ست رخيصه كاملة بقلم امانى السيد
ست رخيصه
امانى السيد
الناس بيقولوا عنى أنى ست رخيصه لانى مستحمله جوزى عشان خاطر عيالى
يوم ما جوزى دخل عليه ومعاه مراته الجديدة قالى انهت هتقعد معانا فى نفس البيت وانى هنزل اقعد فى شقه امه ولازم ارضى بالامر الواقع او يطلقنى ويرمينى بالعيال وافقت عشان الاولاد وانهم يفضلوا عايشين بينى وبين ابوهم
شقه حماتى قديمه فرشها قديم رضيت بيه وعشت عليه وجوزى وضب شقتى اللى فوق وقعد وعاش فيها
كل يوم ياخد مراته الجديدة وسهر وخروج ولبس وعيشه دلع إنما انا بقيت عايشه لاولادى ولخدمتهم حتى الاكل بقى يجبرنى انى اعمله وطلعه ليها تاكل على الجاهز
بقيت انزل السوق واجيب الطلبات واقف اطبخ واطلعلها الغدا والعشا لحد عندها ولو معملتش كده يقطع المصروف عنى وعشان يتأكد من انى افضل تحت طوعه بقى يدينى مصروف اليوم بيومه وبعدها بقى يسيب ضرتى هى اللى تدينى مصروف البيت وتحاسبنى بنفسها عشان تضمن انى ماحوش حاجه لنفسى ولادى كبروا معايا وبقوا يسمعوا كلام الناس وطريقه تعاملهم معايا ويفضلوا يعيطوا وانا مابقتش عارفه اعمل ايهوغير انى احضنهم واطبطب عليهم
فى يوم جوزى قالى إن ضرتى حامل وانى اطلع كل يوم بعد ما اخلص الغدا انضفلها الشقه عشان مش قادره تتحرك ولو معملتش كده مش بس هيض.ربنى لا ده كمان هيضرب العيال ويخرجهم من المدارس وافقت غصب عنى عشان مستقبل ولادى وبقيت اطلع انضفلها واجهزلها الاكل وهى بتبقى قاعده فارده رجلها على الكنبه بتتفرج على التلفزيون وتلعب الموبايل وتشاورلى امسحى ده ونضفى ده واغيلى السجاده دى وعشان اولادى كنت بنفذ وانا دموعى على خدى وفى وسط ما بروق الشقه لقتها بصتلى ببرود وقالتلى الدمتوره قالتلى للزم اعمل مساج لرجلى عشان بتورم روحى هاتى طبق مايه وملح وتعالى ادعكيلى رجلى
هنا حسيت بإن حاجة جوايا اتكسرت وماتت خالص. الطبق اللي كان في إيدي وقع على الأرض وعمل صوت هز البيت كله، بس الصوت ده كان أرحم بكتير من الصوت اللي كان بيصرخ جوايا.
بصيت لها وهي قاعدة بكل برود، فاراد رجلها، وماسكة الموبايل وبتبصلي بمنتهى الحقارة وهي مستنية مني أنفذ. في اللحظة دي بالذات، طيف ولادي عدى قدام عيني؛ افتكرت نظراتهم ليا، افتكرت دموعهم وهما بيسمعوا الناس بتقول عليا كلام يوجع القلب، افتكرت إن السكوت اللي كنت فاكراه حماية ليهم، طلع بيخليهم يشوفوا أمهم بتهون وتنكسر كل يوم اكتر من اليوم اللي قبله.
بقيت بصالها ومش عارفه اعمل ايه وولادى هيروحوا فين لو منفذلتهاش طلبها
وقفت مكان مابتحركش، عيني مثبتة عليها وعلى طبق المية والملح اللي اتدفق على الأرض والغرق مالا المكان. رجلي كانت بتترعش بس المرة دي مكنتش رشة خوف، كانت رشة فايقة.. زي اللي صحيت فجأة من كابوس طال سنين.
بصتلي بقرف وقالت بصوت مليان تعالي:
ـ “إيه الغشامة دي؟ وقعتي الطبق! امسحي المية دي بسرعة وهاتي غيره، ولا مستنية لما أقول لجوزك يوريكي مقامك ؟”
الكلمة طلعت منها زي السهم، بس بدل ما واطى راسي زي كل مرة، حسيت بدمي بيغلي. افتكرت عيالي.. افتكرت نظرة القهرة في عيونهم وهما شايفين أمهم بتهان، افتكرت إن التضحية لما تزيد عن حدها بتبقى إهانة، وإن السكوت مش حماية للعيال ده ذبح ليهم ولنفسيتهم كل يوم.
قربت منها خطوة خطوة، عيني كانت في عينها. الضحكة الخفيفة اللي كانت على وشها بدأت تختفي فجأة لما شافت نظرتي.. النظرة اللي عمرها ما شافتها في عيني قبل كده.
قالت بتلعثم وحاولت تداري خوفها:
ـ “أنتِ بتبصيلي كده ليه؟ أنتِ اتجننتي؟”
رديت عليها بصوت هادي، بس أهدى من الهدوء اللي بيجي قبل العاصفة، صوت طالع من قعر وجعي:
ـ “أنا مكنتش مجنونة.. أنا كنت عمياء. كنت فاكرة إن الصبر على الظلم حمايه لاولادى، وإن الكسرة عشان العيال حماية.. بس النهاردة بس عرفت إن الأم اللي تهون على نفسها، بتهون على عيالها وعلى الدنيا كلها.”
وطيت، مش عشان أرخص نفسي، لكن عشان ألمّ حتت الطبق المكسور. مسكت أكبر حتة فيه ووقفت، ورفعت راسي للسما وقلت جوايا: “يا رب، أنت الشاهد إن طاقتى خلصت، وإن الكرامة اللي اتدست تحت الرجلين دي لازم تقوم.”
رميت حتة المطبخ على الترابيزة جنبها، الصوت خضها وخلاها ترجع لورا على الكنبة. بصيت لها وقلت:
ـ “المية والملح دول تبليهم وتشربيهم أنتِ وهو. أكل ومش هطبخ، شقة ومش هنضف، والقرش اللي كنت باخده بإهانة، القانون هيجيبهولي غصب عنكم
نزلت من الشقة خطوة خطوة، ومشيت في الممر وأنا حاسة إن الهوا يدخل صدري لأول مرة من سنين. أيدي كانت بتترعش، بس قلبي كان جبل.
أول ما فتحت باب شقه حماتى القديمه تحت، لقيت عيالي قاعدين على الكنبة القديمة، يبصوا للباب بلهفة وخوف.. خايفين أرجع دموعي على خدي زي كل يوم.
جرت عليا بنتي الصغيرة وبكت:
ـ “يا ماما.. هو بابا زقك تاني؟”
نزلت لمستواهم، مسكت وشهم بإيديا الاتنين، ولأول مرة ابتسمت ابتسامة حقيقية، ابتسامة فيها قوة مش انكسار، وقلت لهم بصوت ثابت:
ـ “لا يا حبيبتي.. أمك النهاردة صحيت. محدش هيقعد يبكي تاني في البيت ده.”
حضنتهم بكل قوتي، وقررت إن اللحظة دي هي بداية النهاية للظلم، وبداية الطريق اللي هثبت فيه لنفسي ولعيالي وللناس كلها.. إن الأمان مش شقة ولا سقف، الأمان هو إنك تقف على حيلك وتعيش بكرامتك.
وفي اللحظة دي، سمعت صوت خطوات مرسي الجاية على السلم بسرعة، رجليه كانت بتهز الخشب القديم زي العاصفة. الباب اتفتح وفضلت عينيه تدور عليا وهو شايط، وبصلي بغل وهو يصرخ:
ـ “أنتِ إزاي تسيب الشقة فوق من غير ما تخلصي؟ وإزاي تتكلمي مع مراتي بالطريقة دي؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟”
العيال انكمشوا في ضهري وترعشوا، وكنت زمان بجري أترجاه واستسمحه عشان ما يمدش إيده أو يقطع المصروف. بس المرة دي، وقفت قدامه طول بطول، داريت عيالي ورايا وشديت ظهري لفوق، وبصيت في عينيه بثبات عمره ما شافه مني.
ـ “أنا مأنسيتش نفسي يا مرسي.. أنا افتكرتها. افتكرت إن ليا كرامة، وإن ربنا ما يرضاش بالذل ده. الشقة اللي فوق دي مش شغلتي، ومرتك تقدر تخدم نفسها.”
وشه اتغير، وأحمر من الغضب، وقرب مني خطوة وهو يرفع إيده عشان يرهبني زي كل مرة:
ـ “أنتِ بتقلبي عليا؟ طب وحياة عيالك دول لأرميكي في الشارع بدومك، ولا مليم يدخل البيت ده تاني، وأشوف هتأكليهم إزاي!”
ابتسمت ابتسامة وجع، بس كان فيها تحدي يهد جبال، وقلت له:
ـ “ارمي يا مرسي.. ارمي. الشارع أرحم من بيت اتهانت فيه كرامتي. واللقمة اللي هجيبها لعيالي بالحلال وعرق جبيني، حتى لو كانت حاف، هتبقى أطعم من طفح الدم اللي بتأكلهولنا بإهانة. أنت فاكر إنك ماسكني من إيدي اللي بتوجعني؟ عيالي كبروا، وشافوا أمهم وهي بتتداس، والنهاردة لازم يشوفوها وهي بتاخد حقها.”
العيال لما شافوا ثباتي، دموعهم وقفت. ابني الكبير وقف جمبي ومسك في إيدي وقال بصوت بيترعش بس مليان شجاعة:
ـ “احنا مع أمنا يا بابا.. مش عايزين منك حاجة.”
الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة، عينه تنقلت بيني وبين العيال وهو مش مصدق إن الحيطة المايلة اللي كان بيدوس عليها وقفت على حيلها.
سحبت شنطة قديمة من تحت السرير، ولميت فيها هدومي وهدوم عيالي في دقائق، وأنا حاسة إن كل قطعة هدوم بحطها في الشنطة بتزيح حملاً ثقيلاً كان كاتم على صدري. مسكت إيد ولادي الاثنين، ومشيت بيهم ناحية الباب من غير ما التفت ورايا ولا بصة واحدة.
سمعته بيزعق ورايا وبيحلف بالطلاق، بس الصوت بالنسبة لي كان زي وش الريح.. ما بقاش يفرق معايا. خرجت للشارع والشمس كانت طالعة، والهوا النظيف دخل صدري، وعرفت إن المشوار اللي جاي مش هيكون سهل، بس على الأقل.. هنسلكه وأحنا مرفوعين الراس.
الشارع كان أرحم من البيت، بس أول ما خطيت ببرة الباب والشنطة في إيدي والعيال في إيدي التانية، الدنيا اسوَدّت في وشي. مشيت بيهم كام خطوة وأنا مش عارفة أروح فين ولا أجي منين.. أهلي على قد حالهم ومحدش يقدر يشيل حمولتي بعيالي، والفلوس اللي معايا في الشنطة ما تكفيش مصاريف يومين.
قعدت على دكة قدام السور والعيال ساندين راسهم عليا وبيعيطوا من التعب والخوف.. ابني الكبير بصلي وقال:
ـ “احنا هنروح فين يا ماما؟ هنبات في الشارع؟”
ساعتها الدمعة نزلت من عيني سخنة، بس قوام مسحتها وقمت وقفت. افتكرت جارتنا أم أحمد لما قالتلي زمان إن في محامي شاطر ومحترم في المنطقة بياخد قضايا الناس الغلابة. مسكت إيد عيالي ومشيت بيهم لحد ما وصلت لمكتبه.
دخلت المكتب وأنا كلي بترعش، والشنطة تقيلة في إيدي والكسرة باينة على وش عيالي. الأستاذ المحامي أول ما شاف منظرنا قام من على مكتبه ورحّب بينا، وقعدنا وسمع قصتي كاملة.. سمِع عن شقة حماتي، وعن شقتي الأساسية اللي جوزي وضبها وقعد فيها مراته الجديدة، وعن الذل والإهانة والمصروف اللي بيتحكم فيه.
أول ما خلصت كلامي وأنا ببكي، الأستاذ المحامي ضرب بيده على المكتب وقال بصوت حاسم:
ـ “امسحي دموعك يا مدام.. الكلام اللي بتقوليه ده وشقاقك وخدمتك ملهوش أي وجود في القانون! أنتِ مش رخيصة، والقانون مش سايبك. الراجل ده استغل طيبتك وسطوتك على عيالك.”
بصيت له بلهفة وقلت له:
ـ “أنا مش عايزة منه حاجة يا أستاذ.. أنا بس عايزة حتة مكان ألم فيه عيالي بشرفي وكرامتي من غير ما حد يذلني.”
ابتسم المحامي وقال بقلب جامد:
ـ “ما تقلقيش، شقتك فوق هي اللي هترجعي لها ورجله فوق رقبته! احنا هنعمل بكره حاجة اسمها **قرار تمكين من شقة الزوجية**. الشقة دي حقك أنتِ وعيالك لأنهم في حضانتك، والقانون بيمكّن الزوجة الحاضنة من بيت الزوجية مشاركة أو بتمكين كامل لو هي الحاضنة للأطفال.”
قلت له وأنا مش مصدقة:
ـ “طب ومراته الجديدة اللي قاعد بيها فوق؟ والشقة اللي نزلتني فيها تحت؟”
رد المحامي بثقة:
ـ “النيابة العامة بتصدر قرار التمكين، وبينزل قوة من الشرطة تنفذ القرار. الشقة اللي فوق اللي هي شقة الزوجية الأصلية بتاعتكم هترجعيها بالقوة الجبرية، ومراته الجديدة هي اللي تدور لها على مكان تقعد فيه! ده غير قضايا النفقة والأجر المأكل والملبس والمؤخر.. كل دي حقوق القانون كافلها لك ولعيالك.”
العيال لما سمعوا كلام المحامي، بصوا لي وعيونهم بدأت تلمع بالأمل لأول مرة. حسيت ساعتها إن الحق مش بيضيع، وإن الخطوة اللي خطيتها لبرة البيت مكنتش نهاية الدنيا.. دي كانت أول خطوة في طريق رجوع كرامتي وشقتي وحق عيالي.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الجبل اللي كان شايل قلبي انزاح شوية. لأول مرة من سنين أمشي في الشارع وراسي مرفوعة، عيالي مسكوا في إيدي جامد بس المرة دي مكنش خوف.. كان أمل.
المحامي أصر إنه يستضيفنا في شقة صغيرة تابعة لمعارفه لحد ما الإجراءات تخلص، وقال لي:
ـ “يا أم إبراهيم، القرار مش بياخد وقت طالما عيالك معاكي والأوراق سريعة.. يومين تلاتة والنيابة هتصدر قرار التمكين.”
في الكام يوم دول، مرسي كان فاكر إنني اتكسرت، وإنني هلف وأرجع أترجاه يبوس رجلي عشان أرجع لشقة أمه. كان بيتباهى قدام الناس في الشارع إنني طفشت وهاموت من الجوع أنا والعيال. ما كانش يعرف إن السكوت اللي سكتُّه زمان كان استكانة، بس المرة دي الهدوء ده كان الهدوء اللي قبل عاصفة الحق.
وفي يوم التنفيذ، نزلت قوة من قسم الشرطة ومعاهم المحضّر وقرار التمكين الصريح: **تمكين الزوجة الحاضنة وصغارها من شقة الزوجية بالقوة الجبرية.**
مشيت مع المحضّر ورجال الشرطة لحد ما وصلنا للبيت. الناس في الشارع اتجمعوا، والكل بيصرخ وبيشوف اللي بيحصل. طلعنا على السلم، والمحضّر خبط على باب شقتي اللي فوق.. الشقة اللي اتهنت فيها واللـي اتوضبت لغيري على قفاي.
فتح مرسي الباب وهو متفاجئ، وشبه مذهول لما شاف الظابط والمحضّر وأنا واقفة وراهم وعيالي في حضني.
زعق بذهول وقال:
ـ “إيه ده؟ في إيه؟ أنتوا داخلين كده إزاي؟”
الظابط طلع الورق وقال بصوت صارم:
ـ “أستاذ مرسي، معانا قرار تمكين من النيابة العامة بتمكين أستاذة أماني وعيالها من الشقة دي كبيت زوجية وحضانة. قدامك ساعة تلم حاجتك أنت والمدام وتخلوا الشقة فوراً.”
ضرتي طلعت تجري من جوه وهي بتصرخ وتولول:
ـ “يعني إيه؟ أنا حامل! أروح فين؟ الشقة دي شقتي وهو مجددها عشاني!”
المحضّر رد عليها ببرود وهو بيمضي الأوراق:
ـ “الشقة دي شقة الزوجية الأولى، والأستاذة معاها صغار في سن الحضانة والقانون بيكفل لها المكان. اتفضلوا خلوا المكان عشان ننفذ القرار ويتم التسليم.”
مرسي كان واقف يتنفض، عينه جت في عيني.. دور في وشي على الست الضعيفة اللي كانت بتعيط تحت رجلين مراته وتستجديه المصروف، ما لقاش غير ست تانية خالص، ست كرامتها رجعت لها وحق عيالها في إيدها.
بدأوا يلموا حاجتهم في شنط بسرعة وهم بيبرطموا ويتخانقوا مع بعض، وضرتي بتبصلي بغل ودموعها نازلة، بس المرة دي كانت دموع الشماتة اللي انقلبت عليها.
أول ما خرجوا من الباب، المحضّر سلمني المفتاح وقال لي:
ـ “اتفضلي يا مدام.. شقتك وحقك وحق عيالك.”
دخلت الشقة، وقفلت الباب ورايا. العيال جريوا على الأوض، يضحكوا ويلعبوا لأول مرة من غير خوف ولا إهانة. وقفت في نص الصالون، مسكت مفتاح الشقة في إيدي، ورفعت راسي للسما ودموعي نازلة.. بس المرة دي كانت دموع الفرحة والانتصار.
عرفت ساعتها إن الست لما تقرر ما تهونش على نفسها، الدنيا كلها بتعمل لها ألف حساب
بعد ما قفلت باب الشقة عليا أنا وعيالي وحسيت بنشوة الانتصار، فرحتنا مكملتش يومين. مرسي مكنش من النوع اللي يتقبل الهزيمة بسهولة، خصوصاً قدام أهل المنطقة اللي شافوه وهو بيتطرد من الشقة بقرار تمكين.
في ليلة من الليالي، على السعة 12 بالليل، سمعنا رزق ورزع مرعب على باب الشقة. الباب كان هيتخلع من مكانه! العيال قاموا فزعانين من نومهم وحضنوا بعض وهم بيترعشوا. جريت على الباب وبصيت من العين السحرية، لقيت مرسي واقف ووشه أحمر من الغضب وعيونه شرار.
زعقت من ورا الباب بصوت يحاول يبان ثابت:
ـ “عايز إيه يا مرسي في وقت زي ده؟ امشي من هنا بدل ما أطلب النجدة!”
رد بصوت زي الرعد وهو بيضرب الباب برجله:
ـ “افتحي يا بنت (…)! فاكرة القرار ده هيحميكي مني؟ أنا هوريكي مين مرسي!”
وقبل ما ألحق أتحرك، كان زاق الباب بكل قوته، وكان الكالون ضعيف فاتفتح الباب ودخل عليا زي الوحش الكاسر. مسكني من طرحتي وطرحني على الأرض، وبدأ يضرب فيا بإيده ورجله بمنتهى الغل والعمى. العيال صرخوا وبقوا يترموا عليه ويترجوه:
ـ “سيب أمنا يا بابا! حرام عليك يا بابا سيبها!”
بس هو مكنش في وعيه، كان كل همّه يكسر مناخيري ويهين كرامتي اللي استردتها. زق العيال بعيد وشتمني بأبشع الألفاظ، وهو بيصرخ:
ـ “تنازلي عن التمكين وعن كل ق\ضية عملتيها، وإلا قسم بالله ماهسيب فيكي حتة سليمة، وهحرمك من عيالك للأبد!”
في اللحظة دي، وأنا تحت إيده والدم نازل من وشي ومناخيري، حسيت إن الخوف خلاص اتمسح من قلبي تماماً. الوجع الجسدي مكنش حاجة جنب الوجع اللي عشته سنين. بصيت في عينه وأنا بغرق في دمي وقلت له بكل تحدي:
ـ “اضرب يا مرسي.. اضرب لحد ما تقتلني. بس والله العظيم ما هتنازل عن حق عيالي، ولا هرجع للذل تاني.”
لما شافني مش خايفة وبتحداه والدم غارق وشي، اتلخبط وهنج لحظة. صريخ العيال وصوت الخبط كان بدأ يصحّي الجيران، فخاف وحس إن البوليس ممكن ييجي، فزقني برجله وقال:
ـ “دي أول علقة.. والمرة الجاية هتبقى نهايتك!” وخرج وجري على السلم.
العيال اتلموا عليا، يبكوا ويمسحوا الدم من على وشي بإيديهم الصغيرة. بنتي كانت بتصرخ وابني الكبير كان بيترعش من القهرة. مسكت وش ابني وقلت له:
ـ “متعيطش يا إبراهيم.. أمك مش ضعيفة. اللحظة دي هي اللي هتوديه السجن.”
ما استنيتش للصبح. طلبت تاكسي، وأخدت عيالي معايا والدم لسه مغرق هدومي ووشي ورم، وتوجهت فوراً على قسم الشرطة.
دخلت النبطشية، والناس والضباط أول ما شافوا منظري والعيال ماسكين فيا وبيعيطوا، الاتهيجوا والكل اتجمع حوليا. الظابط النبطشي قام من على مكتبه بذهول وقال:
ـ “مين اللي عمل فيكي كده يا مدام؟”
رديت بصوت ثابت رغم الوجع:
ـ “جوزي يا باشا.. اقتحم عليا شقة التمكين وضربني وهددني بالقتل قدام عيالي عشان أتنازل عن حقي.”
على طول الظابط أمر بتحويل فوراً للمستشفى العام لعمل **تقرير طبي**. رحت المستشفى، والدكاترة كشفوا عليا وسجلوا كل الإصابات: كدمات متفرقة في الوش والجسم، وسحجات، واشتباه في كسر بالمناخير، وتورم شديد.. تقرير طبي مفصل بمدة علاج أكتـر من 21 يوم!
رجعت بالتقرير الطبي على القسم، وانحَرَر **محضر تعدي واقتحام وهجوم بالتعدي والضرب وتهديد بالقتل**. المحامي بتاعي جالي على القسم فوراً وقال للظابط:
ـ “يا فندم المحضر ده مش مجرد ضرب، ده اقتحام لقرار تمكين صادر من النيابة العامة وتعدي على حرمة مسكن وتهديد بالقتل.”
النيابة أول ما شافت التقرير الطبي ومحضر الشرطة وأقوال العيال والجيران اللي شهدوا بالواقعة، أصدرت فوراً **أمر بضبط وإحضار مرسي** وحبسه 4 أيام على ذمة التحقيق!
ثاني يوم الصبح، كانت الشرطة نازلة جايباه من القهوة متكلبش قدام الشارع كله. الناس كلها كانت بتتفرج عليه وهو مكسور ومطأطأ رأسه، والكل بيشاور عليه وبيقولوا: “أهو اللي استقوى على أم عياله وبيدافع عن باطله.”
لما شفته معدي من قدام القسم وهو متكلبش، عينيه جت في عيني.. المرة دي هو اللي كان مكسور ومذلول، وأنا اللي واقفة مع عيالي وراسي مرفوعة فوق في السما.
وقفت قدام وكيل النيابة ورأسي مرفوعة، والتقرير الطبي في إيدي، وعيالي واقفين جنب بيشهدوا بكل كلمة حصلت. مرسي كان واقف في الكلبشات، وشه أصفر، وعينيه في الأرض، مش قادر يبص في عيني ولا في عين عياله.
وكيل النيابة بص له بحزم وقال له:
ـ “المتهم مرسي.. التقرير الطبي مطلع كدمات وسحجات واشتباه في كسر، وأقوال الشهود والعيال بتأكد إنك اقتحمت الشقة وهددتها بالقتل عشان تجبرها تتنازل عن قرار تمكين صادر من النيابة العامة.. إيه قولك؟”
مرسي بدأ يتلعثم ويتلجلج في الكلام:
ـ “يا باشا دي مراتي وحبيبتي، وساعة غضب.. وهي اللي استفزتني!”
رد عليه وكيل النيابة بصوت هز الأوضة:
ـ “ساعة غضب تتعدى فيها على حرمة مسكن وتضرب أم عيالك بالقسوة دي؟!”
وصدر القرار فوراً: **حبس المتهم مرسي أربعة أيام على ذمة التحقيق، وتجديد الحبس في الميعاد.**
لما الشرطة أخدته ورايحين بيه على التخشيبة، ضرتي كانت واقفة برة النيابة بتعيط وتولول، أصلها اكتشفت إن الشقة راحت، وجوزها المحامي قال لها إن ق\ضية التعدي والضرب دي ممكن تحبسه سنة أو سنتين استئناف. أول ما شافتني طالعة، قربت مني وهي بتترعش وقالت بصوت مكسور:
ـ “يا أماني.. أبوس إيدك تنازلي عن المحضر! مرسي هيضيع ومستقبله هيتدمر، وأنا حامل ومش حيلتي حاجة ولا ليا حد يصرف عليا!”
بصيت لها بمنتهى الهدوء، افتكرت اليوم اللي كنت واقفة فيه تحت رجلها بمسح الأرض ودموعي نازلة، وهي قاعدة بكل برود بتلعب في الموبايل وتأمر وتنهي.
رديت عليها بصوت ثابت هز المكان:
ـ “الدموع دي كان الأولى تبكيها على نفسك يوم ما وافقتي تظلمي ست زيّك وتيجي على حق عيال مالهمش ذنب. أنا ما ظلمتوش.. هو اللي ظلم نفسه واستقوى عليا، والقانون دلوقتي بياخد حق كل دمعة نزلت من عيني وعين عيالي.”
سبتها ومشيت، وأنا حاسة إن حسرتها ورعبها هما العقاب العادل لكل قسوة شفتها منها.
مرت الأيام، وأنا بدأت أقف على رجلي بجد. نزلت دورت على شغل، والحمد لله ربنا فتحها في وشي وقدرت اشتغل وأوفر لعيالي كل اللي محتاجينه. والنيابة حكمت لي بـ **نفقة زوجية ونفقة صغار وأجر مسكن**، بقى يتاخد من مرتبه ومن أملاكه بقوة القانون، من غير ما أترجاه في قرش واحد ولا أستنى منه حسنة.
في يوم، كنت قاعدة في شقتي المبسطة النظيفة، العيال حوليا بيكتبوا واجباتهم وبيضحكوا، والبيت مليان دفء وأمان لأول مرة من سنين طويلة.
ابني الكبير قرب مني، مسك إيدي وباسها وقال لي:
ـ “عرفتي يا ماما؟ الناس في المنطقة مابقوش يقولوا عليكي اللي كانوا بيقولوه زمان.. النهاردة كل الناس بتقول إنك ست بمليون راجل، وإنك حاربتي عشاننا وجبتيلنا حقنا.”
الكلمة دي نزلت على قلبي زي المطبخ البارد في حر الصيف. ساعتها بس عرفت إن السكوت على الظلم عمره ما كان تضحية، وأن قوة الأم وكرامتها هما الحماية الحقيقية لعيالها.
رفعت راسي للسما وقلت: “الحمد لله.. مابقيتش الست المكسورة، ولا بقيت رخيصة.. أنا أم عرفت تاخد حقها وحق عيالها بشرف وكرامة.
بعد ما اتجدد حبس مرسي، أهل الخير اتدخلوا ودفعلوا كفالة عشان يخرج على ذمة الق\ضية لحد جلسة المحاكمة. خرج من السجن وهو حاسس بالكسرة والغل، الدنيا كلها اسودّت في وشي. لا بقاله هيبة قدام الناس، ولا أخد الشقة، ومرتبه اتقص منه نفقة للعيال بالقانون.
رجع بشنتطه على الشقة القديمة بتاعة أمه تحت.. الشقة اللي كان فاكر إنه رمى فيها “أم عياله” عشان تتداس، بقى هو اللي محبوس فيها.
أول ما فتح الباب ودخل، كانت ضرتي قاعدة على الكنبة القديمة، وراسمة التكشيرة على وشها. لا قامت استقبلته ولا حتّى سألت فيه. كانت الأوضة مكركبة، والفرش القديم مغطى بالتراب، ولا في أكل ولا شرب.
وقف مرسي قدامها وهو تعبان ومظلوم من حبسة التخشيبة، وقال بصوت مخنوق:
ـ “إيه يا هدى؟ ولا كلمة حمد لله على السلامة؟ ولا حتّى كوباية مية لراجل طالع من الحجز؟”
بصت له بمنتهى القرف والازدراء، وقامت وقفت وهي فاردة إيدها وبتزعق بصوت عالي:
ـ “حمد لله على السلامة على إيه يا خويا؟ على الفضيحة اللي عملتهالنا في المنطقة؟ ولا على قعدة الحارة والشقة القديمة اللي رميتني فيها دي؟ أنا اتجوزتك عشان أتدلع وأعيش في العز الشقة اللي فوق، مش عشان تقعدني في الكركبة والفرش المعفن ده!”
مرسي اتصدم من أسلوبها، هو اللي كان متعود على الدلع والكلام الناعم يوم ما كان بيغيظني بيها. قرب منها بغضب وقال:
ـ “أنتِ بتعلي صوتك عليا؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنا مرسي اللي غرقك لبس ودلع، والظروف دي غصب عني بسبب المحاكم والقضايا!”
ردت عليه بشرارة وشماتة هزت كيانه:
ـ “دلع إيه ولبس إيه؟ أنت بقيت رد سجون، ونصف مرتبك رايح لأماني وعيالها! أنا مش هقعد في الفقر ده، ومش هخدمك في الشقة القميئة دي.. روح هات أماني تخدمك وتخدمك زي ما كنت عاملها خدامة، إنما أنا هدى.. والوضع ده مش عاجبني وميلزمنيش!”
الكلمة نزلت على مرسي زي النار. افتكر الفرق بين الست اللي صرت معاه على الحلوة والمرة وسكتت على فقره سنين وحافظت على بيته، وبين الست اللي اشتراها بالفلوس وأول ما الهوا اتقلب، تخلت عنه ودست على وشّه.
من كتر الغل والدم اللي فار في دماغه، ما حسش بنفسه.. صرخ فيها:
ـ “أنتِ بتقلبي عليا يا خاينة؟”
ورفع إيده وضربها بالقلم على وشها.
هدى اتجننت، هجمت عليه بشوافرها وبتصوت وب ت ش تمه بأبشع الألفاظ. الشجار بينهما كبر، والضرب بقى من الطرفين، وفي وسط الزعيق والرقع، مرسي زقها بكل قوته عشان يبعدها عنه.. هدى فقدت توازنها، ووقعت على طرف الترابيزة الخشب القديمة، ونزلت على الأرض بصوت مرعب وهي بتصرخ ماسكة بطنها:
ـ “آآآه.. بطني يا مرسي! العيل.. العيل بيموت!”
مرسي وقف في مكانه متثمر من الصدمة والرعب، شايفها بتتلوى على الأرض والدم بيسيل منها. اتنقلت للمستشفى في حالة حرج، والدكاترة بلغوه بالخبر الصدمة:
ـ “الجنين نزل.. للأسف الشديد سقطت، والتعدي سبب لها نزيف حاد.”
في لحظة واحدة، مرسي خسر كل حاجة.. خسر العيل اللي كان طالع بيه السماء، وخسر هدى اللي رفعت ق\ضية عدم تعرض وجناية ضرب أدت لإجهاض، وخسر كرامته وشقته وأم عياله.
قعد على رصيف المستشفى لوحده في الضلمة، حاطط راسه بين إيديه وبيعيط بدموع الندم المرة. افتكر أماني، افتكر دعوتها عليه يوم ما رمى طبق المية والملح، وعرف إن عدالة ربنا بطيئة بس سريعة في الأخذ.. وأن اللي يظلم أم عياله عشان شهوته وكبره، ربنا بيكسره من نفس العين اللي استقوى بيها.
مرسي قعد على رصيف المستشفى والدموع مغرقة وشه، الليل كان كاحل والبرد بياكل في جسمه، بس البرد اللي جوه قلبه كان أصعب بكتير. افتكر كل لحظة ظلم فيها أماني.. افتكر لما كان بيديها المصروف باليومية عشان يذلها، افتكر لما ساب هدى تداس عليها وتحاسبها، وافتكر يوم ما أجبرها تطلع تمسح وتنضف وهي كسيرة الجناح.
فجأة، تليفونه رن.. كان المحامي بتاعه.
رد مرسي بصوت رايح ومكسور:
ـ “أيوة يا أستاذ..”
المحامي قال له بنبرة جافة وخالية من أي تعاطف:
ـ “يا مرسي، المحضر اللي عملته هدى في القسم تقيل أوي، تقرير المستشفى كاتب إجهاض ناتج عن ضرب وتعدي، وأهلها نازلين القسم دلوقتي ومصممين يلبسوك قض\ية جناية.. ده غير إن جلسة المحاكمة في ق\ضية أماني الأسبوع الجاي والتقرير الطبي بتاعها مع المحامي كفيل يوديك في داهية. اجهز، البوليس بيدور عليك.”
التليفون وقع من إيد مرسي على الأرض. حاسس إن الدنيا كلها قفلت في وشه، والحيطان


تعليقات
إرسال تعليق