القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كان عندي ٨ سنين بس…كامله وحصريه 



حكايات سما سامح1


كان عندي ٨ سنين بس… يوم ما لقيت محفظة فيها فلوس تكفي إنها تنقذني أنا وأمي من الطرد من الشقة. لكن لما رحت أرجّعها لرجل أعمال ملياردير، واحدة في الاستقبال نادت الأمن عشان يرموني بره… لحد ما هو لمح الورقة اللي طالعة من شنطتي، واتغير وشه فجأة وقال بصوت عالي:


“اقفلوا كل الأبواب… محدش يخرج من المبنى!”


 


كانت المحفظة الجلد البني مرمية تحت كرسي أتوبيس قديم في شارع رمسيس، نصها مدفون في التراب.


 


في الأول افتكرتها فاضية.


 


لكن أول ما فتحتها…


 


نفسي اتقطع.


 


رزم من ورق المية جنيه مرصوصة جوه بشكل يخليك تحس إنها مش حقيقية.


 


عدّيت الفلوس مرة…


 


واتنين…


 


وإيدي كانت بتترعش أكتر كل مرة.


 


كان فيها حوالي خمسين ألف جنيه.


 


مبلغ عمرنا ما شفناه أنا وأمي.


 


يكفي ندفع إيجار الشقة المتأخر.


 


ويخلي الكهربا متتقطعش.


 


ويوقف دموع أمي اللي كانت كل ليلة تستخبى في الحمام تعيط، وهي فاكرة إني نايمة.


 


في لحظة…


 


فكرت أحط المحفظة في شنطتي وأروح.


 


محدش شافني وأنا بلقيها.


 


ومحدش هيعرف أبدًا.


 


بس فجأة سمعت صوت أمي جوا دماغي.


 


“إحنا يمكن معندناش فلوس يا سلمى… بس عندنا ضمير. والجدعنة الحقيقية بتبان لما محدش يكون شايفك.”


 


قفلت عيني بقوة.


 


الفلوس دي كانت ممكن تغيّر حياتنا.


 


لكن لو خدتها…


 


هبقى شخص أمي عمرها ما ربتنيش عليه.


 


قلبت في المحفظة، ولقيت كارت شيك مكتوب عليه:


 


المهندس ياسين المنشاوي


رئيس مجلس إدارة


مجموعة المنشاوي للاستثمار والطاقة


 


الاسم كان معروف.


 


كل الناس في مصر تقريبًا سمعوا عنه.


 


واحد من أغنى رجال الأعمال في البلد.


 


صرفت تقريبًا كل مصروفي عشان أركب مواصلات لحد التجمع الخامس.


 


ولما وصلت قدام برج المنشاوي…


 


كنت مرهقة.


 


فستاني لازق فيا من الحر.


 


الكوتشي متبهدل من التراب.


 


وبطني بتوجعني من الجوع.


 


المبنى كان ضخم بشكل يخوف.


 


رخام في كل حتة.


 


إزاز بيلمع.


 


وناس لابسة بدل غالية داخلة طالعة وكأنهم في عالم تاني.


 


قربت من الريسبشن، وحطيت إيديا على الرخامة.


 


وقلت بهدوء:


 


“أنا محتاجة أقابل الباشمهندس ياسين.”


 


بصتلي موظفة الاستقبال من فوق لتحت…


 


على فستاني القديم…


 


وعلى شنطتي اللي كانت متخيطة كذا مرة.


 


وقالت ببرود:


 




“معاكي ميعاد؟”


 


هزيت راسي.


 


“لأ… بس لقيت حاجة بتاعته.”


 


عينها نزلت على المحفظة اللي في إيدي.


 


وللحظة…


 


ملامحها اتغيرت.


 


ومدت إيديها بسرعة.


 


“هاتيها.”


 


حضنت المحفظة على صدري.


 


وقلت:


 


“لا… لازم أسلمهاله بنفسي.”


 


وشها قلب فجأة.


 


وقالت بعصبية:


 


“هو أي طفل يدخل هنا يطلب يقابل الأستاذ ياسين؟”


 


قلت بصوت واطي:


 


“أنا مش بطلب حاجة… أنا بس جاية أرجع الأمانة.”


 


ميلت عليا وقالت:


 


“قدامك عشر ثواني تسلمي المحفظة… وإلا هنادي الأمن.”


 


حسيت وشي ولع من الإحراج.


 


والناس كلها بدأت تبص عليا.


 


وفي ثواني…


 


اتنين أمن اتحركوا ناحيتي.


 


كان نفسي أجري.


 


لكن فضلت واقفة مكاني…


 


ماسكة المحفظة…


 


ورجلي بترتعش.


 


وفجأة…


 


باب الأسانسير اتفتح.


 


وخرج منه راجل طويل، شعره كله شايب، وهيبته مالية المكان.


 


أول ما موظفة الاستقبال شافته…


 


وقفت باحترام وقالت بابتسامة مصطنعة:


 


“يا فندم… البنت دي بتقول إنها لقيت محفظتك.”


 


بصلي.


 


وبص للمحفظة.


 


وبعدين…


 


وقعت عينه على ورقة الإنذار بالطرد من الشقة اللي كانت طالعة من شنطتي.


 


في ثانية…


 


لون وشه اتغير.


 


وبصلي وهو بيقول:


 


“الورقة دي… جت معاكي منين؟”


 


وقبل ما ألحق أرد…


 


لف ناحية أفراد الأمن وقال بصوت هز المكان كله:


 


“اقفلوا كل أبواب الشركة… ومحدش يخرج من هنا.”


انخبطت الأبواب الإزاز الضخمة ورايا بصوت قوي هز الصالة كلها. موظفة الاستقبال اتجمدت مكانها، ورجال الأمن بطلوا يتحركوا ناحيتي وبصوا لبعض بذهول، والهمهمات اللي كانت مالية المكان سكتت فجأة وكأن الزمن وقف.


ياسين المنشاوي كان واقف وعينه متبتة على الورقة اللي طالعة من شنطتي القديمة. مشي ناحيتي بخطوات بطيئة، لكن هيبته وقامته الطويلة كانوا بيخلوا الأرض تحتي تتهز. كل خطوة كان بياخدها، كان قلبي فيها بيدق بسرعة مرعبة، لدرجة إني كنت حاسة إن الكل سامع دقاته.


وقف قدامي بالظبط. ريحة برفانه الغالي والقوي ملّت الهوا. وطى بمستواه لحد ما بقى في طولي، وبص في عيني بتركيز غريب وجريء، وكأنه بيدور على ملامح حد يعرفه كويس، حد تاه منه من سنين.


مد إيده ببطء، وبأدب شديد سحب ورقة الإنذار بالطرد من طرف شنطتي.


فتح الورقة المطوية وبدأ يقراها بتركيز. ملامح وشه الهادية بدأت تتحول وتتشد بشكل يخوف. عروق إيده اللي ماسكة الورقة برزت لدرجة إن الورقة بدأت تكرمش في إيده، وعينيه بقت زي الجمر من الغضب.



بص لموظف كبير كان واقف وراه لابس بدلة فخمة وبيهمس في تليفونه بارتباك، وزعق فيه بصوت زلزل الرخام تحت رجلينا:


“حازم! تعالى هنا فوراً!”


الراجل اللي اسمه حازم جه يجري بسرعة، وشه كان جايب ألوان، وعرق غزير بدأ ينزل على جبهته. بلع ريقه وقال بصوت بيترعش:


“تحت أمرك يا فندم… فيه إيه؟ البنت دي ضايقتك في حاجة؟ الأمن هيتصرف…”


ياسين رمى الورقة في وشه وقال بنبرة واطية ومرعبة زي الهدوء اللي قبل العاصفة:


“إقرا ده يا حازم… إقرا العنوان والاسم المكتوب في أمر الإخلاء ده. مش دي عقود الإخلاء والهدم بتاعة منطقة رمسيس اللي أنت لسه ممضيني عليها الأسبوع اللي فات؟ مش أنت قولتلي إن الأرض دي فاضية تماماً، والأهالي استلموا تعويضاتهم بالكامل ومضوا على عقود تراضي برضاهم؟”


حازم بلع ريقه وصدمته خلت عينه تروح وتيجي بين الورقة وبيني بنظرة كلها غل ورعب، وقال بلجلجة:


“يا فندم دي… دي أكيد حالة استثنائية، أو غلطة غير مقصودة من الشؤون القانونية… إحنا دفعنا كل المبالغ المخصصة للتعويضات للشركة الوسيطة اللي بتخلص الإجراءات…”


ياسين قاطعه بصرخة هزت أركان المبنى كله:


“كداب! البنت دي بيتها بيتهد بكره! والإنذار ده طالع من مكتبك أنت ومكتوب فيه إن مفيش أي تعويضات لعدم ثبوت الملكية! الورق ده متزور يا حازم! الفلوس اللي طلعت من حسابات الشركة للتعويضات راحت فين؟!”


أنا كنت واقفة في النص، مش فاهمة أي حاجة من المصطلحات الكبيرة دي، غير إن دموعي بدأت تنزل من الخوف والتوتر. ياسين لمح دموعي، وملامحه الغاضبة هديت فجأة بشكل غريب ومؤثر. وطى تاني على ركبته وحط إيده على كتفي بحنان وقال بصوت دافي خالص يطمن:


“متخافيش يا سلمى… مفيش مخلوق على الأرض دي هيقدر يلمس بيتك طول ما أنا عايش. قوليلي يا حبيبتي… والدتك اسمها إيه بالكامل؟”


مسحت دموعي بكم فستاني وقلت بصوت بيترعش من البكا:


“ماما اسمها… نادية عبد الرحمن الشهاوي.”


أول ما نطقت الاسم الكامل، ياسين اتنفض مكانه وصدمة تالتة ضربت وشه، كأن حد ضربه بالقلم. همس باسمها وصوته فيه بحة حزن وذهول ملوش آخر:


“نادية عبد الرحمن الشهاوي؟… أنتِ… أنتِ بنت حسن عبد الرحمن الشهاوي؟”


هزيت راسي بسرعة وقلت والدموع بتجري على خدي:


“آه… بابا الله يرحمه كان اسمه حسن. ماما دايماً بتقولي إني شبهه.”


ياسين غمض عينيه بقوة، وصدره كان بيعلو ويهبط بسرعة، وكأنه بيحاول يستوعب حجم الحقيقة اللي نزلت عليه. التفت لحازم وبقت نظرته ليه نظرة حد ناوي ينهي مستقبله تماماً. قال بنبرة تقطع زي السكينة:




“حسابك معايا هيكون عسير يا حازم… وأقسم بالله لو ثبت اللي في دماغي، مش هكتفي بطردك وفضحك في السوق كله، أنا هرميك في السجن بقية عمرك.”


وبص لمدير الأمن اللي كان واقف مستني الأوامر وقال بصرامة:


“خدوا الأستاذ حازم على مكتب الأمن تحت، وتحفظوا على تليفوناته ولابتوبه فوراً. محدش يسمحله يتواصل مع مخلوق بره المبنى لحد ما الشؤون القانونية والنيابة يوصلوا.”


أمن الشركة نفذوا الأمر في ثواني، وسحبوا حازم اللي كان بيصرخ ويحاول يبوس إيد ياسين ويبرر، وسط ذهول ورعب كل الموظفين والناس اللي واقفة في الصالة.


ياسين بصلي وتنهد تنهيدة طويلة مليانة وجع، وابتسم ابتسامة هادية ومد إيده ليا:


“تعالي معايا يا سلمى… اطلعي مكتبي ارتاحي.”


ركبنا الأسانسير الزجاجي الكبير اللي بيطلع لأعلى دور في البرج. كنت باصة للشوارع والعربيات وهي بتصغر تحت رجلينا وأنا مبهورة وخايفة، وضامة المحفظة لصدري كأنها طوق النجاة. لما دخلنا مكتبه، كان واسع جداً وجميل، وفي لوحات وكتب وصور كتير في كل مكان. قعدني على كنب جلد مريحة أوي، وطلب من السكرتيرة تجيبلي عصير مانجو فريش وأكل كتير وسندوتشات.


حطيت المحفظة البني على مكتبه الخشب الضخم وقلت بأمانة طفولية:


“دي المحفظة بتاعتك يا عمو… الفلوس كلها جوه، أنا عديتها بس عشان أعرف فيها كام، لكن ملمستش منها ولا جنيه والله.”


ياسين بصلها، ومسكها بإيده بشوق غريب، وعينيه لمعت بالدموع وهو بيتحسس الجلد بتاعها. وقال بصوت هادي:


“أنا مش مهتم بالفلوس دي كلها يا سلمى… الفلوس دي ولا حاجة بالنسبة لي وتتعوض في صفقة واحدة. المحفظة دي كان فيها كارت ميموري صغير ملوش تمن، عليه تصميمات واختراعات هندسية لخطوط طاقة شمسية جديدة… دي كانت شغل عمري كله وشغل والدك الله يرحمه، الكارت ده اتسرق من مكتب هنا من أسبوع، وبسببه كان ممكن شركات منافسة تدمر مجهود سنين لمجموعتنا وتسرق تعبنا.”


فتح المحفظة وطلع الكارت الصغير من جيب سري وهو بيتنفس براحة عظيمة. بعدين بصلي بامتنان حقيقي وقال:


“أنتِ وأمك كنتوا في أشد الحاجة للفلوس دي عشان متترموش في الشارع… قوليلي يا سلمى، إيه اللي خلاكي تتغلبي على حاجتك وتيجي لحد هنا عشان ترجعيها ومتاخديش منها؟”


نزلت راسي في الأرض وقلتله بصوت واطي:


“عشان ماما قالتلي إحنا معندناش فلوس بس عندنا ضمير، والجدعنة الحقيقية بتبان لما محدش يكون شايفك… وأنا مكنتش عايزة أعمل حاجة تخلي ماما تزعل مني أو تخلي ربنا يغضب علينا.”




ياسين نزلت دموعه غصب عنه، ومسحها بسرعة وقال بحزن عميق:


“فعلاً… حسن ربى بطلة وأمينة زي ما كان طول عمره. والدك الله يرحمه يا سلمى كان المهندس العبقري وشريكي الفعلي وصاحب عمري اللي بدأ معايا الشركة دي من الصفر… هو اللي صمم نص الاختراعات دي قبل ما يتوفى في حادثة من ٥ سنين. أنا فضلت أدور عليكي أنتِ ووالدتك سنين عشان أديكوا نصيبكم الشرعي وحقكم في أرباح براءة الاختراع دي، لكن حازم – اللي بيبقى ابن أختي وللأسف ائتمنته على البحث عنكم – كان دايماً بيجيبلي مستندات مزورة ويقولي إنكم سافرتوا بره مصر وانقطعت أخباركم تماماً!”


فجأة كل الخيوط اتربطت في دماغي… حازم كان مخبي مكاننا، وكان بيحاول يطردنا من الشقة عشان نتهجر لمكان تاني بعيد ومحدش يوصلنا أبداً، وياخد هو الملايين والتعويضات اللي ياسين كان مخصصها لينا كشراكة في الشركة!


في وسط الكلام ده، تليفون مكتب ياسين الداخلي رن بصوت عالي ومفاجئ قطع اللحظة.


ياسين رد بسرعة وهو شادد أعصابه: “أيوة… ها، طمني يا سليم؟”


سمعت صوت السكرتير التنفيذي طالع من تليفون السبيكر وهو مرعوب والأنفاس بتاعته متلاحقة:


“يا فندم… إحنا بعتنا قوة من رجال الأمن بتوعنا فوراً على عنوان شقة سلمى في رمسيس عشان نوقف قرار الإخلاء ونأمن والدتها لحد ما حضرتك تروح بنفسك… لكن…”


ياسين وقف فجأة من ورا مكتبه، وعروق جبهته ظهرت وهو بيزعق برعب وغضب:


“لكن إيه؟! انطق يا سليم في إيه؟!”


صوت السكرتير كان بيترعش وهو بيقول الجملة اللي نزلت عليا زي الصاعقة:


“الرجالة وصلوا لقوا باب الشقة مكسور ومتدمر تماماً، والبيت متبهدل على الآخر وكأن فيه عصابة كانت بتدور على حاجة وقلبت الشقة فوقاني تحتاني… والست والدة سلمى ملهاش أي أثر! البواب مرعوب وبيقول إن فيه عربية ميكروباص سودا مفيهاش نمر وقفت قدام البيت من ساعة بالظبط، ونزل منها رجالة ملثمين، كسروا الشقة وطلعوا واخدين الست والدة سلمى بعد ما غطوا راسها وأخدوها بالقوة جوه العربية واختفوا!”


ياسين اتهز في مكانه وبصلي وعينيه وسعت من الصدمة والرعب، وأنا العصير وقع من إيدي على السجادة وصرخت بأعلى صوتي والدموع بتغرق وشي: “ماماااااا!”


وفي نفس اللحظة دي بالظبط… رن تليفون ياسين الشخصي برقم مجهول، وكان الشاشة بتنور برقم برايفت.


 

حكايات سما سامح 2


ياسين بوز الرنين بتاع التليفون وهو بيبصلي بنظرة رعب حقيقية، كأن جبال هموم الدنيا كلها نزلت فوق كتافه في لحظة واحدة. شاورلي بإيده وعينه مبرقة عشان أسكت تمامًا، وصدره كان بيعلو ويهبط من كتمة النفس. بصباعه اللي كان بيترعش بوضوح، ضغط على زرار الإجابة وفتح السبيكر.


طلع من التليفون صوت غريب، مبحوح ومتحشرج بشكل غريب، واضح إنه متعدل بجهاز تغيير الأصوات عشان ميتعرفش. الصوت كان بارد زي التلج، وخالي من أي رحمة:


“الباشمهندس الكبير ياسين المنشاوي… عاش من سمع صوتك يا راجل يا طيب.”


ياسين اتنفس بقوة، وحاول يسيطر على نبرة صوته المذعورة، وقال بقوة وجفاء وهو بيضغط على سنانه:


“أنت مين؟ وعايز إيه؟ والست اللي خطفتوها ملهاش ذنب في أي حاجة من قذارتكم… رجعوها فورًا وحسابكم معايا أنا!”


ضحكة خبيثة، متقطعة ومقززة طلعت من التليفون، وهزت جدران المكتب الهادي:


“تؤ تؤ… بلاش النبرة دي يا باشمهندس، أنت مش في موقف يسمحلك تتنطط ولا تؤمر. إحنا اللي بنقول الشروط هنا. الست نادية منورة عندنا، وفي الحفظ والصون… لحد دلوقتي! بس ده كله معتمد عليك أنت.”


ياسين سأله وعينه متبتة عليا وأنا كاتمة صرختي بإيدي والدموع مغرقة وشي:


“شروطكم إيه؟ فلوس؟ عايزين كام؟ انطق!”


الصوت رد بسخرية:


“فلوس؟ هههه… الفلوس دي بنلعب بيها يا منشاوي. إحنا عايزين اللي أغلى من الفلوس بكتير. الكارت الميموري الصغير اللي رجعلك في المحفظة البني من شوية… الاختراعات وتصميمات المحطة الشمسية الجديدة كاملة. الكارت ده تسلمهولنا، وتاخد قصاده الست نادية سليمة. لو فكرت تبلغ الشرطة، أو تلعب بديلك مع الأمن، ترحم على الست نادية… والجميل في الموضوع، إنك مش هتسلمنا الكارت لوحدك.”


ياسين عقد حواجبه برعب: “يعني إيه؟”


الصوت كمل بنبرة آمرة:


“يعني تجيب معاك البنت الصغيرة… سلمى بنت حسن الشهاوي. لازم تيجي معاك وهي ماسكة الكارت في إيدها. قدامكم بالظبط تلات ساعات. هتبعتولنا الكارت والبنت على اللوكيشن اللي هبعتهولك في رسالة حالاً. لو اتأخرتوا دقيقة واحدة، أو لو المحفظة والكارت موصلوش كاملين، انسى إنك تشوف نادية تاني… واه، لو البنت مجتش معاك، أو لو حركت رجالة الأمن بتوعك، الميكروباص الأسود مجهول الهوية هيدوس على جثتها ويرميها في الصحراء. سلام يا باشمهندس.”


الخط قطع. الصوت سكت. والهدوء المرعب رجع تاني يسيطر على المكتب، بس المرة دي كان هدوء بطعم الموت.


أنا انهرت تمامًا وقعدت في الأرض، وبقيت بصرخ بهستيريا وأنا بضرب على رجلي:



“ماما… هياخدوا ماما مني! والنبي يا عمو ياسين رجعلي ماما… مليش غيرها في الدنيا دي! أنا خايفة أوي…”


ياسين ساب التليفون وجري عليا بسرعة، قعد في الأرض جمبي وأخدني في حضنه بقوة وهو بيطبطب على ضهري ودموعه هو كمان بتنزل على كتافي:


“والله العظيم يا سلمى ما هسيبها. والدتك دي أخت غالية، ومرات أنضف وأرجل صاحب شوفتوا في حياتي. حق أبوكي وحق أمك في رقبتي ليوم الدين. أنا مش هسمح لأي كلب يلمس شعرة منها.”


شالني من الأرض وقعدني على الكنبة، وبدأ يمسح دموعي بمنديل وهو بيحاول يظهر قوي ومتماسك عشان يطمني:


“اسمعيني يا سلمى يا حبيبتي… لازم تكوني قوية دلوقتي زي بابا الله يرحمه. البكاء مش هيفيدنا بحاجة. إحنا قدامنا تلات ساعات، والناس دي محترفين وراهم حد تقيل أوي بيحركهم من ورا الستار… تفتكري مين اللي له مصلحة يطلب الكارت ده ويطلبك أنتِ بالذات؟”


هزيت راسي برعب وأنا بقول بصوت متقطع:


“أنا معرفش حد… إحنا طول عمرنا عايشين في حالنا، وماما كانت بتشتغل بالخياطة وتعبانة عشان تصرف عليا.”


ياسين وقف وبدأ يمشي في المكتب ذهابًا وإيابًا وهو بيفكر بعمق وغضب، وفجأة عينيه برقت وقال بصوت واطي:


“حازم! حازم هو الخيط الوحيد! الكلب ده هو اللي رتب لسرقة الكارت من أسبوع، وهو اللي كان بيراقبكم وعارف مكانكم وبيحاول يطردكم… أكيد شركاءه بره عرفوا إن أمره اتكشف وإن المحفظة رجعتلي، فقرروا يلعبوا الكارت الأخير ويخطفوا والدتك عشان يضغطوا عليا!”


جرى بسرعة على التليفون وطلب مكتب الأمن اللي تحت وزعق:


“خلوا حازم معايا على الخط فوراً! افتحوا السبيكر عليه!”


بعد ثواني، ظهر صوت حازم وهو بيبكي ويترجى من تحت:


“خالي… والنبي يا خالي سامحني! أنا مكنتش أعرف إن الأمور هتوصل لكده! أنا والله ماليش دعوة بخطف الست نادية! هما اللي هددوني وعملوا كده!”


ياسين زعق فيه بغضب أعمى:


“مين هما يا كلب؟! انطق فوراً قبل ما أنزل أخلص عليك بإيدي! مين اللي اتفقت معاهم يسرقوا الكارت ومين اللي خطفوا الست نادية دلوقتي؟!”


حازم قال بنبرة مرعوبة ومتلعثمة:


“ده… ده شريف الغرباوي! صاحب شركة الغرباوي للمقاولات والطاقة البديلة المنافسة لينا… هو اللي أغراني بالملايين عشان أديله التصميمات وبراءة الاختراع بتاعة حسن الشهاوي… وهو اللي قاللي إنه هيهجر عيلة حسن بعيد عشان ياسين ميوصلهمش أبداً وتفضل التصميمات باسم شركته الجديدة… ولما عرف إن البنت لقت المحفظة وجاية تديها ليك، رجالته اتصرفوا وخطفوا والدتها عشان يلحقوا اللعبة قبل ما تبوظ!”




ياسين قفل السكة في وش حازم وهو بيتنفس بصعوبة. الغضب كان مخليه زي الأسد الجريح. بص للكارت الصغير اللي على مكتبه، وبعدين بصلي وقال بنبرة مليانة تصميم:


“شريف الغرباوي… الحوت اللي فاكر نفسه فوق القانون. طيب يا شريف، اللعب معايا هيكون على المكشوف.”


ياسين طلب سليم السكرتير التنفيذي، ودخل المكتب بسرعة ومعاه لاب توب وجهاز صغير. ياسين قال لسلّيم بصوت حازم:


“سليم… هات كارت ميموري فاضي من نفس النوع، وحط عليه ملفات وهمية تالفة مشفرة متفتحش أبداً… الكارت الأصلي ده هيفضل هنا في خزنة المكتب الفولاذية. ومحدش هيلمسه.”


أنا وقفت بسرعة وقلتله وخوفي بيزيد:


“بس يا عمو… هما قالوا لو الكارت مش شغال أو مش كامل هيموتوا ماما!”


ياسين قرب مني وحط إيده على راسي بحنان:


“يا حبيبتي، هما لو خدوا الكارت الأصلي وشغال، هيق*تلوا أمك ويق*تلوكي ويقت*لوتني أنا كمان عشان يداروا على جري*متهم وميبقاش فيه شهود. هما مش عايزين يسيبوا أي أثر. لكن الكارت الوهمي ده هيكون الطُعم اللي هيخليهم يستنوا ويدونا وقت نتحرك ونكشف مكانهم.”


سليم السكرتير قال بقلق وهو بيبص لشاشة اللاب توب:


“يا فندم… الرسالة وصلت على تليفون حضرتك… اللوكيشن في منطقة المصانع القديمة المهجورة في وادي حوف بحلوان. المكان هناك صحراوي ومقطوع تماماً، ومفيش أي تغطية كاميرات هناك.”


ياسين بص لسليم وقال بصرامة:


“كلم اللواء رأفت الصاوي في وزارة الداخلية فوراً، قوله ياسين المنشاوي محتاج دعم من العمليات الخاصة بملابس مدنية وبدون صفارات إنذار… شريف الغرباوي خاطف عيلة صاحبي ومهدد بقت*لهم.”


وبعدين التفت ليا وبص لملامحي المنهكة والتراب اللي مغطي فستاني، وقال بنبرة دافية:


“سلمى… أنتِ هتفضلي هنا في المكتب مع الحراسة، وأنا هروح بالنسخة الوهمية مع قوات الشرطة وهنجيب والدتك ونرجع.”


صرخت بسرعة ودموعي نزلت تاني:


“لأ! لأ يا عمو ياسين أرجوك! هما قالوا لازم أكون معاك! لو شافوك لوحدك هيعرفوا إنك بلغت وهيقت*لوا ماما فوراً! أنا لازم أروح معاك! أرجوك متبعدنيش عن ماما!”


ياسين حاول يقنعني ويهديني، لكن صممت وبكيت لدرجة إن نفسي بدأ يتقطع تاني. كان عارف إن الخاطفين ممكن يكونوا مراقبين محيط المصنع، ولو ملحوش وجود طفلة معاه، ممكن ينفذوا تهديدهم في ثواني قبل ما الشرطة تتدخل.


تنهد بيأس وخوف حقيقي عليا وقال:


“ماشي يا سلمى… هتيجي معايا. بس هتفضلي في العربية ورا الزجاج الأسود المغلق تماماً ومتحركيش مهما حصل، والشرطة هتكون محاصرة المكان من كل الجهات بدون ما حد يحس.”



غيرت فستاني المبهدل بطقم رياضي مريح السكرتيرة جابتهولي بسرعة من محلات البرج، وركبنا العربية الجيب السودا الكبيرة بتاعة ياسين. طول الطريق اللي أخد حوالي ساعة ونص لحد حلوان، كنت باصة من الشباك وضامة رجلي لصدري، وجوايا شريط ذكريات طويل مع ماما… ضحكتها، تعبها، لقمة العيش اللي كنا بنقسمها سوا، وصوتها وهو بيقولي: “إحنا معندناش فلوس يا سلمى… بس عندنا ضمير.”


وصلنا منطقة وادي حوف. الطريق بدأ يبقى ضلمة ومكسر، والمصانع القديمة المهجورة كانت بتظهر على الجانبين زي الأشباح في ضلمة الليل اللي بدأ ينزل. الجو كان بارد ومخيف بشكل غريب.


ياسين كان سايق بهدوء، وعينه على المراية بيراقب عربيات الشرطة المدنية اللي كانت ماشية وراه بمسافات متباعدة عشان متلفتش النظر.


فجأة، تليفونه رن تاني بنفس الرقم البرايفت. ياسين رد بسرعة: “أنا على بعد دقيقتين من اللوكيشن… والبنت معايا والكارت في جيبها.”


الصوت المبحوح رد بلؤم:


“عظيم… ادخل من البوابة الحديدية المكسورة للمصنع رقم ٤ اللي على شمالك. واطفي النور بتاع العربية تماماً… وأول ما تقف، انزل أنت والبنت ورجليكم لفوق.”


ياسين قفل الموبايل، وبصلي في المراية وقال وصوته مليان توتر بس بيحاول يطمني:


“سلمى… اسمعيني كويس. أول ما نقف، أنا هنزل الأول. لو حصل أي حاجة، أو سمعتي صوت ضرب نار، انزلي واجري في عكس الاتجاه واستخبي ورا الطوب القديم لحد ما الشرطة توصلك… فاهمة يا حبيبتي؟”


هزيت راسي وأنا برتعش من الرعب والبرد.


دخلنا من البوابة الحديدية الضخمة المصدية. المكان كان ضلمة كحل، ومفيش غير كشافات الميكروباص الأسود المخطوف فيه ماما هي اللي منورة المكان وبتضرب في وشنا بقوة وتعمي عينينا.


ياسين وقف العربية، واطفي النور. ونزل ونزلني معاه وهو ماسك إيدي بقوة وبيحاول يداري جسمي الصغير وراه.


في نص الساحة الترابية الواسعة للمصنع المهجور، كان واقف تلات رجالة ضخام ولابسين أقنعة سودا، وماسكين س*لاح في إيديهم. وفي النص بينهم… كانت ماما نادية قاعدة على كرسي خشبي، مربوطة بالحبال، وعلى راسها كيس أسود وجسمها كله بيترعش من الخوف والبكا.


أول ما شوفتها صرخت من غير ما أحس: “ماماااااا!”


ماما سمعت صوتي واتنفضت على الكرسي وهي بتحاول تصرخ من تحت الكتمة: “سلمى؟! سلمى لأ! امشوا من هنا!”


واحد من الملثمين تقدم خطوتين ورفع س*لاحه في وش ياسين وقال بخشونة: “الكارت الأول… ارميه في الأرض هنا وحرك البنت لعندي.”




ياسين مد إيده ببطء وطلع الكارت الميموري من جيبه، ولسه هيتكلم ويقول شروطه…


فجأة، من ورا جدران المصنع المهدمة، ظهر راجل لابس بدلة أنيقة جداً وجزمة بتلمع في وسط التراب، وبدأ يصقف ببرود واستهزاء وهو بيمشي ناحيتنا بخطوات بطيئة.


الرجالة الملثمين وطوا راسهم باحترام ليه. الراجل وقف في النور، وبان وشه بوضوح تحت ضوء كشافات الميكروباص…


مكانش شريف الغرباوي!


ياسين أول ما شاف وشه، تراجع خطوة لورا وصدمة مرعبة لجمت لسانه، وعينيه بقت هتطلع من مكانها وهو بيهمس بنبرة مليانة رعب وعدم تصديق:


“أنت؟! مش ممكن… أنت عايش؟! إزاي؟!”


الراجل اللي واقف في الضلمة ضحك ضحكة هادية ومستفزة، ضحكة خالية من أي مشاعر وكأنها طالعة من مقبرة. قلع النظارة الشمسية اللي كان لابسها بالرغم من إننا بالليل، وبص لياسين بنظرة كلها شماتة وغرور.


ياسين كان واقف متجمد، ملامح وشه كانت شاحبة لدرجة تخوف، وكأنه شاف شبح حقيقي واقف قدامه. همس وصوته بيترعش لدرجة إنه مكنش قادر يطلع الحروف:


“حسن؟! حسن الشهاوي؟!… أنت عايش؟! إزاي؟ إحنا دفناك بإيدينا من خمس سنين!”


أنا عقلي وقف عن التفكير. الاسم ده هز كياني كله. “حسن الشهاوي”؟ ده اسم بابا! بابا اللي كنت بصلي وأدعي له كل ليلة، بابا اللي صورته متعلقة في الصالة وماما كانت بتعيط كل ما تبص لها. بصيت للراجل ده بتركيز… كان فيه شبه كبير من الصور اللي شوفتها، نفس العينين، ونفس الوقفة، بس الملامح كانت أقسى بكتير وخالية من أي حنان.


ماما نادية أول ما سمعت صوته، بدأت تتحرك بهستيريا على الكرسي وهي مربوطة، وطلعت منها صرخة مكتومة ومخنوقة من تحت الكيس الأسود اللي مغطي راسها، كأنها كانت عارفة الحقيقة دي من الأول أو اتصدمت بيها في لحظتها.


حسن مشي خطوتين تلاتة ناحيتنا، ووقف على بعد مترين بس من ياسين. حط إيديه في جيوب بنطلونه وقال ببرود قاتل:


“أهلاً يا ياسين… أهلاً يا شريكي القديم. الصدمة شديدة عليك صح؟ معلش، الموت بيبقى تمثيلية سهلة أوي لما يكون معاك الفلوس اللي تشتري بيها ذمم الدكاترة والمحققين.”


ياسين صرخ فيه وهو بيحاول يستوعب الكارثة:


“ليه يا حسن؟! ليه تعمل كده فينا؟ وفي كرامتك وأمانتك؟ أنا عشت خمس سنين حزين عليك، وكنت بقلب الدنيا عشان ألاقي نادية وبنتك سلمى وأديهم حقهم! ليه تخليهم يعيشوا في الفقر والجوع والبهدلة دي كلها وأنت عايش وبتلعب بالملايين من ورا الستار؟!”


حسن وشه اتقلب فجأة وبقى شكله مرعب، الغل والحقد ظهروا في عينيه وهو بيقرب من ياسين أكتر وزعق:




“حقهم؟! أنت لسه كداب وممثل بارع يا ياسين! أنت طول عمرك كنت بتاخد اللقطة والشهرة، وأنا المهندس العبقري اللي بيشتغل في الضلمة! الاختراعات دي بتاعتي أنا! التصميمات دي تعبي أنا! ولما جيت أطلب حقي الحقيقي، قولتلي إننا شركاء بالنص والشركة باسم المنشاوي! كان لازم أختفي… كان لازم أموت عشان أقدر أشتغل مع شريف الغرباوي من تحت لتحت، وأبني إمبراطوريتي الخاصة بعيد عن جشعك!”


بص ناحيتي، وعينيه نزلت عليا. للحظة حسيت ببرودة في جسمي كله لما عينيه جت في عيني. مكنش فيها أي نظرة أبوة أو شوق. قال بنبرة جافة:


“أما بالنسبة لنادية وسلمى… فدول كانوا كارت الأمان بتاعي. كان لازم يفضلوا عايشين في فقر وتحت المراقبة عشان لو فكرت يا ياسين تغدر بيا أو تستغل التصميمات دي، أقدر أضغط عليك بيهم في أي وقت. حازم كان شغال معايا من الأول… هو اللي كان بيبعدك عنهم، وهو اللي رتب لسرقة الكارت من مكتبك.”


دموعي نزلت زي المطر، وصدمتي في بابا اللي كنت بفتخر بيه قدام أصحابي في المدرسة دمرتني من الجوا. صرخت فيه بصوت طفولي مقهور:


“أنت مش بابا! بابا حبيبي مات… بابا ميعملش كده في ماما! ميسيبناش جعانين ونطرد في الشارع!”


حسن بصلي ببرود ومن غير ما تتهز فيه شعرة وقال:


“اكبري يا سلمى واعرفي إن الدنيا دي مفيهاش مكان للضعفاء والغلابة… الضمير اللي أمك علمتهولك ده مش هيأكلك عيش، وأهو كان هيرميكي في الشارع لولا إن المحفظة وقعت في طريقك بالصدفة.”


التفت لياسين ومد إيده بصرامة:


“كفاية كلام لحد كده… وقت اللعب خلص. هات الكارت يا ياسين… الكارت الأصلي اللي في جيبك. متمثلش وتديني كارت وهمي، لأن حازم بعتلي رسالة قبل ما يتمسك وقالي إنك كشفت اللعبة، وأنا عارف إنك مأمن نفسك… بس أنا كمان مأمن نفسي.”


شاور بإيده لواحد من الرجالة الملثمين. الراجل سحب مسدسه وحطه مباشرة على راس ماما نادية، وعمر الس*لاح بصوت مسموع ومرعب في وسط ضلمة وسكون المكان.


حسن كمل بتهديد واضح:


“الكارت الأصلي دلوقتي… وإلا هتشوف دماغ مرات صاحبك القديم بتطير قدام عينيك وعين بنتها.”


ياسين اتنفس بسرعة، وكان باين عليه إنه بيمر بأصعب لحظة في حياته. الشرطة بره كانت مستنية إشارته، لكن أي حركة غلط أو هجوم سريع من بره ممكن يخلي الملثم يضغط على الزناد وينهي حياة ماما في ثانية. ياسين بصلي ونظراته كانت بتعتذرلي عن العجز اللي هو فيه.


مد إيده ببطء شديد لجيب جاكتته الداخلي. طلع الكارت الميموري الأصلي، ورفعه في الهوا عشان حسن يشوفه. وقال بنبرة مكسورة ومستسلمة:




“الكارت اهو يا حسن… ده الأصلي وعلي كل التصميمات وفك التشفير بتاعها. سيب نادية تروح وأنا هسلمهولك بإيدي.”


حسن ابتسم ابتسامة النصر الخبيثة وقال: “ارمي الكارت في الأرض ومشي البنت لعندي الأول.”


ياسين رمى الكارت على التراب، وبصلي بقلة حيلة وهمسلي بصوت دافي: “روحي يا سلمى… روحي لماما ومتخافيش.”


خطواتي كانت تقيلة كأني ماشية على مسامير. كنت برتعش وأنا ببعد عن ياسين وبقرب من حسن والرجالة الملثمين. التراب كان بيطير حوالينا، وصوت أنفاس ماما المذعورة كان بيقطع قلبي.


وصلت قدام حسن، مسكني من كتفي بقوة وجفاء خلتني أتوجع، ووطى أخد الكارت من الأرض ونفخ عليه التراب وبص له بلمعة طمع رهيبة في عينيه.


وفي اللحظة دي بالظبط… وقبل ما حسن ينطق بكلمة…


سمعنا صوت سرينة بوليس قوية جداً بتضرب من بعيد، وفجأة كشافات عملاقة لنور العربيات ظهرت من كل حتة وحاصرت المصنع من كل البوابات والفتحات المهدومة!


حسن تراجع لورا برعب وزعق: “أنت بلغت يا ياسين يا كلب؟! وضحك عليا!”


ياسين صرخ بأعلى صوته وهو بيجري ناحيتنا عشان يحمينا: “سلمى ارمي نفسك في الأرض!”


في ثانية واحدة، المكان اتقلب لساحة حرب. ضرب النار بدأ يشتغل بغزارة بين رجال الأمن اللي داخلين والملثمين اللي بدأوا يضربوا نار عشوائي عشان يهربوا.


حسن شدني بقوة ورا ضهره كدرع بشري وهو بيحاول يتراجع ناحية الميكروباص الأسود، وأنا بصرخ وبحاول أملص من إيده الممسكة بيا زي الحديد.


واحد من الملثمين وهو بيجري ضرب طلقة ناحية الكرسي اللي مربوطة عليه ماما نادية…


الطلقة صابت حبل الكرسي، وماما وقعت في الأرض وهي بتصرخ، وياسين رمى نفسه فوقيها عشان يحميها بجسمه من الرصاص المتطاير.


حسن وصل لباب الميكروباص وهو ساحبني معاه، وفتح الباب بسرعة وزقني جواه وهو بيصرخ في السواق: “اطلع بسرعة! اطلع من المخرج السري اللي ورا!”


العربية طلعت بأقصى سرعة وهي بتفحط في التراب وسط ضرب النار الكثيف وصوت الإسعاف والشرطة اللي بيملى المكان… وبقيت أنا جوه العربية المخطوفة مع الراجل اللي اكتشفت فجأة إنه بابا… بس هو في الحقيقة أكبر كابوس في حياتي!


 

حكايات سما سامح 3


بدأ الميكروباص يتمايل بعنف مع سرعته الجنونية في المنحنيات الضيقة للطريق الصحراوي، وصوت كاوتش العربية بيصرخ على الأسفلت كان بيخرم ودني. أنا كنت قاعدة ورا، ضامة ركبي لصدري ومغمضة عيني، وبدعي إن ده كله يطلع كابوس وأصحى منه ألاقي ماما بتصحيني عشان أروح المدرسة.


حسن كان قاعد جنب السواق، وشه كان متخشب وعروق رقبته بارزة من كتر الغضب. فجأة، طلع جهاز تابلت صغير من شنطة جلد كانت معاه، ووصل فيه الكارت الميموري اللي أخده من ياسين، وبدأ يحاول يفتح الملفات.


دقايق من الصمت المريب، وبعدها، صرخة غضب مكتومة طلعت من صدره خلت السواق يترعش في مكانه. حسن خبط التابلت بإيده بقوة، وبص ليا وعينيه بتطلع نار، وصرخ بصوت زلزل العربية:


“ياسين! الكلب خدعني! الملفات مشفرة وممسوحة… ده كارت فاضي!”


حاولت أبعد بجسمي لورا وأنا برتجف من الخوف، ودموعي بتنزل في صمت: “أنا… أنا معرفش حاجة… والله ما أعرف.”


حسن قام من كرسيه، وجالي ورا، مسك ذراعي بقوة لدرجة إني حسيت عظمه هيتكسر، وقرب وشي من وشه لدرجة إني شميت ريحة سجاير وحقد طالعة منه، وقال بصوت واطي ومرعب:


“أنتِ عارفة حاجة يا سلمى. أنتِ عشتي معاه في المكتب ساعات. أكيد سلمهولك، أو قالك مكانه فين. انطقي… فين الكارت الأصلي؟”


“والله ما قالي حاجة!” صرخت بانهيار، “هو كان بيحاول يساعدنا بس… أنت اللي وحش! أنت اللي بعدتنا عن ماما كل السنين دي!”


رفع إيده عشان يضربني، لكنه وقف فجأة، ورسم على وشه ابتسامة شيطانية وهو بيبص للسواق:


“نزلنا عند المخزن القديم اللي على الكورنيش، بسرعة! ياسين أكيد ميعرفش إني عندي خطة تانية.”


طول الطريق، كان بيكلم حد على تليفونه، صوته كان هادي ومسموم: “اسمع يا شريف… اللعبة باظت هنا، والشرطة في كل حتة. لازم نغير الخطة. البنت معايا… أيوه، البنت اللي معاها مفتاح اللغز. ياسين مش هيجازف بحياتها. جهز مركب سري عند المرسى رقم ٥. هروح هناك، وهخليه يجيب الكارت الأصلي، ومعاه… الست نادية.”


اتحجرت الدموع في عيني. ماما! لسه عايز ماما. هو مش مكتفي بيا؟ عايز يرجع ياخد ماما كمان عشان يضمن إن ياسين يجيله؟


وصلنا لمكان مقطوع ومظلم على النيل، عبارة عن مرسى قديم ومتهالك، ريحة المية فيه معفنة ومخلوطة بريحة الصدأ. حسن شدني من إيدي، وأخدني معاه جوه عنبر قديم كان ريحته تراب ورطوبة. قعدني على كرسي حديدي صدئ، وربط إيديا ورا ضهري بحبل خشن، ورمى تليفوني قدامي على الأرض.


قعد قدامي على كرسي تاني، وطلع تليفونه الشخصي وطلب رقم ياسين. رد ياسين بسرعة، وصوته كان باين عليه إنه بيجري وبيلهث، وبمجرد ما سمع صوت حسن، زعق بجنون:




“حسن! اسمعني يا واطي! لو لمست شعرة من سلمى، وحياة اللي خلقني ما هرحمك! سلمى ملهاش ذنب في ألاعيبنا!”


حسن ضحك ببرود: “سلمى في أمان… لحد دلوقتي. اسمعني كويس يا ياسين. قدامك ساعة واحدة. تجيب الكارت الأصلي، ومعاه نادية… إيوة، نادية. أنت خدتها مني في المصنع، رجعهالي هنا في المرسى القديم. لو مجيتش، أو لو بلغت البوليس، سلمى مش هتشوف نور الشمس تاني.”


“إزاي أجيب نادية وهي في المستشفى بعد اللي حصل؟ أنت مجنون؟!”


“دي مشكلتك يا ياسين. اتصرف. ساعة واحدة… التيك توك بدأ.”


قفل حسن الخط، ورمى التليفون. بصلي بشفقة مزيفة وقال:


“عارفة يا سلمى… أنا كنت بحبك، كنت بحلم إنك تكبري وتكوني وريثتي، تبني معايا الإمبراطورية دي. بس الغباء اللي أمك زرعته فيكي خلاكي تشوفي فيا عدو.”


“أنت اللي اخترت تكون عدو لنفسك ولنا…” رديت بصوت مخنوق ومحاوله أكون شجاعة، رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبول.


حسن قام وبدأ يتمشى في العنبر، وفجأة، سمعنا صوت عربية بتقرب، وصوت ضرب نار خفيف من بعيد. حسن اتوتر وبدأ يبص من فتحة صغيرة في الحيطة.


“شرطة؟ لا… دول مش شرطة. ده ياسين!”


ياسين كان لوحده؟ ياسين غامر وجيه لوحده عشان ينقذني؟


فجأة، انفتح باب العنبر بقوة، ودخلت مجموعة من الرجالة الملثمين اللي كانوا مع حسن، ومعاهم شخص تاني… شخص كان وشه متغطي بقناع، وكان ماسك س/لاحه وداخل بكل ثقة.


حسن بص للملثم الجديد باستغراب: “أنت مين؟ أنا مقلتلكش تيجي هنا!”


الشخص ده شال القناع ببطء… كان حازم! ابن أخت ياسين، اللي المفروض يكون في الحجز.


حازم بصلنا، وعينه كانت بتلمع برغبة في الانتقام:


“أنا جيت عشان أخلص اللعبة دي بنفسي يا خالي… يا حسن. أنت وياسين دمرتوا حياتي، وخدعتوني، ورميتوني في وش المدفع. دلوقتي… اللي معاه البنت هو اللي هيكسب، واللي معاه الكارت هو اللي هيحكم.”


حسن اتنرفز وطلع مسدسه، وحازم طلع مسدسه… العنبر بقى فيه تلاتة أعداء، وأنا في النص، مربوطة ومكتفة، والمصير مجهول تماماً.


حسن صرخ: “نزل س/لاحك يا حازم، أنت مش قد اللعبة دي!”


حازم ضحك: “أنا اللي رسمت اللعبة دي من الأول يا عمي… أنا اللي سرقت الكارت من مكتب ياسين، وأنا اللي خليتكم تتخانقوا وتدمروا بعض. ودلوقتي… حان وقت النهاية.”


قبل ما حد فيهم يتحرك، انطلقت رصاصة من مكان مجهول جوه العنبر… والمكان كله ولع نار!


صوت الانفجار ورائحة البارود ملأت العنبر المهجور في ثوانٍ معدودة. الرصاصة اللي انطلقت مكنتش عشوائية، دي صابت أسطوانة غاز قديمة كانت مرمية في ركن العنبر، وانفجرت بقوة خلت السقف الصاج يتهز ويتهاوى منه حتت حديد مولعة نار.



الكل اترمى في الأرض من شدة الانفجار. حازم ورجالته جريوا ورا العواميد الخرسانية وهم بيضربوا نار بغزارة، وحسن زحف بسرعة على الرمل وهو بيصرخ وبيدور على شنطته والتابلت اللي وقعوا منه.


أنا كنت لسه مربوطة في الكرسي الحديد، والكرسي اتقلب بيا على جنب من قوة الهزة. النار بدأت تنتشر بسرعة في الخشب القديم والكرتون المرمي حواليا، وكنت حاسة بسخونية اللهب وهي بتقرب من رجلي وجسمي الصغير بيرتعش من الرعب. صرخت بكل صوتي والدموع والتراب مغطيين وشي:


“الحقوني! أنا هموت هنا! يا ماما الحقيني!”


في وسط سحب الدخان الأسود الكثيف اللي بدأت تخنق المكان، انفتح الباب الجانبي للعنبر بقوة، وظهر منه ظل راجل بيجري وسط النار وبيمر من بين الرصاص بدون ما يهمه حياته.


كان ياسين!


ملمحش أي حد من المسلحين، عينيه كانت بتدور بجنون وسط الدخان لحد ما لمح جزمة الكوتشي بتاعتي وهي بتتحرك تحت الكرسي المقلوب. جرى عليا بأقصى سرعة، ورمى نفسه في الأرض جمب الكرسي. عينيه كانت حمرا من كتر الدخان والدموع، ووشه كان مليان جروح من شظايا الانفجار.


مسك سكينة صغيرة كانت في جيبه وبدأ يقطع الحبال اللي مكتفاني بسرعة وهو بيقول بنبرة ملهوفة وصوت بيتقطع من الكحة:


“متخافيش يا سلمى… عمو ياسين معاكي… مش هسيبك تموتي هنا والله.”


أول ما الحبال اتقطعت، حضنته بقوة وأنا بصرخ من الخوف. شالني بين دراعاته بسرعة ولسه بيلف عشان يجري بيا لبرة…


ظهر حسن من وسط الدخان، وشه كان متشوه تماماً ومغطي بالهباب الأسود، وعينيه مفيهاش أي ذرة إنسانية. كان رافع مسدسه وموجهه مباشرة لصدر ياسين. زعق بنبرة وحشية كأن عقله طار:


“رايح فين يا ياسين؟! اللعبة مش هتنتهي غير بموتك! ارمي البنت وسيب الكارت هنا، وإلا هقضي عليكم أنتوا الاتنين!”


ياسين وقف مكانه وثبتني ورا ضهره عشان يحميني بجسمه، وبص لحسن بنظرة قرف وألم وقال بصوت قوي وهادي بالرغم من النار اللي بتحاصرهم:


“أنت مريض يا حسن… الطمع عماك لدرجة إنك مستعد تق*تل بنتك الوحيدة؟ بص حواليك… المكان كله بيقع، لو ممشيناش دلوقتي كلنا هنموت هنا!”


في اللحظة دي، حازم ظهر من ورا حسن بغدر تام، وصوب مسدسه على ظهر حسن وهو بيضحك ضحكة هستيرية:


“هو فعلاً مريض يا خالي… عشان كده أنا هريحه وأريحكم كلكم، والمليارات دي كلها هتكون ليا أنا لوحدي!”


حازم ضغط على الزناد…


لكن في نفس الأجزاء من الثانية، حسن لمح ظل حازم في انعكاس مية النيل اللي داخلة من الشباك المكسور، ولف بجسمه بسرعة وضرب هو كمان!



دوي طلقات نارية متتالية هز العنبر كله، واختلط بصوت صرخاتي الرعب.


حازم انصابت رصاصته في صدره ووقع في الأرض وهو بيلفظ أنفاسه الأخيرة وعينيه مبرقة بجنون وصدمة. أما حسن، فالطلقة بتاعة حازم صابت كتفه ورقابه، تراجع لورا وهو بيترنح ودمه بينزف بغزارة على التراب، وبدأ يقع ببطء ناحية براميل البنزين القديمة اللي كانت قريبة من النار المشتعلة.


ياسين مستناش ثانية واحدة. شالني على كتافه وجري بيا بأقصى سرعة ناحية المخرج السري اللي بيودي على مرسى النيل، في الوقت اللي كانت جدران العنبر الخشبية بتنهار ورانا زي ورق الكوتشينة.


خرجنا للهوا النظيف، وكنت بكح بعنف وبحاول أتنفس وأنا باصة ورايا. العنبر كله اتقلب لكتلة لهب ضخمة منورة ليل النيل المظلم، وصوت انفجارات متتالية كانت بتطلع منه.


ياسين نزلني في الأرض ووقع على ركبه وهو بيلهث وتعبان جداً، وحضن كتفي وهو بيبص للنار بأسى وحزن على صاحبه القديم اللي نهايته كانت مأساوية بسبب الطمع.


لكن الصدمة لسه مخلصتش…


من بين الضلمة، ومن وراء الشجر الكثيف اللي على جرف النيل، ظهرت عربية ميكروباص سودا تانية تماماً، ونزل منها رجالة مسلحين لابسين بدل سودا فخمة مش ملثمين… دول حرس شريف الغرباوي الشخصيين!


وواحد منهم كان ماسك تليفون شغال سبيكر، وطلع منه صوت شريف الغرباوي الحقيقي وهو بيقول ببرود قاتل لياسين عبر الهاتف:


“برافو يا ياسين… خلصتني من حسن وحازم الأغبياء ووفرت عليا تصفيتهم. بس الكارت الأصلي لسه معاك، والبنت معاك… ورجالتي محاصرين المرسى بالكامل ومفيش أي شرطة هتلحقك هنا. سلم الكارت والبنت حالاً… وإلا نادية اللي عندي في المستشفى تحت رحمة رجالتي هناك هتموت في دقيقة واحدة بحقنة هوا!”


ياسين وقف ببطء وهو بيبص للمسلحين اللي محاصرينه من كل جهة، ورفع إيديه لفوق وهو حاسس بنهاية حتمية، وهمسلي بصوت دافي وعينيه بتودعني:


“سلمى… سامحيني يا حبيبتي… أنا عملت كل اللي أقدر عليه.”


وفجأة… من تحت مية النيل المظلمة، وبدون أي مقدمات… ظهرت كشافات غطاسين قوية جداً بدأت تضرب في وش المسلحين، وصوت مركب حربي سريع تابع للقوات الخاصة بدأ يظهر من وسط الضلمة وهو بيقرب من المرسى بسرعة الصاروخ!


ضربات قلبي السريعة كانت بتتسابق مع صوت ضرب النار اللي بدأ فجأة من كل اتجاه.


انشقت مية النيل عن رجالة الضفادع البشرية وهم بيطلعوا زي الأشباح، وبلمح البصر، وقبل ما رجالة شريف الغرباوي يستوعبوا الكارثة، كانت طلقات تحذيرية ورصاص حقيقي بيصيب رجولهم وأسلحتهم بدقة متناهية. القارب الحربي السريع هجم على المرسى، ونزل منه رجالة العمليات الخاصة بملابسهم السوداء وأسلحتهم المجهزة بالليزر، وصوت مكبر الصوت زلزل المكان:



> **”اثبت مكانك أنت وهو! الأرض محاصرة بالكامل!”**


>


### اللحظة الحاسمة


في ثوانٍ معدودة، كان رجالة شريف الغرباوي كلهم على الأرض، مكلبشين وتحت سيطرة القوات الخاصة. قائد المجموعة جرى بسرعة على ياسين، وبصوت حازم وهادي قاله:


“أنت كويس يا سيادة المقدم؟”


ياسين مكنش سامع ولا شايف غير التليفون اللي كان لسه مرمي على الأرض وصوت شريف الغرباوي بيطلع منه بضحكة قلقانة ومرتبكة:


“ألو؟ إيه اللي بيحصل عندك يا متر؟ ألو؟”


ياسين وطى بسرعة، مسك التليفون، وصرخ فيه بكل غضب الدنيا وهو بيلهث:


“انتهت يا شريف! لعبتك خلصت ورجالتك كلهم تحت رجلينا!”


صوت شريف على الناحية التانية اتحول لبرود مرعب وفحيح أفعى:


“متفرحش أوي يا ياسين… نسيت نادية؟ حركة واحدة غبية منك، وهتسمع خبرها في التليفون ده حالا!”


في اللحظة دي، قائد القوات الخاصة طبطب على كتف ياسين، وبشاورله بابتسامة ثقة وهو بيقدّم له تليفون تاني مشفر، وعليه مكالمة شغالة.


ياسين مسك التليفون بوجل، وسمع الصوت اللي رد عليه:


“ياسين؟ حبيبي أنت كويس؟ سلمى معاك؟”


كانت نادية! صوتها كان تعبان بس واعي ودافي.


الظابط بصل لياسين وقاله بابتسامة:


“مستشفى القوات المسلحة أمنّت المستشفى اللي فيها نادية من نص ساعة يا بطل، ورجالة شريف اللي كانوا هناك اتمسكوا قبل ما يقربوا من أوضتها بخطوة واحدة. المستندات اللي حسن بعتها لوزارة الداخلية قبل ما يتجنن كانت كافية نتحرك فوراً.”


ياسين نزلت دموعه من الفرحة، ركع على الأرض وشدني لحضنه وهو بيعيط وبيردد:


“الحمد لله… الحمد لله يا رب… راحت الغمة.”


### نهاية الطمع


بصينا ورايا، كان العنبر المهجور بينهار بالكامل، ولسان اللهب واصل للسما. النار أكلت كل شيء؛ حسن، وحازم، والمليارات الوهمية اللي ضيعوا حياتهم ونفوسهم عشانها. الطمع مخلّاش منهم غير شوية رماد تاهوا في هوا النيل.


شريف الغرباوي اتقبض عليه في نفس الساعة في فيلته وهو بيحاول يهرب برة البلد، والكارت الأصلي اللي مع ياسين كان المسمار الأخير في نعش إمبراطوريته القذرة.


### شروق جديد


بعد كام يوم…


كنت قاعدة في جنينة المستشفى، الشمس دافية وجميلة، وماما كانت قاعدة جمبي وضماني لحضنها وهي مش مصدقة إني رجعتلها بالسلامة.


من بعيد، لمحنا ياسين جاي وهو ساند نادية اللي كانت على كرسي متحرك بس وشها منور بابتسامة صافية. ياسين جرى عليا وشالني ولف بيا وهو بيضحك، الضحكة الحقيقية الأولى اللي أشوفها على وشه من يوم ما بدأت الكابوس ده.



بصيت لعيون عمو ياسين وقولتله:


“شكراً إنك منقذتنيش بس… شكراً إنك رجعتلي الأمان.”


طبطب على راسي بحنان وقال:


“أنتِ بنتي يا سلمى… والشر مهما طال ومهما افتكر نفسه قوي، نهايته دايماً بتكون زي ورق الكوتشينة وسط النار.”


 






تعليقات

التنقل السريع
    close