القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


أنا موظفه كامله رومانى مكرم





انا موظفه رجعت من الشغل بدرى عن ميعادى


ولم دخلت البيت سمعت صوت ضحك جاي من اوضة سلفتي غريبه دا جوزها مسافر استغربت


قربت من الاوضه براحه سمعت صوت راجل معها ببص من فتحت الباب لقيت جوزى الى واخد كل فلوسى وتعبى وشقيا وكمان بيخونى مع مرات اخوه


 


رجعت من شغلي بدري يجي ساعتين.. الشمس كانت لسه حامية في عز الظهر، وجسمي مهدود من اللف في المكاتب والمواصلات. كل اللي كان في دماغي وقتها إني أرمي ج/ثتي على السرير وأريح ساعتين قبل ما أبدأ أجهز أكل البيت.


فتحت باب الشقة بالراحة عشان ما أزعجش حد، الشقة كانت هادية، بس أول ما خطيت جوة الصالة، سمعت صوت ضحكة مكتومة.. ضحكة ناعمة ومياعة طالعة من أوضة “سماح” سلفتي، مرات أخو جوزي.


وقفت مكاني متسمرة.. استغربت جداً! جوزها “أحمد” مسافر الخليج بقاله ييجي سنة وما بينزلش، وهي المفروض قاعدة لوحدها في الأوضة دي. قلت في بالي يمكن بتتفرج على فيديو ولا بتكلم حد في التليفون، بس الصوت كان فيه حاجة مش طبيعية، حاجة خليت شعر جسمي يقف.


قربت من الأوضة خطوة بخطوة، رجل بتشيل رجل، وأنا حافية ومش حاسة بالأرض تحت مني. كل ما بكسر المسافة بيني وبين الباب، الصوت بيبان أكتر.. وفجأة، اتجمد الدم في عروقي لما سمعت صوت راجل! صوت راجل غريب بيكلمها وبيضحك معاها بصوت واطي!


قلبي بقى يضرب في صدري زي الطبلة، وعرقي بدأ ينزل ساقع على ضهري. قلت لنفسي “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. معقولة سماح بتخون جوزها اللي طافح الكوتة في الغربة عشان يبعتلها الفلوس؟”


قربت وضيقت عيني وبصيت من الفتحة الصغيرة اللي بين الباب والمفصلة..


في اللحظة دي، الدنيا دارت بيا والكرة الأرضية كلها اتزلزلت تحت رجلي.. الصدمة ما كانتش إن فيه راجل جوة الأوضة.. الصدمة كانت هو مين الراجل ده!


ده جوزي! “محمود”!


محمود اللي أخد تحويشة عمري ومرتبي كله عشان يدخل بيه في “مشروع العمر” اللي بقاله سنتين بيحلم بيه.. محمود اللي كنت بفرك في الشغل من الصبح للمغرب عشان أساعده وأشيل عنه.. محمود اللي بقاله أسابيع بيتعامل معايا بجفاف وبيقولي إن الشغل واكله والضغط مخليه مش قادر يتكلم!


كان قاعد معاها، يضحك في وشها بنفس الضحكة اللي بقالي شهور محرومة منها، وبيمسك إيدها بحنية عمره ما وراني نصها، وبيقولها كلام غزل رخيص ما طالعش منه ليا ولا مرة!


الدم طرشق في دماغي، ونفسي اتقطع.. تحويشة عمري، وعرقي، وشقايا، وشبابي اللي ضاع معاه، كل ده يروح لمرات أخوه اللي قاعدة في بيته؟ يخون أخوه في عرضه، ويخون مراته اللي شيلته فوق رأسها؟


حسيت بنار شعلت في قلبي، النبض بقى يصدي في وداني، وصوابع إيدي اتجمعت في قبضة واحدة من كتر الغل. ما بقاش فيه مجال للتفكير ولا الخوف.. المسألة ما بقتش مسألة خيانة وبس، دي بقت مسألة تار وشرف وفلوس اتسرقت بعين جهار نهار!


#الكاتب_رومانى_مكرم_



في لحظة غضب أعمى، ما دريتش بنفسي.. مسكت إوكرة الباب، ودبيتها برجلي بكل قوتي، وفتحت الباب على آخره لدرجة إنه خبط في الحيطة وعمل صوت زي الفرقعة!


وقفوا هما الاتنين مذعورين، والضحك اترسم مكانة ذهول ورعب، وعيونهم اتسلقت عليا وأنا واقفة على الباب وبصتلهم وبقول بصوت طالع من قاع جحيم: “مساء الخير يا حلوين.. يا ترى المشروع الجديد بيجيب أرباحه ولا لسه؟!”


يا ترى، المستخبّي هيطلع للعلن والست دي هتاخد حقها وتبرد نارها، ولا الستار هيتسحب على مفاجآت أكبر من كده؟


 


فتح “محمود” بقه واستوت ملامحه على الصدمة، الوش اللي كان من ثواني رايق وبيبتسم بقلة أدب، اتحول لقطعة شمع سايحة من الرعب. “سماح” صرخت صرخة مكتومة وشدت الملاية تغطي بيها كتفها وهي بتتراجع لورا لحد ما ضهرها خبط في ظهر السرير، عيونها كانت هتطلع من مكانها وهي بتبصلي، كأنها شايفه عفريت طالع لها من الأرض.


وقفت أنا في نص الباب، جسمي كله بيترعش بس مش من الخوف.. كان انتفاضة غل ونار شاعلة في صدري. صوابع إيدي كانت مشدودة لدرجة إن أظافري غرزت في لحم كفي وما حسيتش بألم.


أول واحد نطق كان محمود، بصوت مكسور ومبحوح حاول يجمع فيه أي بقايا رجولة:


* “انتِ.. انتِ إيه اللي جابك دلوقتي؟ مش المفروض شغلك بيخلص الساعة أربعة؟”


ضحكت.. ضحكة عالية ومجنونة خرجت من حنجرتي هزت الأوضة كلها. ضحكة وجع على خيبة، على كل جنيه اقتطعته من قوت يومي عشان أديهولهم على جزمة.


* “أصل ربنا أراد إن القناع يقع يا محمود بيه! أراد إن الساعتين اللي رجعتهم بدري يوروني ‘المشروع’ اللي بقالك سنتين بتاخد تحويشة عمري عشان تستثمر فيه! هو ده الشغل اللي واكلك؟ هي دي الضغوطات اللي مخلية جنابك مش قادر تلمسني ولا تبص في وشي؟!”


سماح بدأت تبكي بصوت عالي وتولول بصوت واطي وهي بتهز رأسها:


* “استهدي بالله يا ‘أميرة’.. والله العظيم فهمتي غلط! محمود كان داخل يسألني على حاجة تخص أحمد أخوه.. والله ما حصل حاجة!”


قربت منها خطوتين، ووشي بقى قصاد وشها تماماً. كنت حاسة بسخونية طالعة من جسمي تكفي تحرق البيت باللي فيه.


* “تخص أحمد؟! أحمد اللي طافح الكوتة في حر الخليج وبيشتغل ورديتين عشان يبعتلك ألوف المؤلفة وتلبسي دهب وتقعدي في المكيف؟ أحمد اللي صاينك وباعلك الدنيا؟ تسأليه عن أحمد وإيدك في إيدها يا خاينة؟ يا واطية يا اللي بتاكلي من خير أخوه وتطعنيه في ضهره؟!”


محمود اتنفض من مكانه وقام يقف بيني وبينها، حاول يمسك ذراعي بس زقيته بكل قوتي لدرجة إنه اترد لورا وخبط في الكومودينو:


* “أميرة! لمي الدور واهدي بدل ما الدنيا تتخرب! أنتِ مش فاهمة حاجة، نتكلم جوة في أوضتنا بالراحة من غير فضايح!”


* “فضايح؟!” صرخت فيها والدموع أخيراً عرفت طريقها لعيوني، بس ما كانتش دموع ضعف، كانت دموع قهر وغل. “أنت لسه شفت فضايح؟ أنت فاكر إنك بتاخد فلوس عرق وشقايا عشان تصرف بيها على السافلة دي وأنا أسكت؟ فاكر إنك بتسرقني وبتخون أخوك في بيته وأنا هلم الدور عشان الشرف والستر؟ الشرف أنت وطأته برجليك يا محمود! أنت وأخت جوزك المصونة!”



سماح بدأت تصرخ بأعلى صوتها لما لقتني بمد إيدي وأجيبها من شعرها. ما حسيتش بنفسي، القوة اللي جتني وقتها ما كانتش قوتي، كانت قوة ست اتسرق عمرها وفلوسها وشرف بيتها في لحظة. مسكتها من شعرها وجريتها من على السرير وهي بتصرخ وتستغيث، ومحمود بيحاول يفك إيدي بلهفة ورعب، مش خايف عليا.. كان خايف الجيران تسمع أو الصوت يخرج لبرة.


* “سيبيها يا أميرة! أنتِ اتجننتي؟! هتموتيها في إيدك!”


زقني بكل قوته فاختل توازني ووقعت على الأرض، بس مسكت في رجله وعصرتها، وقفت تاني زي الذئبة المجدوبة. بصيت له بعيون متغيمة بالدم:


* “الفلوس فين يا محمود؟ الخمسين ألف اللي أخدتهم مني الشهر اللي فات بحجة بضاعة المحل.. أين هما؟ الدهب اللي أقنعتني أبيعه عشان نسدد دين المشروع.. فين؟!”


سكت محمود وما ردش، بص للأرض وعرقه نازل يخر على وشه. سماح كانت بتلم في هدومها وهي بتترعش في الزاوية، وهنا عيني وقعت على حاجة علبة قطيفة حمراء مفتوحة على التسريحة.. علبة أنا عارفاها كويس! دي علبة الغوايش الدهب اللي محمود قالي إنه شالهم في البنك عشان الأيام الصعبة!


جريت على التسريحة ومسكت العلبة، لقيت فيها غويشتين من بتوعي، وجنبهم فاتورة شراء باسم “سماح”!


الدنيا اسودت في وشي أكتر.. الدهب بتاعي اتسجل باسمها هي! تحويشة شقايا بقت ملك للست اللي نايمة في بيتي وفي سرير أخوه!


التفتت له والعلبة في إيدي، وصوتي بقى طالع مكتوم من كتر الصدمة:


* “كتبت دهبي باسمها؟ بتسرقني جهاراً نهاراً عشان تشتري رضاها؟”


محمود قرب مني بملامح اتغيرت فجأة من الخوف للشر، كأن القناع لما وقع، ظهر الوش الحقيقي القبيح اللي كان مستخبي ورا الطيبة والمحايلة:


* “أيوه يا أميرة! كتبته باسمها! وأعلى ما في خيلك اركبيه! أنتِ فاكرة نفسك إيه؟ فاكرة إن الكام مليم اللي بتجيبيهم من شغلك بيعملولك قيمة؟ أنتِ طول عمرك نكدية ووشك يقطع الرزق، وسماح هي اللي عرفت تنسيني قرفك وقرف العيشة معاكي!”


كلامه كان زي السكاكين اللي بتقطع في جسمي حتة حتة، بس بدال ما يكسرني، جمد قلبي كأنه حجر. المظلوم لما بيتوصل لأخره، الخوف بيموت جواه وبتحل محله رغبة ملهاش حدود في الانتقام.


* “بقى كده يا محمود؟” قلتها بصوت هادي غريب، هدوء ما قبل العاصفة. “بقى أنا نكدية ووشي يقطع الرزق؟ ماشي.. أنت اللي اخترت الطريق ده، وأقسم بالله لأخليك تتمنى الموت وما تلاقوش.”


طلعت تليفوني من شنطتي بسرعة، محمود لما شاف التليفون اتجنن وفهم أنا ناوبة على إيه. جرى عليا عشان يشد التليفون من إيدي:


* “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة؟! هتعملي إيه؟!”


ضربته بشنطتي في وشه وزقيته، وقفت عند باب الشقة وفتحت السبيكر، وضغطت على رقم “أحمد” جوز سماح في الخليج.. الرقم اللي حافظاه زي اسمي.


سماح أول ما سمعت نغمة الاتصال وشفات الرقم على الشاشة، نزلت على ركبها وجريت عليا وهي بتعيط وتترجاني:



* “ستك وأختك يا أميرة! بلاش أحمد! أحمد يق*تلني ويق*تل محمود! بلاش يخرب البيت! اعتبريني جزمة ودوسي عليا بس بلاش أحمد!”


محمود حاول يهجم عليا تاني عشان ياخد التليفون، بس أنا كنت أسرع.. خرجت لسان الشقة وصرخت بأعلى صوتي في الطرقة وفي المنور:


* “الحقووووني يا ناس! الحقوا الخيانة في بيت الحرمة! الحقوا الراجل اللي بيخون أخوه في عرضه!”


صوتي رج البيت كله، الجيران بدأت تفتح الأبواب، وصوت خطوات على السلم بدأت تقرب.. وفي نفس اللحظة، فتح الخط من الناحية التانية، وجاء صوت “أحمد” من الخليج، صوت متلهف ومش فاهم حاجة:


* “ألو.. أميرة؟ فيه إيه؟ مالك بتصرخي ليه؟ إيه اللي بيحصل عندكم في البيت؟!”


بصيت لمحمود وسماح اللي كانوا واقفين زي الفراخ المبلولة، الوشوش مصفورة والدم هرب منها، والناس بدأت تتجمع على باب الشقة.. مسكت التليفون وقربته من بقي، وقلت بنبرة مفيهاش نقطة رحمة:


* “أهلاً يا أحمد.. اسمعني كويس وركز في كل كلمة هقولهالك، عشان اللي بيحصل في بيتك وأنت طافح الكوتة في الغربة.. محتاج راجل يرجع يلم عرضه اللي اترمى في التراب!”


التليفون كان على السبيكر، وصوت أحمد اتغير في ثانية من القلق للرعب:


* “عرضي؟! بيت إيه وعرض إيه يا أميرة؟ انطقي فيه إيه?!”


محمود اترمى عليا وهو بيصرخ: “اقفلي التليفون يا مجنونة يا خربانة البيوت!” بس الجيران اللي كانوا طلعوا على الصوت مسكوه وحتفوه لورا، افتكروه بيضربني أو بيتعدى عليا.


وقفت في نص الصالة وسط الجيران اللي عيونهم طالعة من الدهشة، وبصيت لسماح اللي كانت بتستخبى ورا الباب وبتعيط بستر هستيري، وقلت في التليفون بصوت جاهر سمع الشارع كله:


* “مرتك يا أحمد.. سماح المصونة.. مع محمود جوزي في أوضة نومك من عز الظهر! أخد تحويشة عمري وشقايا عشان يشتريلها دهب باسمها، وأنا دخلت أقفشهم متلبسين في بيتك!”


السكوت حل على الناحية التانية من الخط لثواني معدودة.. سكوت مرعب يسبق أي دمار، قبل ما ييجي صوت أحمد وهو بيتفس بحشرجة مكتومة كأنه بيموت:


* “أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه يا أميرة؟ محمود أخويا؟ وسماح؟”


* “والله العظيم ودهب مرتك في إيدي وفواتيره باسمها يا أحمد! اسمع صوت مرتك وهي بتترجاني ما أقولكش!”


سماح صرخت في الخلفية: “والله كدابة يا أحمد! والله مظلومة! استهدى بالله ده محمود كان بيديني فلوس تبعك!”


محمود اتجنن وبقى يضرب في الجيران عشان يوصل للتليفون، والهرج والمرج زاد في الشقة. الناس بقت تبص لبعض بذهول وقرف، الهمهمات زادت، وواحد من كبار المنطقة قرب من محمود وتف في وشه وقال: “يا خاين يا ناقص! تخون أخوك اللي طافح الدم عشان يأكلكم؟!”


صوت أحمد رجع يصرخ في التليفون بجنون، صوت راجل أتقطع قلبه واتدمرت حياته في لحظة:


* “افتحي الكاميرا يا أميرة! افتحي الكاميرا وريني!! والله لو طلعتِ كدابة لأقت/لك، ولو طلعتِ صادقة لأشرب من دمهم هما الاتنين!”



فتحت الكاميرا فيديو فوراً، ووجّهت التليفون على الأوضة.. على سماح اللي قاعدة بلبس مش محشم ومستخبية في زاوية السرير، وعلى الغوايش الدهب والفواتير اللي على التسريحة، وعلى محمود اللي مسكونه تلات رجال من الجيران وهو بيصرخ ووشه مليان دم وعرق.


أحمد شاف المنظر.. الكاميرا نقلتله الواقع المُر اللي ما فيهوش مجال للشك. سمعت صوت تكسير وحاجة بتتحدد من الناحية التانية، وصوت أحمد وهو بيصرخ بصوت زلزل السما:


* “يا كعاب العار! يا خونة! وحياة ديني ودين أمي لأقطع حجز أول طيارة نازلة مصر الليلة! مش هسيب فيكم حتة سليمة! اقفلي يا أميرة.. اقفلي ومتخليش حد فيهم يخرج من الشقة دي لحد ما أصل!”


الخط قطع..


والهدوء خيم على المكان لحظات، بس كان هدوء مرعب، هدوء بيسبق المذبحة اللي هتعد. بصيت لمحمود اللي بقى يبصلي برعب وكأنه بيشوفني لأول مرة، وبصيت لسماح اللي اغمى عليها من كتر الخوف.


مسكت شنطتي، ولميت الدهب والفواتير وحطيتهم في جبي، وبصيت لكبار المنطقة وقلت بثبات:


* “البيت ده مقفول عليهم لحد ما أحمد يوصل من المطار.. واللي حابب ينضف الحارة من القذارة دي، يقف حارس على الباب!”


خرجت من الشقة وأنا مش حاسة برجلي، بس كنت حاسة بنار في قلبي بدأت تبرد شوية، رغم إن اللعبة يلا بدأت.. والمستخبي اللي جاي، أكبر من كل اللي حصل!


 

أنا موظفه ٢

رومانى مكرم


خرجت من باب العمارة ورجلي بالعافية شيلاني، الشمس كانت بدأت تكسر وغروب حزين نازل على الحارة. الناس تحت كانوا واقفين مجموعات بيتهامسوا، الخبر نزل زي الصاعقة في المنطقة كلها: “محمود خائن أخوه ومغفل مراته اللي طافحة الكوتة عشان تديه الفلوس”.


مشيت في الشارع ومش عارفة أنا رايحة فين. عقلي كان شغال زي الفرن، صورتهم في الأوضة مش راضية تروح من بالي، وصوت ضحكتها الرخيصة بيرن في ودني زي الجرس. مسكت شنطتي وحطيت إيدي في جيبي، لمست علبة الدهب والفواتير.. دهب عمري وشقايا، الكام غويشة اللي كنت بفرح وأنا بشتري كل واحدة فيهم بعد شهور من الحرمان والمصاريف المسحوبة بالجنيه.


رحت على بيت أبويا، فتحت لي أمي الباب وأول ما شافت وشي مصفور وعيوني زاغة وجسمي بيترعش، صرخت ولطمت على صدرها:


* “مالك يا أميرة؟! في إيه يا بنتي؟ محمود جرى له حاجة؟!”


دخلت وقعدت على أقرب كرسي، مسكت إيد أمي وبصيت لها، والدموع اللي كنت حابساها قدام الجيران والباشوات في الحارة نزلت زي المطر، دموع قهر ووجع:


* “محمود خانني يا أمي.. خانني مع سماح مرات أحمد أخوه.. سرق فلوسي ودهبي وكتبه باسمها، وكان يقابلها في بيت أخوه في عز الظهر وأحمد طافح الدم في الغربة!”


أمي صدمتها كانت أكبر من إنها تستوعبها في ثواني، قعدت على الأرض قدامي وبقت تضرب على فخذها:


* “يا مري! يا فضيحتك يا عيلة! سماح؟! ومحمود؟! يا لهوي يا بنتي! أنتِ بتتكلمي جد ولا اتجننتي؟!”


طلعت الفواتير والدهب وحطيتهم في حجرها:


* “دي الفواتير باسم سماح، وده دهبي اللي قالي شاله في البنك عشان مشروع العمر! ومسكتهم بعيني في الأوضة، وكلمت أحمد في الخليج وفتحيلت له الفيديو وشاف كل حاجة بعينه!”


في اللحظة دي دخل أبويا من باب البيت، راجل كبير على قد حاله، ظهره محني من التعب والزمن. أول ما شاف أمي بتولول وأنا ببتدب في عياطي، اتخض ونزل عصايته على الأرض:


* “فيه إيه يا جماعة؟ الصوت طالع للشارع ليه؟”


أمي حكت له الموضوع والدموع في عينها. أبويا وشه اتغير، ملامحه اللي كانت دايماً هادية وطيبة تحولت لغضب أعمى، عيونه احمرت وجسمه كله اتنفض:


* “الواطي! ابن الحرام! ياكل خيرك وخير أخوه ويخون العرض؟! والله ما أسيب حك يا أميرة، والله لأجيب حقك وحق شقاكِ من عينيه!”


أبويا مسك تليفونه وطلب حاج “عثمان” كبير العيلة عندهم وكبير الحارة، وقال له بصوت يرعب:


* “يا حاج عثمان.. اتجمعوا في بيت المرحوم، ابنكم محمود عمل فعلة لا يغسلها ماية البحر، وأنا جاي في الطريق ومعايا حقي بالقانون والعرف!”


مرت الساعات زي السكاكين بتذبح في عقلي. الساعة جت واحدة بعد نص الليل، والتليفون رن.. كان رقم أحمد!


رديت عليه بسرعة، صوته كان جاي من المطار، صوت راجل مكسور وميت حيا، بس مليان بالغل والدم:


* “أميرة.. أنا نزلت مصر.. أنا في العربية ورايح على الحارة دلوقتي. اجمعي أهلك وتعالي على البيت.”



أنا وأبويا وإخواتي الاثنين الرجالة نزلنا فوراً. الحارة كانت صاحية كلها، الأنوية قايدة على القهاوي، والناس واقفة مستنية الدمار اللي جاي. الشارع كان ساكت سكون مرعب، زي الصحرا قبل العاصفة.


أول ما وصلنا بيت محمود، لقينا أحمد نازل من التاكسي. الراجل اللي سافر من سنة ووشه منور وشبابه متغذي، راجع ووشه دبلان وجسمه مهدود وعيونه فيها شعلة نار ترعب أي حد يبص فيها.


أول ما شاف أبويا وإخواتي، جه علينا وباس رأس أبويا وهو بيترعش:


* “حقك عليا يا عمي.. حقك وحق بنتك على رأسي من فوق.. بس سبوني أطفي النار اللي في قلبي الأول!”


طلعنا السلم ورانا كبار المنطقة والحاج عثمان. أحمد فتح باب الشقة بالمفتاح بتاعه ودمه بيغلي. أول ما الباب اتفتح، لقينا محمود قاعد في الصالة ومربوط في الكرسي، الجيران كانوا حابسينه ومقعدين سماح في الأوضة التانية وقافلين عليها الباب عشان ما تهربش.


أول ما محمود شاف أحمد دخل، صرخ برعب:


* “أحمد! افهمني يا أخويا! والله العظيم أميرة تبلت عليا! والله ما حصل حاجة!”


أحمد ما اتكلمش ولا كلمة.. قرب منه وزي اللبؤة المفروسة، ضربه بنيّة في وشه طيرت أسنانه، والدم طرشق على الحيطة. محمود بدأ يصرخ ويستغيث، بس محدش من الرجال اللي واقفين تحرك ولا حد حن عليه. الكل كان شايف إن اللي بيحصل ده أقل حاجة تتسوى في خاين العرض والمال.


أحمد شد محمود من الكرسي ونزله على الأرض ضرب بالرجلين وبالإيدين، ومحمود بيصرخ ويترجى:


* “حرام عليك يا أحمد! أنا أخوك من أباك وأمك! بلاش تموتني!”


أحمد مسكه من شعره ورفع وشه الدموي:


* “أخويا؟! أنت بعت الأبوة والأخوة والدم لما دخلت سرير مراتي يا واطي! لما أكلت من شقا مرتك وشقايا وعملت بينا مشروع الخيانة?!”


في الوقت ده، أحمد جرى على أوضة النوم وكسر الباب، وشد سماح من جوة ورماها في نص الصالة جنب محمود. سماح كانت بتصرخ وتتمرغ تحت رجلين أحمد:


* “سامحني يا أحمد! شيطان ودخل بينا! والله محمود هو اللي أغراني وقالي هيطلق أميرة ويتجوزني ويبنيلي بيت لوحدي!”


محمود صرخ وهو بيحاول يقعد:


* “كدابة! أنتِ اللي كنتِ بتتسحبي وتيجي أوضتي وتقوليلي أحمد مأخر الفلوس وأنت اللي بتصرف عليا!”


الفضيحة بقت جهاراً نهاراً قدام العيلة كلها والجيران. الكلمات دي كانت زي البنزين اللي اترش على النار.


الحاج عثمان رفع إيده وقال بصوت قاطع هز الصالة:


* “بس أنت وهي! يسكت الخاين وسكتت الخاينة! الكلام هنا كلام عرف وحق، واللي عملتوه ما لوش غير جزاء واحد!”


أبويا تقدم ووقف قدام محمود وهو ماسك عصايته، بص له بقرف وشديد:


* “أنت يا محمود مش بس خنت أخوك، أنت سرقت بنتي وشقاها. الفلوس اللي أخدتها منها، والدهب اللي سجلته باسم السافلة دي، هيرجع لمرتك حتى آخر مليم.. وإلا قسماً بالله ما هتخرج من المنطقة دي على رجليك!”


أحمد كان بيتنفس بصعوبة، بص لأبويا وقال له وهو بيترعش:



* “حق بنتك في رقبتي يا عمي.. محمود ملوش مليم واحد في البيت ده ولا في ورث أبونا، الدهب يرجع لأميرة، والفلوس اللي سرقها هتدفع من نصيبه في أرض العيلة اللي في البلد، وهتتكتب باسم أميرة فوراً!”


محمود صرخ وهو بيعيط:


* “أرض إيه؟! دي تحويشة عمري وأرض أبوي! مش هكتب حاجة!”


أحمد مسك محمود من زفره وخنقه لحد ما وشه احمر:


* “تكتب وغصباً عنك، يا إما التسجيل اللي مع أميرة والفيديو ده يروح للنيابة الصبح، وبتهمة الزنا والخيانة العظمة هتتركب في السجن 3 سنين غير الفضيحة اللي هتفضل ملاحقاك لحد ما تموت! اختار يا محمود.. السجن والفضيحة والضرب، ولا تطلع من المولد بلا حمص وتغور من وشنا خالص؟!”


محمود بص حواليه، شاف عيون الناس كلها قرفانة منه، شاف الجيران بيبصوا له كأنه حشرة، وشاف أحمد أخوه مستعد يق/تله بدم بارد لو ما وافقش.


وطى رأسه للأرض وهو بيشهق من العياط:


* “موافق.. هتنازل عن نصيبي في الأرض وهرد الدهب والفلوس.. بس سيبوني أمشي!”


سماح قامت على حيلها وبقت تصرخ:


* “وأنا يا أحمد؟! هتسيبني كده؟ أنالي إيه؟!”


أحمد بص لها بعيون مفيهاش نقطة رحمة، وبصق في وشها قدام الكل:


* “أنتِ؟ أنتِ طالق بالتلاتة! طالق طلقة ما ترجعيش بعدها أبدًا! وتطلعي من بيتي بالهدوم اللي عليكِ دي بس! دهبك وفلوسك يلزموا الفضيحة اللي عملتيها، وهترجعي لبيت أبويكي في الصعيد يربوكي من جديد!”


سماح قعدت على الأرض تلطم وشعرها متنعكش، ما بقاش لها لا زوج ولا دهب ولا شرف، وكل اللي بنته بالحيلة والمياعة ضاع في لحظة واحدة.


أنا كنت واقفة متسمرة في مكاني، حاسة بإحساس غريب.. خزي من اللي حصل، بس في نفس الوقت راحة، راحة إن الحق ما ضاعش وإن الظالم أكل نصيبه قدام عيني.


محمود رفع وشه المضروم وبصلي، عيونه كانت بتترجاني، قال بصوت ضعيف:


* “أميرة.. سامحيني.. الشيطان غواني، ما تضيعيش بيتنا..”


قربت منه خطوة واحدة، وبصيت له من فوق لتحت بقلب ميت وقاسي زي الصخر:


* “بيتنا؟! البيت ده اتهدم من اللحظة اللي فكرت فيها تمد إيدك على فلوسي وتخون أخوك في بيته! أنت مش بس طردتني من حياتك، أنت طردت نفسك من بني آدمين! ورق طلاقي يجيلي لحد بيت أبويا بكرة الصبح، ومؤخري ونفقتي وكل حقوقي تاخدها بالقانون والورق اللي هتكتبه في القعدة دي!”


الحاج عثمان جاب ورقة وقلم، وقعدوا كبار المنطقة يكتبوا شروط الجلسة العرفية:


تنازل محمود الكامل عن نصيبه في أرض العيلة لأميرة مقابل الفلوس والدهب اللي سرقهم، طلاق أميرة طلاقاً بائناً مع دفع كامل حقوقها، وطلاق سماح وتجريدها من أي حقوق مالية.


محمود مضى وبصم وهو بيعيط دم، ويده بتتنفض على الورقة. أول ما خلص، أحمد مسكه من قفاه ورماه برة باب الشقة في السلم، وقال له بصوت هز العمارة:


* “لو رجلك وطئت الحارة دي تاني يا محمود، مش هرحمك.. اغور!”


محمود نزل السلم بيتحركل ويجر رجله، وراه نظرات القرف والشتائم من الجيران اللي كانوا واقفين على السلالم.



أنا أخدت ورقتي ودهبي، ومسكت إيد أبويا وإخواتي وخرجت من البيت ده وأنا مرفوعة الراس. الشارع اللي دخلته وأنا مكسورة ومهدودة من عز الظهر، خرجت منه في الفجر وأنا واخدة حقي تالت ومتلت.


بس هل القصة خلصت لحد هنا؟


هل محمود هيرضى بالخسارة دي ويسكت بعد ما اتجرد من أرضه وفلوسه وشرفه؟ ولا الستار هيتفتح على انتقام جديد ومفاجآت ألعن من اللي فاتت لما محمود يكتشف السر الحقيقي اللي كان مستخبي ورا علاقة سماح بيه؟!


 

انا موظفه ٣

رومانى مكرم


مرت الأيام بعد الجلسة العرفية ثقيلة وزي الجبال على صدر الكل، بس كانت أتقل على محمود وسماح. سماح انطردت لبيت أهلها في الصعيد مخزية، ومحمود بقى ينام في لوكاندة رخيصة في أطراف القاهرة، لا حيلته جنيه ولا ليه وش يقابل بيه إنسان، والغل في قلبه بقى ياكل في ضلوعه زي السوس.


في يوم، وأنا قاعدة في بيت أبويا برتب أوراقي عشان أرفع دعوى الطلاق والتمكين رسمياً وأثبت التنازل عن الأرض في الشهر العقاري، تليفوني رن برقم غريب.


رديت بصوت حذر:


* “ألو؟ مين معايا؟”


جاءني صوت متقطع وخايف، صوت سماح! كانت بتشهق وبتبكي بصوت وطي كأنها مستخبية في مكان:


* “أميرة.. الحقيني يا أميرة! أرجوكي ما تقفليش الخط.. أنا عارفة إنك بتكرهيني وما تطيقيش تسمعي اسمي، بس والله العظيم محمود ناوي على مصيبة سودة هتخرب بيت الجميع!”


اتعدلت في قعدتي، وقسيت قلبي وقلت بنبرة ناشفة:


* “عايزة إيه تاني يا سماح؟ مش كفاية الفضيحة والعار اللي جبتيه لنفسك ولعيلتك؟ جاية تدوري على إيه دلوقتي؟”


* “والله العظيم أنا بتكلم عشان أرد جزء من ذنبي تجاهك!” قالتها وهي بتترعش، كملت: “محمود اتجنن يا أميرة! محمود مش ساكت، اكتشف حاجة كان فاهمها غلط، ودلوقتي بيحفر عشان يوديكي أنتِ وأحمد في داهية وياخد الأرض والفلوس تاني ويحبسكم!”


ضيقت عيني وقلت بريبة:


* “يحبسنا بـ إيه؟ الأرض وهو متنازل عنها برغبته وقعدت عرب ومشهود عليها، والفلوس حقي وبفواتير دهبي!”


سماح سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت زي الهمس:


* “محمود راح للمحامي بتاعه، وبيجهز ق/ضية ‘ابتزاز وإكراه على التوقيع تحت التهديد بالقت/ل’! جايب شهود زور من صحابه هيشهدوا إنه اتخطف لاتنين الصبح في الشقة وانضرب وانجبر يبصم ويمضي على تنازل الأرض وهو غايب عن الوعي! وغير كده.. محمود معاه تسجيلات صوّتها بنفسه ومستني الوقت المناسب يرفع بيها قض/ية ثانية ألعن!”


الدم اتجمد في عروقي، بس حاولت أتماسك وما أظهرش خوفي:


* “تسجيلات إيه؟ اتكلمي بوضوح يا سماح!”


* “التسجيلات دي.. محمود كان بيسجل لأحمد أخوه مكالمات قديمة من الخليج، مكالمات فيها تحويلات فلوس بغير طرق رسمية وشغل تجارة عملة في السوق السوداء! محمود ناوي يبلغ عن أحمد للنيابة والأموال العامة عشان يتحبس وتاخد الدولة كل أملاكه، وقالي بالحرف: ‘طالما خسرت كل حاجة، هولع في الأخ والطفل واليابس ومحدش فيكم هيتهنى!'”


قفل الخط فجأة كأن حد دخل عليها، وقعدت أنا بصة للتليفون والدنيا بتدور بيا. محمود مش بس خاين وناقص، ده طلع عقرب مسموم، مستعد يهد المعبد على اللي فيه لمجرد إن الحق رجع لأصحابه.


ما كدبتش خبر، نزلت فوراً وركبت تاكسي وطلعت على بيت أحمد. أحمد من يوم المشكلة وهو قاعد في بيته مش بيخرج، وشه ذبلان ونظرة عينيه مكسورة، خيانة أخوه في عرضه وماله كسرت ظهره وجردته من فرحة الشقى اللي شقاه في الغربة.



أول ما فتحلي الباب، شاف وشي المتغير والمجلجل، قال بقلق:


* “خير يا أميرة؟ فيه حاجة جديدة حصلت؟”


دخلت الصالة وقلت له بصوت واطي ومشدود:


* “أحمد.. محمود ناوي يضرب ضربته القاضية، ومش هيسيبك في حالك ولا هيسيبني.”


حكيت له كل كلمة قالتها سماح عن ق/ضية الابتزاز وعن تسجيلات الأموال العامة والتجارة. أحمد سمع الكلام، وعيونه بدأت تطلع منها شرارة غضب وسواد ألعن من ليلة الفضيحة. مسك الكرسي بقوة لدرجة إن إيده كانت هتتكسر عليه.


* “يعمل ق/ضية إكراه؟! ويبلغ عني أنا في الأموال العامة؟!” أحمد ضحك ضحكة جافة ومكتومة كلها قهر. “الواطي فاكر إنه بيلعب مع عيل صغير؟ فاكر إن الخيانة والسرقة عدوا بالساهل؟”


* “يا أحمد، الراجل بايع قض/ية ومبقاش حيلته حاجة يخسرها، المحامي بتاعه لو قدم التنازل للنيابة وشهدوا صحابه بالإكراه، التنازل هيتلغي وممكن نتدبس إحنا في قض/ية خطف واحتجاز بدون وجه حق!”


أحمد بصلي بثبات وتحدي وقال:


* “محمود فاكر إنه أذكى واحد في الدنيا، بس نسي إن الساحر ينقلب عليه سحره. التسجيلات اللي بيتكلم عنها؟ أنا اللي معلم محمود يعيش إزاي ويفكر إزاي، ولو هو معاه تسجيلات تجارة عملة، فأن معايا الوثيقة اللي توديه هو ورا الشمس وتخليه يلبس البدلة الزرقاء بقية عمره!”


بصيت له باستغراب:


* “وثيقة إيه؟”


أحمد قام ودخل أوضته، وخرج وهو ماسك ملف أسود قديم ومغبر، فتحه قدامي وطلع منه أوراق رسمية عليها أختام وبصمات.


* “محمود من ثلاث سنين، قبل ما يسافر الخليج وقبل ما يتجوزك، كان شغال في شركة استيراد وتصدير كبيرة. اختلس منها مبلغ ضخم وزور توقيع صاحب الشركة! أنا وقتها عشان أحميه وأستر على اسم العيلة، دفعت المبلغ ده من عرقي وشقايا وسترت عليه واشتريت الأوراق والأصل من صاحب الشركة اللي أتعامل معاه بود، والشركة تنازلت بشرط الأوراق تفضل معايا ضمانة لو كررها!”


أنا اتصدمت، ما كنتش أعرف إن محمود ليه تاريخ في السرقة والتزوير من زمان!


أحمد كمل ونبرة صوته زلزلية:


* “أنا كنت ساكت ومغطي عليه عشان أخويا من دمي.. بس طالما هو اختار الحرب والتزوير والبلاغات، الأوراق دي الصبح بدري هتوصل للنيابة بتهمة التزوير والاختلاس القديمة، غير قض/ية الخيانة والزنا اللي مرفوعة بثبوت الفيديوهات وفواتير الدهب باسم سماح اللي اتسجلت بفلوس مسروقة!”


في نفس اللحظة، سمعنا صوت خبط جامد وعالي على باب الشقة! خبط برجلين وإيدين وبصوت واحد بيصرخ وبيهدد في الطرقة!


جرينا على الباب وبصينا من العين السحرية.. كان محمود!


محمود واقف ووشه متورم من الضرب، وفي إيده ملف أوراق ومس/دس صغير، ومعاه اثنين بلطجية شكلهم يرعب واقفين وراه في السلم!


محمود صرخ بأعلى صوته وبنبرة جنونية هزت العمارة كلها:


* “افتح يا أحمد! افتحي يا خربانة البيوت! افتحوا يا خاينين وإلا قسم بالله لأهد البيت ده على دماغكم الليلة! جايبلك أوراق تنازلك عن أرضك وبصمتك يا أحمد، وهتمضوا هنا وتلغوا القعدة العرفية، يا إما هطلع من هنا وأنا شارب من دمكم أنتم الاثنين!”



أحمد بصلي وهز رأسه بثبات، وشد الس/كينة الكبيرة من المطبخ وقرب من الباب.. وأنا مسكت تليفوني وبدأت أسجل الصوت وطلبت رقم الشرطة بسرعة!


يا ترى، الباب لما يتفتح.. الدم هينزل في الصالة، ولا أوراق التزوير والشرطة هتوصل قبل ما محمود ينفذ تهديده والستار ينزل على نهاية ألعن للجميع؟


الخبط على الباب بقى زي الدق على صفيح صلب، صوت محمود والبلطجية اللي معاه كان بيهز العمارة كلها. الباب الخشب القديم كان بيلهث تحت ضربات رجليهم، والحديد بتاع الأكرة بيزيق وكأنه هيتخلع في أي لحظة.


أنا واقفة ورا أحمد، قلبي بيلطش في قفصي الصدري زي العصفور المذبوح، بس مسكة التليفون في إيدي كانت ثابته.. كنت شايفه نور الشاشة وهو بيعد ثواني المكالمة مع شرطة النجدة، وصوتي كان حاد ومكتوم وأنا بمليهم العنوان بالحرف: “الحقونا.. بلطجية بس/لاح حيين بيحاولوا يقتحموا شقة في حارة…”


أحمد بصلي نص بصة، وعيونه كانت قايدة جمر. مسك إيدي زقني وراه ناحية الطرقة الصغيرة اللي بتودي للأوض، وقال بصوت واطي ومزلزل:


* “ادخلي جوة واقفلي على نفسك بالمفتاح يا أميرة! الباب ده لو اتكسر، مش هيرحموا حد.. ادخلي!”


* “مش هسيبك يا أحمد!” صرخت بصوت خافت وأنا بشد في دراعه. “الشرطة جاية في الطريق، ثواني بس!”


قبل ما أكمل كلمتي، الباب انفك من الفصالة الفوقانية بصوت فرقعة مرعب! الجزء الفوقاني من الباب اتمال لجوة، وظهر منه وش محمود.. وش ما بقاش فيه أي أثر للبني آدمين. عيونه كانت جاحظة وحمرا زي الدم، وشفايفه متقطعة ومورمة، وفي إيده اليمين طبنجة سودة صغيرة وجهها علين مباشرة من الفتحة!


* “افتح يا أحمد بدال ما أفرغ الخزنة في راسك وراسها!” محمود صرخ والريال نازل من بقه من كتر الغل. “الأوراق اهي! هتمضي أنت وهي على تنازل جديد، وشهادة إن القعدة الأولى كانت تحت الس/لاح، وإلا قسم بالله مش هخرج من هنا غير وأنا شايل جثثكم!”


واحده من البلطجية اللي وراه ضرب الباب بكتافه، الباب اتخلع بالكامل وطاح على الأرض بصوت هز أركان العمارة!


دخل محمود الصالة يجر رجله، ووراه اثنين أشكالهم تقطع الخلف، شايلين مطاوي وسناج. أحمد ما اترددش لحظة، رفع الس/كينة اللي في إيده ووقف زي السد المنيع في نص الصالة، عازل بيني وبينهم.


* “نزل الزفت ده من إيدك يا محمود..” أحمد قالها بصوت هادي، هدوء يرعب، هدوء الراجل اللي مات خلاص وما بقاش خايف من الموت. “أنت فاكر إنك لما ترفع عليا س/لاح في بيتي هخاف منك؟ أنت ميت يا محمود.. ميت من اليوم اللي دخلت فيه أوضة مراتي!”


محمود اتجنن من الكلمة، وشحذ أسنانه ورفع الطبنجة في وش أحمد تماماً:


* “أنا مش ميت! أنت اللي هتموت يا أحمد! أنت وأميرة اللي سرقتوني وجردتوني من كل حاجة! أنا ضيعت.. ضيعت كل حاجة بسببكم!”


في اللحظة دي، واحد من البلطجية قرب من محمود ومسك دراعه بسرعة وقال بخوف:



* “يا باشا استهدى بالله! إحنا اتفقنا نهددهم ونخليهم يوقعوا على الورق، ما اتفقناش على قت/ل! الصوت طالع والشارع تحت بدأ يتجمع!”


محمود زق البلطجي بقوة وصرخ فيه:


* “أنت تسكت خالص! الفلوس اللي اتفقت معاكم عليها هتاخدوها مضاعفة، بس هما يوقعوا الأوراق دي الأول!”


رمى الملف الأسود على الطاولة اللي في الصالة، وبصلي بعيون مليانة كره:


* “تعالي هنا يا أميرة! تعالي امضي يا خربانة البيوت! امضي إنك أخدتي دهبك وفلوسك زور، وإنك هددتيني بفيديوهات مفبركة!”


قدمت خطوة صغيرة من ورا أحمد، وبصيت له بجمود وقلت بثبات عجيب:


* “مش همضي يا محمود.. لو قطعتني حتت مش همضي. والتليفون اللي في إيدي ده؟ سجل كل كلمة قلتها من ساعة ما خبطت على الباب، والنجدة على بعد شارعين من هنا!”


محمود وشه اسود، والجنون عماه بالكامل. رفع إيده بالطبنجة وعمرها بصوت “تك” يرعب:


* “يبقى أنتِ اللي اخترتي موتك بأيدك!”


قبل ما صباعه يضغط على الزناد، أحمد اتحدف عليه زي النمر! مسك إيده اللي فيها الس/لاح ورفعها لفوق، وانطلقت رصاصة طاشت في السقف، عملت صوت فرقعة عمى أذانا والجبس طار في كل مكان!


الصالة تحولت لساحة حرب!


أحمد ومحمود مسكوا في بعض، الأخوان اللي من بطن واحدة بقوا يطحنوا بعض على الأرض وسط الدم والغل. البلطجية أول ما سمعوا صوت الرصاص، الخوف ركبهم، واحد منهم جرى على السلم وهرب، والتاني مسك سنجة وجرى يهاجم أحمد من ظهره!


ما حسيتش بنفسي.. مسكت الفازة الفخار الثقيلة اللي كانت على الترابيزة، وجريت بكامل قوتي وضربت البلطجي بيها على دماغه من ورا! الفازة اتكسرت ميت حتة، والراجل اترمى على الأرض يئن ودمه سال.


أحمد كان مسيطر على محمود، ثبت إيده اللي فيها الس/لاح على الأرض وضغط على معصمه بكل قوته لحد ما محمود صرخ وصوابعه اتفتحت، والس/لاح اتدحرج على السيراميك.


أحمد مسك الس/لاح وسحبه، وقام وقف وهو بينهث، وجه الطبنجة لراس محمود اللي كان واكع على الأرض بينزف من مناخيره وبقه.


* “انتهت يا محمود..” أحمد قالها وهو بيبكي، دموع قهر ورجولة مكسورة. “انتهت خلاص..”


محمود كان بيبص لأخوه وهو بيلهث، والخوف أخيراً عرف طريقه لعيونه لما شاف الس/لاح موجه لوشه.


* “أحمد.. بلاش يا أخويا.. أنا أخوك..”


* “أنت مش أخويا!” صرخ أحمد بصوت هز الجدران. “أنت السرطان اللي كان بياكل في جسمنا ومحدش حاسس بيه!”


وفجأة.. سارينات الشرطة ضربت في الشارع تحت!


أصوات السرينة كانت بتعلى وتعدي الحارة، وصوت خطوات عساكر وضباط طالعين على السلم بسرعة الطلع!


محمود لما سمع السارينة، عيونه زادت رعب، وبص للأرض وشف الملف اللي جابه معاه.. الملف اللي كان فاكر إنه هيرجعله أرضه وشرفه بيه، بقى هو الدليل الحي على الاقتحام والشروع في الق/تل!


الشرطة اقتحمت الشقة، الضابط دخل وس/لاحه مرفوع ومعه أربع عساكر:


* “ثبت مكانك أنت وهو! الس/لاح على الأرض فوراً!”



أحمد رمى الطبنجة على الأرض بكل هدوء ورفع إيده فوق، وأنا جيرت على الضابط وأنا بصرخ وبوريه التليفون:


* “يا باشا الحقنا! المتهم ده اقتحم الشقة بس/لاح حي وبلطجية وكان عايز يق/تلنا عشان نجبر نلغي بلاغات الخيانة والسرقة!”


الضابط بصل للمكان.. السقف المخروم بالرصاص، الباب المخلوع، البلطجي المغمى عليه على الأرض، ومحمود اللي ينزف وموجود على الأرض زي الكلب الجربان.


الضابط شاور للعساكر:


* “كلبشوا الممتهمين دول فوراً! وهاتوا الس/لاح والمحرزات دي كلها على البوكس!”


العساكر هجموا على محمود وكلبشوه من إيديه لورا. محمود وهو بيتجبر ويتقام من الأرض، بصلي وبص لأحمد ونظرة غل أخيره طالعة من عينيه، وقال بصوت بحوح:


* “مش هسيبكم.. والله ما هسيبكم حتى لو من ورا السجان!”


أحمد قرب منه، وبص في عينيه بثبات وقسوة ما شفتهاش فيه قبل كده، وطلع من جيبه ملف الأوراق القديم بتاع التزوير والاختلاس، ورماه في إيد الضابط:


* “وده حرز تاني يا باشا.. بلاغ رسمي بتزوير واختلاس قديم من شركة استيراد وتصدير رسمية باسم المتهم ده.. خليه ينضم لحفلته في النيابة!”


محمود وشه اتمسح منه كل لون، وجسمه اتنفض كأنه اتقطع نصين.. عرف إن كل الأبواب اتقفلت في وش، وإن السجن مش بس هيبقى عشان الليلة دي، ده عشان كل قذارة عملها في حياته.


سحبوه العساكر ونزلوا بيه على السلم، وراه البلطجي، والصمت رجع يخيم على الشقة المهدومة.


بصيت لأحمد، وأحمد بصلي.. كنا بنتنفس بصعوبة، كأننا طالعين من تحت الميه بعد غرق طويل.


أنا أخدت نفسي، ولمست دهبي اللي في جيبي، وعرفت إن الكابوس الأكبر انتهى.. بس ياترى لما محمود يروح النيابة الصبح وتتفتح التحقيقات، إيه السر الأخير اللي سماح خبيته عن الكل وهينزل زي الصاعقة على القضايا دي كلها ويهز العيلة للمرة الأخيرة في الجزء الأخير؟!


دخلت النيابة صباح اليوم التالي، والشمس بتشق سحاب الصباح وكأنها بتغسل آثار ليلة مرعبة مش هتنزل من بالي العمر كله. أروقة المحكمة كانت زحمة، والهمهمات طالعة من كل زاوية، بس أنا وأحمد وأبويا كنا واقفين بثبات الصخر.


قعدنا قدام وكيل النيابة، وعلى الترابيزة كانت معروضة المحرزات: الطبنجة السودة، الفواتير، التسجيلات، والأوراق الرسمية اللي أثبتت التزوير والاختلاس القديم، بالإضافة للتقرير الطبي اللي أثبت الشروع في الق/تل واقتحام مسكن بالقوة.


محمود كان قاعد في الكلبش، وشه مصفور وجسمه دبلان، وعيونه متعلّقة بالأرض. القناع سقط بالكامل، وما بقاش فاضل منه غير بواقي راجل هدم حياته بيده عشان شهوة رخيصة وطمع أعمى.


وفجأة، الباب اتفتح ودخلت “سماح” برفقة عسكري، بعد ما النيابة استدعوها فوراً بناءً على التحقيقات ومراجعة الفيديوهات والفواتير. سماح كانت بتترعش، وجسمها كله بتهزه الرعدة، أول ما عينها جت في عين محمود، صرخت بصوت هيستيري ونزلت على ركبها قدام وكيل النيابة:



* “يا باشا أنا هعترف بكل حاجة! أنا مش هبقى القربان لوحدي! محمود هو اللي ضحك عليا، هو اللي أوهمتني إنه بيحبني واستغل غياب جوزي أحمد!”


وكيل النيابة ضرب بيديه على الترابيزة وقال بنبرة حاسمة:


* “اتكلمي بالترتيب يا متهمة، إيه سر الفواتير والتنازلات دي؟”


وهنا.. نزلت المفاجأة الأخيرة اللي هزت القاعة وخلت محمود يرفع رأسه بذهول ورعب!


سماح بكت بصوت عالٍ وكملت اعترافها:


* “يا باشا.. محمود ما كانش بيعمل كل ده عشان بيحبني أو عشان عايز يتجوزني زي ما كان بيفهمني! محمود كان متفق معايا نسرق أحمد وأميرة مع بعض، وكان معيد خطة إنه أول ما ياخد الأرض والدهب والفلوس، يبيع كل حاجة ويهرب بيها لبرة مصر لوحده! أنا اكتشفت الأوراق دي في شنطته بالصدفة قبل الفضيحة بيومين.. اكتشفت جواز سفر مزور وتذكرة طيران باسمه لوحده لجهة مجهولة! كان بيلعب بيا وبمراته وبأخوه، وكان ناوي يرمينا كلنا في النار ويغور بفلوسنا وشقانا!”


القاعة كلها سكتت سكون تام!


محمود اتسقت عيونه بالكامل، وبص لسماح بصدمة غير طبيعية، ولسانه اتعقد وما قدرش ينطق بحرف واحد! الخيانة اللي زرعها في كل اللي حواليه، جناها من نفس الكأس! الست اللي خان أخوه عشانها، هي نفسها اللي كانت الورقة الأخيرة اللي كشفت نيتهم القذرة ورسمت نهايته بالألوان الكاملة!


وكيل النيابة بصلهم بقرف، وكتب في أوراق القض/ية كلمات حاسمة وقاسية كان ليها وقع الصاعقة.


## **الأحكام النهائية للعدالة**


بعد تداول القض/ية ومراجعة كافة الأدلة القاطعة والاعترافات المتطابقة:


1. **السجن المشدد 15 سنة لمحمود:** بتهم التزوير والاختلاس، الاقتحام المسلح، والشروع في الق/تل، إلى جانب إثبات ج/ريمة الزنا والاستيلاء على أموال الغير.


2. **السجن المشدد 3 سنوات لسماح:** بتهمة المشاركة في ج/ريمة الزنا والتستر والاشتراك في النصب والاستيلاء على الأموال.


3. **إعادة كافة الحقوق لأصحابها:** تثبيت التنازل عن نصيب أرض العيلة باسمي (أميرة) تعويضاً عن أموالي ودهبي المسروق، مع صدور حكم الطلاق البائن وحصولي على كافة حقوقي الشرعية والقانونية.


4. **تجريد محمود وسماح:** من كافة المستحقات والأموال، وخروجهم من العيلة بلا شرف، ولا مال، ولا أمل.


خرجت من باب المحكمة بعد صدور الأحكام، وأنا حاسة إن الهوا اللي بتنفسه بقى نقي وصافي لأول مرة من سنين. أحمد وقف جنبي، وبص للسما ورفع إيده وحمد ربنا، ودعاني بالخير وقرر يرجع شغله في الخليج بقلب جديد، بعد ما طهر بيته وعيلته من الأورام الخبيثة.


أما أنا.. حطيت إيدي في جيب معطفي، لمست أوراق حقوقي ودهبي ورجعت لبيت أبويا وأنا مرفوعة الراس.


> ### **الحكمة والدرس من القصة**


> * **العدل لا ينام:** مهما أتقن الظالم خديعته وتفنّن في حبك أقنعته، فإنّ الحق الأبلج يمهل ولا يهمل، والباطل مهما علا بنيانه فهو كالبيت الهشّ ينهار في لحظة عين.



> * **جزاء الخيانة من جنس العمل:** من خان أقرب الناس إليه (الزوجة والأخ)، جعل الله نهايته على يد من شاركه الخيانة. الخائن لا يمتلك حليفاً صادقاً، والشر يق/تل بعضه في النهاية.


> * **الشرف والكرامة لا يُباعان:** المال والذهب يُعوّضان بالعمل والشقى، لكن الشرف والأمانة إذا ضاعا، لا يرممها مال قارون.


> * **قوة المرأة في حقها:** المرأة قد تصبر وتضحي وتتحمل الشقاء من أجل بيتها، لكنها إذا مظلومة واستجمعت قوتها بالحق والكرامة، قادرة على دحر الظلم واسترداد حقها من فم الأسد.


>


 





أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close