كوباية شاي حتى في بيتنا”!
في يوم، كنت واقفة غاسلة مواعين العزومة لحد ما رجلي ورمت، وإبراهيم قاعد برة حاطط رجل على رجل وبيشرب الشيشة ومزاج العال العال بعد ما أهله مشيوا ومبسوطين. دخلت عليه المطبخ وكنت جايبة آخري، قعدت على الكرسي وقولتله بنبرة هادية بس مليانة عتاب:
* “بقولك إيه يا إبراهيم.. إحنا بقالنا سنة أهو، وأهلك منورنا كل أسبوع وعلى راسي. بس مش حق بابا وماما هما كمان ييجوا يتغدوا معانا مرة؟ ده حتى هما وحشوني ونفسي نلم الشمل في بيتنا.”
إبراهيم نفخ دخان الشيشة في الهوا، وبصلي ببرود ونظرة استهزاء وقاللي:
* “نعام ياختي؟ أعزم أبوكي وأمك؟ ليه إن شاء الله؟ هو أنا فاتحها مائدة رحمن؟!”
الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية. دموعي تجمعت في عيني وقلبي اتعصر من الوجع. أبويا وأمي اللي طفحوا الدم عشان يجوزوني، وبابا اللي مااستخسرش فيا قرش، يتقال عليهم كده؟
وقفت وكنت برتعش من الغضب وقولتله:
* “مائدة رحمن يا إبراهيم؟ وأهلك اللي بياكلوا هنا بالشيء الفلاني كل أسبوع ومابنشفش منهم لقمة برة دول يبقوا إيه؟”
إبراهيم وشه اتغير، وعينه برقت، وقام وقف ورمى لي اليمين إنه لو جيت سيرة أهله تاني على لساني، أو لو فكرت أعزم حد من طرفي، هيكون ليا تصرف تاني خالص معايا، وساب البيت ونزل قفل الباب وراه برزعة هزت الحيطة.
فضلت قاعدة في الأرض أعيط لحد ما الفجر أذن. نمت مكاني من كتر التعب والقهر.
تاني يوم الصبح، إبراهيم رجع كأن مفيش حاجة حصلت، وفات الأسبوع وجه يوم الأربع بالليل. لقيته داخل عليا المطبخ وحاطط شنط مليانة لحمة وفراخ وخضار، وقاللي بنبرة آمرة:
* “بكرة أمي وأخواتي جايين، وعايزك تعملي ليمون بالنعناع فريش أول ما يدخلوا، وتجهزي فخدة ضاني في الفرن عشان جوز أختي جاي معاهم المرة دي. مش عايز فضايح.”
بصيت للشنط، وبصيت لوشه اللي كله جبروت، وحسيت بنار بتغلي جوايا.. بس المرة دي ما عيطتش، ولا اتخانقت. ابتسمت ابتسامة غريبة وقولتله:
* “حاضر يا إبراهيم.. من عيني الجوز، هعملهم عزومة عمرهم ما هينسوها في حياتهم كلها.”
#الكاتب_رومانى_مكرم
إبراهيم اتبسط وافتكرني انكسرت وخوفت من تهديده. بس اللي ماكانش يعرفه، إن دماغي في اللحظة دي كانت بتخطط لحاجة تانية خالص.. حاجة هتقلب التربيزة على الكل بكرة الساعة خمسة العصر!
## الجزء الثاني: ليلة الانقلاب بدم بارد
خرج إبراهيم من المطبخ وهو يصفر بزهو، ظنًا منه أن كبرياءه قد انتصر وأن “العين الحمراء” التي أراها لمروة قد آتت أكلها. لم يلتفت خلفه ليرى نظراتها التي تحولت من انكسار الأمس إلى جمود غريب، كأنها تمثال رخامي حُسم أمره.
وقفت مروة أمام جبل اللحوم والخضار، تلمست الفخدة الضاني بأصابع باردة وثابتة. لم تبكِ، ولم تفرك يدها قهرًا، بل بدأت العمل فورًا. غسلت اللحم، قطعت الخضار، وجهزت تتبيلة الفخدة الضاني بكل إتقان، مستخدمة أفضل بهاراتها، كأنها طاهية محترفة تعد طبقًا للملك. استمرت في العمل حتى ساعات الصباح الأولى، ولسانها صامت تمامًا، لكن عقلها كان يدير خطة محكمة كالساعة السويسرية، خطة لن تكسر فيها كلمة لإبراهيم، بل ستنفذها بالحرف الواحد.. ولكن بطريقتها الخاصة.
في تمام الساعة الرابعة عصرًا من يوم الخميس، كان البيت يفوح برائحة الشواء والبهارات الزكية التي تسد عين الشمس. دخل إبراهيم الشقة، واستنشق الهواء بارتياح كبير، ورأى السفرة مغطاة بالمفارش الفاخرة، وعليها الأطباق والصواني مغطاة بورق الأولومنيوم، وبجانبها الأكواب الزجاجية الكبيرة مليئة بعصير الليمون بالنعناع الفريش ذي اللون الأخضر الزاهي.
نظر إبراهيم إلى مروة التي كانت ترتدي عباءة أنيقة وتضع لمسات خفيفة من الزينة، فابتسم برضا وقال وهو يعدل ياقة قميصه:
* “أيوا كده يا مروة.. هي دي الأصول، الرعب بيعلم الأدب برضه. جهزي نفسك بقى عشان خمس دقائق والجيش يوصل، وجوز أختي جاي وجوعان وعايز يشوف الهمة.”
لم ترد مروة، بل اكتفت بابتسامة غامضة، أومأت برأسها ودخلت إلى المطبخ.
في تمام الخامسة، رن جرس الباب بعنف كالعادة. فتح إبراهيم وهو يرحب بأهله بصوت جهوري:
* “يا مرحب يا مرحب! نورتوا يا أسياد البيت، خطوة عزيزة يا أمي، اتفضل يا أبو نسب.”
دخلت الحماة وبناتها التلاتة وجوز أختهم، يجرون خلفهم جلابيبهم وضوضاءهم المعتادة. جلسوا في الصالون، ولم تمضِ دقيقتان حتى خرجت مروة تحمل صينية العصير، وقدمتها للجميع بابتسامة بشوشة وترحاب حار، لدرجة جعلت الحماة تنظر لبناتها بغمزة عين تعني “البنت انكسرت وخافت”.
قال إبراهيم بصوت آمر وهو يفرك يديه جوعًا:
* “يلا يا مروة، حطي الأكل بسرعة عشان الفخدة ما تبردش، وجوز أختي جاي من مشوار طويل.”
قالت مروة بنبرة هادئة وواضحة:
* “من عيني يا إبراهيم، دقيقة واحدة وكل حاجة تكون جاهزة.”
دخلت مروة المطبخ، وأغلقت الباب خلفها بنصف قفلة. لم تحمل الصواني إلى السفرة، بل أخرجت هاتفها المحمول وضغطت على زر الاتصال، وانتظرت لثانيتين ثم قالت بنبرة دافئة:
* “أيوة يا بابا.. حبيبي إنت فين؟ نزلتوا من التاكسي؟ طيب يا حبيبي، الشقة في الدور الثالث، إبراهيم مستنيكم على نار، أيوة هو اللي صمم يعزمكم المرة دي ويصالحكم، ده شاري لكم فخدة ضاني مخصوص ومقعد أهله مستنيينكم عشان نلم الشمل.. يلا مستنياكم.”
أغلقت مروة الهاتف، وخرجت إلى الصالة وهي تحمل صينية أولى عليها أطباق الشوربة الساخنة. في تلك اللحظة بالذات، رن جرس الباب مرة أخرى.
تطلع إبراهيم إلى الباب باستغراب وقال:
* “مين اللي جاي في وقت زي ده؟ هو في حد تاني مع السباك أو البواب؟”
قالت مروة وهي تضع الشوربة على السفرة ببرود تام:
* “روح افتح يا إبراهيم، دول الضيوف الغاليين اللي الفخدة الضاني معموله علشانهم.”
اتجه إبراهيم نحو الباب وهو يعقد حاجبيه، وفتح القفل، ليتجمد في مكانه كأنه ضرب بصاعقة كهربائية.
على عتبة الباب، كان يقف والد مروة، الرجل المسن الوقور، وهو يحمل في يده علبة من الحلويات الفاخرة، وبجانبه والدتها التي ترتدي ثوب الخروج وتبتسم بوجه بشوش، وخلفهما شقيق مروة الأكبر.
قال والد مروة بنبرة طيبة:
* “السلام عليكم يا بني.. مروة كلمتنا وقالت لي إنك حلف ميت يمين ما ناكل لقمة برة بيتك إلا الفخدة الضاني النهاردة، وإنك زعلان من كلام الأسبوع اللي فات وعايز تصالحني.. الله يجبر بخاطرك يا بني، طول عمرك أصيل.”
في تلك اللحظة، خرجت الحماة وبناتها إلى طرقة الصالة ليروا من القادم، وتوقفت الكلمات في حلق إبراهيم الذي اسودّ وجهه وتغيرت ملامحه، والتفت بنظرة قاتلة نحو مروة الواقفة في نهاية الطرقة، وهي تمسك بخرطوم الشيشة الخاص به في يدها، وتبتسم ببرود لا مثيل له، كأنها تقول له: “لقد بدأت اللعبة الآن”.
متجوزه بقالى سنه حكايات رومانى مكرم 2
تسمر إبراهيم في مكانه عند عتبة الباب، يده ما زالت قابضة على المقبض الحديدي، وعقله عاجز عن استيعاب الكارثة التي تدور أمامه. نظر إلى حماه الرجل المسن الذي يمد يده بعلبة الحلويات بوجه يشع طيبة وفخر، ثم التفت بمؤخرة عينه ليجد أمه وبناتها الثلاث يقفن خلفه، وقد تحولت وجوههن إلى كتلة من الغيظ والذهول.
ابتلعت الحماة ريقها بصعوبة، ونظرت إلى مروة التي كانت تقف بكبرياء وثبات وسط الصالة، واضعة يدها في وسطها والابتسامة لا تفارق شفتيها. كانت مروة في تلك اللحظة تبدو كقائد عسكري نجح في محاصرة خصمه في بقعة ضيقة لا مخرج منها.
تدارك والد مروة الصمت الثقيل، فتقدم خطوة داخل الشقة وهو يربت على كتف إبراهيم المذهول قائلًا:
* “جرى إيه يا أبو خليل؟ واقف مكانك كأنك شفت شبح! مش هتقول لحماك اتفضل ولا إيه؟ ده أنا جاي وجايب الغالية معايا عشان نلبّي عزومتك اللي مروة قالت لنا عليها.”
هنا تحركت مروة بخفة ونبرة صوت تملأها البهجة المصطنعة:
* “يا مرحب! يا ألف نهار أبيض يا بابا، نورت بيتك ومطرحك يا حبيبي.. اتفضلي يا ماما، ادخلوا الصالة، إبراهيم كان هيتجنن لو ما جيتوش النهاردة، ده من الصبح واقف يشتري اللحمة بنفسه.”
دخل الأب والأم والأخ الأكبر، وتحولت الصالة الصغيرة إلى ساحة حرب باردة. اضطر إبراهيم، تحت وطأة النظرات وحيائه من الرجل المسن، أن يمد يده ويسلم بجفاء وعيون تشتعل شرارًا، وهو يهمس من بين أسنانة لمروة التي مرت بجانبه لتأخذ علبة الحلويات:
* “حسابك معايا بعدين يا مروة.. قسمًا بالله ليكون ليلتك طين.”
نظرت إليه مروة بعينين جامدتين وهمست بنبرة لم يسمعها غيره:
* “وريني هتعمل إيه قدام أبويا يا إبراهيم.. وافتكر إنك إنت اللي جيبت الأكل بفلوسك.”
جلس والد مروة في صدر المجلس، وبجانبه زوجته وابنه. وفي المقابل، جلست الحماة “أم إبراهيم” تشتعل نارًا، وبناتها يتامسحن ويهمسن بكلمات مسمومة. قالت الحماة بنبرة حادة موجهة كلامها لإبراهيم وتتجاهل وجود أهل مروة تمامًا:
* “جرى إيه يا إبراهيم؟ إنت مش قايل لنا إن العزومة دي لينا مخصوص عشان جوز أختك جاي؟ وإيه لمت الناس دي كلها في البيت؟ الشقة مش هتكفينا ولا الأكل هيكفي!”
قبل أن ينطق إبراهيم بحرف، دوت ضحكة مروة العالية وهي تخرج من المطبخ حاملة صواني الفخدة الضاني والرقاق باللحمة المفرومة، ووضعتها في منتصف السفرة قائلة بحفاوة:
* “جرى إيه يا حماتي؟ مفيش حاجة غريبة.. دول أهلي ودول أهلك، والخير كتير والحمد لله بيتنا مفتوح ومفهوش مائدة رحمن ومائدة أسياد! مش كده يا إبراهيم؟ مش إنت اللي قولت لي امبارح عايز عزومة العمر اللي محدش ينساها؟ وأنا قولت مفيش أغلى من بابا وماما يشاركونا اللقمة دي.”
ساد الصمت التام، وأصبح وجه إبراهيم يتلون بين الأحمر والأزرق. كان يعلم أن أي كلمة تخرج منه الآن تسيء لأهل زوجته ستجعله يبدو نذلًا أمام رجل لم يرَ منه إلا كل خير، وفي نفس الوقت، نظرات أمه كانت تطالبه بطرد أهل مروة فورًا.
تنحنح والد مروة وهو يشعر بالتوتر السائد، وقال بأدب جم:
* “والله يا جماعة إحنا جينا بناءً على كلام مروة إن إبراهيم مصمم، ولو كنا نعرف إنكم متجمعين لوحدكم كنا أجلناها.. إحنا أهل ومفيش بيننا الكلام ده.”
هنا تدخل شقيق مروة الأكبر “أحمد”، وكان شابًا ذكيًا يلاحظ نظرات إبراهيم القاتلة لشقيفته، فقال وعينه مثبتة في عين إبراهيم:
* “لا يا عمي تأجلها ليه؟ إبراهيم راجل كريم وأكيد يفرح لما يلاقي حماته وحماه على سفرته زي ما أمه وأخواته منورين البيت كل أسبوع.. ولا إيه يا هيمـا؟”
اضطر إبراهيم تحت الضغط المحكم أن يرسم ابتسامة صفراء على وجهه وقال بصوت مخنوق:
* “طبعًا.. طبعًا يا أحمد، منورين.. اتفضلوا سموا الله وكلوا.”
بدأ الجميع في تناول الطعام، لكن الأجواء كانت مشحونة لدرجة أن صوت الملاعق كان يرن في أرجاء الشقة كطلقات الرصاص. كانت مروة تطوف حول السفرة، تضع أفضل قطع اللحم الضاني في طبق أبيها وأمها، وتنظر لحماتها وبناتها قائلة:
* “كلوا يا بنات.. امسحوا إيديكم في الفوط براحتكم، البيت بيتكم.. واللقمة اللي تطلع من بيتنا لأهلنا بالدنيا، إحنا مبنستخسرش في الغاليين لقمة، ومبنحسبهاش بالقرش والمليم.”
كانت كل كلمة تنطق بها مروة بمثابة طعنة مبطنة لإبراهيم ولأمه. الحماة لم تحتمل منظر مروة وهي تسيطر على الجلسة، فقامت فجأة من على السفرة وقالت بغضب:
* “أنا شبعت.. الأكل ملوش طعم النهاردة واللمة دي مش مريحانى. يلا يا بنات نقوم نمشي، ونشوف إبراهيم بيه لما يقعد لوحده هيعمل إيه.”
وقف إبراهيم بسرعة محاولًا استرضاء أمه:
* “استني بس يا أمي.. ميرضيكيش كده!”
لكن الحماة وبناتها تدافعن نحو الباب وخرجن وهن يضربن الأقدام بالأرض بعنف. التفت والد مروة لابنته وزوجها وقال بقلق:
* “ليه كده يا بني؟ زعلتوا أمكم ليه؟ لو كان وجودنا ضايقهم إحنا نمشي حالا.”
قالت مروة وهي تمسك يد أبيها وتقبلها أمام إبراهيم:
* “لا يا بابا.. هما متعودين يمشوا بدري عشان ساكنين في نفس الشارع، كمل أكلك يا حبيبي بالهنا والشفا.”
انتهت العزومة الثقيلة، وغادر أهل مروة بعد أن شكروا إبراهيم الذي كان يودعهم بجسد يرتعش من فرط الغيظ والغضب المكبوح. وما إن أُغلق الباب وراءهم، حتى التفت إبراهيم نحو مروة وعيونه تطلق شررًا، وتقدم نحوها بخطوات سريعة وصوته يخرج كالفحيح:
* “إنتي كسرّتي كلامي وعزمتي أبوكي وأمك؟ وكمان طفشتي أمي وأخواتي من بيتي؟ أنا هوريكي مائدة الرحمن دي هعمل فيكي وفي أهلك إيه النهاردة!”
رفعت مروة رأسها، ولم تتراجع خطوة واحدة للوراء، بل نظرت في عينيه ببرود شديد وقالت:
* “أعلى ما في خيلك اركبه يا إبراهيم.. والي جاي هيخليك تلف حوالين نفسك.”
## الجزء الرابع: ليلة كسر القيود
تراجعت خطوتان إلى الخلف وهي تنظر إلى وجه إبراهيم المحتقن، لم تكن خائفة، بل كانت تشعر بنوع من النشوة والانتصار لأول مرة منذ سنة كاملة. صراخه الذي كان يزلزل جدران الشقة في الماضي، بات الآن بالنسبة لها مجرد ظاهرة صوتية لـرجل جُرد من أسلحته.
اندفع إبراهيم نحوها، وعروق عنقه بارزة كالندوب، ورفع أصبعه في وجهها مهددًا بصوت يرتجف من الغيظ:
* “إنتي بتهدديني يا مروة؟ إنتي؟! البنت الغلبانة اللي جيت بيت أبوها لقيتهم مش عارفين يجهزوا جهازها؟ أنا اللي عملت لك قيمة، وأنا اللي خليت لك حس في الدنيا! تقومي تتفقي مع أهلك وتعملي عليا كمين في بيتي؟ وتطردي أمي وأخواتي؟”
ضمت مروة كفيها إلى صدرها ببرود شديد، ونظرت إلى صبعه المرفوع ولم ترمش، ثم قالت بنبرة هادئة قاتلة:
* “أبويا طفح الدم عشان يجوزني يا إبراهيم، ومستخسرش فيا لقمة ولا قرش، والجهاز اللي مش عاجبك ده أبويا لسه بيسدد في أقساطه لحد النهاردة من صحته ونور عينيه. وأنا مطردتش أمك.. أمك هي اللي مش قادرة تشوف حد من طرفي بياكل في البيت، عشان هي واخدة على الأخذ مش العطاء. وافتكر كويس.. أنا مكسرتش كلامك، إنت قولت لي بكرة أمي وأخواتي جايين وعايز فخدة ضاني ومش عايز فضايح.. وأنا عملت الفخدة ومنعت الفضايح قدام جوز أختك وأبويا، إنت بقى اللي كنت عايز تعمل فضيحة؟”
جن جنون إبراهيم من منطقها المفحم، شعر أن هيبته قد دُيست بالأقدام، فصرخ بعنف:
* “أنا حلفت عليكي يمين طلاق امبارح لو جبتي سيرة أهلك أو عزمتيهم.. والنهاردة إنتي عزمتيهم ودخلتيهم بيتي ورجلي على رقبتي! اليمين وقع يا مروة.. إنتي طالق! طالق بالتلاتة، ومش عايز أشوف وشك في البيت ده دقيقة واحدة، غوري على بيت أبوكي خليهم ينفعوكي بموائد الرحمن بتاعتهم!”
لم تسقط دموع مروة هذه المرة، ولم تلطم خديها، ولم ترتمِ عند قدميه تترجاه لئلا يخرب بيتها. بل انطلقت من بين شفتيها ضحكة خافتة، ضحكة باردة جعلت جسد إبراهيم يقشعر دون أن يدري. تراجعت إلى الكرسي وجلست، ووضعت رجلًا فوق الأخرى، ونظرت إليه بقوة وقالت:
* “طالق؟ طيب كتر خيرك يا إبراهيم.. وفرت عليا مشوار المحاكم والقضايا. بس الظاهر من كتر العصبية، مخك فوت ومبقتش تجمع.”
عقد إبراهيم حاجبيه بذهول واستنكار وقال:
* “مخي فوت؟ إنتي اتجننتي يا بت؟ بقولك طالق! اطلعي برة بيتي حالا!”
وقفت مروة واقتربت منه حتى أصبحت المسافة بينهما خطوة واحدة، وقالت بعينين تلمعان بالشماتة:
* “بيتك؟ بيت مين يا إبراهيم؟ إنت نسيت إن الشقة دي إحنا مأجرينها قانون جديد؟ ونسيت الأهم من كده.. إن عقد الإيجار ده مكتوب باسمي أنا؟”
وقع الكلمة على إبراهيم كالصاعقة، تراجع خطوة للخلف وهو يبرق بعينيه، وحاول أن يتذكر تفاصيل كتابة العقد قبل سنة. تابعت مروة وهي تبتسم بنصر:
* “نسيت لما جيت تمضي العقد مع صاحب البيت، وكنت لسه مخلص فلوسك في الشبكة والدهب، وصاحب البيت طلب وصل أمانة كضمان وضامن يوقع معاه، وأبويا هو اللي جه ومضى ضامن، وكتبنا العقد باسمي عشان أبويا هو اللي دفع مقدم الإيجار وست شهور قدام؟ إنت ناسي يا إبراهيم؟”
بدأ التوتر يظهر على وجه إبراهيم، وأخذ يتلعثم:
* “ولو باسمك! أنا الراجل وأنا اللي بدفع الإيجار كل شهر!”
قالت مروة وهي تتجه نحو غرفة النوم:
* “كنت بتدفع.. إنما دلوقتي، إنت قولت لي ‘طالق’.. يعني مبقاش ليكي صفة في البيت ده. الشقة دي شقتي بقوة القانون، وعقدها باسمي، والفرش اللي فيها كله بتاعي وبتاع أبويا ومكتوب في القائمة بالحرف الواحد.. الشقة دي طالما أنا طالق، يبقى إنت اللي تاخد هدومك في كيس أسود وتطلع برة حالا، وتروح تقعد مع أمك وأخواتك في نفس الشارع.. خليهم بقى يعملوا لك فخدة ضاني كل خميس!”
اندفعت مروة إلى الغرفة، وأخرجت حقيبة ملابس كبيرة، وقامت بفتح الخزانة وبدأت تلقي بملابس إبراهيم بعشوائية على الأرض وهي تصيح بصوت عالٍ ليسمعه:
* “يلا يا إبراهيم.. وريني طولك، اخرج برة شقتي بكرامتك، عشان لو مخرجتش دلوقتي، أنا هكلم أبويا وأخويا أحمد اللي لسه مالحقوش يوصلوا لآخر الشارع، وهخليهم ييجوا يخرجوك بالطريقة اللي تليق بيك!”
وقف إبراهيم في الصالة متسمرًا، ينظر إلى ملابسه التي تتناثر على الأرض، ويستمع إلى تهديدها. شعر لأول مرة أن الأرض تهتز تحت قدميه، وأن “مروة الغلبانة” قد تحولت إلى إعصار مدمر قادم ليأخذ الأخضر واليابس. في تلك اللحظة، رن هاتفه المحمول، وكان المتصل.. أمه.
متجوزه بقالى سنه حكايات رومانى مكرم 3
نظر إبراهيم إلى شاشة هاتفه التي تضيء باسم “أمي”، ثم نظر إلى باب غرفة النوم حيث كانت مروة تقف وبيدها حقيبة ملابسه الفارغة، وعيناها ترميانه بنظرات صلبة لا تلين. كان صوت رنين الهاتف في صمت الصالة يشبه دقات ساعة تنازلية لانفجار وشيك.
أجاب إبراهيم بصوت متحشرج يحاول إخفاء رعشته:
* “أيوة يا أمي.. أيوة، وصلتوا؟”
جاءه صوت أمه عبر السماعة حادًا، مرتفعًا وممتلئًا بالغل، لدرجة أن مروة سمعت كل كلمة وهي واقفة على بعد خطوات:
* “وصلنا إيه يا فالح؟! إحنا لسه تحت بيتكم مروحناش! بقى حتة البت دي تعمل فينا كده يا إبراهيم؟ وتجيب أهلها يشاركونا في الأكل اللي إنت دافع دم قلبك فيه؟ وتلقح علينا كلام في الرايحة والجاية؟! طردتنا يا إبراهيم عيني عينك وأنت واقف زي اللوح ومستني لما نلم هدومنا ونمشي؟ لو ما جيتش حالا وطلقتها ورميت هدومها في الشارع، لا أنا أمك ولا أعرفك ليوم الدين!”
بلع إبراهيم ريقه، ونظر إلى مروة التي لم يهتز لها جفن، بل ابتسمت بسخرية وأشارت له بسبابتها نحو الباب، وكأنها تستعجله الخروج. تنحنح إبراهيم وقال لأمه بنبرة حاول أن يجعلها جهورية:
* “أمي.. امسحيها فيا أنا، أنا خلاص طلقتها حالا ووقعت اليمين!”
صاحت أمه بتهليل وشماتة سمعتها أخواته اللاتي بدأن يزغردن في الشارع أسفل البلوف:
* “عفارم عليك يا ابن بطني! هو ده ابني السبع اللي ميرضاش بالدنية! ارمي لها بقى حاجتها وخلّي أبوها ييجي يشيلها في قفص طماطم، وانزل لنا عشان نطلع شقتنا نقعد براحتنا!”
هنا، لم تنتظر مروة. خطت خطوات سريعة ونزعت الهاتف من يد إبراهيم المذهول، ووضعته على مكبر الصوت، وصاحت بنبرة هزت أرجاء الشقة:
* “اسمعي يا حماتي.. اسمعي كويس إنتي وبناتك والزغاريط اللي شغالة تحت دي! إبراهيم فعلاً طلقني، وبما إنه طلقني، والشقة دي إيجارها باسمي وباسم أبويا الضامن، فالشقة دي من اللحظة دي شقتي أنا! وابنك السبع اللي فرحانة بيه ده، أنا دلوقتي حالا بلم له هدومه في أكياس زبالة عشان أرميه برة الباب! خدو الزغاريط بتاعتكم بقى واطلعوا استقبلوه في الشارع، عشان من النهاردة مفيش شقة، ومفيش فخدة ضاني، ومفيش مائدة رحمن لأبنك يمد إيده عليها!”
أغلقت مروة الخط بعنف في وجه الحماة قبل أن تنطق بكلمة، والتحم الصمت من جديد في الصالة، لكنه كان صمتًا يسبق العاصفة الكبرى.
التفتت مروة إلى إبراهيم وقالت بصوت حاسم كالسيف:
* “خمس دقائق يا إبراهيم.. لو ملمتش الباقي من كرامتك وأخدت شنطتك وطلعت برة، أنا هفتح الباب وأصوّت وألم عليك الشارع كله، وأقول الحرامي جوه الشقة، وهخلي أهلك الواقفين تحت يتفرجوا على زفتك وإنت نازل في إيد الجيران.. أخلص!”
شعر إبراهيم بالدم يغلي في عروقه، تملكته رغبة عارمة في الاندفاع نحوها وضربها، لكنه تذكر فجأة شقيقها الأكبر “أحمد” وبنيته القوية، وتذكر أن صاحب العقار رجل صارم وصديق لوالد مروة، وأن القانون في صفها تمامًا طالما العقد باسمها. انكسر جبروت إبراهيم في لحظة واحدة، وتحولت نظراته إلى انكسار وخزي.
انحنى على الأرض يجمع قمصانه وبنطلوناته بيدين ترتعشان، ووضعها داخل الحقيبة كيفما اتفق، ومروة واقفة فوق رأسه تتابع المشهد ببرود تام. سحب سحاب الحقيبة بعنف، ووقف ونظر إليها وعيونه حمراء من كثرة الغيظ المكبوت وقال:
* “ماشي يا مروة.. الشقة والفرش حلال عليكي، بس وحياة أمي لوريكي، والمحاكم بيننا، وقائمة المنقولات دي مش هتشوفي منها مسمار واحد!”
ضحكت مروة وقالت:
* “القائمة في الحفظ والصون عند المحامي من الصبح يا هيما.. يعني حتى هدومك اللي في الشنطة دي أنا سايباها لك كرم مني. يلا.. مع السلامة.”
جر إبراهيم حقيبته الثقيلة، وخطا نحو الباب بخطوات منكسرة، وخرج إلى السلم. وما إن تجاوز عتبة الشقة، حتى رمت مروة خلفه الحقيبة الأخرى التي كانت تحتوي على أحذيته ومتعلقاته الشخصية، وأغلقت الباب الخشبي الثقيل، ودارت المفتاح في القفل ثلاث دورات كاملة، ثم سحبت الترباس الحديدي.
في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنة، تنفست مروة بعمق. أحست أن جبلًا كان جاسمًا على صدرها قد انزاح. سارت نحو الصالون، وجلست على الأريكة، ونظرت إلى الفوضى وبقايا العزومة على السفرة، ولم تعد تشعر بالتعب في رجليها.
وفي الأسفل، في الشارع.. كان إبراهيم يخرج من باب العمارة يجر حقيبته، ليتفاجأ بأمه وبناتها الثلاث يقفن في حلقة، ووجوههن مخطوفة ومذهولة، والشارع كله ينظر إليهم بعد أن سمعوا صياح مروة من الشباك.
تقدمت الحماة نحو ابنها وقالت بزهول:
* “جرى إيه يا إبراهيم؟ فين هدوم البت؟ وإيه الشنط اللي في إيدك دي؟!”
نظر إبراهيم إلى الأرض وقال بصوت مخنوق:
* “الشقة طلعت باسمها يا أمي.. وطردتني!”
لم تكد الحماة تفتح فمها لتصرخ، حتى انفتح شباك الدور الثالث، وخرجت منه مروة، وبيدها مكنسة بدأت تنفضها في الهواء وهي تنظر إليهم في الأسفل، وقالت بصوت مسموع للشارع كله:
* “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. الشقة نظفت، والبيت رجع لأصحابه!”
لم يكن هذا نهاية المطاف، بل كانت مجرد البداية لمعركة جديدة بدأت خيوطها تتحرك في عقل الحماة التي قررت الانتقام، وفي عقل إبراهيم الذي شعر بالخزي أمام أهله وجيرانه.. وبدأت المؤامرة تأخذ مجرى آخر تمامًا في المساء.
## الجزء السادس: طبول حرب الشوارع
ساد الصمت في الشارع لثوانٍ معدودة بعد كلمات مروة القاتلة التي ألقتها من الشباك، قبل أن تنفجر الحماة “أم إبراهيم” بصرخة مدوية شقت سكون المنطقة، وبدأت تلطم خديها وتصيح بعلو صوتها ليسمعها القاصي والداني:
* “يا فضحيتنا في وسط الناس! يا ناس يا عالم.. شوفوا البت اللي لسه مكملتش سنة في بيتنا بتطرد ابن بطني برة شقته؟ بتطرد الراجل اللي سترها وجوزها؟! يا مروة يا خطافة الرجال يا قليلة الأصل!”
بناتها الثلاث لم يقفن صامتات، بل بدأن في توجيه الشتائم والنظر إلى شباك مروة، وحولوا الشارع الهادئ إلى ساحة “ردح” علني. تلملم الجيران حولهم من كل حدب وصوب، ينظرون إلى إبراهيم الواقف منكس الرأس، يمسك بحقيبته وعلامات الخزي تكسو وجهه بالكامل، هو الذي كان يمشي في هذا الشارع كالديك الفصيح، أصبح الآن مطرودًا من بيته في وضح النهار.
حاول إبراهيم سحب أمه من يدها وهو يهمس بغيظ مكتوم:
* “يلا نمشي من هنا يا أمي.. الفضيحة بقت بجلاجل، الناس بتتفرج علينا، يلا على البيت وهناك نتصرف.”
نترت الأم يدها من قبضته بعنف وقالت وعيناها تلمعان بالشر:
* “نمشي فين يا خايب؟! نمشي ونسيب لها الشقة والفرش واللحمة اللي إنت شاريها بفلوسك؟ أنا مش هتحرك من هنا إلا والبت دي نازلة في إيد الحكومة!”
في تلك الأثناء، كانت مروة تقف خلف الستار، تراقب المشهد ببرود تام. لم تلتفت لشتائمهم، بل أخرجت هاتفها واتصلت بشقيقها أحمد مرة أخرى، وقالت له بلهجة حاسمة:
* “أحمد.. إبراهيم وأمه وأخواته عاملين غاغة تحت البيت وبيلموا عليا الناس. تعالي إنت وبابا، بس متعملوش مشاكل، هجيبوا معاكم محامي أو اطلبوا شرطة النجدة تثبت الحالة إن الشقة شقتي وهو طلقني، عشان نخلص من القصة دي قانوني وقام الناس كلها.”
قال أحمد بصوت غاضب:
* “مسافة السكة يا مروة، خمس دقائق وهنكون عندك، والي يمد إيده على بوابة العمارة هنقطعها له.”
تحت في الشارع، بدأت الحماة تخطط للخطوة التالية. التفتت إلى بناتها وقالت بفحيح الأفاعي:
* “اطلعي يا بت إنتي وهي.. اكسروا باب الشقة عليها، الشارع ده شارعنا وإحنا أصحاب الأرض، والبت دي ملهاش لزمة هنا، اطلوا جروها من شعرها وارموها في الشارع!”
اندفعت الشقيقات الثلاث نحو مدخل العمارة كأنهن جيش يهاجم حصنًا، وتحرك إبراهيم خلفهن بنوع من التردد، لكن الجبن والخوف من القانون كانا يكتفانه. صعدت البنات السلالم بسرعة وعيونهن تطق شرارًا، ووصلن إلى باب شقة مروة وبدأن في الدق عليه بأيديهن وأرجلهن بعنف مفرط وصياح عالي:
* “افتحي يا مروة! افتحي يا خطافة الشقق يا حرامية! والله ما هنسيبك النهاردة إلا وإحنا مطلعين روحك في إيدينا!”
خلف الباب المغلق بقوة، كانت مروة تقف بثبات، ممسكة بهاتفها المحمول وهي تسجل بهدوء أصوات التهديد والضرب على الباب كاملاً، لتكون دليلًا قانونيًا لا يقبل الشك. لم تنطق بكلمة واحدة لترد عليهن، بل تركت الاستفزاز يفعل فعله في نفوسهن حتى يرتكبن أكبر خطأ ممكن.
فجأة، ساد صوت هرج ومرج في أسفل العمارة، وجاء صوت جهوري مألوف هز أرجاء المكان. كان هذا صوت “أحمد” شقيق مروة، ومعه والديها، وبصحبته أمين شرطة واثنين من أفراد الأمن الذين استدعاهم أحمد من نقطة الشرطة القريبة لإثبات التعرض.
صاح أحمد وهو يصعد السلم وخلفه رجال الأمن:
* “جرى إيه يا حارة من غير كبار؟! إيه القلة الأدب والبلطجة دي؟ بعد ما ابنكم يطلق البنت وعقد الشقة باسمها وباسم أبويا، جايين تتهجموا عليها في بيتها؟!”
نزلت شقيقات إبراهيم يركضن إلى الأسفل عندما رأين ملابس الشرطة الزرقاء. وفي الشارع، تراجع الجميع خطوتين للخلف. تقدم أمين الشرطة نحو إبراهيم وأمه وقال بنبرة صارمة:
* “جرى إيه يا حاجّة؟ إيه اللمة والوش ده؟ الأستاذ أحمد مقدم بلاغ تضرر وتعرض، ومعاه عقد إيجار رسمي موثق باسم أخته. لو سمحتوا، كل واحد على بيته، والي عنده حق يروح المحكمة، إنما شغل البلطجة ده حسابه في القسم!”
انكمشت الحماة وتراجعت، بينما قال إبراهيم بوجه شاحب:
* “يا باشا دي مرتي ودي شقتي..”
قاطعته مروة التي فتحت الباب ونزلت بضع خطوات على السلم، وهي تمسك بهاتفها وتقول بصوت مسموع للجميع:
* “كنت مرتك يا إبراهيم.. إنت طلقتني بالتلاتة قدام أهلك وأهلي، والعقد باسمي، وتليفونك مسجل عليه مكالمة أمك وإنت بتقول لها إنت طلقتها. اتفضل خذ أهلك وامشي من هنا، عشان البلاغ الجاي هيكون محضر عدم تعرض وسب وقذف بالصوت والصورة!”
أدركت الحماة أن الكفة قد انقلبت تمامًا، وأن مروة رتبت كل شيء بذكاء قانوني لم يتوقعوه من “البت الغلبانة”. سحبت أولادها وهي تنظر لمروة بغل أعمى وهمست:
* “ماشي يا مروة.. الشقة والفرش خليهم ينفعوكي، بس وحياة دموعي دي لأخليكي تبكي بدل الدموع دم، وإبراهيم هيتجوز عليكي الأسبوع الجاي، وهنيجي نقعد في الشارع ده نكيدك كل يوم!”
رحلوا وهم يجرون أذيال الخيبة، ودخلت مروة شقتها بصحبة أبيها وأخيها الذين ربتوا على كتفها فخرًا بشجاعتها. لكن مروة كانت تعلم أن أم إبراهيم لن تصمت، وأن الأيام القادمة تخبئ مؤامرة قذرة من نوع آخر.. مؤامرة ستستهدف شرف مروة وسمعتها في الشارع نفسه لـإجبارها على ترك الشقة.
متجوزه بقالى سنه حكايات رومانى مكرم 4
أغلقت مروة باب شقتها بعد أن غادر شقيقها أحمد ووالداها، بعدما اطمأنوا أن الأمور هدأت تمامًا وأن الشرطة وضعت حدًا لبلطجة “أم إبراهيم” وبناتها. جلست مروة في الصالة، وأخيرًا سمحت لجسدها أن يرتخي بعد ساعات من الشد العصبي المتواصل. نظرت إلى الشقة الهادئة، وبدأت في تنظيف آثار العزومة المشؤومة، وهي تشعر بنظافة غريبة تسري في أرجاء المكان، كأن الرائحة الكتمة التي كان يتركها إبراهيم وأهله قد تبخرت مع خروجهم.
لكن على الجانب الآخر من الشارع، وفي شقة الحماة التي تبعد خطوات معدودة، كانت الأنوار مضاءة حتى الفجر. كان إبراهيم يجلس على الكرسي واضعًا رأسه بين كفيه وعلامات الخزي تملأ وجهه، بينما كانت أمه تطوف الصالة كالنمر الحبيس، وبناتها الثلاث يثرن خلفها الغل والتحريض.
صاحت الأخت الكبرى “نجوى” وهي تضرب كفًا بكف:
* “بقى حتة البت دي تكسرنا قدام الجيران والشرطة؟ وتطرد إبراهيم وسيرتنا تبقى على كل لسان في الشارع؟ إحنا مبقاش لينا عين نمشي وسط الناس يا أمي!”
توقفت الحماة فجأة، والتفتت إليهم وعيناها تلمعان ببريق شيطاني، وقالت بنبرة منخفضة ممتلئة بالسم:
* “الشرطة والقانون بيحموا العقود والأوراق.. بس مبيحموش السمعة! البت دي طالما قعدت لوحدها في الشقة، يبقى لازم نخلي الشارع نفسه يطردها، وصاحب البيت يترجاها تاخد بعضها وتمشي عشان يخلص من قرفها.”
رفع إبراهيم رأسه وقال بتوجس:
* “قصدك إيه يا أمي؟ هتعملي إيه؟”
اقتربت منه أمه وقالت بوجوه مكشرة:
* “إنت طلقتها شفوي ومفيش ورق رسمي لسه، والناس كلها عازبة إنها قعدت لوحدها في الشقة من ليلتها. من الصبح، كل واحدة فينا تطلع على جارة.. نجوى تدخل على أم محمد البقالة، وشيماء تروح لستات الحارة، ونقول إن إبراهيم طلقها عشان شاف عليها حاجات مش تمام! ونقول إن البت دي مكنتش مظبوطة وإحنا كتمنا على الموضوع عشان سُمعتنا، والنهاردة هي قاعدة لوحدها في الشقة ومستنية حد يجيلها! لما الشارع كله يتكلم عن شرفها، أبوها هييجي ياخدها وهو منكس راسه، وصاحب البيت هيطردها عشان يحمي سموعية عمارته!”
تردد إبراهيم لثانية، فمروة رغم كل شيء كانت زوجته طوال سنة ولم يرَ منها إلا العفة، لكن غيظه وانكسار كبريائه جعلاه يصمت ويوافق على المؤامرة الدنيئة بطأطأة رأسه.
ومع شروق شمس اليوم التالي، بدأت الآلة الشيطانية للحماة في التحرك. بدأت الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم بين أزقة الشارع الضيق. همسات مسمومة على عتبات البيوت، وغمزات عين بين الستات أمام محلات الخضار والبقالة:
* “سمعتي عن مروة؟ طردت جوزها.. وأمه بتقول إنهم قفشوا عليها حاجات! البت قاعدة لوحدها في الشقة والظاهر البيت مفتوح لـ…”
في عصر ذلك اليوم، نزلت مروة من العمارة لتشتري بعض المستلزمات البسيطة. وما إن خطت خطواتها الأولى في الشارع، حتى شعرت ببرودة غريبة تحيط بها. نظرات الجيران التي كانت دائمًا مليئة بالترحاب، تحولت فجأة إلى نظرات متفحصة، مريبة، ومليئة بالاحتقار والهمس.
مرت مروة أمام أم محمد البقالة، فقالت بأدب:
* “السلام عليكم يا أم محمد، عايزة كيلو رز وزجاجة زيت.”
نظرت إليها أم محمد بجفاء من فوق لتحت، ولوت فمها قائلة بنبرة باردة:
* “مفيش رز يا مروة.. والمحل قفل خلاص، شوفي لك مكان تاني تشتري منه.”
صعقت مروة من المعاملة، والتفتت لتجد اثنتين من نساء الشارع تقفان بعيدًا وتنظران إليها وتتهامسان بضحكات خبيثة، وتضع الواحدة يدها على فمها. أحست مروة فجأة بأن هناك جدارًا من الاتهامات غير المرئية يُبنى حولها. تسارعت دقات قلبها، وعادت إلى شقتها بسرعة وهي تجر أذيال الصدمة وعلامات الاستفهام تعصف بعقلها.
وقفت وراء باب الشقة وهي تتنفس بصعوبة، ولم تمضِ دقائق حتى رن جرس الهاتف المألوف، وكان المتصل هذه المرة جارتها المقربة في العمارة “أم أحمد”، وهي امرأة طيبة ترفض الظلم.
قالت أم أحمد بصوت خفيض ومرعوب عبر الهاتف:
* “الحقيني يا مروة.. أنا قولت لازم أقولك لوجه الله قبل ما الدنيا تخرب فوق دماغك.”
قالت مروة بلهفة وخوف:
* “في إيه يا أم أحمد؟ ماله الشارع بيبص لي كده ليه؟”
ردت الجارة بنبرة مأساوية:
* “حماتك وبناتها مخلّوش حتة في الشارع إلا وقالوا فيها إن إبراهيم طلقك عشان قفش عليكي راجل في الشقة! وعاملين غاغة ومقاطعة ضدك، وبيجمعوا توقيعات من سكان الشارع عشان يقدموها لصاحب العمارة ويطردوكِ بداعي إنك ‘ست مش مظبوطة’ والبيت بقى مشبوه! الشارع كله مقلوب عليكي يا بنتي وحماتك حالفة لتجيب ديرتك الأرض!”
تجمد الدم في عروق مروة، وشعرت بأن الأرض تدور بها. لم يكن الأمر مجرد خلاف على شقة أو طعام، بل تحول إلى طعن في أقدس ما تملك.. شرفها وسمعة أبيها الذي طفح الدم ليربيها.
نظرت مروة إلى الفراغ، وبدأت دموعها المحبوسة منذ الأمس تتجمع في عينيها، لكنها سرعان ما مسحتها بعنف، وتحول الخوف في عينيها إلى غضب عارم أعمى. تذكرت كلام حماتها في الأسفل بالأمس: “لأخليكي تبكي بدل الدموع دم”، وأدركت أن اللعب الآن أصبح بـ”الدم الشرف”.
التفتت مروة نحو المطبخ، ثم نحو باب الشقة، وقالت بصوت قوي كالرعد وهي تحدث نفسها:
* “شرفي يا أم إبراهيم؟ بتلعبي في شرفي عشان شقة؟! وحياة كل دمعة نزلت من عين أبويا الشقيان، لأدفعكم ثمن الكلمة دي غالي أوي.. والمرة دي مفيش شرطة، المرة دي الحارة كلها هتشوف فضيحتكم الحقيقية بالدليل والبرهان!”
خرجت مروة إلى بلكونة شقتها، ونظرت إلى الشارع، وبدأت في الإعداد لـخطة مضادة مرعبة، خطة لن ترحم فيها لا إبراهيم ولا أمه، وستجعل الشارع نفسه يلاحقهم بالحجارة قبل الفجر.حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
بالصوت والصورة
وقفت مروة في بلكونة شقتها، عيناها تتأملان الشارع الذي امتدت فيه خيوط الشائعات القذرة كأفاعٍ تسعى لتنهش شرفها. كانت ترى نظرات الغدر في عيون بعض الجارين الذين صدقوا الكذبة دون دليل، وتسمع ضحكات بنات حماتها المكتومة من شباكهن المقابل. لكن مروة لم تكن من اللواتي يستسلمن للرجم بالكلمات؛ كانت تعلم أن الحق الأبلج يحتاج أحيانًا إلى ذكاء يقطع دابر الباطل.
دخلت مروة شقتها، وبدأت يدها تعمل بسرعة وثبات. لم تتصل بأخيها أحمد هذه المرة لئلا تشتعل معركة دماء، بل اعتمدت على سلا..حها المفضل: التكنولوجيا والتخطيط بدم بارد. أخرجت هاتفها، ودخلت على حساب إبراهيم القديم على “الفيسبوك” الذي كان مسجلاً على كمبيوتر الشقة، وحيث كانت تحتفظ برقم سري بديل له دون علمه. بدأت تبحث في صندوق الرسائل الخاصة به، وتحديدًا في المحادثات التي دارت بينه وبين أمه وأخواته في الشهور الأخيرة.
ما وجدته مروة كان كنزاً يفوق الخيال؛ تسجيلات صوتية ورسائل نصية متبادلة بين إبراهيم وأمه “أم إبراهيم” قبل العزومة الأخيرة بأيام، وبينه وبين أخته الكبرى نجوى. كانت الحماة تقول له في أحد التسجيلات بوضوح:
> “اسمع يا إبراهيم، البت مروة دي أبوها كاتب العقد باسمها عشان يضمن حقها، إحنا لازم نزهقها في عيشتها عشان تطلب الطلاق وتسيب الشقة باللي فيها، والخميس الجاي املى البيت أكل من فلوسك وخليني أجي أنا وأخواتك نطفشها، ولو منفعش، هنرمي عليها بلاء في شرفها ونقول إنها مش مظبوطة لحد ما الشارع يطردها وتطلع من هنا بفضيحة بجلابيبها!”
>
وكان رد إبراهيم الصوتي في المحادثة: “ماشي يا أمي، اللي تشوفيه، الشقة دي خسارة فيها وفي أبوها، وأنا هجاريكم في اللي هتعملوه لحد ما نكسر مناخيرها ونطردها.”
انطلقت ابتسامة انتصار من شفتي مروة وهي تستمع إلى التسجيلات، وتتحصل على الدليل القاطع الذي يثبت المؤامرة بالصوت والصورة والأسماء. لم تكتفِ بحفظ النسخ على هاتفها، بل قامت بعمل “فيديو مونتاج” صغير ومحكم يجمع هذه التسجيلات والرسائل مع صور إبراهيم وأمه، وكتبت فوقه بخط كبير: *(حقيقة مؤامرة الشرف ضد مروة).*
انتظرت مروة حتى الساعة التاسعة مساءً، وهو الوقت الذي يتجمع فيه رجال الشارع وشبابه على مقهى “المرشدي” الواقع في أول الشارع، وتجلس فيه النساء على عتبات البيوت للسمر. قامت مروة بإرسال الفيديو إلى صفحة “جروب الحارة” على الفيسبوك، وهو الجروب الذي يضم كل سكان الشارع بلا استثناء، ويتابعه الصغير والكبير. وفي نفس اللحظة، قامت برفع صوت سماعات الكاسيت الكبيرة في بلكونتها، وتشغيل التسجيلات الصوتية لحماتها وإبراهيم بأعلى صوت ممكن ليرج الشارع رجاً!
دوى صوت الحماة “أم إبراهيم” في أنحاء الشارع وهي تقول: *”هنرمي عليها بلاء في شرفها ونقول إنها مش مظبوطة لحد ما الشارع يطردها!”*
تسمر الجميع في أماكنهم. سكتت الضحكات على المقهى، ووقفت النساء على العتبات مذهولات، وبدأ الشباب يخرجون هواتفهم ليروا الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم على الجروب. في ثوانٍ معدودة، انكشفت الحقيقة عارية أمام الجميع؛ تبين أن مروة شريفة عفيفة، وأن الحماة وابنها هما من خططا لتدمير سمعة بنت الأصول من أجل شقة جدرانها من طوب!
تحولت نظرات الاحتقار في لحظة واحدة من مروة إلى بيت الحماة. خرج كبار الحارة ورجال المقهى يتقدمهم “الحاج مرشدي” صاحب المقهى والرجل الكبير في الشارع، وتوجهوا مباشرة نحو بيت أم إبراهيم، وعيونهم تشتعل غضباً من هذا النذل الذي قبل أن يطعن في شرف زوجته السابقة، ومن أمه الباغية.
تجمع العشرات تحت بيت الحماة وصاح الحاج مرشدي بصوت زلزل المكان:
* “اخرج يا إبراهيم يا خايب يا قليل الأصل! اطلعي يا أم إبراهيم يا بلطجية يا اللي بتخوضي في أعراض بنات الناس الشرفاء! الشارع ده طول عمره شارع جدعان، ومفيش بيننا أندال يرموا محصنات بالباطل عشان شقة!”
بدأ الشباب يرمون الحجارة على نوافذ شقة الحماة، وصياح الاستهجان يملأ المكان. انطفأت أنوار شقة الحماة فجأة من الرعب، واختبأ إبراهيم وأمه وأخواته خلف الجدران يبكون خوفاً ورعباً من فتك الجيران بهم بعد أن افتضح أمرهم بالدليل الذي لا يقبل الشك.
وقفت مروة في بلكونتها، تنظر إلى المشهد برأس مرفوع وكبرياء يطاول السماء. رأت إبراهيم وهو يطل بخوف من خلف شيش شباكه، ووجهه أسود كالليل من الخزي والعار الذي سيلحقه ويلحق أهله إلى أبد الآبدين في هذه المنطقة.
أغلقت مروة سماعات الصوت، ونظرت إلى الشارع الذي بدأ ينصفها ويهتف باسم أبيها الرجل الطيب، وقالت في نفسها بوعيد أخير:
* “دي البداية بس يا إبراهيم.. شرفي خط أحمر، وإنت وأمك دفعتم تمنه خسارة سيرتكم وسط الناس. بكرة الصبح المحامي بتاعي هيتحرك ببلاغ رسمي للنيابة بالتسجيلات دي بتهمة القذف والطعن في الأعراض.. وهشوف بقى أمك هتعرف تطلعك من قفص الاتهام زي ما طلعتك من شقتي ولا لأ!”
كانت الأجواء مشحونة لدرجة تفوق الوصف، والكل ينتظر ما ستسفر عنه شمس الصباح الجديد، حيث ستضع المعركة أوزارها في مشهد ختامي لن ينساه تاريخ الحارة.. مشهد النهاية الحاسمة.حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء التاسع والأخير: حكم الزمان ونهاية الطغيان
مع شروق شمس اليوم التالي، كان الشارع يعيش على صفيح ساخن. لم تعد “أم إبراهيم” ولا بناتها قادرات على مواراة وجوههن خلف الشيش؛ فالمنطقة بأكملها، من أول بائع الخضار إلى كبار العائلات، قاطعتهم تمامًا. سقط القناع الشيطاني وانكشفت المؤامرة بالصوت والصورة، وتحول الجبروت الذي دخلت به الحماة شقة مروة قبل أيام إلى ذل وخوف من مواجهة الناس.
في تمام الساعة العاشرة صباحًا، كان شقيق مروة الأكبر “أحمد” ومعه المحامي الخاص بالعائلة يقفون أمام باب قسم الشرطة. لم تكن مروة تهدف إلى الانتقام العشوائي، بل أرادت قانونًا يربط ألسنة هؤلاء إلى الأبد. تم تقديم بلاغ رسمي مرفق به “الفلاشة” التي تحتوي على التسجيلات الصوتية والمحادثات الموثقة، وصدر أمر من النيابة العامة بضبط وإحضار إبراهيم وأمه بتهمة السب والقذف والطعن في الأعراض والتشهير المتعمد.
ولم تمضِ ساعات، حتى دخلت سيارة الشرطة إلى الشارع، ووقفت أمام عمارة الحماة. خرج إبراهيم وأمه منكسي الرؤوس، تلاحقهم نظرات الاحتقار والهمسات من كل شباك وشرفة، ونزلوا في سيارة الترحيلات ليذوقوا مرارة الفضيحة الرسمية بعد فضيحة الحارة.
أما مروة، ففي تلك الأثناء كانت تقف وسط شقتها. رتبت كل ركن فيها، وأعادت تنسيق الفرش والرياحين، وفتحت النوافذ لتدخل شمس الصباح النقية. جاء والدها، الرجل المسن الطيب الذي انحنى ظهره ليشرفها، ودخل الشقة وهو يبتسم برأس مرفوع.
ارتمت مروة في أحضانه وقبلت يده وشيبه، فقال لها وعيناه تلمعان بدموع الفخر:
* “رفعني راسي يا بنتي.. كنتِ بنت أصول وعلمتيهم إن الأعراض مش لعبة، وإن اللي يظلم ولاد الناس بيبتلى في نفسه وصحته.”
قعد الأب على الكرسي، وجاءت جارات الشارع، وعلى رأسهن “أم أحمد” وأم محمد البقالة التي دخلت وهي تبكي وتعتذر لمروة عن سوء ظنها بالأمس وتطلب منها السماح. استقبلتهم مروة بقلب طيب وبشاشة، وقدمت لهن الشاي بالنعناع في هدوء تام، معلنةً انتهاء زمن الخوف والانكسار.
### الحكمة من القصة:
إن قصص البيوت لا تُبنى على الجبروت، ولا تُدار بـ “العين الحمراء” وفرض السيطرة الزائفة.
1. **الجزاء من جنس العمل:** من أراد السوء لشرف امرأة عفيفة وصبرت على ضيق حاله وسوء طباعه، ابتلاه الله بفضيحة تكشف ستره أمام القاصي والداني. مائدة الرحمن التي استكثرها إبراهيم على أهل زوجته، تحولت إلى مائدة فضيحته التي أكل منها الشارع كله بالصوت والصورة.
2. **شرف البنت وسند الأهل:** الأب والأم اللذان يربيان ابنتهم بماء العيون ويسعيان لسترها، هما السند الحقيقي الذي لا يميل. وحق الزوجة في بيت زوجها يُحفظ بالاحترام المتبادل، فإذا انعدم الاحترام وتحول الزواج إلى سخرة وإهانة للأهل، وجب بتر الحبل وبتر الظلم بقوة القانون والذكاء.
3. **الحق ينتصر ولو بعد حين:** الصوت العالي والبلطجة والشائعات قد تكسب جولة مؤقتة، لكن الصمت الحكيم والتدبير العاقل المبني على الحق ينهي المعركة بالضربة القاضية. خرج إبراهيم وأهله من الشارع بأكياس الخزي، وبقيت مروة في بيتها معززة مكرمة، تشهد لها جدران الحارة أن “بنت الأصول لا تنكسر”.


تعليقات
إرسال تعليق