أنا استأجرت شاب يمثل إنه حبيبي في حفلة حمام السباحة
استاجرت
في يوم من الأيام، كنت متجوزة من كريم، وعشنا مع بعض عشرين سنة كاملة. بنينا بيت، وربّينا أربعة أولاد، وكنت فاكرة إن كل التعب اللي بنمر بيه طبيعي، وإن الأيام الصعبة بتعدي طالما إحنا مع بعض.
لكن مع مرور الوقت، كل حاجة اتغيرت.
كريم بقى بارد في كلامه، قليل الاهتمام، وأي محاولة مني أصلح اللي بينا كانت بتقابَل بالتجاهل. ولما حاولنا نكمل، اكتشفنا إننا بقينا مختلفين في كل حاجة، وبعد محاولات كتير من الأهل والمقربين، اتفقنا إن الانفصال هو الحل الأفضل، وتم الطلاق باحترام، وكل واحد بدأ حياته بعيد عن التاني.
رغم الطلاق، فضلت مركزة على أولادي. أكبرهم كان قرب يتم خمسة عشر سنة، وكان نفسه يحتفل بعيد ميلاده بحفلة كبيرة عند حمام السباحة، يدعي فيها أصحابه وكل أفراد العيلة.
اشتغلت أيام إضافية، ووفرّت كل جنيه أقدر عليه علشان أنفذ له الأمنية دي. كنت عايزة أشوف الفرحة في عينيه، حتى لو كنت أنا لسه بحاول أرتب حياتي من جديد.
قبل الحفلة بيومين، بعتلي كريم رسالة قصيرة
أنا هاحضر عيد ميلاد ابننا.
رديت عليه
أكيد... ده يومه وهو هيكون مبسوط إنك موجود.
وبعدها بدقايق، وصلت رسالة تانية
وهجيب معايا واحدة من زمايلي في الشغل.
وقفت أبص للموبايل شوية، ومردتش. قلت لنفسي إن ده حقه، لكن في نفس الوقت حسيت إني مش مستعدة أقف لوحدي وسط كل الناس، خصوصًا إن أغلب العيلة كانوا عارفين إني لسه بعد الطلاق معنديش حد في حياتي.
ماكنتش عايزة أبان مكسورة، ولا كنت عايزة ألفت الانتباه لنفسي.
فجأة افتكرت إن في وكالة تمثيل بتوفر ممثلين للمناسبات والإعلانات.
روحت هناك، وشرحت لهم الموقف بكل هدوء.
قلت للموظفة
أنا مش بدور على تمثيلية كبيرة... كل اللي محتاجاه شخص يحضر معايا الحفلة، يتعامل باحترام، وكأنه صديق مقرب، وبس.
ابتسمت وقالت
عندنا حد مناسب جدًا للمهمة
دي.
بعد نص ساعة، دخل شاب اسمه آدم.
كان طويل، أنيق، وابتسامته هادية جدًا.
أول ما شوفته قلت بسرعة
لا... أكيد حصل غلط. الناس مش هتصدق إنك صاحبتي.
ضحك وقال
إحنا مش رايحين نمثل على الناس... إحنا رايحين نخليكي واثقة من نفسك. سيبي الباقي عليّ.
طريقته الهادية خلتني أوافق، واتفقنا على كل التفاصيل.
وجاء يوم الحفلة...
كنت واقفة أستقبل الضيوف، وقلبي بيدق بسرعة، بينما آدم واقف جنبي بكل هدوء، بيتعامل مع الكل بأدب، ويساعد الأولاد في استقبال الهدايا.
وبعد حوالي ساعة...
وصل كريم. كان ماشي بثقة، ولما لمحني، ابتسم ابتسامة خفيفة، لكن أول ما وقعت عينه على آدم الواقف جنبي... توقف مكانه، وكأنه ماكانش متوقع المشهد ده أبدًا كريم وقف لحظة، وبعدين كمل طريقه لحد ما وصل عندنا.
ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال
أهلاً... واضح إن الحفلة معمولة على أعلى مستوى.
ابتسمت بهدوء وقلت
الحمد لله، أهم حاجة إن ابننا يكون مبسوط.
بص ناحية آدم وقال بنبرة فيها سخرية
ومين الأستاذ؟
قبل ما أتكلم، آدم مد إيده باحترام وقال
أنا آدم... صديق للأسرة، وتشرفت بمعرفتك.
صافحه كريم ببرود، وقال
تشرفنا.
وبعدين لف حواليه يبص على تجهيزات الحفلة وقال
واضح إنك صرفتي كتير.
رديت بابتسامة
كل ده علشان ولادنا يستمتعوا بيومهم.
في الوقت ده، ابننا الكبير جري على أبوه ، وبعدها مسك إيد آدم وقال
تعالى يا عمو آدم، عايزين نصور صورة جماعية.
من غير تردد، آدم راح مع الأولاد، وقعد يساعدهم في تنظيم الألعاب، ويوزع الجوائز، ويشجع الصغير قبل الكبير.
كل الموجودين لاحظوا إنه شخص محترم، لا حاول يلفت الانتباه لنفسه، ولا تدخل في أي حاجة متخصوش.
بعد شوية، بدأ الضيوف يتجمعوا حوالين البوفيه.
وكان في مسابقة بسيطة للأطفال، والجائزة كانت هدية كبيرة مغلفة.
المذيع قال
محتاجين متطوع من الكبار يساعدنا
في اختيار الفائز.
رفع كريم إيده بسرعة، وفي نفس اللحظة، الأطفال كلهم صاحوا
آدم... آدم... آدم!
ضحك الحضور، واضطر المذيع يختار آدم بسبب إصرار الأطفال.
ابتسم آدم وقال
طالما القرار قرار الأبطال الصغيرين، يبقى لازم أنفذه.
وقف على المسرح الصغير، وتعامل مع الأطفال بخفة ظل واحترام، وخلال دقائق كان الضحك مالي المكان.
حتى الكبار بقوا يصفقوا له.
أما كريم، فكان واقف بعيد، واضح عليه الضيق، لأنه كان متوقع يبقى هو مركز الاهتمام، لكن كل الأنظار كانت متجهة ناحية فرحة الأولاد، مش أي شخص تاني.
وبينما الجميع منشغل، اقترب آدم مني بهدوء وقال بصوت منخفض
النهارده مش يوم إثبات حاجة لحد... النهارده يوم ابنك. خليه يفتكره بأجمل صورة.
هزيت رأسي وأنا بابتسم، وحسيت لأول مرة من وقت طويل إن راحتي النفسية أهم من رأي أي حد في الدنيا ابتدى وقت تقطيع التورتة، وكل الأطفال تجمعوا حوالين ابننا وهم بيغنوله في صوت واحد.
كان بيضحك من قلبه، ودي كانت أول مرة أشوفه سعيد بالشكل ده من وقت الطلاق.
بعد ما خلصنا، جه أخو كريم الكبير وربت على كتفي وقال
بصراحة... إنتِ عملتي يوم جميل للولد. واضح إنك تعبتي جدًا.
ابتسمت وقلت
كل التعب يهون علشان أشوفه فرحان.
في اللحظة دي، واحد من العمال المسؤولين عن تنظيم الحفلة جري علينا وهو باين عليه القلق.
قال
يا جماعة... في مشكلة صغيرة.
سألته بسرعة
خير؟
رد
جهاز الصوت الرئيسي فصل، ولسه بعد خمس دقايق هتبدأ فقرة تكريم صاحب عيد الميلاد.
بدأ الناس تتوتر، والأطفال بقوا يهمسوا لبعض.
كريم حاول يقرب وقال
أنا أعرف حد ممكن يجيب جهاز تاني، بس هياخد وقت.
قبل ما حد يرد، آدم سأل العامل بهدوء
في سماعات احتياطية أو ميكروفون متنقل؟
قال العامل
في، بس محدش عارف يشغله.
ابتسم آدم وقال
هاتوه.
قعد على الأرض قدام الأجهزة، وبعد دقائق قليلة
كان بيرتب التوصيلات واحدة واحدة.
وفجأة...
رجع الصوت يشتغل في المكان كله.
الأطفال صقفوا تلقائيًا، وصاحب شركة التنظيم قال وهو مبتسم
أنقذت الحفلة والله.
أنا استغربت وقلت لآدم
إنت بتفهم في الحاجات دي؟
ضحك وقال
زمان كنت بشتغل في تنظيم المؤتمرات قبل ما أدخل مجال التمثيل، فالحاجات دي مألوفة بالنسبة لي.
ابتسمت لأول مرة من غير أي توتر.
أما كريم، فكان واقف ساكت، وباين عليه إنه بدأ يشوف آدم بشكل مختلف تمامًا.
وبعد انتهاء الفقرة، طلب مقدم الحفل من الجميع الهدوء وقال
وصلت دلوقتي هدية أخيرة لصاحب عيد الميلاد، واللي بعتها رفض يكتب اسمه على الكارت... وقال إنها تتفتح قدام كل الحضور.
كل العيون اتجهت ناحية الصندوق الكبير المغلف...
وابننا مسكه بإيدين مرتعشتين، وهو بيبص ليا مستأذن يفتحه ابتسمت له وقلت
افتحها يا حبيبي... دي هديتك.
بدأ يفك الشريط ببطء، وكل الأطفال واقفين حواليه مستنيين يعرفوا إيه اللي جوه الصندوق.
أول ما فتحه...
ظهر صندوق أصغر، وفوقه ظرف أبيض مكتوب عليه
إلى بطل النهارده.
فتح الظرف، وبدأ يقرأ بصوت مسموع
كل سنة وأنت طيب. أتمنى تفضل دايمًا فخور بنفسك، وتفتكر إن أجمل هدية هي الناس اللي بتحبك بصدق.
سكت لحظة، وبعدين طلع من الصندوق كرة قدم عليها توقيع لاعبه المفضل، ومعاها قميص رسمي بنفس الرقم اللي كان بيحلم بيه من سنين.
شهق من الفرحة، وجرى وهو بيقول
ماما... دي بالظبط اللي كنت بحلم بيها!
الناس كلها صقفت، لكن السؤال كان لسه موجود...
مين اللي بعت الهدية؟
مقدم الحفل قال
واضح إن صاحب الهدية طلب يفضل مجهول.
في اللحظة دي، آدم ابتسم ابتسامة خفيفة وبص بعيد، كأنه عارف حاجة ومش عايز يتكلم.
بعد انتهاء الاحتفال، بدأ الضيوف يمشوا واحد ورا التاني.
وأنا كنت بجمع الهدايا، لقيت كريم واقف بعيد، مستني إن آدم يخلص كلامه مع العمال.
أول ما آدم قرب، كريم قال له
ممكن دقيقة؟
هز آدم رأسه بالموافقة، ووقفوا يتكلموا على جنب.
ماكنتش سامعة الكلام،
لكن ملامح كريم اتغيرت تدريجيًا.
في الأول كان بيتكلم بثقة...
بعدها بقى ساكت أغلب الوقت...
وفي الآخر، مد إيده وصافح آدم باحترام.
ولما كريم جه ناحيتي قبل ما يمشي، قال بهدوء
الحفلة كانت ناجحة... وابننا عمره ما هينسى اليوم ده.
ابتسمت وقلت
وده أهم شيء.
هز رأسه، وخد أولاده وسلم عليهم، ومشي من غير أي كلمة زيادة.
بعد ما آخر الضيوف غادروا، لفيت ناحية آدم وقلت مبتسمة
أنا لحد دلوقتي مش فاهمة قلت له إيه خلاه يغيّر طريقته بالشكل ده.
ابتسم آدم وهو شايل آخر صندوق هدايا، وقال
ولا حاجة كبيرة... بس فكّرته إن الأطفال بيحفظوا تصرفات الكبار أكتر من كلامهم... وإن النهارده كان يوم ابنكم، مش يوم أي حد فينا.
سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إلى مكان لعب الأطفال
ولما الأب والأم يحطوا خلافاتهم على جنب في يوم زي ده... الولد هو اللي بيكسب ابتسمت لكلامه، وحسيت إنه عنده حق.
كان اليوم كله ماشي أحسن مما توقعت، لكن لسه كان في موقف صغير غيّر نظرتي لحاجات كتير.
وأنا بجمع الهدايا، جري عليا ابني الكبير وقال
ماما... ممكن كلنا نتصور صورة أخيرة؟
قلت بابتسامة
طبعًا.
وقف الأولاد حوالينا، وكريم وقف في طرف الصورة، وأنا في الطرف التاني.
المصور قال وهو بيضحك
يا جماعة... قربوا شوية، الصورة دي للولد، مش للكبر.
بصينا لبعض أنا وكريم، وبعدين قربنا خطوة صغيرة، علشان الأولاد بس.
اتصورت الصورة، وكان وش أولادنا كله فرحة.
بعدها، كريم قرب مني وقال بصوت هادي
أنا عايز أشكرك.
استغربت وسألته
على إيه؟
قال
كنت فاكر إن الحفلة هتبقى مليانة توتر، لكن إنتِ خليتي اليوم كله مريح علشان الأولاد.
رديت بهدوء
إحنا ممكن نختلف في أي حاجة... لكن عمرنا ما نختلف على ولادنا.
هز رأسه بالموافقة، وقال
عندك حق.
في اللحظة دي، آدم كان واقف بعيد يستعد يمشي.
روحت له وقلت
بشكرك جدًا... وجودك ساعدني أعدي اليوم من غير قلق.
ابتسم وقال
أنا معملتش غير شغلي.
ناولته الأجر اللي اتفقنا عليه، لكنه رجع جزء منه.
استغربت وقلت
إيه ده؟
رد بابتسامة
الاتفاق كان على كام ساعة، وإحنا خلصنا بدري. الباقي من حقك.
نظرت إليه بإعجاب، مش بسبب شكله، لكن بسبب أمانته.
قبل ما يركب عربيته، لوّح للأولاد، وكلهم لوحوا له وهم بينادوه
مع السلامة يا عمو آدم!
ضحك وهو يرد عليهم، ثم غادر.
وقفت أبص لأولادي وهم بيجروا ويلعبوا، وحسيت إن اليوم ده علمني درس مهم...
مش لازم أحاول أثبت لأي حد إني نجحت بعد الطلاق.
ولا أحتاج أمثل إني سعيدة علشان أكسب احترام الناس.
احترام الإنسان لنفسه، وطريقته في التعامل، هما اللي بيتكلموا عنه.
وأول ما دخلت البيت بالليل، لقيت ابني الكبير حاطط الصورة اللي اتصورناها كلنا على شاشة موبايله، ومعلق تحتها جملة بسيطة
أحسن عيد ميلاد... لأن كل اللي بحبهم كانوا موجودين.
وقفت أبص للجملة دي، وابتسمت في هدوء، وعرفت إن كل التعب كان يستحق اللحظة دي مرت أيام على الحفلة، والحياة رجعت لهدوئها.
رجعت لشغلي، والأولاد رجعوا لمدارسهم، وكل واحد انشغل بروتينه المعتاد.
وفي مساء يوم الجمعة، كنت بعمل عشا خفيف، لما موبايلي رن.
كان رقم غير مسجل.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت مألوف.
مساء الخير... معاكِ آدم.
ابتسمت تلقائيًا.
أهلًا يا آدم، خير؟
قال
كنت بكلمك بس أطمن إن كل حاجة تمام، وأقولك إن ابنك ساب عندي حاجة من يوم الحفلة.
استغربت.
إيه هي؟
قال وهو يضحك
الكاب بتاعه. واضح إنه نسيه وهو بيلعب.
قلت
يا نهار أبيض... قلبنا البيت عليه.
اتفقنا نتقابل في كافيه قريب علشان آخده.
تاني يوم، وصلت قبل الميعاد بخمس دقايق.
لقيته مستني، وحاطط الكاب فوق الترابيزة.
ناولني إياه وقال
أهو... صاحبه أكيد زعلان عليه.
شكرته، وكنت همشي، لكنه قال
ممكن أقولك حاجة؟
هزيت راسي.
قال
أنا حضرت مناسبات كتير، لكن قليل لما أشوف أم حاطة
أولادها قبل نفسها بالشكل ده.
ابتسمت بخجل وقلت
أي أم مكاني كانت هتعمل نفس اللي عملته.
رد بابتسامة
مش كل الناس زي بعض.
شربنا قهوة سريعة، واتكلمنا شوية عن الأولاد، وعن شغله في التمثيل وتنظيم الفعاليات.
ولما قمنا نمشي، كل واحد راح في طريقه.
بعد أسبوع، كنت في اجتماع المدرسة الخاص بابني الكبير.
وأثناء خروجي، لقيت كريم واقف مستني.
قرب وقال بهدوء
المدرس شكر في مستوى ابننا... قال إنه بقى أهدى ومذاكرته اتحسنت.
ابتسمت.
الحمد لله.
سكت لحظة، ثم قال
واضح إنه ارتاح لما لقانا بنتعامل باحترام قدامه.
نظرت له وقلت
الأولاد مش محتاجين يشوفوا أهلهم متفقين في كل حاجة... محتاجين بس يشوفوا إنهم محترمين بعض.
وافقني وهز رأسه.
ومن يومها، بقينا لما يكون في مناسبة تخص الأولاد، نتعامل بهدوء، بعيدًا عن أي خلافات قديمة.
أما آدم...
فبقي مجرد شخص بدأ كممثل في يوم واحد، لكنه انتهى كصديق محترم للعائلة، والأولاد كلما شافوا صور عيد الميلاد كانوا يسألوا
هو عمو آدم هييجي معانا السنة الجاية؟
وأنا كنت أبتسم وأرد
لو الظروف سمحت... أكيد هيكون سعيد يشوفكم بعد الحفلة بأيام، كنت برتب الصور على اللابتوب علشان أعمل ألبوم لكل سنة من أعياد ميلاد الأولاد.
بنتي الصغيرة كانت قاعدة جنبي، وكل شوية تشير على صورة وتقول
دي... دي.
ضحكت وأنا أقول
أيوه يا حبيبتي، دي صورة بابا... ودي صورة إخواتك.
وفجأة ابني الكبير دخل الأوضة وقال
ماما، ممكن أقولك حاجة؟
قفلت اللابتوب وبصيتله.
اتفضل.
قال وهو متردد
أنا كنت زعلان لما عرفت إن بابا وماما مش هيعيشوا مع بعض تاني... لكن بعد آخر سنتين فهمت حاجة.
سألته
إيه هي؟
قال
إن البيت الهادي أحسن من البيت اللي كله مشاكل.
الكلمة دي لمست قلبي.
قربت منه وقلت
وأنا وعدتك من أول يوم إنك إنت وإخواتك هتفضلوا أهم حاجة عندي.
ابتسم وقال
وعشان كده إحنا مبسوطين.
...
في نفس
الأسبوع، المدرسة أعلنت عن يوم رياضي للعائلات.
كل طفل يقدر يشارك مع حد من أسرته.
ابني الصغير أصر إنه يشارك معايا.
أما الكبير فقال
أنا هشارك مع بابا.
ابتسمت وقلت
اختيار جميل.
وفي يوم النشاط، كنت أنا وكريم لأول مرة من سنين في نفس المكان لساعات طويلة.
كل واحد فينا كان بيشجع الأولاد، من غير أي توتر أو خلاف.
حتى المدرسين لاحظوا ده.
مديرة المدرسة قربت مني وقالت
واضح إنكم رغم الانفصال، قدرتوا تحافظوا على احترامكم لبعض... وده انعكس على الأولاد.
ابتسمت في هدوء.
حاولنا نخليهم يدفعوش تمن قرارات الكبار.
في آخر اليوم، الأولاد خدوا ميداليات مشاركة.
ولا واحد فيهم كان مهتم بالمركز الأول...
كانوا فرحانين إنهم قضوا اليوم كله وهم شايفين أبوهم وأمهم بيشجعوهم.
وأنا راجعة بالعربية، حسيت إن النجاح الحقيقي مش في إن حد يثبت إنه كسب بعد الطلاق...
النجاح الحقيقي إن الأولاد يكبروا وهم حاسين إنهم لسه عندهم أسرة، حتى لو الأب والأم بقوا في بيتين مختلفين.
لكن وأنا بركن العربية قدام البيت...
وصلتني رسالة على هاتفي من رقم غير معروف.
فتحتها، لقيت مكتوب فيها
في شخص بيسأل عنك من فترة... وعايز يقابلك في موضوع مهم جدًا. ولو عرفتي مين هو، هتتفاجئي.
نظرت للرسالة باستغراب، وحاولت أتصل بالرقم...
لكن الهاتف كان مغلقًا مرّت شهور، وجاء عيد ميلاد ابننا مرة تانية.
السنة دي، هو اللي كان مسؤول عن قائمة الضيوف.
وأنا براجع معاه الأسماء، لقيته كاتب اسم عمو آدم.
ابتسمت وقلت
إنت لسه فاكره؟
رد وهو بيضحك
طبعًا... هو اللي لعب معانا كورة، وساعد في المسابقات، وماحسسناش إنه غريب.
فكرت شوية، وبعتّ لآدم رسالة قصيرة
لو فاضي يوم الجمعة، الأولاد هيكونوا مبسوطين لو جيت تسلم عليهم.
بعد دقائق رد
يشرفني... وهجيب معايا مفاجأة صغيرة.
وفي يوم الحفلة، وصل وهو شايل صندوق طويل مغلف.
الأولاد جريوا عليه أول ما شافوه.
قال وهو يضحك
استنوا... افتحوه بعد ما نخلص المسابقة.
ولما جه الوقت، فتحوا الصندوق...
وكان فيه شبكة كرة طائرة صغيرة، وكور خفيفة، وألعاب جماعية تناسب كل
الأعمار.
في أقل من خمس دقايق، كل الأطفال كانوا بيلعبوا مع بعض، حتى الكبار دخلوا يشاركوا.
واحدة من الأمهات قربت مني وقالت
بصراحة... الشخص ده بيعرف يخلي أي مكان كله طاقة حلوة.
ابتسمت وقلت
دي طبيعته.
في نهاية اليوم، وأنا بساعد العمال يشيلوا الكراسي، لقيت ظرف صغير فوق الترابيزة.
كان مكتوب عليه
لصاحبة أجمل تنظيم.
فتحته...
لقيت جواه صورة من عيد الميلاد اللي فات، متأطرة بإطار خشبي بسيط.
كانت الصورة لولادي الأربعة وهم بيضحكوا من قلبهم.
وخلف الصورة ورقة صغيرة مكتوب فيها
النجاح الحقيقي مش إن الناس تفتكر الحفلة... النجاح إن الأولاد يفضلوا فاكرين إحساس الأمان اللي عاشوه فيها.
بصيت حواليّ أدور على آدم، لكن كان خلاص استأذن ومشي من غير ما يقول إنه هو اللي ساب الهدية.
قفلت الإطار على صدري وأنا بابتسم.
لأول مرة، حسيت إن الصفحة القديمة اتقفلت فعلًا... مش لأن الماضي اتنسى، لكن لأن الحاضر بقى أجمل، والمستقبل بقى مليان راحة وسكينة مرّت سنة كاملة بعد الموقف ده.
كبر الأولاد سنة، وكبر معاهم إحساسهم بالمسؤولية.
وفي يوم، ابني الكبير دخل عليّ وهو ماسك ورقة.
قال بحماس
ماما... المدرسة عاملة مسابقة بعنوان الشخص اللي أثر في حياتك.
ابتسمت وسألته
وهتكتب عن مين؟
قال
كنت هكتب عنك... وبعدين فكرت أكتب عن اتنين.
استغربت.
اتنين؟
هز رأسه وقال
عنك... وعن بابا.
ابتسمت وقلت
ليه؟
قال وهو يقعد جنبي
لأنكم رغم إنكم مبقتوش مع بعض، عمركم ما خلتونا نحس إننا لازم نختار بينكم.
سكت لحظة، ثم أكمل
وفي آخر الصفحة... هكتب عن عمو آدم.
ضحكت وقلت
هو كمان؟
قال
أيوه... لأنه علمني إن الرجولة مش صوت عالي ولا شكل... الرجولة احترام.
الكلمة دي خلتني أسكت.
بعد أسبوع، المدرسة أعلنت نتيجة المسابقة.
ابني رجع البيت وهو بيجري.
ماما... كسبت المركز الأول!
ولما قريت الموضوع اللي كتبه، لقيت آخر سطر فيه
العيلة مش معناها إن كل الناس يعيشوا في بيت واحد... العيلة هي الناس اللي تحافظ على احترام بعضها، علشان الأطفال يفضلوا مطمنين.
الكلمات دي أثرت في كل المدرسين.
حتى مديرة المدرسة طلبت إذن
منه تعلق الموضوع في لوحة الشرف.
وفي نفس اليوم، كان في احتفال صغير لتكريم الطلبة.
دعونا أنا وكريم.
ولما خلص الحفل، وقف ابني على المسرح وقال
أنا عايز أشكر تلاتة... ماما، وبابا... وكل شخص وقف جنبنا وخلى حياتنا أحسن.
ثم نزل من المسرح، ووسط تصفيق الناس كلها، جري علينا
وقتها، كريم بص لي وقال بهدوء
يمكن إحنا منعرفناش نكمل كزوجين... لكن الحمد لله عرفنا نكون أبوين.
ابتسمت وأنا أرد
وده أهم نجاح حققناه.
وفي آخر القاعة، كان آدم حاضر بدعوة من المدرسة، لأنه كان متطوعًا في تنظيم الاحتفال.
لما شاف المشهد، ابتسم من بعيد، ولوّح للأولاد، ثم انصرف بهدوء، من غير ما يحاول يخطف الأضواء.
لأن البطل الحقيقي في القصة... ماكانش أي واحد من الكبار.
كان الطفل اللي خرج من كل اللي حصل، وهو لسه مؤمن إن الاحترام والحب ممكن يفضلوا موجودين، حتى لو اتغيرت الظروف فضلت أبص للرسالة شوية، وأنا مستغربة.
الرقم مقفول، ومفيش أي اسم أو تفاصيل.
في الأول قلت أتجاهلها، لكن بعد يومين جالي اتصال من رقم مختلف.
رديت بحذر
ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن.
قال
حضرتك الأستاذة...؟
قلت
أيوه، معاك.
قال
أنا عم حسين، صاحب وكالة التمثيل اللي اتفقتِ معاها من سنة.
افتكرته على طول.
قلت
أهلًا يا عم حسين، خير؟
قال
خير إن شاء الله. آدم طلب مني أوصلك رسالة، لأنه سافر شغل بره المحافظة، وقال إنه ميحبش يزعجك بشكل مباشر.
استغربت.
رسالة إيه؟
قال
هو كان بيفتح شركة صغيرة لتنظيم المناسبات، وكان عايز يشكرك.
ضحكت وقلت
يشكرني على إيه؟
رد
قال إن أول حفلة اشتغل فيها بنفسه كانت حفلة عيد ميلاد ابنك، وبعد نجاحها الناس بدأت ترشحه، ولحد النهارده بيقول إن اليوم ده كان نقطة البداية.
قفلت المكالمة وأنا مبتسمة.
ماكنتش متوقعة إن يوم كنت فاكراه مجرد مناسبة عائلية يكون سبب في تغيير حياة حد تاني.
بعد أسبوع تقريبًا، وأنا خارجة من الشغل، لقيت عربية صغيرة واقفة قدام الباب.
نزل منها آدم.
ابتسم وقال
اتوحشت أشوف الأولاد.
ضحكت.
هما كمان بيسألوا عليك كل شوية.
فتح شنطة العربية، وطلع أربع علب صغيرة.
قال
دي
هدايا بسيطة... كل واحد حسب هوايته.
ابني الكبير كانت الهدية ليه كتاب عن التصوير لأنه بدأ يهتم بالكاميرات.
والتاني لعبة تركيب هندسية.
والتالت أدوات رسم.
أما الصغيرة، فجاب لها دبدوب أبيض أكبر منها تقريبًا.
فرحت بيه جدًا، وفضلت حاضناه طول اليوم.
وأنا ببص للمشهد، قلت
أنت كل مرة بتفاجئنا.
ابتسم وقال
أنا بس بحب أشوف الأطفال مبسوطين.
في اللحظة دي، خرج كريم من عربيته، لأنه كان جاي ياخد الأولاد يقضوا معاه نهاية الأسبوع.
لما شاف آدم، ابتسم لأول مرة من غير أي تحفظ.
قرب منه، وصافحه بحرارة وقال
الأولاد بيحبّوك... وأنا مقدر كل موقف محترم عملته معاهم.
رد آدم باحترام
دول أولاد محترمين، ويستحقوا كل خير.
وقف كريم يبص للأولاد وهم بيضحكوا، ثم قال
واضح إنهم محظوظين إن حواليهم ناس بتفكر في مصلحتهم.
ابتسمت وأنا أشوف المشهد.
ساعتها أدركت إن أجمل انتصار في حياتي ماكانش إني أثبت حاجة لحد...
كان إن أولادي بقوا يعيشوا في جو كله احترام، ومحبة، وراحة، مهما اختلفت ظروف الكبار بعد الاحتفال، كنت فاكرة إن القصة خلاص وصلت لنهايتها.
لكن الحياة كان لسه مخبية لنا مفاجآت.
بعد شهر تقريبًا، المدرسة أعلنت إنها هتعمل يوم تطوعي لتجديد مكتبة الأطفال، وطلبت أولياء الأمور اللي يقدروا يشاركوا.
أنا سجلت اسمي.
ولما وصلت يوم الفعالية، فوجئت إن كريم كمان سجل.
بصينا لبعض، وابتسمنا باحترام.
كل واحد راح للمهمة اللي اتكلف بيها.
وأثناء ترتيب الكتب، دخل آدم.
كان متطوع مع فريق بيجهز ركن للقراءة والرسم.
أول ما الأولاد شافوه، جروا عليه.
قال ابني الصغير وهو بيضحك
عمو آدم... إنت كل مرة بتظهر في المكان الصح!
ضحك آدم وربت على رأسه.
يمكن علشان إنتوا موجودين.
قضينا اليوم كله بنشتغل.
في آخر اليوم، مديرة المدرسة جمعتنا وقالت
النهارده اتبرع للمكتبة بأكتر من ألف كتاب، وده بفضل كل واحد شارك.
صفق الجميع.
وفجأة، نادت على ابني الكبير.
تعالى يا بطل.
طلع قدام الناس.
ناولته شهادة تقدير، وقالت
إنت كنت أول طالب يقترح حملة التبرع بالكتب، وأقنعت زمايلك يشاركوا.
بص ليا بابتسامة فخر.
ثم بص
ناحية والده.
ثم ناحية آدم.
وقال قدام الجميع
أنا اتعلمت إن أي حاجة حلوة بتبدأ بفكرة صغيرة... ولما الناس تتعاون، بتكبر.
صفق الحاضرون بحرارة.
وأثناء خروجنا، وقف كريم جنبي وقال
فاكرة أول عيد ميلاد بعد الطلاق؟
ابتسمت.
أنساه إزاي؟
قال وهو يضحك
وقتها كنت فاكر إن أهم حاجة مين هيكسب الموقف.
سكت لحظة، ثم أكمل
دلوقتي عرفت إن مفيش حد كسب... غير أولادنا.
هززت رأسي موافقة.
وده كان الهدف من البداية.
وفي الطريق إلى البيت، الأولاد كانوا بيتخانقوا ضحك على مين هيحط شهادة التقدير في أوضته.
أما أنا...
فاكتفيت إني أبص لهم من مراية العربية وأبتسم.
لأن كل التعب، وكل الدروس، وكل الأيام الصعبة... كانت تستحق اللحظة دي بعد مرور عامين...
كان ابني الكبير بيتخرج من الثانوية، وقرر يعمل احتفال بسيط في البيت.
المرة دي، هو بنفسه كتب أسماء المدعوين.
أنا، وإخواته، وأبوه كريم... وحتى آدم.
لما وصل الجميع، كان ابني واقف في منتصف الصالة، وقال
قبل ما نبدأ، عايز أقول كلمتين.
سكت الجميع.
ابتسم وقال
زمان كنت فاكر إن نهاية عيلتنا كانت يوم الطلاق... لكن دلوقتي فهمت إن النهاية الحقيقية كانت هتبقى لو فضلنا نكره بعض.
بص ناحيتي، ثم ناحية والده.
أمي عمرها ما منعتني أشوف بابا، وبابا عمره ما خلاني أحس إني لازم أختار بينه وبين ماما.
ثم التفت إلى آدم وقال
وعمو آدم علمني إن الإنسان المحترم يسيب أثر من غير ما يفرض نفسه على حد.
بعدها نزل من على المنصة الصغيرة،
وطلع ألبوم صور.
فتح أول صفحة...
كانت صورة عيد الميلاد عند حمام السباحة.
وقال وهو يضحك
الصورة دي كانت بداية كل حاجة.
ثم قلب الصفحة الأخيرة...
وكان فيها صورة حديثة تجمعني أنا، وكريم، وأولادنا الأربعة، وآدم واقف في آخر الصف مبتسم.
تحت الصورة كانت جملة بخط ابني
العائلة لا تُقاس بمن يعيشون تحت سقف واحد، بل بمن يحافظون على الاحترام والمودة مهما تغيّرت الظروف.
ساد الصمت للحظات...
ثم بدأ الجميع يصفق.
نظر إليّ كريم وقال بابتسامة صادقة
الحمد لله... نجحنا في أهم مهمة في حياتنا.
ابتسمت وأنا أنظر إلى أولادنا، وقلت
أيوه... وربنا عوضهم عن كل يوم صعب عاشوه.
وفي تلك اللحظة أدركت أن السعادة الحقيقية لم تكن في إثبات شيء لأحد، ولا في كسب أي موقف...
بل في أن يكبر أولادنا وهم محاطون بالاحترام، والطمأنينة، والحب.
تمت.


تعليقات
إرسال تعليق