القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 أهل عريسي وقفوا في وسط قاعة الفرح،



اهل عريسى


أهل عريسي وقفوا في وسط قاعة الفرح، وماسكين المايك بيتريقوا على فقر أمي وبساطتها عشان يسلوّا 500 ضيف من المعازيم.. ولما لقيت خطيبي بيضحك معاهم بكل بجاحة، أدركت في اللحظة دي إني مش داخلة عيلة، أنا كنت برمي نفسي في عش أفاعي!

بكل هدوء، مشيت وأخدت المايك، وكشفت سر عن “ثروتهم الكدابة” خلّى المزيكا تقف في ثانية، والكل ينشف في مكانه.. قلعت الدبلة ورميتها فوق تورتة الفرح، ومشيت وأنا دايسة على كل حاجة وسايباهم ورايا للأبد.

الضحكة الأولى طلعت قبل ما حماتي المستقبلية تكمل إهانتها لأمي.. والضحكة التانية، طلعت من الراجل اللي كان المفروض هربط اسمي باسمه بعد ساعات!

خمسلاف ضيف شكلهم شيك ومتفشخرين تحت نجف الكريستال، في الوقت اللي وقفت فيه حماتي “كريمان هانم” وهي رافعة كاس العصير وبتبتسم بترصد ناحية الكوشة وبتقول:

“نشرب شربات الفرح يا جماعة.. عشان نثبت إن المعجزات لسه بتحصل! بعد كله، مين كان يتخيل إن ست جاية من حارة شعبية بسيطة، تقدر تربي بنت شيك ورقيقة كفاية عشان تناسب عيلة الجارحي؟”

القاعة كلها اتقلبت ضحك وتريقة.

أمي “إجلال” كانت قاعدة جنبي بفستانها الكحلي الهادي اللي سهرت الليالي تفصله وتخيطه بإيدها.. شوفت صوابعها وهي بتضغط على منديلها من القهرة، لكنها فضلت رافعة راسها لفوق بكل كبرياء.

لكن “كريمان هانم” مسكتش، وكملت تلميح: “طبعاً، أخدنا وقت على ما نعلم (سارة) الإيتيكيت ونعرفها تاكل إزاي بـ الشوكة والسك*ينة!”

والضحك زاد في القاعة.

هنا، خطيبي “باهر” مال على أخوه وقال بصوت عالي وقاصد يسمع الترابيزات اللي حوالينا: “على الأقل بطلت تسأل هو السلمون المدخن ده رنجة ولا إيه!”

الأوضة كلها انفجرت بالضحك تاني.

لفيت وشي ليه وقولتله بنبرة كتمت فيها غيظي: “أنت مش وعدتني إنهم هيبطلوا الكلام ده؟”

بصلي بابتسامة سخيفة من فوق لتحت، من بتاعة “أنتِ مكبرة الموضوع”، وقال: “فكي كده واسترخي.. ده هظار فرح!”

حماي “سعد الجارحي” وقف هو كمان عشان يكمل النمرة: “يا ست إجلال متقلقيش.. إحنا مش هنخليكي تدفعي مليم في الفرح ده، عارفين إن ورشة التفصيل الصغيرة بتاعتك يا دوب بتجيب همها ومش هتكفي حق ورد القاعة.”

لمعة الدموع ظهرت في عين أمي.. وفي اللحظة دي بالذات، كل العواطف جوايا ماتت، وحل مكانها هدوء غريب ومخيف.

هما افتكروني هيموتوا عليا عشان لبسي بسيط، وراكبة عربية بقالها ست سنين، وعمري ما اتفشخرت بفلوس.. افتكروا أمي مجرد خياطة غلبانة، وإني ما صدقت لقيت عيلة كبيرة تسترني وابلع ليهم أي إهانة عشان بس أخد اسمهم.

ما يعرفوش إني دافعة نص مصاريف القاعة والفرح ده من حساب استثماري أمي عملتهولي من سنين، بعد ما كانت بتشتري العقارات القديمة والمهملة وتصلحها وتبيعها.. عيلة “الجارحي” افتكروا إن الفلوس دي دفعها “باهر” من جيبه، وهو المحترم مصلحش ليهم المعلومة وسابهم فاكرين إنه هو اللي شايل الليلة! الخيانة دي كان لازم تفوقني من الأول، بس الحب بيعمي العين ويخلينا نخلق أعذار كدابة بنسميها أمل.

واللي ميعرفوش كمان.. إن “ورشة التفصيل الصغيرة” بتاعة أمي، هي في الحاصل تمتلك العمارة اللي فيها تلاتة من أكبر وأشهر محلاتهم ومطاعمهم اللي بيتكسبوا منها!

واللي “باهر” ميعرفوش.. إني أنا المحاسبة القانونية اللي البنك الكبير بتاعه استأجرها من ست شهور عشان تراجع حساباتهم، قبل ما خطوبتنا تطلع للعلن.

واللي محدش فيهم يتخيله.. إن إمبراطورية عيلة “الجارحي” اللي واقفين يتنططوا بيها دي، قدامها بالظبط 48 ساعة وتعلن إفلاسها وتقع على جدور رقبتها!

قضيت أسابيع وأنا بندب حظي وبتمنى أكون قريت الأرقام غلط.. قروض مستخبية، تقييمات منفوخة على الفاضي، وفواتير مزورة.. فلوس بتلف في شركات وهمية وبترجع تاني عشان يعملوا منظر قدام الناس إنهم بيكبروا.

والنهارده الصبح بالذات، جالي التأكيد النهائي من البنك بالحجز عليهم.

”باهر” ضغط على ركبتي من تحت التربيزة وقال بوجه بشوش مزيف: “ابتسمي يا سارة.. الناس بتبص علينا.”

بصيت لأمي.. لقيتها بتهسملي وعينها بتترجاني: “مش لازم تدافعي عني يا بنتي.. أنا مسامحة.”

وقفت ببطء.. وقولت بصوت قوي هز القاعة: “لا يا أمي.. أنا مش هدافع عنك.. أنا بس لازم أبطل أحميهم هما!”

”باهر” لحقني ومسك معصم إيدي جامد قبل ما أوصل للمايك.. وبصلي بغيظ وهو بيهمس:

”أنتِ رايحة فين؟ وهتعملي إيه؟”

رديت بكل برود:

”هقول كلمتين.. هقول نخب الفرح أنا كمان.”

مسكته لإيدي ضغطت أكتر وقال بنبرة تهديد:

”بلاش تظهري غباءك وتفضحيني قدام الناس.”

المفارقة هنا كانت هتموتني من الضحك.. هما اللي بيجرحوني ويفضحوني، وخايف على برستيجه!

من بعيد في آخر القاعة، “كريمان هانم” خبطت على كاسها بالشوكه وقالت بتعالي:

”سيبوها يا باهر تتكلم.. يمكن عاوزة تشكرنا إننا نتشلها من الضياع وعرفناها عيلة الجارحي!”

المعازيم ضحكوا تاني تريقة.

شيلت إيد باهر عني براحة ومن غير شوشرة.. ومشيت بخطوات ثابتة من جنب تورتة الفرح الأدوار، وعديت من قدام فرقة المزيكا، وطلعت على المسرح. عيني جت في عين “نرمين” صاحبتي والوصيفة الأولى ليا في الفرح.. كانت قاعدة في الصف التاني وبصتلي بثقة.. كانت فاهمة كل حاجة. نرمين قضت طول فترة بعد الضهر وهي بتبدل أظرف مقفولة وبتحطها تحت كراسي ستة من أهم المعازيم بالاسم: المستشار القانوني للبنك، اتنين من أعضاء مجلس الإدارة المستقلين، الشريك التجاري لـ “سعد الجارحي”، مراجع الحسابات بتاع الشركة، وصحفي من الجريدة الاقتصادية الكبيرة.

باهر مشي ورايا لحد نص القاعة، بس وقف لما أبوه “سعد” هزله راسه بـ “لأ”.. كانوا لسه مغرورين، ومطمنين وعمرهم ما يتخيلوا إني ممكن أعمل حاجة.. فاكرين إني هعيط، وأترجاهم، وأعتذر عشان يرضوا عني.

مسكت المايك، وبدأت أتكلم:

”أهلي الجداد اتكلموا كتير قوي الليلة دي عن الفقر والناس الغلبانة.. فتعالوا مع بعض ندردش شوية في المعنى الحقيقي للفقر.”

القاعة كلها هديت فجأة، وحل سكوت كله فضول.. وأول واحد ابتسامته اختفت كان حماي سعد.

كملت كلامي وصوتي بيقوى:

”الفقر الحقيقي مش إن ست شريفة تسهر لنص الليل تفصل وتخيط فساتين عشان تربي بنتها وتعلمها في أحسن جامعات.. الفقر مش إنك تعيش على قدك، وتشتغل بالحلال بشرف، وتلبس نفس الجزمة عشر سنين!”

أمي بصت للأرض، والدموع نزلت من عينها.

”الفقر هو إنك تحتاج لـ 500 غريب يضحكوا معاك على ست محترمة وأصيلة.. لمجرد إنك تحس نفسك غني!”

همهمة وهمس كبير بدأ يلف القاعة كلها.. كريمان هانم وقفت بغضب وقالت:

”لحد هنا وكفاية قوي!”

رديت عليها و عيني في عينها:

”لأ.. لسه بدري!”

طلعت تليفوني وضغطت على زرار.. شاشات العرض الكبيرة اللي في القاعة، واللي كانت مجهزة عشان تعرض صور خطوبتنا وقصة حبنا المزيفة، اتقلبت فجأة لرسومات بيانية وتقارير مالية تانية خالص! شركات وهمية.. تواريخ قروض.. مبالغ متحولة.. وإمضاءات!

على الشاشة، كل سهم أحمر كان بينتهي عند حساب بنكي شخصي لواحد من عيلة الجارحي.. الضحك انقطع تماماً، وحتى النجف الكريستال والأنوار حستها بقت فاقعة زيادة عن اللزوم على الفضيحة اللي اتكشفت.

وش سعد الجارحي بقى برص وازرق.. باهر جري بسرعة ناحية مهندس الصوت والدي جي عشان يقفل الشاشات، بس “نرمين” صاحبتي وقفت في طريقه ومنعته.

اتكلمت بكل ثقة وهدوء:

”بقالي ست شهور كاملة، بقود فريق مراجعة جنائية مستقل لحسابات مجموعة الجارحي، بتكليف مباشر من البنك الرئيسي الممول ليهم.. أنا تنحيت عن القرار النهائي للحجز لما باهر اتقدم لي، بس متنحيتش عن بلاغي بوجود تزوير واختلاس!”

المستشار القانوني للبنك فتح الظرف المقفول اللي تحت كرسيه وبدأ يقرا وعينه هتطلع.. كريمان بصت لباهر بذهول وقالت:

”هي البنت دي بتقول إيه؟!”

قلبت الشريحة اللي بعد كده على الشاشة وقولت:

”مجموعة الجارحي ضخمت حجم أصولها بأكتر من 83 مليون دولار كدب.. رهنوا نفس العقارات والمباني لأكتر من بنك في نفس الوقت، خبوا مديونيات وضرايب بالملايين، وهربوا فلوس الشركة لحساباتهم الشخصية.”

سعد الجارحي زعق بعلو صوته:

”كدب! دي بتخرف!”

هنا وقف مراجع الحسابات بتاعهم وقال بصرامة:

”لأ.. الست دي مش بتخرف.. الكلام ده كله صح.”

الكلمة دي قطعت عرق وساحت دمه في القاعة.. وش باهر اتقلب وبصلي بغل:

”أنتِ كنتِ بتفتشي ورا حسابات عيلتي من ورايا؟”

”لأ.. عيلتك هي اللي استدعت شركتنا بعد ما بكت على عتبة البنك عشان يجددوا ليهم القروض.. أنت بس عمرك ما كلفت نفسك تسألني أنا بشتغل إيه بالظبط، وكنت فاكر الشغل اللي بسهر فيه مجرد (شوية ورق) وخلاص.”

الصحفي كان شغال كتابة على تليفونه بسرعة البرق.. وسعد الجارحي زق الناس وطلع للمسرح وهو بيصرخ:

”اقفلوا الشاشات دي فوراً!”

بصيتله بكل برود وقولت:

”البنك جمد كل خطوط الائتمان وحساباتكم بالكامل.. من عشرين دقيقة بالظبط.”

فرقة المزيكا سكتت ونزلت الآلات.. وفي نفس اللحظة، كل تليفون في القاعة مع المعازيم بدأ يرن ورا بعضه!

أمي مسكت إيدي وإحنا خارجين من بوابة القاعة، وبصتلي بصوت مرعوش وهي بتحاول تستوعب اللي حصل:

”الفستان ده أخد مني ست أسابيع تفصيل وشغل عشان أفرح بيكي..”

لفيت وبصيت لبوابة القاعة اللي سيبنا وراها الفوضى والصريخ، وقولتلها وأنا ببتسم:

”بس أنتِ لسه زي القمر والغلابة هما اللي اتقهروا.. أنتِ أحلى واحدة في الدنيا يا أمي.”

ابتسمت والدموع في عينها وقالت: “وأنتِ أحلى وأقوى بنت في الدنيا.”

بعد أربع شهور بالظبط، مجموعة “الجارحي” أعلنت إفلاسها رسمياً.. “سعد الجارحي” وابنه “باهر” اتحولوا للنيابة بتهم التزوير، والنصب على البنوك، وسرقة فلوس صندوق معاشات الموظفين الغلابة اللي كانوا شغالين عندهم.. “كريمان هانم” اضطرت تبيع الفيلا وعربيتها عشان تدفع مصاريف المحامين وقضايا النصب، ومجلس إدارة الشركة رفع عليهم قضايا تعويض، والمحلات والمطاعم الفخمة اللي كانت شايلة اسمهم بدأت تقفل وتختفي واحد ورا التاني.

الموظفين والعمال الغلابة رجعوا حقوقهم وفلوس معاشاتهم كاملة، لأن البنك اتحرك وجمد الحسابات قبل ما عيلة الجارحي يلحقوا يهربوا الفلوس بره البلد.

أما أنا.. فتمت ترقيتي وبقيت شريكة ورئيسة قسم في مكتب المحاسبة الدولي اللي بشتغل فيه.

وأمي “إجلال”.. وسعت الورشة بتاعتها، واشترت المحلات الفاضية اللي كانت ملك لعيلة الجارحي بعد ما اتعرضت في المزاد العلني، وفتحت مكانها أتيليه ومصنع فساتين كبير سمته “دار إجلال للآزياء”.. وظفت معاها 12 ست وبنت من الستات المكافحات من منطقتنا الشعبية عشان يساعدوا أهاليهم، وكتبت يافطة كبيرة وعريضة فوق باب الأتيليه:

”الشغل الحلال عمره ما كان عيب.. الشرف والأصل هما الـ غنى.”

في يوم الافتتاح، كنت واقفة جنبها والشمس منورة المكان كله والبهجة مالية القلوب، بصتلي وسألتني بحنان الأم:

”لسه فاكراه يا سارة؟ باهر بيوحشك؟”

افتكرت قاعة الفرح، والضحك والتريقة، وشكل الدبلة وهي غرقانة في كريمة التورتة..

ابتسمت وقولت بثقة:

”لأ يا أمي.. مش باهر اللي بيوحشني.. أنا بيوحشني بس البنت الساذجة اللي كانت فاكرة في يوم من الأيام إنها محتاجاه عشان تكمل!”

أمي أخدتني في حضنها، وحطت إيدها في إيدي.. ومع بعض، فتحنا أبواب الأتيليه الجديد للناس، وإحنا رافعين راسنا لفوق.

تمت.. 


تعليقات

التنقل السريع
    close