سكريبت هدي كامله بقلم اماني سيد
سكريبت هدي كامله بقلم اماني سيد
طول عمر أختي “صفاء” كانت بتقولي الكلمة دي وهي بتبص لمراتي “هدى” من فوق لتحت: “أنت كتير عليها يا كريم.. أنت مهندس أد الدنيا وهي يدوب معاها دبلوم وقاعدة في البيت، لولا إنك اتكرمت عليها واتجوزتها كانت زمانها مدفونة في حارة أبوها”.
الكلمة دي في الأول كانت بتعدي عليا عادي، بس مع الوقت، وبفعل زن صفاء المستمر، بدأت تتحول لـ “لطريقه حياتى مع مراتى وانى اشوفعا كده واتعامل معاها من المنطلق ده انها اقل منى . بقيت وأنا داخل البيت بشوف نفسي “المُنقذ” اللي نتشها من الفقر وقلة الحيلة، وبقيت أشوفها هي مجرد ست بيت محظوظة إن اسمي ارتبط باسمها.
كنت بتعمد أقولها في وسط أي خناقة: “أنا لولايا أنا ومستوايا الاجتماعى ، مكنتيش هتحلمي تعيشي في الكومباوند ده ولا تلبسي الهدوم دي”. كنت بشوف الكلمة وهي بتكسر قلبها . في الأول كانت بتحاول تفكرني إنها بتراعي بيتي وبتربي ولادي وبتشيلني في تعبي، بس مع تكرار المقارنات، بدأت تسكت. السكوت ده مكنش اقتناع.. كان استسلام لفكره إني فعلاً “كتير عليها”.
افتكر مرة كنا في عزوِمة عائلية، وكانت أختي صفاء بتتكلم عن شهادتها وشغلها وسفرها برة، وبصت لهدى وقالت بضحكة صفرا: “عقبالك يا هدى.. آه صحيح نسيت، أنتِ أخرك حدود المطبخ”. أنا يومها مدافعتش عنها، بالعكس، ضحكت وشاركت في الهزار وقلت: “الحمد لله إنها لاقية مطبخ زي ده أصلاً تقف فيه وتطبخ .
لمحت في عينيها نظرة انكسار رهيبة، بصت في طبقها وسكتت، وبلعت الإهانة مع لقمة الأكل اللي غصت في حلقها. ومن يومها، مبقتش تطلب تخرج معايا في تجمعات أصحابي أو زمايلي في الشغل، بقت تخاف تقعد وسطهم عشان متتحرجش بمؤهلها أو بطريقتها البسيطة.. وأنا كنت مرتاح لده، عشان مكسفش بيها قدام حد.
السيطرة دي خلتني أحس إني أملكها تماماً، طالما أنا اللي بصرف وأنا صاحب المستوى الأعلى. لحد ما في يوم، صفاء أختي جت وقعدت معايا وقالتلي: “طالما انت ضامن وجودها كده ومبتنطقش، ما تشوف حياتك وتتجوز واحدة من مستواك.. واحدة تشرفك قدام الناس وتفهم دماغك، وهدى تفضل هنا لتربية العيال والبيت”. كلام أختي نزل في عقلي زي البنزين على النار.. قلت لنفسي: “وهي هتعترض؟ هتروح فين بمؤهلها ده؟ تعيش عالة على أخوها؟”
ودخلت عليها بالليل ورميت الخبر
دخلت عليها بالليل ورميت الخبر في وشها ببرود تام، من غير تمهيد ومن غير ما أعمل أي اعتبار لمشاعرها. كنت قاعد على الكنبة، وباصص في تليفوني وهي بتمسح الطاولة، قلت لها بنبرة عادية كأني بطلب كوباية شاي: “هدى.. أنا قررت أتجوز.. العروسة مهندسة معايا في الشركة، ومن مستوايا، وبتفهمني.. وأنتِ طبعاً هتفضلي هنا مع العيال، والبيت هيفضل مفتوح بيا وبخيري”.
كنت متوقع منها صرخة، خناقة، تكسير، أو حتى إنها تلم هدومها وتعيط وتستعطفني. كنت مراقب رد فعلها ومستني أشوف الوجع الخفي في عينيها عشان يغذي إحساس السيطرة اللي جوايا ويأكد لي كلام صفاء أختي إنها “مضمونة”.
لكن اللي حصل زلزلني أنا..
هدى وقفت مكانها، الفوطة وقعت من إيدها في سكات تام. دارت بعينيها في أركان الصالة، كأنها بتدور على الأيام والشقا والتعب اللي ضاعوا في البيت ده. بصتلي نظرة طويلة أوي، نظرة خالية من أي دموع، نظرة باردة وناشفة لدرجة إنها خوفتني لأول مرة في حياتي. مكنش فيها انكسار المرة دي، كان فيها حاجة تانية خالص.. حاجة أشبه بالراحة بعد التعب.
بلعت ريقها، ووطت جابت الفوطة من الأرض، وقالت بنبرة هادية ومستقرة ومفيش فيها أي رعشة: “مبروك يا كريم.. اللي تشوفه، ربنا يسعدك”.
سابتني ودخلت نامت في أوضة العيال. في اللحظة دي، مكنتش عارف ليه محستش بنشوة الانتصار اللي كنت مستنيها. كلامها الهادي وسكوتها المفاجئ ساب جوايا علامة استفهام، بس كبريائي وجملة أختي “هتروح فين بمؤهلها؟” طمنوني.. قلت لنفسي دي الصدمة، وبكرة تظبط وتعرف مقامها لما تشرف ضرتها.
مرت الأسابيع وجه يوم الفرح، وطول الفترة دي هدى مكنتش بتتكلم، بتعمل واجبتها في البيت زي الآلة، مبتطلبش جنيه زيادة، ومبتعلقش على أي تفصيلة. اتجوزت “مروة”، المهندسة الشيك، اللي من مستوايا وتفهم دماغي زي ما كنت فاكر.
مرت الأسابيع وجه يوم الفرح، وطول الفترة دي هدى مكنتش بتتكلم، بتعمل واجبتها في البيت زي الآلة، مبتطلبش جنيه زيادة، ومبتعلقش على أي تفصيلة. اتجوزت “مروة”، المهندسة الشيك، اللي من مستوايا وتفهم دماغي زي ما كنت فاكر.
وطبعاً، عشان برستيجي قدام مروة وأهلها، وعشان أثبت لأختي صفاء إني عملت الصح، أجرت لمروة شقة تانية خالص في حي راقي وجديد، شقة تليق بمهندسة ومن مستوايا. ومن هنا، بدأ الفصل الحقيقي من الإهمال والنسيان لهدى.
بقيت مقسم وقتي بين الشقتين، بس في الحقيقة، أنا كنت عايش مع مروة، وهدى بقت بالنسبة لي مجرد “بيت قديم” بزوره تأدية واجب. بقيت أدخل شقة هدى يدوب يومين في الأسبوع، أدخل ببرود، عيني مش بتيجي في عينها، كأني زاير غريب. بقيت أصرف كل فلوسي واهتمامي على مروة.. خروجات، وسفر، ولبس براندات، وشياكة. أما هدى؟ فبقيت أرمي لها مصاريف البيت والعيال بنشفان ريق، وكل ما تطلب مصاريف زيادة عشان طلبات الولاد اللي بتكبر، كنت بزعق وأقولها: “أنا مش ملاحق على مصاريف الشقتين! لمي إيدك شوية، أنتِ قاعدة في البيت مبتعمليش حاجة ومبتصرفيش على لبس وخروج زي غيرك”.
كنت بشوف الكلمة وهي بتنزل عليها زي السكينة، تبلع غصتها وتسكت وهي باصة في الأرض. الإهمال مكنش بس في الفلوس، ده كان في وجودي نفسه. بقيت لما أروح عندها، أقعد باصص في تليفوني، بكلم مروة أو بتابع شغلي، ولو هدى حاولت تفتح معايا أي موضوع يخص البيت أو العيال، كنت بصدها ببرود: “مش فاضي دلوقتي يا هدى، دماغي مش قايدة”.
أختي صفاء كانت دايماً تتصل بيا وتسألني عن الأحوال، ولما أقولها إني سايب هدى ومقضي كل وقتي مع مروة، كانت تضحك وتقولي: “أهو ده الصح يا كريم.. سيبها كدة مركونة على الرف عشان تعرف قيمتك، وتعرف إنك لولا كرمك وفلوسك مكنش هيبقى ليها سقف يداريها. هي أخرها تربي العيال، إنما الواجهة والشياكة لمروة”. كلام صفاء كان بيملا راسي بالغرور، ويخليني أشوف إن إهمالي لهدى ده حق من حقوقي، وهي لازم ترضى بيه وتستحمله وهي ساكتة لأن ملهاش بديل.
مرت الشهور، وهدى بدأت تنسحب تماماً من حياتي وهي في نفس بيتي. ملامحها اتمحت، وبقت تتحرك في الشقة زي الخيال، مبتطلبش، مبعاتبش، ومبتتكلمش. لو جيت بتلاقي الأكل جاهز والبيت نظيف والعيال ناموا، ولو مشيت بتقفل ورايا الباب في سكات من غير ما تسألني رايح فين ولا هترجع إمتى. بقيت ضامن وجودها لدرجة الموت، ومطمن إنها مهما شافت من إهمال وتقصير، هتقعد في ركنها وتستحمل.
لحد ما جه يوم، وكنت معزوم أنا ومروة عند قرايبنا، والموقف اللي حصل يومها…
والموقف اللي حصل يومها قلب كل الموازين.
كنا قاعدين وسط العيلة، ومروة بتتكلم بكل تفاخر عن شغلها وعن طقم الألماس الجديد اللي اشتريته لها، وسط نظرات الإعجاب والترحيب من الكل. وفجأة، دخلت “هدى”. مكنتش معزومة، لكنها جت عشان ابننا الصغير تعب فجأة وسخن جداً، ومكنتش عارفة تتصرف ولا تلاقيني لأن تليفوني كان صامت.
دخلت هدى الصالة بعبايتها البسيطة ووشها المرهق من قلة النوم والهم. مروة أول ما شافتها، سكتت ولت بؤها، وبصت لي بنظرة كلها قرف وتعالي وكأن هدى حشرة دخلت بوظت برستيجها. أما أختي صفاء، فوقفت بسرعة وبصوت واطي مليان غل وزعيق، أخدت هدى على جنب وقالت لها: “أنتِ إيه اللي جابك هنا بالمنظر ده؟ مكسفتيش وجايلنا وسط الناس بعبايتك دي؟ مكنش فيه تليفون تغوري تتصلي بيه بدل ما تعرينا!”.
أنا وقفت، وبدل ما أخد مراتي وأم عيالي في حضني وأطمن على ابني اللي بيموت من السخونية، بصيت لهدى بغضب وقلت لها: “أنتِ معندكيش دم؟ جاية لحد هنا تقطعي علينا لمتنا؟ اطلعي برة واستنيني في الشقة، ولما أرجعلي حساب تاني معاكي على الجنان ده”.
هدى بصت لي.. النظرة دي عمري ما هساها. مكنتش نظرة كسرة ولا قلة حيلة زي كل مرة. كانت نظرة واحدة شافت ج*ثتي قدامها ومبقاش يعني لها وجودي أي شيء. بصت لصفاء ول مروة وللكل بنظرة استحقار رهيبة، وخرجت في سكات تام من غير ما تنطق بحرف واحد.
رجعت البيت بالليل متأخر، وأنا شاحن نفسي بكل غضب وزعل عشان أربيها وأعرفها مقامها، ودخلت الشقة وأنا بزعق وبخبط في البيبان: “هدى! أنتِ يا هانم يا اللي روحتي فضحتيني قدام أهلي!”.
لكن الشقة كانت ضلمة.. وهسسس.
دخلت أوضة العيال ملقتهمش، ودخلت أوضتها ملقتهاش. الشقة كانت فاضية تماماً من كل حاجة تخصها وتخص العيال، حتى دولابها كان مفتوح ومفيش فيه حتة قماش واحدة. وفوق التسريحة، كان فيه ظرف أبيض محطوط وجنبه مفاتيح الشقة.
فتحت الظرف وإيدي بترتعش لأول مرة من الخوف، ولقيت جواه اللى صدمتى
هدي ج2
اماني سيد
فتحت الظرف وإيدي بترتعش لأول مرة من الخوف، ولقيت جواه ورقة من محامي، ومعاها عقد عمل رسمي ل هدى في شركة شحن دولية كبيرة بمرتب محترم جداً، والورقة التانية كانت إعلان بدعوى خلع!
وفي ظهر ورقة المحامي، كانت كاتبة لي كلمتين بخط إيدها الناشف:
“يا بشمهندس كريم.. أنا مكنتش قاعدة معاك في الكومباوند عشان مستواك ولا لبسك، أنا كنت باقية على عشرة وأبو عيالي اللي كنت فاكراه راجل وسند. والشهادة اللي كنت بتعايرني بيها أنت وأختك، أنا كملت دراستي من وراك بالليل وأنت بايت برة، وأهو الدبلوم بقى بكالوريوس تجارة، والنهاردة أنا بقيت بشتغل وبقبض ومعايا شهادتي، وأجرت شقة ملكي أنا وعيالي من عرق جبيني. أنا طالعة من الباب ده برغبتي ومش هتشوف وشي تاني.. لأنك ببساطة يا كريم.. مبقتش تنفعني، وأنا اللي بقيت كتير عليك”.
وقعت الورقة من إيدي، وبصيت حواليا في الشقة اللي بقت فجأة واسعة وموحشة وباردة. في اللحظة دي بس، حسيت إن الخاتم اللي كنت فاكر إني هقلعه بمزاجي، هو اللي خلع صباعي وكبرائي وعمري كله معاه. وعرفت إن زن صفاء أختي خرب بيتي، وإني خسرت الست الوحيدة اللي كانت شيلاني لنفسي، مش لشهادتي ولا لفلوسي.. بس بعد فوات الأوان
مرت سنة كاملة على اليوم اللي هدى مشيت فيه. سنة كاملة وأنا عايش في دوامة مابتنتهيش، بحاول أقنع نفسي كل يوم الصبح قدام المراية إني مخسرتش حاجة، إني البشمهندس كريم اللي ألف ست تتمناه، بس الحقيقة المرّة كانت بتفرش نفسها قدامي أول ما الليل يدخل والشقة تضلم.
علاقتي بمروة بقت عاملة زي صفقة تجارية خسرانة، مفيش فيها روح. كل نقاش بيننا بيتحول لخناقة على مين بيدفع إيه، ومين برستيجه أعلى قدام زمايله في الشركة. مفيش مرة رجعت فيها البيت ولقيت ضحكة صافية أو لمة دافية. حتى أختي صفاء، ملامحها الشمتانة بدأت تختفي وظهر مكانها الخوف لما لقتني بقيت عصبي، ومبقتش أستحمل منها كلمة واحدة عن حياتي الشخصية. طردتها من بيتي في آخر مرة جت تذم في هدى، وقلت لها: “أنتِ اللي خربتي بيتي.. اقعدي في غلك ده بعيد عني”.
في يوم من الأيام، كان عندنا اجتماع مجلس إدارة طارئ في الشركة عشان نجدد عقود الشحن والخدمات اللوجستية مع الشركة الكبيرة اللي بنتعامل معاها. دخلت قاعة الاجتماعات، رتبت أوراقي، وقعدت مستني وفد الشركة التانية يدخل.
الباب اتفتح، ودخل مدير عام شركة الشحن، ووراه.. “هدى”.
قلبي اتقلع من مكانه. رجلي مكنتش شايلاني وأنا بقوم أقف زي بقية المهندسين عشان نرحب بيهم. هدى كانت لابسة بدلة فورمال شيك جداً باللون الكحلي، لافة طرحتها بنظام، وماسكة تابلت في إيدها. ملامحها اللي كانت دايماً مطفية ومكسورة تحت عيني وعين أختي، بقت مشعة، عينيها فيها لمعة ذكاء وفخر تخطف العين.
المدير بتاعهم اتكلم وقال: “أقدم لكم الأستاذة هدى، رئيسة قطاع التعاقدات الجديدة عندنا، وهي اللي أشرفت بنفسها على بنود العقد الجديد وهتعرضها عليكم”.
هدى بصت في القاعة، عينيها جت في عيني لثانية واحدة.. ثانية واحدة بس، مكنش فيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت نظرة غريب بيشوف غريب في إشارة مرور.. نظرة مفيش فيها أي مشاعر، وده كان أصعب عقاب دوقته في حياتي. السكوت والانكسار القديم اتمحى، وحل محله برود وثقة هزتني من جوايا.
بدأت تتكلم بنبرة صوت قوية، واثقة، ومخارج حروفها مظبوطة. كانت بتشرح بنود العقد باللغة الإنجليزية في وسط الكلام بسلاسة، وبتناقش مديرين شركتنا في أرقام ونسب بكل ذكاء. وأنا؟ أنا كنت قاعد على الكرسي حاسس إني صغرت أوي، صغرت لدرجة إني مكنتش قادر أرفع عيني في عينها. كنت بفتكر لما أختي قالت “أخرك حدود المطبخ”، ولما أنا ضحكت وقلت “الحمد لله إنها لاقية مطبخ تقف فيه”. النهاردة هدى واقفة في قاعة اجتماعات أكبر شركة في البلد، والكل بيسمع لها بإنصات واحترام.
بعد ما الاجتماع خلص والكل وافق على شروطها وأشادوا بذكائها، المدير بتاعي قرب مني وقال بابتسامة: “شايف يا كريم الستات الناجحة؟ دي اللي يتشال اسمها على الرأس وتشرف أي مكان تدخل فيه.. مش زي ستات اليومين دول اللي موراهمش غير المظاهر”.
الكلمة نزلت عليا زي المية المغلية. ميعرفش إن الست دي كانت في بيتي، وكانت بتستحمل قسوتي وإهاناتي، وكانت بتغسل لي هدومي وبتستناني بأكل سخن، وأنا اللي رميتها بإيديا عشان أدور على “المستوى” اللي يعجب أختي.
خرجت وراها بسرعة قبل ما تركب الأسانسير. ناديت عليها وصوتي بيترعش وسط الممر: “هدى..!”
وقفت، والتفتت ليا بكل هدوء ووقار. رفعت حاجبها وقالت بنبرة رسمية جافة: “أفندم يا بشمهندس كريم؟ فيه أي استفسار بخصوص بنود التعاقد مش واضح؟”
كنت عايز أصرخ، أعيط، أقولها سامحيني، أنا غبي وعميتني السيطرة الكدابة. قلت لها بنبرة مكسورة: “هدى.. أنتِ وصلتي لكل ده إزاي؟ وليه مكنتيش بتوريني الوش ده وأنتِ معايا؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة كلها وجع قديم اتعافى منه خلاص، وقالت بصوت واطي ومسموع: “عشان معاك يا كريم، مكنش فيه مساحة للوش ده إنه يظهر. أنت وأختك كنتوا بتدوسوا على أي حاجة حلوة جوايا لمجرد إنكم تحسوا بالتميز. كنت بقوم بالليل وأنت نايم، أو وأنت بايت برة عند مراتك، أذاكر وأمتحن وأسعى، عشان كنت عارفة إن اليوم ده جاي.. يوم ما أقف على رجلي ومحتاجش لجميلة حد”.
سكتت ثانية، وبصت لساعتها، وبعدين رفعت عينيها في عيني وقالت الكلمة اللي ق*تلت آخر حتة كبرياء جوايا: “المركب اللي بتمشي بالذل والغصب بتغرق يا بشمهندس. وأنا غرقت معاك كتير، وجه الوقت اللي أتنفس فيه. عن إذنك ورايا اجتماع تاني”.
سابتني ومشيت، كعب جزمتها كان بيخبط على الأرض وكأنه بيخبط على قلبي اللي اتفرفد ميت حتة. وقفت مكاني وأنا شايفها بتبعد، وعرفت وقتها اليقين اللي مفيش بعده شك..
أنا مكنتش المنقذ ولا كنت كتير عليها.. أنا كنت السجان الغبي اللي قفل على جوهرة، ولما الجوهرة دي لقت الباب مفتوح، طارت وبقت في السما، وسابتني أنا هنا.. مدفون في حارة غسيلى، وندمي، وعمري اللي ضاع في المظاهر الكدابة.
ركبت عربيتي وأنا مش شايف طريقي من كتر الدموع اللي مالية عيني. كنت سايق بلا هدف، الشوارع واسعة حواليا بس الدنيا في عيني أضيق من خرم إبرة. كلامها كان بيلف في دماغي زي الأسطوانة المشروخة: *”معاك يا كريم مكنش فيه مساحة للوش ده إنه يظهر”*.
كنت غبي.. غبي لدرجة إني مكنتش فاهم إن الست اللي بتصغر وتتضاءل في بيتها مش بتكون ضعيفة، دي بتكون بتطفي روحها بإيديها عشان تديك مساحة تكبر أنت وتتفرعن. كنت فاكر إن كسر خاطرها هو اللي بيثبت رجولتي، ومكنتش عارف إن كل كسرة كانت بتبني فيها جدار جديد بيفصلها عني لحد ما بقيت ورا الجدار ده.. منسي ومطفي.
رجعت البيت.. أقصد شقة مروة. أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة الأكل الجاهز قالية المكان، ومروة قاعدة على الكنبة ولابسة سماعات في ودنها وبتتكلم في تليفونها وبتضحك بصوت عالي مع صاحبتها. لمحتني داخل، مكلفتش نفسها حتى تقفل السكة أو تقولي حمد الله على السلامة. شاورت لي بإيدها بنوع من البرود، وكملت كلام: “آه يا بنتي، بقولك الساتان ده مش موضة خالص السنة دي، أنا هجيب الدانتيل الفرنساوي…”
وقفت في نص الصالة باصص لها. دي الست الشيك اللي أختي صفاء قالتلي إنها “هتشرفني”. دي المهندسة اللي من مستوايا. حسيت في اللحظة دي بإن الشقة دي كرتون، الديكورات المودرن الغالية دي باردة ومفيش فيها دفا، والست اللي قاعدة قدامي دي غريبة عني، مش شريكة حياة.. دي مجرد شريكة سكن بتجمعني بيها مصالح وفواتير.
افتكرت هدى زمان.. لما كنت برجع من الشغل تعبان، كانت تجري عليا قبل ما أحط رجلي في البيت، تاخد مني الشنط، وتسألني عن يومي وعينيها كلها خوف واهتمام. مكنتش بتستنى لما أسألها على الأكل، كانت بتبقى مجهزة كل حاجة ومستنية اللقمة اللي هنأكلها سوا.. اللقمة اللي كنت بدوقها ليها بذل وأقولها “ده من خيري”.
مروة قفلت التليفون وبصت لي وقالت بنبرة آمرة: “كريم، كويس إنك جيت.. مامي كلمتني وعايزانا نروح معاها بكرة نشتري غسالة أطباق جديدة لفيلا الساحل، وطبعاً أنت اللي هتدفع نص تمنها كهدية ليها بمناسبة الصيف.. وبليز مش عايزة مبررات من بتاعة ميزانية الشركة والضغط اللي عندك”.
بصيت لها وضحكت.. ضحكت بصوت عالي لدرجة إن مروة اتخضت وقامت وقفت: “أنت بتضحك على إيه؟ أنا بتكلم جد على فكرة!”
قلت لها بنبرة هادية وميتة: “بضحك على نفسي يا مروة.. بضحك على البشمهندس كريم اللي كان فاكر نفسه مهندس أد الدنيا، وهو في الحقيقة مجرد محفظة متحركة.. مبروك عليكي يا مروة، ومبروك على مامي غسالة الأطباق.. بس أنا مش دافع حاجة، ومش رايح في حتة”.
“يعني إيه؟” زعقت مروة وعينيها أتحولت لشرار: “أنت بتلوي دراعي؟ أنت نسيت أنا مين ولا إيه؟ أنا مهندسة ومن عيلة، ومش هسمحلك تعاملني كأنك متجوز واحدة من الشارع!”
الكلمة دي.. “واحدة من الشارع”.. كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير. الكلمة دي فكرتني بصفاء، وفكرتني بنفسي وأنا بذل هدى. وقفت قصاد مروة وقلت لها بكل برود: “الست اللي من الشارع دي يا مهندسة.. كانت بروقة عنك، وكانت بتفهم في الأصول عنك وعن عيلتك. الشقة دي إيجارها هيتدفع لآخر الشهر، وهدومك تلميها وتروحي ل مامي.. أنا مش هكمل في التمثيلية دي”.
سيبتها تصرخ وتكسر في البيت، ونزلت. مكنتش فارقة معايا ومكنتش خايف من كلام الناس ولا من برستيجي اللي كنت بعبدُه زمان.
رحت قعدت في عربيتي على كورنيش النيل، وطلعت تليفوني. فتحت صفحة هدى على الفيسبوك اللي كنت دايماً براقبها في السكتة. لقيتها منزلة صورة جديدة ليها مع العيال في جنينة الشقة الجديدة بتاعتهم. العيال كانوا بيضحكوا من قلبهم، ضحكة عمري ما شفتها وهم معايا في شقة الكومباوند. وهدى كانت واقفة وسطهم، بعبايتها البسيطة الراقية، ملامحها مرتاحة، ومفيش في عينيها أي أثر للخوف.
كتبت بوست على صفحتي، وأنا عارف إنها مش هتشوفه لأنها عملتلي بلوك من زمان، بس كنت بكتبه لنفسي.. وللتاريخ.. ولأي راجل فاكر إن السيطرة بالذل والكسر بتصنع ورث:
> “كنت فاكر إني المنقذ، وكنت فاكر إن الشهادة والمنصب هما اللي بيعملوا القيمة. بس اكتشفت إن القيمة الحقيقية هي الروح اللي بتشيلك وأنت معندكش حاجة. خسرت الجوهرة اللي كانت بتدعيلي في سجدتها، وكسبت المظاهر اللي بتمص في دمي. النهاردة أنا واقف بطولي، مهندس أد الدنيا.. بس أصغر بكتير من إني أطول نظرة عتاب من الست اللي كانت في يوم.. ملكي”.
قفلت التليفون، وبصيت للنيل، وحسيت بنسمة هوا باردة خبطت في وشي. لأول مرة من سنة أحس إني بتنفس، بس كان نفس حراق.. نفس مليان بندم هيعيش معايا لآخر يوم في عمري. الخاتم اتقلع خلاص، والصباع اتقطع، والندم بقى هو الساكن الوحيد في قلبي.
عدت شهور تانية، والدوامة مكنتش بتهدا، بالعكس.. كانت بتوسع وتشدني ل القاع أكتر. طليت مروة رسمياً بعد خناقات ومحاكم على المؤخر والنفقة، وخرجت من الجوازة دي خسران نص تحويشتي، والأهم إني خرجت منها مكسور الكبرياء تماماً. الشقة الشيك الراقية اتقفلت، ورجعت عشت لوحدي في شقة الكومباوند.. الشقة اللي شهدت على كسرة هدى وظلمي ليها.
بقى يومي عبارة عن طقوس ميتة؛ أصحى الصبح أروح الشركة، أخلص شغلي، وأرجع لبيت فاضي وموحش. السكوت اللي في الجدران كان بياكل فيا. بقيت أدخل المطبخ عشان أعمل لنفسي كارتون جاهز أو كوباية قهوة، فأفتكرها وهي واقفة وسط الدخان بتمسح عرقها وتداري دموعها عشان تعملي الأكل اللي يرضيني بعد ما أهنتها. بقيت أبص للكنبة اللي كنت بقعد عليها وأنا برمي في وشها خبر جوازي ببرود، وأتحسر على غبائي.
أختي صفاء حاولت تكلمني كذا مرة، كانت بتبعت لي رسايل تقولي: “يا كريم فداك مروة وأيامها، بكره نلاقيلك ست ستها، واحدة تشيلك في عينيها وتعرف قيمتك”. مكنتش برد عليها، وفي الآخر عملت لها بلوك هي كمان. صفاء مكنتش شايفة إن “ست ستها” دي كانت تحت إيدينا وإحنا اللي ردمنا عليها بالتراب.
في يوم جمعة، وأنا قاعد في الصالة لوحدي، تليفوني رن.. كان رقم غريب.
رديت بصوت مطفي: “أيوة، مين معايا؟”
جالي صوت من الناحية التانية، صوت صغير وحنين، قلب كياني كله: “بابا.. أنا مازن”.
دموعي نزلت فوراً من غير ما أحس، صوته كان بقالي شهور مسمعتوش غير من بعيد في النادي تحت عيون أخو هدى.
قلت له بصوت بيترعش: “مازن! حبيبي.. عامل إيه يا روح بابا؟ أختك جودي عاملة إيه؟”
مازن قال ببراءة الأطفال: “إحنا كويسين يا بابا.. أنا بكلمك من تليفون مامي في السكتة وهي في المطبخ بتعملنا كيكة. بابا.. أنت مش بتيجي تقعد معانا ليه؟ إحنا شقتنا الجديدة حلوة أوي، ومامي جابتلي سري ب دورين أنا وجودي، بس أنا نفسي تيجي تشوف لُعبي الجديدة”.
قبل ما أرد عليه وأقوله إني مستعد أجيله زحف، سمعت صوت هدى في الخلفية.. صوتها الهادي اللي مبقاش فيه أي نبرة خوف. كانت بتقوله: “مازن.. بتكلم مين يا حبيبي؟”
الصوت قطع فجأة، والتليفون اتمسح.
قعدت مكاني وأنا بنهج، حاسس إن روحي ردت فيا لمجرد إني سمعت صوت ابني وصوتها وهي بتتحرك في بيتها الجديد بأمان. أخدت المفاتيح ونزلت فوراً، مكنتش قادر أقعد مكاني ثانية واحدة. ركبت العربية ورحت على العنوان اللي عرفته من قضايا المحاكم.. شقتها الجديدة.
وصلت قدام العمارة، مكنتش عمارتنا الراقية اللي في الكومباوند، كانت عمارة بسيطة في منطقة متوسطة، بس نظيفة وهادية. وقفت تحت في الشارع، باصص للبلكونة بتاعتها في الدور الثالث. كانت منورة، وفيها قفص عصافير وزرع أخضر صغير.. زرع بيفكرني بالزرع اللي كانت بتحاول تزرعه في بلكونتنا وزمان كنت بزعق وأقولها “بتوسخي البلاط بالطين”. هنا، الزرع كان باين عليه الرعاية والاهتمام، زيها بالظبط.
لمحت خيالها وهي بتدخل البلكونة وتلم غسيل الولاد. وقفت أراقبها من بعيد، بعيد أوي.. كنت حاسس إني زي الحرامي اللي بيراقب جنة اتطرد منها ومبقاش ليه حق يدخلها. هدى كانت بتتحرك بخفة، مفيش على كتافها الهم والتقل اللي كنت بحملهولها كل يوم.
نزلت راسي على الدريكسيون وعيطت بالدموع اللي حبستها سنين. عرفت وقتها إن الإنسانية والأصول مش بالشهادات الكبيرة ولا بالمظاهر الكدابة. هدى بدبلومها البسيط كانت أطهر وأكبر من عقلي الصغير وعقل أختي. هي عرفت تبني نفسها وتكبر لما نفضتني من حياتها، وأنا اللي صغرت وضعت لما خسرتها.
دورت العربية ورجعت وأنا كلي يقين.. إن العقاب الحقيقي مش إن الست اللي تظلمها تدعي عليك؛ العقاب الحقيقي إنها تسيبك وتمشي، وتنجح، وتعيش حياتها وتكون سعيدة جداً.. وأنت براها. تسيبك تفتكر كل كلمة قاسية قلتها وكل نظرة كسرة كسرتها بيها، وتعيش بقية عمرك مقتنع بالكلمة اللي هي ختمت بيها حكايتنا:
“أنا اللي بقيت كتير عليك يا كريم”.


تعليقات
إرسال تعليق