القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر

 

سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر




حكايات نور محمد1


سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر وبتترجى الدكتور في التليفون يعمل عملية عين بابا المعتّمة ويستنى عليها في الفلوس، ولما الدكتور رد عليها بقسوة وقالها: “مفيش جراحة هتتعمل غير لما تدفعوا المقدم الأول”، خرجت الصبح من البيت ورجليا مش شايلاني والدنيا سودة في وشي، بس اللي حصل معايا في شوارع الحسين خلاني أتيقن إن ربنا لما بيريد، بيقلب الموازين في لحظة واحدة.


الحكاية بدأت لما نزلت الصبح بدري وأنا شايلة في جيب شنطتي آخر حاجة حيلتي في الدنيا.. “خاتم دهب صغير” كانت سيباهولي جدتي الله يرحمها ذكرة. كنت مخبياه لليوم الأسود، وقلت خلاص، مفيش أسود من إن أبويا يفقد بصره وما يشوفش النور تاني. مشيت لحد منطقة “الصاغة” في الحسين ورجليا بتترعش، بعت الخاتم بالعافية وجابلي ألفين جنيه، مبلغ بسيط جداً بالنسبة لتكلفة العملية، بس قلت أهو يسد جزء من المقدم وأستسمح الدكتور.


وأنا طالعة من حارة الصاغة ورايحة أركب الميكروباص، لقيت ست كبيرة طاعنة في السن قاعدة على عتبة محل مقفول وبتعيط بكسرة حادة وتنحب. المنظر وجع قلبي، قربت منها وسألتها: “مالك يا حجة؟ خير في إيه؟”، ردت عليا وهي بتشهق: “ابني محجوز في المستشفى ومحتاج علاج بـ ألف وثمانمية جنيه، والصرة اللي فيها الفلوس وقعت مني في الزحمة ومش عارفة أرجعله بأنهي وش.. خايفة يروح مني!”


وقتها وقفت مذهولة.. الشنطة في إيدي فيها ألفين جنيه بس، دول أمل أبويا الوحيد! وفضلت الأفكار تضرب في دماغي: “أديها الفلوس وأسيب بابا؟ ولا أمشي وأطنش دموعها؟”. بس افتكرت كلمة بابا دايماً لما كان يقولي: “من سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في مخاطر الطرائق”. بصيت للست وبدون تردد طلعت الألف وثمانمية جنيه وحطيتهم في إيدها وقلت لها: “اتفضلي يا أمي، ربنا يشفيهولك ويرجعهولك بالسلامة”.


الست بصت للفلوس وللجنية الفاضل معايا، وقامت حضنتني بكاء هستيري، ودعت لي دعوة هزت كياني: “ربنا يقيم لك سوق الحظ من وسع، ويفتح لك الأبواب المقفولة، ويجعل لك في كل خطوة فرج وسرور، ويرد لك الجميل أضعاف مضاعفة يا بنت الأصول!”


ركبت الميكروباص وأنا جيبتي فاضية تماماً، بس حاسة بنور وطمأنينة غريبة جوة قلبي، وقعدت أردد الاستغفار وأقول: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث”. فجأة، الست اللي راكبة جنبي – وكانت باين عليها العز والوقار – لاحظت إني بمسح دموعي وأنا بسبح. طأطأت عليا وقالتلي برقة: “يا بنتي الوش السمح ده ما يستاهلش البكاء، أنا متبعاكي من أول ما طلعتي من الصاغة وجمالك في تصرفك مع الست العجوزة لفت نظري.. احكيلي إيه الحكاية؟”


حكيت لها بحسن نية ودموعي نازلة عن حالة بابا وعن الخاتم وعن العملية اللي خلاص مش هنقدر نعملها. الست وشها اتغير تماماً وبصت لي بذهول وقالتلي: “طب انتي تعرفي إن جوزي هو الدكتور (رؤوف السويفي) أكبر جراح عيون في مصر؟ وإننا كنا رايحين المستشفى حالا بس عربيتنا عطلت وأنا ركبت الميكروباص عشان أسبقه؟”



أنا مكنتش مصدقة أذني! معقولة الست اللي جنب في الميكروباص تبقى حرم أكبر دكتور عيون؟! مسكت إيدي وقالتلي بنبرة كلها حزم ورحمة: “انزلي معايا فوراً.. عملية أباكي هتتعمل النهاردة وعلى نفقتي الخاصة، وده مش جميل، ده حق البنت اللي اشترت خاطر ست غريبة بآخر ما تملك!”


وصلنا المستشفى الاستثماري الكبير، والدكتور رؤوف كان واقف مستني مراته ومستعد يدخل غرفة العمليات لحالة ثانية. مراته قربت منه وحكت له القصة سريعا وادت له التقارير الطبية بتاعة بابا اللي كانت معايا في الشنطة..


الدكتور أول ما مسك التقارير وبص في اسم بابا الخماسي مكتوب فوق.. إيده أترعشت! والورق وقع منه على الأرض، وشه اصفرّ جداً وبص لي بعيون مذهولة وقال بنبرة صوت مرعوبة ومصدومة:


“أبوكي اسمه (عبد الرحمن شاكر)…؟! هو انتي بنت الراجل ده؟! مش ممكن!! انتي عارفة أبوكي عمل معايا إيه من ٣٥ سنة لما كنا في الصعيد؟! افتحي الباب ده بسرعة واجري هاتيه هنا حالاً لأن السر اللي خباه أبوكي طول السنين دي لازم يتفتح النهاردة!!”


 


دخلت الأوضة وأنا إيدي بتتفض وجسمي كله بيترعش، مش فاهمة إيه السر اللي يخلي دكتور بوزن وقامة الدكتور رؤوف السويفي يصفرّ وشه بالشكل ده، وورق التقارير يقع من إيده كأنه ماسك جمرة نار. ركبت التاكسي وأنا طيرة في الشارع، منجرفة بين الفرحة إن بابا هيتعالج، والرعب من السر اللي هيتفتح بعد ٣٥ سنة.


وصلت البيت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، عينها حمرا من كثرة البكا، وبابا قاعد على الكنبة، حاطط إيده على وشك ومستسلم للضلام اللي بدا يغيم على عينه تماماً. ما حكيتش لأمي أي تفاصيل، مسكت إيد بابا وقولتله بصوت محروق من الأمل: “قوم يا بابا، يلا بينا على المستشفى.. عمليتك النهاردة!”


أمي بصت لي بذهول وقالتلي: “عملية إيه يا بنتي؟! الفلوس منين؟ الدكتور امبارح…”


قاطعتها وأنا بشد بابا من إيده: “ربنا فرجها من وسع يا أمي، يلا بينا وماتسأليش عن حاجة دقتي!”


وصلنا المستشفى الاستثماري الكبير، وطول الطريق بابا كان بيسألني باستغراب: “مين الدكتور يا بنتي؟ وجبتي الفلوس منين؟” وأنا أتهرب وأقوله: “لما نوصل هتفهم كل حاجة يا حبيبي”.


أول ما دخلنا من باب المستشفى، لقيت حرم الدكتور رؤوف واقفة مستنيانا عند الرسبشن، وبمجرد ما شافت بابا، ابتسمت بدموع وقالت للممرضين: “جهزو غرفة الكشف الخاصة فوراً، وبلغوا الدكتور رؤوف إن الحاج عبد الرحمن وصل!”


دخلنا العيادة الكبيرة. كان الدكتور رؤوف قاعد ورا مكتبه، حاطط إيده على رُكبته وبيفرك فيهم بتوتر شديد. أول ما باب العيادة اتفتح وبابا دخل ساند عليا، الدكتور رؤوف وقف مرة واحدة، الفوطة البيضا اللي في إيده وقعت، وبص لبابا بنظرة فيها مزيج من الذهول، الرهبة، والإجلال.


بابا كان شايف خيالات ومش مجمع الوشوش، وقال بصوت مرتعش: “السلام عليكم يا دكتور.. أنا عبد الرحمن، بنتي قالتلي إن…”




قبل ما بابا يكمل جملته، الدكتور رؤوف مشي خطوات سريعة ورمى نفسه في حضن بابا! حضنه بقوة وكأنه بيمسك في حبل نجاة، وبدأ يعيط بصوت مسموع! المستشفى كلها كانت عارفة الدكتور رؤوف بشروده وهيبته وقسوته أحياناً مع المساعدين، لكن إنه يعيط بالشكل ده قدامنا؟ ده اللي ذهَل أمي وخلاني أقف مش فاهمة حاجة.


بابا استغرب جداً، ورفع إيده بتوتر وطبطب على كتف الدكتور وقال: “خير يا دكتور؟ انت تعرفني؟ أنا مش شايف وشك والله، النور قطع في عيني من أسبوعين…”


الدكتور رؤوف مسح دموعه بصعوبة، ومسك إيد بابا وحطها على وشه وقال بنبرة مليانة حسرة وامتنان:


“مش فاكر الصوت ده يا حاج عبد الرحمن؟ مش فاكر الطالب اللي كان بيموت من الجوع والخوف في قرية ‘أم قصور’ في أسيوط سنة ١٩٩١؟ مش فاكر الشاب اللي اترمى في الترعة بعد ما العمدة اتهَمَه بالسرقة وظلمه، وكانت البلد كلها عايشة تقتله، وانت الوكيل الوحيد في النيابة اللي وقفت ضد العمدة وضد كل الناس علشان تحميه؟!”


ساد الصمت في الأوضة، وبابا ملامح وشه اتغيرت فجأة.. إيده اللي كانت على وش الدكتور بدأت تترعش، وشفت فجأة شريط ذكريات قديم بيتفتح في عين بابا المطفية.


الدكتور رؤوف كمل وكأنه بيفرغ كبت سنين طويلة:


“أنا زمان كنت طالب فقير جداً في كلية طب أسيوط، وباشتغل بعد الكلية في بيت العمدة عشان أصرف على دراستي.. وفي يوم، خزنة العمدة اتسرقت، والاتهام أتركب عليا بطريقة مجرمة. العمدة غرس فيا ناس ضربوني لحد ما أغمى عليا ورموني في الترعة، ولفقوا لي ق\ضية سرقة مقترنة بجناية، وكان مستقبلي وحياتي هيضيعوا للأبد. الق\ضية اتعرضت عليك يا عبد الرحمن بيه، وكنت وقتها وكيل نيابة شاب، والكل كان بيمارس عليك ضغوط عشان تقفل ال\ق\ضية وتتهمني، لكن انت بذكائك ونزاهتك، رفعت عينك في عين العمدة وقولتله: ‘الولد ده بريء، وأنا مش هظلم نفس زكية عشان ترضي كبرياءك’!”


أمي حطت إيدها على بقها من الصدمة، وأنا واقفة أسمع والذهول آكل قلبي.. بابا كان طول عمره راجل طيب وساكت ومابيتكلمش عن ماضيه إطلاقاً.


الدكتور رؤوف كمل بصوت أبح:


“بس السر مش هنا يا حاج عبد الرحمن.. السر في اللي حصل ليلة ما أفرجت عني! لما قفلت الق\ضية وحفظتها، العمدة حلف ما يسيبنيش عايش، وبعتلي ناس يصفوني وأنا مروح. انت عرفت بالخبر ده، وما اكتفيتش بأنك أديتني براءتي القانونية.. انت نزلت بنفسك بليل، وجبت عربيتك الشخصية، وخبيتني في شنطة العربية، وسوقت بيا من أسيوط للقاهرة طول الليل! مش بس كده.. انت طلعت من جيبك وقتها ألفين جنيه—مبلغ كان يشتري فدان أرض زمان—واديتهم لي وقولتلي: ‘يا رؤوف، كمل كليتك في القاهرة، ويا رب أشوفك أكبر جراح في مصر، وافتكر إن ربنا نجاك عشان تداوي الناس’!”


بابا نزل راسه والأرض ودموعه نزلت بللّت قميصه، وقال بصوت واطي: “يااه يا رؤوف… انت فاكر الكلام ده لحد النهاردة؟”



الدكتور رؤوف رد عليه بحرقة:


“أفتكر؟! أنا عشت ٣٥ سنة ببحث عنك! لما تخرجت وبقيت معيد، وبعدها سافرت ألمانيًا وأخدت الدكتوراه، ورجعت بقيت أكبر جراح عيون، كنت كل يوم بادور على وكيل النيابة النزيه عبد الرحمن شاكر. سالت عليك في النيابة قالوا إنك استقلت بدري ورجعت قعدت في القاهرة واختفيت عن الأنظار. أنا بنيت اسمي وثروتي دي كلها بفضل ربنا ثم الألفين جنيه بتوعك يا حاج عبد الرحمن! الفلوس اللي ادتهالي زمان هي اللي نجت حياتي، وهي اللي دفعت بيها مصاريف سنتي الأخيرة في الكلية!”


وهنا بص لي الدكتور رؤوف وبص لمراته، وقال وهو بيقلب في الذكريات:


“مراتي حكتلي إن بنتك جات النهاردة الصاغة، وباعت خاتم دهب صغير—ذكرى من جدتها—وجابت بيه ألفين جنيه.. والفلوس دي بالظبط هي اللي تبرعت بيها لست عجوزة غريبة في الشارع وسابت أبوها في زنقته رحمةً بالست دي! انت مربي ملكة يا حاج عبد الرحمن.. بنت أصول، خرجت من نسلك النقي.. نفس المبلغ اللي انت اديتهولي زمان عشان تسترني وتنقذ مستقبلي، بنتك طلعت بنفس القيمة النهاردة وتبرعت بيه لربنا، فربنا رد لك المبلغ في نفس اليوم ونفس اللحظة، بس على هيئة طوق نجاة لعنيك!”


الدموع كانت نازلة مننا كلنا في العيادة.. حرم الدكتور كانت بتبكي بكاء صامت، وأمي كانت بتتنفض من الفرحة والذهول، وبابا رفع راسه لفوق وقال: “الحمد لله.. سبحانك يا رب.. الودائع عندك لا تضيع أبداً”.


الدكتور رؤوف مسك سماعته وأمر الممرضين فوراً:


“أغلقوا جدول العمليات للنهاردة.. مافيش ولا حالة هتدخل غرفة العمليات قبل الحاج عبد الرحمن شاكر! هاتوا أطقم التخدير والتجهيز فوراً!”


قرب الدكتور من بابا، وباس إيده قدام كل الأطباء والمساعدين اللي كانوا واقفين مش فاهمين حاجة، وقال له:


“العملية دي مش مجاناً يا حاج عبد الرحمن.. العملية دي دفعة بسيطة جداً من دين قديم قوي في رقبتي. انت زمان رجعتلي بصري للحياة وللمستقبل، والنهاردة بأمر الله أنا هرجعلك بصرك عشان تشوف بيه عمل بنتك الصالحة”.


أتجهز بابا للعملية، ودخل غرفة العمليات الاستثنائية، وقعدنا أنا وأمي وحرم الدكتور في الصالة بره ننتظر. الوقت كان بيمر بطيء جداً، وكل ثانية بتمر كان قلبي بيدق فيها مع كل استغفار. افتكرت اللحظة اللي كنت فيها واقفة في حارة الصاغة محتارة بين إني أساعد الست العجوزة ولا أقفل جيب شنطتي وأجري على المستشفى.. وعرفت إن ربنا ما بيسيبش حد يجبر خاطر عباده.


بعد ساعتين كاملين، باب غرفة العمليات اتفتح، وخرج الدكتور رؤوف وهو بيقلع الكمامة، ووشه منور بابتسامة عريضة هزت أركان المكان كله…


 

حكايات نور محمد 2


خرج الدكتور رؤوف من غرفة العمليات وابتسامته تسبق خطواته، تنفسنا الصعداء وأمي مسكت في إيدي بقوة وكأنها خايفة تقع. قرب الدكتور منا وقال بنبرة مليانة فرحة واعتزاز: “أبشروا يا جماعة، بفضل الله ورحمته العملية نجحت بنسبة مية في المية! العدسة المعتّمة شلناها ونضفنا مجرى البصر، وتركيب العدسة الجديدة تم بأعلى دقة. الحاج عبد الرحمن في الإفاقة دلوقتي، وساعة زمن بالظبط وهينزل غرفة عادية، وبكرة الصبح أول ما نشيل الضمادة، هيفتح عينه ويشوفكم زي الفل بأمر الله!”


سجدت أمي على أرض المستشفى الاستثماري تبكي وتشكُر ربنا بصوت يهز القلوب، وأنا وقفت مشدوهة مش قادرة أستوعب السرعة اللي ربنا قلب بيها الموازين؛ من بيع خاتم جدتي في الصاغة وحيرة الفجر، لسرير في أكبر مستشفى وجراح العيون الأول في مصر بيدين لأبويا بحياته!


مرت الساعة وكأنها دقيقة، ونقلوا بابا لغرفة خاصة فاخرة، كان ناغم في نوم خفيف أثر التخدير، وعينه ملفوفة بشاش أبيض. قعدت جنبه مسكت إيده الدافية، وبقيت أتأمل وشه الطيب اللي اتجعد من الشقا. الدكتور رؤوف كان بيلف على الغرفة كل شوية بنفسه، يأكد على الممرضات يهتموا بكل تفصيلة، ومراته حليمة هانم فضلت قاعدة معانا تآنسنا وتجيب لنا أكل وعصاير، رافضة تماماً تمشي قبل ما تطمن علينا.


على الساعة تسعة بالليل، بدأ بابا يتحرك ويردد اسمي بصوت خافت: “يا بنتي… يا فاطمة…”


قربت منه بسرعة وبست إيده: “أنا هنا يا بابا، جنبك يا حبيبي، ألف سلامة عليك.. العملية خلصت ونجحت يا بركة حياتنا.”


بابا اتنفس بعمق وقال بنبرة مكسورة: “دكتور رؤوف… رؤوف هنا؟”


الدكتور رؤوف قدم خطوتين وقعد على طرف السرير، ومسك إيد بابا التانية وقال برقة: “أنا معاك يا سيادة المستشار.. أنا جنبك يا أستاذي، ومش هسيبك.”


بابا سكت شوية، والدموع بدأت تتسرب من تحت الشاش الملفوف على عينه، وقال بصوت متقطع: “أنا طول الـ ٣٥ سنة اللي فاتوا يا رؤوف، كنت خايف يكون تصرفي معاك زمان هو اللي دمر حياتي المهنية.. بس لما سمعت صوتك النهاردة وعرفت إنك بقيت الجراح العظيم ده، حسيت إن الابتلاء اللي عشته السنين دي كلها كان يسوى..”


هنا أمي وبصت لبابا بذهول وقالت له: “ابتلاء إيه يا عبد الرحمن؟! هو إيه اللي حصل بعد ما هربت الدكتور رؤوف زمان؟ انت طول عمرك قايلي إنك استقلت من النيابة عشان تتفرغ للتجارة ومشاغل الحياة!”


تنهد بابا تنهيدة طويلة طالعة من أعماق قلبه، وقال: “لا يا أم العيال.. أنا مستقلتش بالسهولة دي. العمدة لما عرف إني هربت رؤوف وهرّبت التقرير الطبي الحقيقي اللي بيبراه، استخدم نفوذه كله مع ناس كبار في الوزارة وقتها، ولفقوا لي تهمة استغلال نفوذ والتستر على متهم فار.. خيروني وقتها بين إني أتسجن وأتفصل بفضاحة، أو أقدم استقالتي وأختفي تماماً من الصعيد. اخترت أستر نفسي وأحميكي انتي وإخواتك، وسبت الهيئة القضائية اللي كنت بعشقها، ونزلت القاهرة اشتغلت في أعمال حرة بسيطة لحد ما الصحة راحت والفلوس خلصت.”



الكلام نزل علينا زي الصاعقة.. أمي حطت إيدها على قلبها وبكت بحرقة، وأنا دموعي نزلت على إيد بابا. الراجل الطيب ده عاش طول عمره شايل الهم ساكت، ضحى بمستقبله ومكانته الرفيعة عشان ينقذ طالب مظلوم ما يعرفوش!


الدكتور رؤوف انهار بالبكاء، وحط راسه على صدر بابا وقال وهو بيشهق: “كل ده حصل بسببي يا حاج عبد الرحمن؟! انت ضحيت بمستقبلك وكرييرك القضائي عشان حتة طالب فقير زيي؟! يا الله.. أنا دينك في رقبتي أتقل مما كنت أتخيل بكتير! والله العظيم لو قضيت باقي عمري أخدمك تحت رجليك ما هعوضك نقطة من اللي خسرته بسببي!”


بابا طبطب على راس الدكتور رؤوف وقال بحنان ألمعي: “يا بني متقولش كده.. ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً. أنا خسرت المنصب، بس ربنا رزقني بستر ورضا وبنت كحيلة العين جابرة للخواطر، ورزقك انت بالبصر والرحمة عشان تعالج آلاف المرضى.. تجارتي مع ربنا كانت أربح تجارة.”


قضينا الليلة في المستشفى، ليلة كانت أطول وأجمل ليلة في حياتنا. المشاعر كانت فياضة، وبدأت أحس إن حارة الصاغة والميكروباص والست العجوزة ماكنوش مجرد مصادفات، دي كانت شبكة غزلها القدر بدقة متناهية عشان يجمع الدائن بالمَدين بعد ٣٥ سنة!


الصبح طلع، والشمس بدأت تتسلل من شباك الغرفة الكبيرة. الساعة جات تمانية الصبح، ودخل الدكتور رؤوف ومعه فريق كامل من الأطباء والمساعدين، ووشه مليان حماس وترقب.


قرب من السرير وقال بصوت مرتعش من التوتر: “جاهز يا حاج عبد الرحمن نشوف نور ربنا سوا؟”


بابا ابتسم وقال: “توكلنا على الله يا بني.. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.”


بدأ الدكتور رؤوف يفك أربطة الشاش بحذر شديد، طبقة ورا طبقة. الأوضة كلها سادها صمت رهيب، حتى أنفاسنا كنا بنحبسها. أمي كانت بتسبح على صوابعها بسرعة، وأنا ماسكة إيد بابا التانية وبدعي من كل قلبي.


لما شال آخر طبقة من القطن، طلب الدكتور رؤوف من بابا يفتح عينه بالراحة.. بابا بدأ يرمش بتعب، عينه كانت حمرا ومدمعة من أثر الجراحة والضوء. فتح عينه نص فتحة، وفضل يبص حواليه بذهول وصمت تام لمدة دقيقة كاملة!


الدكتور رؤوف سأله بلهفة وزياد توتر: “شايفني يا حاج؟ شايف الضوء؟ قولي شايف إيه؟!”


بابا فضل يبص في وش الدكتور رؤوف، وبعدين نقل نظره لأمي، وبعدين بص لي أنا.. ودموعه بدأت تنزل بغزارة، بس المرة دي كانت دموع ذهول وصدمة حقيقية! بابا مسك إيدي بقوة مرعبة، وبص للدكتور رؤوف وقال بصوت مرعوب ومهزوز:


“رؤوف… الضوء واضح وكل حاجة باينة جداً.. بس… بس الوشوش اللي أنا شايفها دي مش وشوشكم!! انت مين؟! وبنتي دي مين؟! أنا شايف ناس تانية خالص واقفة في الأوضة!!”


ساد صمت مرعب في الأوضة، صمت يقطع النفس. الدكتور رؤوف اتجمد في مكانه، ووشه اتخطف وبقى أصفر زي الورقة. الممرضين بصوا لبعض بذهول، وأمي صرخت وهي بتحط إيدها على قلبها: “عبد الرحمن! انت بتقول إيه يا راجل؟! أنا مرتك إلهام.. ودي فاطمة بنتك! أومال انت شايف مين?!”



أنا إيدي اتجمدت في إيد بابا، ورجليا مابقتش شايلاني. بابا كان بيرمش بسرعة، ودموعه نازلة بغزارة على خده، وعينه بتتثبت على نقطة في الفراغ ورا الدكتور رؤوف، ويهز راسه بنفي ورعب وهو بيصرخ بصوت مكتوم: “مش انتوا.. أنا شايف وِشوش قديمة! شايف الوشوش اللي كانت في الصعيد من ٣٥ سنة! شايف العمدة وواقف وراه الراجل اللي اتقتل في الترعة! شايفهم واقفين في زاوية الأوضة ويبتسموا بقلة حيلة.. يا رؤوف! العين دي مش بتشوف الحاضر.. العين دي بتشوف اللي فات!!”


الدكتور رؤوف مسك كشاف الفحص الصغير فوراً، إيده كانت بتتفض وهو بيسلط الضوء على عين بابا. نادى على نائبه بصوت أبح ومذعور: “هات حُقنة التهدئة فوراً! وجيب جهاز الفحص المقطعي للشبكية على الغرفة هنا بسرعة!”


الأوضة تحولت لغرفة عمليات مصغرة في ثواني. بابا كان بيتنفس بصعوبة، وعرق بارد مغرق جبهته، وعينه بترمش بهستيريا وهو بيكرر: “السر اللي اندفن في الصعيد طلع يا رؤوف.. السر اللي أنا استقلت علشانه مش هو الحقيقة كلها! الراجل اللي اتقتل في الترعة زمان ما ماتش من الضرب.. الراجل ده…” وقبل ما يكمل الجملة، حقنة التهدئة بدأت تفعل فعلها، وجفونه تقلت واستسلم للنوم تدريجياً، وعينه انقفلت وسط ذهولنا ورعبنا.


أمي وقعت على الكرسي وهي بتبكي بكاء هستيري، وأنا وقفت قدام الدكتور رؤوف ومسكت في روبه الأبيض وقولتله بدموع محروقة: “يعني إيه يا دكتور؟! بابا جرى لعقله حاجة؟! ولا العملية فشلت وسببت له هلاوس؟ تفهمنا في إيه بالظبط!!”


الدكتور رؤوف قعد على الكرسي وغطى وشه بإيديه الاثنين، فضّل ساكت لمدة دقيقتين كاملين، ونفسه العالي صوته طالع في الأوضة. لما رفع راسه، عينيه كانت حمرا بدموع حقيقية، وبص لي ولأمي ونطق بنبرة مليانة حسرة وذهول:


“العملية نجحت نجاح باهر من الناحية الطبية يا فاطمة.. الشفافية رجعت للقرنية والعدسة مستقرة مية في المية. اللي حصل مع أباكي ده مش هلاوس ولا جنون.. اللي حصل ده ظاهرة طبية ونفسية نادرة جداً بتسمى (عقدة الذنب الارتجاعية) مع التنبيه العصبي الفجائي شبكية العين. أباكي لما النور دخل عينه فجأة بعد فترة ضلام ودواء التخدير، عقله الباطن ربط لحظة الرؤية بأكبر صدمة ونقطة تحول في حياته.. الصدمة اللي خباها جوا قلبه ٣٥ سنة ودَفنها تحت التراب.”


حرم الدكتور، حليمة هانم، قربت منه وقالتله بصوت مرتعش: “رؤوف.. هو عبد الرحمن قصده إيه؟ قتيل إيه وسر إيه اللي اندفن في الصعيد؟! انت مخبي عليا حاجة من زمان؟”


الدكتور رؤوف وقف ومشي ناحية الشباك الكاشف لشوارع القاهرة، وبص بره والتنهيدة طالعة من قعر صدره، وقال بصوت واطي ومكسور:


“أنا زمان لما حكيت لكم إن العمدة اتهمني بالسرقة ورماني في الترعة، حكيت اللي أنا أعرفه بس.. اللي أنا شفته بعيني وأنا مغمي عليا ومضروب. بس عبد الرحمن بيه وقتها، لما جه يعاين مكان الجري\مة في قرية أم قصور، اكتشف حاجة أبشع بكثير من مجرد سرقة وتلفيق ق\ضية لـ طالب فقير..”



التفت لنا الدكتور رؤوف وكمل كلامه والغموض بيكتم أنفاس الأوضة:


“ليلة السرقة دي، الغفير بتاع العمدة اختفى تماماً، والناس لقوا جثته طافية في الترعة بعد ثلاثة أيام. العمدة وقتها لبّسني أنا ق\ضية السرقة وق\ضية قت\ل الغفير، وقفل القفش بفلوسه ونفوذه. عبد الرحمن بيه وقتها، بذكائه وكفاءته كوكيل نيابة، قدر يثبت إن أنا ماليش علاقة بالقتيل ولا بالسرقة برمتها، وأفرج عني وحماني بهروبي للقاهرة.. بس اللي أنا ماكنتش أعرفه، واللي عرفته النهاردة من كلامه وسط الهلاوس.. إن عبد الرحمن بيه اكتشف الفاعل الحقيقي لقتلة الغفير!”


سألت بصوت أبح ومرعوب: “ومين الفاعل الحقيقي يا دكتور؟! وليه بابا ما قبضش عليه وساب الهيئة القضائية واستقال واستخبى طول السنين دي؟!”


قرب الدكتور رؤوف مني، وبص في عيني بجمود وقشعريرة وقال:


“لأن الفاعل الحقيقي ما كانش العمدة ولا أتباعه.. الفاعل الحقيقي كان شخص مظلوم تاني، شخص عبد الرحمن بيه كان بيحبه ويعزه جداً، وعلشان يحميه من المشنقة ومن بطش العمدة، اضطر عبد الرحمن بيه يزوّر تقرير المعاينة الأولي ويقفل الق\ضية ضد مجهول، ويكتب استقالته بيديه ويعيش بقية حياته يطارد بأشباح الذنب والظلم!”


أمي صرخت بصوت خافت: “مين الشخص ده يا رؤوف؟! مين اللي عبد الرحمن ضحى بعمره ومستقبله واسمه وسمعته علشانه؟!”


الدكتور رؤوف التفت ورا، وبص لسرير بابا اللي نايم عليه تحت تأثير المخدر، ونزل رأسه للأرض وقال بنبرة قطعت قلوبنا:


“الشخص ده.. يبقى أخو الحاج عبد الرحمن الصغير.. عمِك (توفيق) يا فاطمة! اللي كنتوا فاكرين إنه هاجر بلاد ربنا ومات من ٣٠ سنة.. عمِك اللي طلع عايش، والسر اللي استخبى طول السنين دي، هو إن توفيق موجود هنا في القاهرة.. وجاي المستشفى دي حالا!!”


انقبض قلبي وانقطعت أنفاس أمي مع كلمته الأخيرة. العم “توفيق” اللي عاشت العيلة تسع سنوات تحكي عنه كأنه طيف ومات في الغربة، طلع حقيقة، وطلعت قصته هي الجرح اللي نزف منه عمر بابا ومستقبله!


دقائق معدودة، واتفتح باب الغرفة بالراحة. دخل راجل كبير، شعره أبيض زي التلج، ملامحه نسخة مكسورة من بابا، وخطواته بتقترب بالبطء وكأنه شايل جبل على كتفه. أول ما عينه جت على بابا وهو نايم على السرير وعينه ملفوفة بالشاش، جثا على ركبه جنب السرير وبكى بكاء حاد صامت، صوته كان كأنه طالع من بير مهجور.


التفت لينا توفيق عمي، وبص لأمي ودموعه مغرقة وشه وقال بصوت مبشوح: “سامحيني يا زوجة أخي.. سامحيني يا فاطمة يا بنتي. عبد الرحمن أخويا الكبير، شال ذنبي وعاري ٣٥ سنة. ليلة حادثة العمدة، الغفير حاول يعتدي عليا ويقتلني لما كشفت إنه هو اللي بيسرق خزنة العمدة وبيشيلها للولد الصغير رؤوف.. دافعت عن نفسي وزقيته، وقع في الترعة ومات. أنا جرت على عبد الرحمن وأنا بترعش ودمي هربان مني، وحكيت له.. عبد الرحمن كان قدامه خيارين: إما يسيبني للمشنقة ولتأر العمدة، أو يضحى هو بكل حاجة. اختار يحميني، سفرني بره مصر وكتب استقالته ودفن سره، وعاش العمر كله حاسس بمرارة إنه خالف الضمير عشان ينقذ روح أخوه!”



الدكتور رؤوف قرب من العم توفيق وطبطب على كتفه، وبعدين التفت لينا وهو حاسس بعظمة التضحية اللي بابا عاشها وقال: “الحاج عبد الرحمن ما خالفش ضميره.. الحاج عبد الرحمن اختار بين شرين، وانقذ نفسين: انقذني أنا الغريب الفقير من المشنقة، وانقذ أخوه من البطش، ودفع هو التمن من صحته وشبابه وسمعته. وده السر اللي كان بيطارده في الضلام، والعقدة اللي كانت خنقاه.”


بعد ساعتين، بدأ المخدر يروح عن بابا. فتح عينه التانية بالراحة، والهدوء كان ساد الغرفة. أول ما رمش ونور الشمس دخل عينه، شافنا واقفين حواليه.. شاف أمي بتدعيله، وشافني ماسكة إيده، وشاف الدكتور رؤوف ابتسامته منورة، وشاف أخوه توفيق واقف جنبه.


المرة دي، ما صرخش وما شافش أشباح.. دموع بابا نزلت ببطء، وابتسامة رضا وفرحة غطت وشه وجعده الطيب. مسك إيد أخوه توفيق وإيد الدكتور رؤوف، وبص لي وقال بصوت ثابت وناعم: “الحمد لله.. النور رجع لعيوني، والسر اتغفر، والودايع اتردت.”


في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها بتسقف لبابا.. للراجل اللي عاش مظلوم ومضحّي، وللرب اللي ما بيضيعش أجر المحسنين.


## 🌟 الحكمة من القصة


> **”مَن سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في مخاطر الطرائق.”**


>


* **صنيع المعروف لا يموت:** إن الخير الذي تزرعه في خفاء—مهما طال عليه الزمن وأوشكت أن تنساه—يعود إليك في أشد أوقاتك ظلاماً وأشدها احتياجاً، وبطرق لا يخطر على بال بشر أن ينسجها.


* **صُنع ربنا أعمق من تدبيرنا:** الخاتم الذي بعتِهِ بألفين جنيه، والفلوس التي أعطيتها للعجوزة لوجه الله، لم تكن مجرد صدقة.. كانت هي المفتاح الإلهي الذي حرك أحداثاً عمرها ٣٥ سنة، ليُردّ الجميل لأبيك، ويُشفى بصره، ويُرفع عن كاهله ذنب وقهر السنين.


* **جبر الخواطر ينير الظلمات:** عندما تشتري خاطر محتاج بآخر ما تملك، فإن الله لا يردك خائباً أبداً، بل يفتح لك أبواباً مقفلة ويجعل لك من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً.


 




تعليقات

التنقل السريع
    close