القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوزى يوم معاشى



جوزى يوم معاشى

 

الجزء الأول

يوم ما معاشي نزل في الحساب، الموبايل رن بإشعار.

بصيت على الرقم، وابتسمت من قلبي.

بعد عمر كامل قضيته في التدريس، أخيرًا جه الوقت اللي أرتاح فيه.

حضرت العشا بإيدي... أربع أصناف وأكلة شوربة، وكمان عملت ريش ضاني بالطريقة اللي جوزي حسن بيعشقها.

وإحنا بناكل، وبعد ما خلص نص طبقه، حط المعلاقة على الترابيزة، وتنحنح.

أنا حفظت الحركة دي عن ظهر قلب.

كل مرة يكون عايز يفتح موضوع مهم، لازم ينحنح الأول، كأنه هيطلع يخطب على مسرح.

قال

يا منى... فيه موضوع كنت عايز أتكلم فيه معاكي.

كنت لسه بمضغ لقمة، ورديت بهدوء

اتفضل.

قال وهو بيتجنب يبصلي

أخويا الكبير الله يرحمه مات بدري... ومراته، أم محمد، شقيت لوحدها عشان تربي ابنها. الست تعبت في حياتها أوي.

فضلت باكل عادي.

كمل

دلوقتي هي ملهاش معاش، وحالتها المادية صعبة... وأنا فكرت إن معاشي كل شهر أديهولها.

رفعت عيني وبصيتله.

واضح إنه مش قادر يبصلي في وشي.

سألته بهدوء

كام؟

بلع ريقه وقال

كله... المعاش كله.

إيدي وقفت في نص الحركة.

مش من الصدمة...

لكن لأني كنت هموت وأضحك.

هو ناسي؟

ولا بيتناسى؟

طول السنين اللي فاتت، إحنا صرفنا على بيت أخوه قد إيه؟

لما ابنها محمد اتجوز، إحنا اللي دفعنا مقدم الشقة.

مئتين ألف جنيه من جيبنا.

لما دخلت المستشفى وعملت عملية، إحنا اللي دفعنا تمنها.

تمانين ألف جنيه.

كل عيد ومناسبة، العيدية عمرها ما كانت تقل عن تلات تلاف جنيه.

ولما حفيدها دخل الحضانة، المصاريف


الدراسية إحنا اللي دفعناها.

لو جمعنا كل الفلوس دي...

كنا اشترينا بيها شقة جديدة في بلدنا.

ما قولتش ولا كلمة.

كملت أكلي في هدوء.

عدى حوالي عشر ثواني من الصمت.

فجأة ابني كريم اتكلم.

قال

ماما... بابا عنده حق. عمتي تعبت كتير بعد وفاة عمي، وإحنا في الآخر عيلة واحدة... ولازم نقف جنب بعض.

بصيت له.

عنده تمانية وعشرين سنة.

مرتبه خمسة آلاف جنيه بالعافية.

آخر الشهر بيكون مفلس.

الشهر اللي فات استلف مني ألفين جنيه عشان يسدد فيزا البنك.

دلوقتي بقى كريم أوي...

بس كريم بفلوس أبوه.

حسن لقى إني ساكتة، فقال بسرعة

وبعدين إنتِ عندك معاش، والمدرسة كمان طالبة منك تكملي تدريس بعد التقاعد... يعني دخل البيت هيبقى كويس.

حطيت المعلاقة.

ومسحت بقي بفوطة السفرة.

وقلت بمنتهى الهدوء

ماشي.

هو نفسه اتفاجئ.

قال بسرعة

يعني... موافقة؟

ابتسمت.

طبعًا موافقة. عندك حق... العيلة لازم تساعد بعضها.

الابتسامة رجعت لوشه.

وقال وهو مرتاح

كنت عارف إنك ست عاقلة وهتفهميني...

قاطعته.

بس عندي أنا كمان خبر صغير.

هو وكريم بصوا لي.

قلت

المدرسة كانت طالبة مني أكمل شغل بعد المعاش...

وأنا قررت أرفض.

السفرة كلها سكتت.

المعلقة وقعت من إيد كريم.

قال بذهول

إيه؟!

قلت بابتسامة وأنا بقوم أشيل الأطباق

مش هشتغل تاني.

تلاتين سنة تدريس كفاية.

تعبت.

من النهارده هقعد في البيت.

هزرع ورد.

وهشترك في جامعة كبار السن.

هتعلم رسم.

ورقص.

وخط عربي.

حسن اتوتر وقال

بس المدرسة هتديكي تمن

تلاف جنيه في الشهر!

قلت

أيوه... تمن تلاف.

لكن مش إنت بنفسك قلت إن دخل البيت هيكفي؟

معاشك هيروح لأرملة أخوك...

ومعاشي يصرف على البيت...

يبقى خلاص... كفاية.

فتح بقه...

لكن ولا كلمة خرجت.

شلت الأطباق ودخلت المطبخ.

ومن بعيد سمعت كريم بيهمس

بابا... الموضوع قلب بجد.

ورد حسن بصوت واطي

سيبها يومين... دي بس زعلانة وهتهدى.

فتحت الحنفية.

وصوت الميه غطى على كلامهم.

ابتسمت لنفسي.

زعلانة؟

لأ...

أنا أول مرة أبقى جادة بالشكل ده.

الجزء الثاني

تاني يوم الصبح.

لبست فستان شيك كنت شرياه من فترة ولسه ما لبستوش.

حطيت ميك أب خفيف.

وخرجت.

حسن كان قاعد في الصالة بيقرا الجرنال.

أول ما شافني بالشكل ده استغرب.

قال

رايحة فين؟

قلت

المدرسة.

ابتسم وهو ارتاح.

آه... عشان توقعي عقد الشغل.

قلت بكل هدوء

لأ... عشان أرفض.

الجرنال وقع تقريبًا من إيده.

قال بصوت عالي

إيه؟! إنتِ بتهزري؟

عدلت شعري قدام مراية الباب.

وقلت

باين عليا إني بهزر؟

قال

يعني هتسيبي تمن تلاف جنيه؟

أيوه.

لفيت أبصله وابتسمت.

يا حسن... بقالي تلاتين سنة بصحى بدري، وبشتغل، وبرجع أخدم البيت.

كفاية.

إنت قلت إن العيلة تساعد بعضها.

إنت ساعد مرات أخوك...

وأنا هساعد نفسي.

قال بسرعة

طب والبيت؟

قلت

معاشي أربعة آلاف وميتين جنيه.

يكفوا الأكل والشرب بالعافية.

ولو عشنا على القد يبقى عادي...

ما مرات أخوك عايشة كده.

وشه اصفر.

هو معاشه تلات تلاف وتمانمية.

وده كله هيطلع بره البيت.

يبقى البيت هيعيش

على أربعة آلاف وميتين.

منهم كهربا.

ومية.

وغاز.

وأكل.

ومصاريف.

وساعتها فهم...

يعني إيه الكلام اللي قاله امبارح.

لكن ما عرفش يرد.

لأن كل ده...

كان كلامه هو.

خرجت من البيت وأنا مبسوطة.

اشتريت لأول مرة من زمان ساندويتش فطار غالي.

كنت زمان بعمل عيش وجبنة في البيت وخلاص.

روحت المدرسة.

مدير شؤون العاملين أول ما شافني رحب بيا، وقال إن العقد جاهز.

قلتله بابتسامة

أنا جاية أعتذر.

مش هرجع أدرس.

الراجل اتصدم.

وقال

يا أستاذة منى... المدرسة محتاجاكي جدًا.

قلت

أشكركم...

بس أنا قررت أعيش حياتي.

خرجت.

وهو فضل يناديني يمكن أغير رأيي.

لكن ما بصيتش ورايا.

وأنا ماشية...

الموبايل رن.

كان كريم.

رديت.

قال بعصبية

ماما... بابا بيقول إنك فعلًا رفضتي الشغل!

إنتِ اتجننتي؟

قلت

خير؟

قال

تمن تلاف جنيه هتسيبيهم؟

إنتِ عارفة أنا...

وقف فجأة.

عدل كلامه بسرعة.

قصدي... عارفة البيت هيعيش إزاي؟

ابتسمت.

وسألته

كنت هتقول أنا إيه؟

سكت ثانيتين.

قلت

كنت هتقول إنك بعد كده مش هتعرف تيجي كل شهر تاخد مني فلوس؟

الشهر اللي فات أخدت ألفين.

واللي قبله ألف ونص.

وقبله تلات تلاف.

تحب أفتحلك كشف التحويلات؟

قال بصوت عالي

ماما!

قلت

أنا برا.

هقفل دلوقتي.

وقفلت السكة.

بعدها فتحت خرائط جوجل.

ودورت على جامعة كبار السن.

كان فيها

رسم.

خط عربي.

رقص.

غنا.

اشتركت في كل الكورسات.

دفعت تلات تلاف وستمية جنيه.

وبكل سعادة ضغطت تأكيد الدفع.

معاشي أربعة آلاف وميتين.

بعد الخصم...

فضل ستمية جنيه.

ستمية جنيه ما يكفوش أكل الشهر.

لكن ولا يهم.

الباقي...

حسن يتصرف فيه.

ما إحنا...

عيلة واحدة.

الجزء الثالث

مر أسبوع كامل.

أنا بقيت كل يوم أصحى بدري، أشرب قهوتي في البلكونة، أروح الجامعة، أرجع أتكلم مع صحابي

 

الجداد، وأقضي بقية اليوم برا أو بقرأ كتاب.

أما حسن...

فبقى يعد الأيام.

كل يوم أول الشهر يقبض معاشه، وينزل يديه كله لأرملة أخوه، ويرجع البيت بجيب فاضي.

في الأول كان بيحاول يبان قدامي إنه مقتنع.

لكن بعد أسبوعين، بدأت الحقيقة تظهر.

بقى يشتكي من كل حاجة.

الأكل بقى بسيط أوي.

مفيش لحمة؟

مفيش فراخ؟

كنت أرد بابتسامة

معلش... الظروف.

أصل إحنا عايشين على معاشي بس.

وأنا كمان بدفع مصاريف الجامعة.

إنت بنفسك قلت إن ده يكفي.

كان يسكت...

لكن وشه كان بيحمر من الغيظ.

وفي يوم الجمعة...

كريم دخل البيت وهو متضايق.

قال وهو بيقعد على الكنبة

ماما... محتاج ثلاثة آلاف جنيه.

بصيتله بهدوء.

ليه؟

العربية عطلت... ولازم أصلحها.

قلت

معنديش.

استغرب.

يعني إيه معندكيش؟

يعني معنديش.

أنا دلوقتي معاشي متوزع.

مصروف البيت.

ورسوم الجامعة.

وشوية فلوس بحوشهم عشان أسافر آخر السنة.

وقف يبصلي وكأني شخص غريب.

يعني هتسيبيني؟

ابتسمت.

لا يا حبيبي.

أنا بس بطبق الدرس اللي إنت وباباك علمتوهولي.

العيلة تساعد بعضها.

روح اطلب من باباك.

سكت.

لأنه عارف إن باباه ممعهوش جنيه.

فضل واقف ثواني...

وبعدين خرج من غير ما يقول كلمة.

بعدها بيومين...

جرس الباب رن.

فتحت.

لقيت أرملة أخو حسن واقفة.

وشها كله ابتسامات.

أول ما دخلت قالت

ربنا يباركلك يا منى.

حسن راجل أصيل.

من ساعة ما وعدني إنه هيديني معاشه كامل وأنا ارتحت.

ربنا يخليهولي.

بصيت لحسن.

كان مكسوف يرفع عينه

في عيني.

قلت بمنتهى الهدوء

الحمد لله.

المهم تكوني مبسوطة.

قالت وهي بتشرب الشاي

والله كنت بفكر الشهر الجاي أغير العفش القديم... وربنا يسهل كمان يمكن أعمل عملية لركبتي.

حسن اتخض.

واضح إنه أول مرة يعرف إنها بدأت ترتب حياتها كلها على أساس الفلوس دي.

خرجت الست بعد ساعة.

وأول ما الباب اتقفل...

لف حسن ناحيتي بسرعة.

لازم أكلمها.

قلت

ليه؟

مش هقدر أكمل كده.

ابتسمت.

بس دي قالت إنها بدأت تعتمد على الفلوس.

لو رجعت في كلامك هتزعل منك.

مش إنت كنت بتقول الراجل لازم كلمته تبقى واحدة؟

سكت.

وقعد على الكنبة وهو حاطط إيده على راسه.

أول مرة أحس...

إنه بدأ يدوق طعم القرارات اللي كان بياخدها من غير ما يفكر فيا.

وفي آخر الشهر...

وأنا قاعدة في أوضة النوم، جالي إشعار من البنك.

معاشي نزل.

فتحت تطبيق البنك.

وبعدها بدقيقة واحدة...

حجزت رحلة سياحية لمدة خمسة أيام لأسوان.

شاملة الفندق والرحلات النيلية.

وبعدين دخلت الصالة.

حسن كان بيتفرج على الأخبار.

قلتله بابتسامة

على فكرة...

أنا مسافرة الأسبوع الجاي.

رفع راسه بسرعة.

مسافرة؟!

أيوه.

وسيباني لوحدي؟

ضحكت لأول مرة من قلبي.

وقلت

متقلقش.

إنت راجل.

وبعدين...

العيلة تساعد بعضها.

اطلب من أرملة أخوك تبعتلك أكل كل يوم.

أكيد مش هتسيبك.

الجزء الرابع

فضل حسن يبصلي كأنه مش مستوعب اللي سمعه.

قال وهو واقف فجأة

يعني إيه أسوان؟ وإيه يعني هتقعدي هناك خمس أيام؟

قفلت شنطتي بهدوء.

هقعد أرتاح...

وأتفسح.

وتسيبي البيت؟

هو البيت هيطير؟

سكت ثانية، وبعدها قال بنبرة كلها ضيق

طب وأنا هآكل إيه؟

ابتسمت.

افتح التلاجة.

فتحها.

لقى علبتين جبنة، شوية خضار، بيض، ورغيفين عيش في الفريزر.

قال وهو متضايق

ده أكل يومين!

والباقي انزل اشتريه.

ومنين؟

بصيتله باستغراب مصطنع.

من معاشك.

أول ما قلتها...

افتكر إن معاشه كله راح لأرملة أخوه.

وشه اتغير.

قعد على الكرسي من غير ولا كلمة.

تاني يوم الصبح...

وصلت أسوان.

أول مرة من سنين طويلة أسافر وأنا مش شايلة هم حد.

لا بطبخ.

ولا بغسل.

ولا برد على طلبات حد.

صحيت على منظر النيل.

شربت القهوة في البلكونة.

وبعت صورة لصاحبتي في الجامعة.

وبعدين نزلت أركب مركب في النيل.

أما في البيت...

فكان الوضع مختلف تمامًا.

أول يوم، حسن طلب أكل دليفري.

تاني يوم، طلب برضه.

تالت يوم، بص في محفظته...

ما لقاش غير خمسين جنيه.

اتصل بكريم.

يا ابني... ابعتلي شوية فلوس.

كريم اتنهد وقال

يا بابا... أنا أصلًا مستلف من كذا حد.

أنا كنت متعود إن ماما هي اللي تحل أي أزمة.

سكت حسن.

أول مرة يحس...

إن الشخص اللي كان شايل البيت كله، شال إيده فعلًا.

رجعت من السفر بعد خمس أيام.

وأنا طالعة السلم...

لقيت الباب مفتوح.

دخلت.

اتفاجئت بالصالة مكركبة.

المواعين مالية الحوض.

والهدوم متكومة على الكنبة.

أما حسن...

فكان قاعد قدام المروحة، وشكله مرهق جدًا.

أول ما شافني قام بسرعة.

الحمد لله على السلامة.

قلت بابتسامة

الله يسلمك.


وبصيت حواليّا.

واضح إنكم كنتم مبسوطين.

اتكسف.

وقال

كنت مستنيكي.

ليه؟

عشان... يعني... البيت من غيرك...

مكملش الجملة.

قلت

عادي.

كل واحد يشيل مسؤوليته.

بعد العشا...

حسن قعد قدامي.

ولأول مرة من سنين...

صوته كان هادي.

قال

منى... أنا غلطت.

بصيتله من غير ما أتكلم.

قال

طول عمري كنت فاكر إن اللي بتعمليه ده طبيعي.

الأكل طبيعي.

البيت نضيف طبيعي.

الفلوس موجودة طبيعي.

ولما غبتي كام يوم...

عرفت إن مفيش حاجة من دي كانت طبيعية.

دي كانت بسبب تعبك.

فضل ساكت شوية.

وبعدين قال

أنا آسف.

دي أول مرة أسمع الكلمة دي منه من يوم اتجوزنا.

لكن الغريب...

إني ما حسيتش بأي انتصار.

بس حسيت براحة.

قلت بهدوء

الاعتذار كويس...

بس لو فضل مجرد كلام، يبقى مالوش قيمة.

هز راسه.

قوليلي أعمل إيه.

قلت

أول حاجة...

من الشهر الجاي، معاشك يرجع بيتك.

ولو حبيت تساعد أرملة أخوك، ساعدها بالمبلغ اللي تقدر عليه بعد ما بيتك يعيش كويس.

تاني حاجة...

كل مصاريف ابنك انتهت.

كريم بقى راجل.

يصرف على نفسه.

وتالت حاجة...

أنا مش هرجع الست اللي كانت عايشة تخدم الكل وتنسى نفسها.

من النهارده...

هيبقى ليا يومين في الأسبوع برا البيت.

وسفرة كل كام شهر.

ومصاريفي أنا قبل أي حد.

حسن نزل راسه وقال

موافق.

وفي اللحظة دي...

رن جرس الباب.

فتح حسن.

كان كريم.

دخل وهو متوتر، وبص لأبوه وقال

بابا... عمتي بتقول إن معاش الشهر متأخر، وعاوزة تعرف هتنزلها الفلوس إمتى.

بص حسن عليا...

وبعدين خد نفس طويل.

وقال لأول مرة بصوت ثابت

قول لعمتك...

إني هزورها بكرة.

وفيه كلام لازم يتقال.

الجزء الخامس

تاني يوم الصبح...

لبس حسن قميصه الأبيض، ومسك ظرف بني كان محطوط في درج المكتب.

بصيتله وأنا بشرب القهوة.

قلت

رايح فين؟

قال

 

بهدوء

عند أم محمد.

هزيت راسي.

ربنا يسهّل.

خرج من البيت...

ولأول مرة من سنين، ما طلبش مني أجهزله هدومه، ولا حتى أسأله هيتغدى إمتى.

بعد حوالي ساعتين...

رجع.

وشه كان شاحب.

قعد على الكنبة من غير ما يتكلم.

سيبته شوية.

وبعدين سألته

خير؟

طلع نفس طويل.

وقال

اتخانقت معايا.

ما استغربتش.

قلت

ليه؟

قال

لما قلتلها إني مش هقدر أديها المعاش كله، قالتلي إني بوظت عليها كل حساباتها.

وسكت ثانية...

وبعدين كمل بمرارة

قالتلي إنها كانت ناوية تشتري أوضة نوم جديدة، وتغير التكييف، وكمان تحجز رحلة عمرة آخر السنة.

بصيتله.

يعني كانت معتمدة على فلوسك فعلًا.

هز راسه.

وقالتلي كمان...

إنت وعدتني، ووعد الراجل دين.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

وقلت

نفس الجملة اللي كنت بتقولهالي.

سكت.

واضح إنه افتكر.

في نفس الليلة...

كريم دخل أوضتي.

كان شكله متردد.

قال

ماما... ممكن أقعد؟

قفلت الكتاب اللي كنت بقراه.

اتفضل.

قعد قدامي، وبص في الأرض.

أنا... عايز أعتذر.

استغربت.

دي أول مرة ابني يعتذرلي من غير ما أطلب.

قال

أنا اكتشفت إني كنت باخد منك الفلوس كأنها حقي.

ماكنتش بفكر إنك بتتعبي عشانها.

أنا كنت فاكر إنك هتفضلي تدفعيلنا طول العمر.

ابتسمت.

والنهارده؟

قال وهو بيتنهد

النهارده فهمت إن الراجل اللي عنده تمانية وعشرين سنة، مينفعش يعيش مستني أمه تحلله كل مشاكله.

طلع من جيبه ظرف.

وحطه قدامي.

فتحته...

لقيت ألفين جنيه.

قلت باستغراب

إيه ده؟

قال

أول مبلغ هرجعهولك

من الفلوس اللي كنت باخدها.

مش هقدر أردهم مرة واحدة...

بس هردهم كل شهر.

بصيتله...

وحسيت إن أول مرة أشوفه راجل فعلًا.

قلت بابتسامة

احتفظ بيهم.

قال بسرعة

ليه؟

قلت

افتح بيهم حساب توفير.

ابدأ تعتمد على نفسك.

دي أحسن هدية ممكن تدهالي.

ابتسم...

ولأول مرة من شهور، حضني من غير ما يكون عايز حاجة.

بعد شهرين...

حياتي اتغيرت تمامًا.

بقيت بروح الجامعة تلات أيام في الأسبوع.

واتعلمت أرسم لوحات بسيطة.

واشتركت في نادي للمشي.

وبقيت أنا وصاحبتي الجديدة، الدكتورة نادية، بننزل نتغدى سوا كل خميس.

أما حسن...

فبقى هو اللي يدخل المطبخ أوقات.

ويغسل المواعين.

ويسألني

أساعدك في حاجة؟

كنت كل مرة أبتسم.

وأرد

أهو كده أحسن.

وفي يوم...

وأنا قاعدة في البلكونة بسقي الورد...

رن جرس الباب.

فتحت.

لقيت أرملة أخو حسن.

لكن المرة دي...

ملامحها كانت مختلفة.

لا غضب.

ولا تكبر.

ولا ابتسامة مصطنعة.

كانت باين عليها الحيرة.

قالت بصوت واطي

ممكن أدخل؟

قلت

اتفضلي.

دخلت، وقعدت شوية ساكتة.

وبعدين قالت

أنا جيت أعتذر.

أنا اتعودت إنكم تشيلوا عني كل حاجة.

ولما حسن قال إنه مش هيقدر يكمل، حسيت إن الدنيا بتقع.

لكن بعدين اكتشفت...

إني كنت غلطانة.

أنا لسه قادرة أشتغل.

وفعلًا لقيت شغل أربع ساعات في حضانة قريبة.

مش مرتب كبير...

بس يكفيني.

وبصتلي بعين مليانة ندم.

يمكن لو كنت اعتمدت على نفسي من زمان... ماكنتش خسرتكم.

ابتسمت بهدوء.

وحطيت قدامها فنجان شاي.

وقلت

لسه

مفيش حاجة اتخسرت...

طول ما كل واحد عرف حدوده، وقدر تعب غيره... يبقى دايمًا فيه فرصة نبدأ من جديد.

الجزء السادس

عدّى حوالي ست شهور...

والبيت بقى هادي بشكل غريب.

مش لأن المشاكل اختفت...

لكن لأن كل واحد بقى عارف حدوده.

حسن بقى أول كل شهر، أول ما يقبض معاشه، يحط جزء في ظرف مصروف البيت، وجزء صغير يوديه لأرملة أخوه من غير ما يحرم بيته.

أما كريم...

فكانت دي أول مرة في حياته يعدي ست شهور من غير ما يطلب مني جنيه واحد.

بل بالعكس...

بقى كل ما ييجي يزورني، يجيب معاه حاجة.

مرة فاكهة.

مرة تورتة صغيرة.

ومرة باقة ورد.

وكان كل مرة يقول نفس الجملة

دي أقل حاجة أقدر أعملها يا ماما.

وفي يوم...

كنت راجعة من درس الرسم.

لقيت عربية فخمة واقفة قدام البيت.

استغربت.

أول ما طلعت...

لقيت في الصالة راجل ومراته.

أنيقين جدًا.

أول ما شافوني، وقفوا باحترام.

الراجل ابتسم وقال

حضرتك الأستاذة منى؟

أيوه.

أنا المهندس شريف... ودي زوجتي.

حسن قام بسرعة وقال

دول مخصوص جايين يسلموا عليكي.

بصيت باستغراب.

المهندس شريف طلع من شنطته علبة شيكولاتة كبيرة.

وقال

حضرتك يمكن مش فاكراني...

أنا كنت طالب عندك من خمسة وعشرين سنة.

ابتسمت وأنا بحاول أفتكر.

لكن بصراحة...

ملامحه اتغيرت تمامًا.

قال وهو بيضحك

أنا شريف... اللي كان بيجيب صفر في الرياضيات.

ضحكت.

وفجأة افتكرته.

كان أشطر طالب في الشقاوة.

قلت

معقول؟!

قال

أيوه.

وحضرتك أول واحدة قالتلي زمان

إنت

مش فاشل... إنت محتاج حد يصدق فيك.

سكت لحظة...

وبعدين كمل وعينه لمعت.

الكلمة دي غيرت حياتي.

دلوقتي عندي شركة مقاولات فيها أكتر من ميت موظف.

وأول ما عرفت إن حضرتك تقاعدتي...

قلت لازم أجي أشكرك.

حسن كان ساكت تمامًا.

واضح إنه أول مرة يسمع الكلام ده.

قبل ما يمشي...

شريف حط ظرف على الترابيزة.

قلت بسرعة

لا يا ابني... أنا ماخدش فلوس من حد.

ابتسم.

وقال

دي مش فلوس.

فتحت الظرف.

لقيت دعوتين.

سألته

إيه دول؟

قال

رحلة نيلية سبع أيام في الأقصر وأسوان.

أنا عاملها هدية لحضرتك وللأستاذ حسن.

كل المصاريف مدفوعة.

رفضت في الأول.

لكنه أصر.

وقال

دي أقل حاجة أقدر أرد بيها جزء من فضلك.

بعد ما مشي...

فضل حسن ماسك الدعوة، وساكت.

وبعدين بصلي وقال

أنا طول عمري كنت فاكر إن شغلك مجرد مرتب آخر الشهر.

لكن النهارده عرفت...

إن تعبك كان بيبني ناس.

يمكن أكتر مما كنت ببني أنا.

ابتسمت.

وقلت

المدرس الحقيقي...

بيسيب أثر، مش مجرد درجات.

قبل السفر بيوم...

وأنا برتب الدولاب...

لقيت حسن داخل عليا وهو ماسك علبة صغيرة.

قال

افتحيها.

فتحتها.

لقيت فيها سلسلة دهب رقيقة جدًا.

بصيتله باستغراب.

قال وهو محرج

أول هدية أشتريها ليكي من فلوسي أنا.

مش من مكافأة.

ولا من قرض.

ولا بعد ما تفضلي عليا.

من فلوسي.

وأنا اللي اخترتها.

حسيت بعيني دمعت.

مش علشان قيمة السلسلة...

لكن لأن الراجل اللي قدامي...

أخيرًا فهم إن التقدير مش كلمة...

التقدير فعل.

لبست السلسلة.

وبصيت في المراية.

لقيت حسن واقف ورايا بيبتسم.

وقال بهدوء

تعرفي...

أنا اكتشفت إني كنت محظوظ طول عمري.

بس للأسف...

عرفت قيمة النعمة بعد ما كدت أخسرها.

ابتسمت وأنا ببصله في المراية.

وقلت

المهم إنك عرفتها...

قبل ما يفوت الأوان.


تعليقات

التنقل السريع
    close