القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 اتجوزت راجل كان بيموت كاملة 




حكايات اسما السيد كامله 


“اتجوزت راجل كان بيموت… علشان دي كانت آخر أمنية في حياته. وبعد دفنه، المحامي خبط على بابي وقال: «هو وصاني ما أقولكيش الحقيقة غير بعد النهارده… لازم تعرفي هو كان مين بجد.»


 


كنت بتطوع تلات أيام في الأسبوع مع جمعية خيرية بتساعد مرضى الحالات الحرجة في القاهرة.


 


كنت بزور ناس كبار في السن…


 


أو مرضى محتاجين حد يساعدهم في البيت.


 


من كام شهر…


 


طلبوا مني أزور مريض جديد.


 


اسمه كريم.


 


كان عنده حوالي أربعين سنة.


 


ومصاب بسرطان في المرحلة الأخيرة.


 


وعايش لوحده تمامًا في شقة صغيرة في المعادي.


 


من أول زيارة…


 


حسيته شخص مختلف.


 


هادي…


 


طيب…


 


وكلامه يدخل القلب.


 


بقينا أصحاب بسرعة.


 


كنت أجيبله أكل…


 


وأساعده ينضف البيت…


 


وأوقات كنا نقعد نشرب شاي…


 


ونلعب طاولة أو دومينو…


 


ونضحك كأن المرض مش موجود.


 


لحد ما في يوم…


 


بصلي وقال:


 


— تتجوزيني؟


 


اتصدمت.


 


وافتكرت إنه بيهزر.


 


قلتله:


 


— يا كريم… إحنا لسه بقالنا فترة صغيرة نعرف بعض.


 


ابتسم بهدوء وقال:


 


— عارف.


 


بس الفترة دي كانت كفاية أعرف إنتِ إنسانة عاملة إزاي.


 


أنا مش بطلب منك تعيشي معايا عمر…


 


أنا بطلب أموت وأنا حاسس إني مش لوحدي.


 


دي آخر أمنية ليا.


 


فضلت ساكتة.


 


مش عارفة ليه…


 


لكن كان في إحساس غريب بيقولي إنه صادق.


 


وافقت.


 


تاني يوم…


 


جاب شيخ للمأذون…


 


واتكتب كتابنا في الصالة الصغيرة بتاعة شقته.


 


ماكانش فيه معازيم.


 


ولا ورد.


 


ولا زفة.


 


أنا لبست تيشيرت أبيض…


 


لأنه كان الحاجة البيضا الوحيدة اللي عندي.


 


وفي اللحظة اللي قال فيها المأذون:


 


“بارك الله لكما…”


 


شوفت الفرحة في عيون كريم…


 


وكأن الدنيا كلها رجعتله.


 


بعدها بعشرة أيام…


 


كريم توفى.


 


وزعلت عليه بجد.


 


يمكن أكتر مما كنت متخيلة.


 


بعد الدفنة بيوم…


 


كنت قاعدة لوحدي في البيت…


 


لما سمعت خبطة على الباب.


 


فتحت…


 


لقيت راجل شيك واقف.


 


قال:


 


— مدام مريم؟


 


قلت:


 


— أيوه.


 


قال وهو بيمدلي كارنيه:


 


— أنا المحامي الخاص بالأستاذ كريم.


 


وجيت أنفذ آخر وصية طلبها مني.


 


سألته باستغراب:


 


— وصية إيه؟


 


قال بهدوء:




— كريم طلب مني ما أقولكيش الحقيقة…


 


غير بعد دفنه.


 


ومدلي ظرف مقفول.


 


وقال:


 


— أول ما تقري الجواب اللي جواه…


 


هتعرفي هو كان مين بجد.


 


إيدي كانت بتترعش…


 


وأنا بفتح الظرف.


 


طلعت ورقة…


 


وبدأت أقرأ أول سطر…


 


“لقاؤنا ماكانش صدفة…”


 


“أنا أعرفك من يوم ما اتولدتي… وفضلت أراقبك وأحميكي في صمت طول عمرك.”


 


اتجمدت مكاني.


 


قلبي بدأ يدق بعنف.


 


وكملت السطر اللي بعده…


 


“لأني… أبوكي الحقيقي.”


 


نزلت الورقة من إيدي. كانت الأرض تحتيا بتتسحب، وصوت المحامي بقى يوصلني زي همس بعيد تحت المية.


«أبوكي الحقيقي؟»


الكلمة كانت تقيلة، أتقل من إن عقلي يستوعبها في لحظة. أنا طول عمري عارفة إن أبويا اتوفى وأنا طفلة صغيرة، أمي كانت دايماً بتقولي إنه كان راجل طيب ومات في حادثة، وعشت عمري كله على الصورة دي… صواريخ من الأسئلة بدأت تتفجر في دماغي: يعني إيه؟ مين كريم؟ وليه أمي كدبت عليا؟ وليه هو سابني كل السنين دي وجالي في صورة مريض بيموت علشان يخليني أوافق أتجوزه؟


المحامي كان واصل نظراته ليا بشفقة هادية. سحب نفس عميق وقال وهو بيشاور على الكرسي:


— اقعدي يا مدام مريم… عارف إن الصدمة كبيرة، بس الأستاذ كريم سابلي كل حاجة بالترتيب، وطلب مني أكون معاكي لحظة بلحظة وأنتِ بتعرفي الحقيقة.


عدلت القعدة على طرف الكنبة، صوابعي كانت بتفرك في الورقة المكتوبة بخط إيده.. خطه اللي كنت بشوفه لما كان بيكتب أسامينا على لوحة الطاولة ونلعب. مسكت الورقة تاني بإيد بتترعش وكملت قراية:


*”مريم يا بنتي…*


*عارف إن الجملة دي ممكن تجننك، وعارف إنك دلوقتِ بتسألي نفسك ألف سؤال وسؤال، وبتقولي إزاي الراجل اللي اتجوزته من عشر أيام يطلع هو نفسه أبويا؟ إزاي يرضى يعمل كدة؟*


*أنا هحكيلك كل حاجة من الأول يا مريم، علشان لما تمشي في السكة اللي سابتهالك، تبقي فاهمة أنتِ بتحاربي مين.*


*أنا اسمي الحقيقي مش كريم بس… أنا اسمي كريم أبو العز. اسم ممكن ما يكونش بيعنيلك حاجة، بس في سوق العقارات والمعاملات المالية كان اسم يتهزله السبعينات. من خمسة وعشرين سنة، كنت شريك مع أكتر بني آدم جشع وقاسي عرفته في حياتي… سامح عبد الجواد. سامح ماكانش مجرد شريك، كان أفعى بتتسحب في الضلام. لما بدايات نجاحنا تكبر، وسوقنا يوسع، سامح طمع في كل حاجة. طمع في الشركة، وطمع في فلوسي، ولما لقى إن القانون مش هيساعده ياخد كل حاجة… قرر يخلص مني.*



*عملي تدبير حادثة عربية بشعة. العربية اتقلبت بيا في ترعة على طريق الصعيد، والكل افتكر إني مت. جثتي ما اتلقتش، وسامح أعلن وفاتي واستولى على كل حاجة بأساليب غير قانونية وأوراق مزورة.*


*لكن ربنا كتبلي عمر جديد. صياد بسيط انتشلني من المية، فضلت في غيبوبة أكتر من ست شهور في بيت صغير على الشاطئ. ولما أفقت… لقيت الدنيا اتغيرت. رجعت أدور على أمك وعليكِ، لقيت سامح بيراقب البيت، ومستني أي إشارة مني عشان يخلص عليا بجد.. والأنيل، إنه كان بيهدد أمك بيكي. أمك خافت عليكي، واتفقت معايا في السر إننا ننشر خبر وفاتي الحقيقية، وإنها تغير اسمك وسكنك، وتاخدك وتبعدوا تماماً.*


*أنا اضطريت أختفي يا مريم. غيرت هويتي، عشت في الضلام بأوراق مزورة، وبدأت أشتغل من الصفر تحت أسامي مستعارة. كل قرش كنت بجمعه، كان عشانك أنتِ. كنت بقف تحت مدرستك من بعيد وأنا لابس نظارة ونشابو، أشوفك بتبتسمي، بتجري مع أصحابك، بتكبري يوم عن يوم… أوقات كتير كنت ببقى هموت وآخدك في حضني، أقولك أنا بابا يا مريم.. بس الخوف عليكي من بطش سامح كان بيجمّد الدم في عروقي. سامح بقى راجل واصل، نفوذه يهد جبال، ولو كان عرف إنك بنتي، كان استغلك عشان يكسرني أو يتخلص منك.*


*فضل الحال ده لحد من سنة فاتت… لما بدأت أحس بأعراض المرض. الأطباء قالولي إن الورم في المرحلة الأخيرة، وإن أيامي معدودة. في اللحظة دي، عرفت إن الوقت نَفَد. ماكانش ينفع أموت وأسيب حقك ضايع، وماكانش ينفع أسيبك عايشة في العوز والاحتياج وأنتِ وارثة ثروة تقدر بمليارات.*


*بس كان في مشكلة قانونية معقدة جداً: لو كتبتلك كل أملاكي باسمك بعقد بيع وشراء أو وصية عادية وأنا باسمي المستعار (كريم)، سامح ومحامينه كانوا هيطفروا في العقد ويطعنوا فيه بالتزوير، وكانوا هيوصلوا لسريتي ويعرفوا إنك بنتي، وياخدوا كل حاجة بالقانون أو بالقوة.*


*الحل الوحيد اللي المحامي بتاعي وصله، إننا نعمل جواز رسمي بالهوية اللي أنا عايش بيها بقالي سنين.. الجواز ده بيضمن إنك الأرملة الوحيدة والشريكة المباشرة في كل الشركات الكيانية اللي أسستها تحت الاسم ده، وفي نفس الوقت، هو الحماية الوحيدة اللي تمنع أي حد يطعن في أهليتك لاستلام الثروة.*


*أنا عارف إن الموقف كان غريب، وعارف إنك وافقتي من باب الرحمة والشهامة اللي تربيتي عليها.. وأنا استغليت طيبة قلبك دي يا مريم، وسامحيني.. سامحيني إن أمنيتي الأخيرة ماكانتش مجرد أمنية مريض بيموت، لكن كانت الخطة الوحيدة اللي تقفلي بيها اللعبة لصالحك.*


*في الظرف ده، هتلاقي المفتاح الذهبي الصغير ده… ده مفتاح لخيرنة في بنك (…). الجواب ده مجرد بداية. في الخزنة دي، هتلاقي فلاشة عليها فيديوهات أنا مصورها بخصوص كل الصفقات، ووثائق أصلية بتثبت ملكيتي لشركة (أبو العز) اللي سامح سرقها، وبتثبت إن سامح هو اللي حاول يقتلني.*


*يا بنتي… إنتِ دلوقتِ مش مجرد بنت متطوعة فقيرة. إنتِ بقيتي صاحبة أكبر حصة في واحدة من أكبر شركات المقاولات في مصر. بس افتكري… سامح مش يسيبك. أول ما يعرف إن فيه «أرملة» لكريم ظهرت وبتطالب بحقها، هيتحول لوحش.*


*المحامي اللي واقف قدامك ده، الأستاذ فريد، هو الوحيد اللي يعلم بالقصة دي كلها، وهو حليفك. اثقي فيه.*


*بحبك يا مريم… وسامحيني إني ما قدرتش أقولك «يا بنتي» وأنا باخدك في حضني في آخر أيام حياتي.*


*أبوكي… كريم.*


دموعي كانت بتنزل على الورقة، بلت الحبر وطمست أجزاء من التوقيع. قلبي كان بيتعصر. الفلاش باك رجعني لورا.. العشر أيام اللي قضيناهم سوا في الشقة. افتكرت لما كان بيبصلي بنظرات حنينة غريبة، لما كان يطبطب على إيدي بحرص شديد كأنه خايف يجرحني، لما كان بيصر إنه يشوف ضحكتي كل يوم… ماكانش زوج بيموت، ده كان أب بيموت وهو بيشبع عينه من بنته اللي انحرم منها عمر كامل!


رفعت رأسي للمحامي، دموعي مغرقة وشي، وصوتي طالع بالعافية:


— أستاذ فريد… الكلام ده صح؟ كريم… قصدي بابا… كان عايش كل المعاناة دي؟


قعد فريد قدامي، وبصلي بجدية شديدة:


— أستاذة مريم.. أو يا مدام مريم، كل كلمة في الجواب ده حقيقة. أنا شغال مع كريم من عشر سنين في السر. شفنا الويل عشان نجمع الأدلة دي. كريم ماكانش بيفكر في نفسه ولا في علاجه، كان كل همه إن حقك يرجعلك قبل ما يغمض عينه. الجواز اللي تم بينكم، كان أسرع وأضمن وسيلة قانونية تخليكي تسيبي وضعك القديم وتدخلي المعركة دي بقوة الأوراق الرسمية.


مسحت دموعي بإيدي اللي كانت لسه بتترعش، وبدأت أستوعب الحجم الحقيقي للمصيبة اللي أنا بقيت فيها. أنا البنت البسيطة اللي حياتها كانت بين البيت والجمعية الخيرية والخدمة، بقيت فجأة في مواجهة حوت من حيتان السوق، راجل مستعد يقتل عشان يحافظ على إمبراطوريته.


سألته بصوت محشرج:


— والمطلوب مني إيه دلوقتِ؟


فريد قام وقف، وفتح شنطته الجلد السوداء، وطلع منها أجندة صغيرة ومظروف تاني:


— المطلوب منك تبقي قوية. كريم سابلك ثروة تقدر بـ 400 مليون جنيه، غير الأسهم الحاكمة في شركة (أبو العز للإنشاءات). بس الثروة دي مش هتوصلك وأنتِ قاعدة في بيتك ده. بكره الساعة تسعة الصبح، لازم نروح البنك نفتح الخزنة ونستلم الفلاشة والأوراق الأصلية. وبعدها… هنروح نقتحم اجتماعات مجلس إدارة الشركة.



— نقتحم؟! — قلتها باستكرار وخوف.


فريد ابتسم ابتسامة باهتة فيها تحدي:


— أيوه. سامح عبد الجواد عامل اجتماع طارئ لمجلس الإدارة بكره الساعة 12 الضهر، عشان يعلن الاستحواذ الكامل على بقية الأسهم ويمحي اسم كريم أبو العز نهائياً من سجلات الشركة. لو ما دخلناش الاجتماع ده وبإيدنا عقد جوازك وأوراق ملكيتك للأسهم، سامح هيقفل اللعبة للابد وهيبقى صعب جداً نثبت أي حاجة بعد كده.


الليلادي ما نمتش ولا دقيقة.


قعدت في صالة الشقة الصغيرة، ماسكة الجواب وبقراه للمرة الألف. بقيت أدور في زوايا الشقة على أي أثر ليه.. ريحة الشاي اللي كان بيحبه، كرسي الطاولة، تيشيرتي الأبيض اللي كنت لابساه يوم عقد القران واللي اكتشفت إنه ماكانش مجرد تيشيرت عادي، ده كان الشاهد الوحيد على دراما ملهاش مثيل.


ثاني يوم الصبح، الساعة تمانية بالضبط، كانت عربية سوداء مصفحة مستنياني تحت البيت. نزلت وأنا لابسة أسود في أسود، حاسة إن شخصيتي القديمة اتدفنت مع كريم، وإن مريم الجديدة بتتولد في اللحظة دي.. مريم اللي هتاخد حق أبهَا.


ركبت مع فريد، وتوجهنا مباشرة للبنك. الدخول لغرفة الخزائن الحديدية تحت الأرض كان يحبس الأنفاس. الأبواب الصلب، الهدوء التام، وصوت التكتكة لما الموظف حط المفتاح بتاعه مع مفتاحي وفتحنا الخزنة رقم 408.


داخل الخزنة، كان فيه صندوق خشبي صغير، ومظروفين كبار، وفلاشة معدنية مشبوكة في سلسلة فضة.


أخدت الفلاشة في إيدي، وحسيت بتيار كهربائي بيمر في جسمي. دي وصية بابا.. ده س\لاحي.


فريد أخد المستندات بص بسرعة عليها ونطق بثقة:


— الأوراق كاملة. عقود التأسيس الأصلية، تقارير الحسابات المهربة من الشركة، وإقرار بخط إيد سامح بيعترف فيه بمديونياته القديمة لكريم. كده اللغز اكتمل.


بصيت في الساعة.. كانت 11:15 صباحاً.


— قدامنا 45 دقيقة على اجتماع مجلس الإدارة — فريد قال وهو بيبصلي بصرامة — جاهزة يا مريم؟


هزيت رأسي بثبات ماكنتش أعرف إنه جوايا:


— جاهزة.


تحركنا للبرج الزجاجي الضخم في قلب القاهرة.. برج (أبو العز للإنشاءات). المبنى كان ينطق بالفخامة والسيطرة. أمن في كل مكان، موظفين داخلين طالعين بالبدل الأنيقة.


أول ما دخلنا من الباب الزجاجي الرئيسي، أفراد الأمن اعترضوا طريقنا.


فريد طلع كارنيه النقابة وبص للأمن بحدة:


— أنا المحامي فريد الهواري، ومعايا المالك الحقيقي لأغلبية أسهم الشركة.. أفسحوا الطريق لأننا طالعين قاعة الاجتماعات في الدور التلاتين.


موظف الأمن اتوتر، ومسك اللاسلكي عشان يبلغ، بس فريد ما استناش، زق البوابة الإلكترونية ومشينا بسرعة ناحية الأسانسير الخاص بالإدارة.



وصلنا الدور التلاتين. الهدوء كان يخوف. الممرات مفروشة بسجاد فاخر، وفي نهاية الممر كان فيه باب خشب أرو ضخم مقفول، وحواليه حراسة.


قربنا من الباب، وصوت سامح عبد الجواد كان واصل لبرا وهو بيتكلم بلهجة آمرة ومستبدة:


— … وبكده، وبصفتي الشريك الوحيد المتبقي وصاحب النفوذ الأعلى، بنعلن رسميًا غلق ملف كريم أبو العز ونقل كافة الأصول لـ…


قبل ما يكمل جملته، فريد زق حارس الباب بقوة، وأنا مديت إيدي ومسكت أكرة الباب الزخم، وفتحت الباب على آخره!


الصمت نزل على القاعة الكبيرة زي الصاعقة.


أكتر من عشرين راجل أعمال ببدل فاخرة طالعوا ناحية الباب باستغراب وصدمة. وفي صدر القاعة، على رأس الطاولة الطويلة، كان قاعد راجل في الستينات من عمره، شعره أبيض، وعيونه فيها قسوة لا تخطئها العين.. سامح عبد الجواد.


سامح وقف بغضب، ووشه احمر، وضرب بقبضته على الطاولة:


— أنت مين يا جدع أنت؟! وإزاي تتجرأ تدخل اجتماع مجلس الإدارة بالشكل ده؟! أين الأمن؟!


فريد خطى خطوة للقدام بثقة، ووراها أنا، ومسك الملف العريض ورماه بقوة في نص الطاولة الطويلة، الملف انزلق لحد ما وقف قدام سامح بالضبط.


فريد قال بصوت هز القاعة كلها:


— الأمن بره بيقوم بشغله يا سامح بيه.. بس العمل الجد بدأ هنا. أنا الأستاذ فريد الهواري، ودمثلي موكلتي.. المدام مريم كريم أبو العز! الأرملة الشرعية والوريثة الوحيدة لكريم أبو العز، وصاحبة 51% من أسهم المجموعة دي!


القاعة اتكهربت. همسات صاخبة بدأت تتنقل بين أعضاء مجلس الإدارة. سامح عينيه اتسعت بصدمة مرعبة، بصلي من فوق لتحت بذهول، وبعدين بص للملف اللي قدامه، وشفته بدأت تترعش وهو بيحاول يتصنع الضحك:


— كريم مين؟ وأسهم إيه؟ كريم مات من أربعين سنة! أنت جاي تتصب عليا هنا ولا إيه يا محامي يا فاشل؟! أطلعوا بره قبل ما أطلبلكوا الشرطة!


في اللحظة دي، أنا أخدت خطوة للقدام. ماكنتش خايفة. كنت حاسة إن روح بابا واقفة جنبي بتدعمك. بصيت في عين سامح مباشرة، وطلعت الفلاشة الفضية من جيبي، ورفعتها في وش الجميع وقلت بصوت واضح وقوي رن في الأركان:


— الشرطة فعلاً هي اللي لازم تيجوا هنا يا سامح بيه… بس مش علشانا. الفلاشة دي عليها تسجيلات بالصوت والصورة، ووثائق أصلية بتثبت إنك مش بس سرقت شركة أبويا… الفلاشة دي فيها الدليل القانوني اللي بيثبت إنك حاولت تقتله من 25 سنة!


سامح اتجمد في مكانه، ووشه أتحول للون الأصفر الكالح، وكأن الطاولة اتقلبت عليه في ثانية واحدة!


حكايات اسما السيد 2


ساد الصمت في قاعة الاجتماعات بالدور التلاتين وكأن الجميع أُصيبوا بالخرس. نظرات أعضاء مجلس الإدارة كانت تتنقل بيني وبين سامح، اللي كان واقف وشّه شاحب زي الج\ثة، وعينيه بتتفتح وتقفل بذهول وهو بيحاول يستوعب اللحظة.


أول واحد كسر الصمت كان راجل كبار السن قاعد على يمين سامح، لابس نظارة طبية وواضح إنه من قدامى المساهمين في الشركة. وقف وهو بيشاور على الأوراق اللي رماها فريد على الطاولة وقال بصوت مرتعش:


— أستاذ فريد… أنت بتقول إيه؟ كريم أبو العز كان عايش؟ وبنته قدامنا دلوقتِ؟ الكلام ده لو صح، يبقى كل قرارات مجلس الإدارة اللي اتأخدت السنين اللي فاتت باطلة!


سامح انتبه فجأة، وصرخ بصوت هز الزجاج الممتد من الأرض للسقف:


— سكوت! محدش يتكلم هنا غيري! دي نصابة جايّة تبتزنا بأوراق مزورة وفلاشة فاضية! الحراسة! نزّلوا الأشكال دي بره فوراً وبلغوا مباحث الأموال العامة!


قبل ما الحراس يتقدموا خطوة واحدة، فريد طلع من جيبه مظروف أصفر تاني، ورفعه بثقة وهو بيبص لأعضاء المجلس كلهم:


— تقدر تطلب الشرطة يا سامح بيه، وده يسعدنا جداً! لأن معايا هنا حصر صادر من المحكمة بجميع أسهم المرحوم كريم أبو العز، ومعايا شهادة وفاة حديثة بتاريخ أسبوعين فاتوا باسمه المستعار ومثبت فيها شخصيته الحقيقية بحكم قضائي، وعقد زواجه الشرعي من المدام مريم! وأي محاولة للتعرض لموكلتي أو منعها من ممارسة حقوقها كرئيسة لمجلس الإدارة بصفتها صاحبة حصة الأغلبية، هيعرضك فوراً للحبس بتهمة انتحال الصفة وتزوير محاضر الاجتماعات!


سامح مسك أطراف الطاولة بإيديه اللي كانت بتترعش من الغيظ، وبصلي بعيون مليانة كراهية وشر وقال بنبرة واطية ومسمومة:


— بقى أنتِ بنته؟ الشبل من ذاك الأسد… فاكرة إن شوية ورق وفلاشة هيهدوا الإمبراطورية اللي بنيتها في خمسة وعشرين سنة؟ أنتِ ولا حاجة يا شاطرة… وشكل المحامي ده ورّطك في لعبة أكبر من حجمك بكثير، وممكن تخسري فيها حياتك زي ما هو خسرها!


كلامه كان تهديد صريح بالقتل قدام الكل، بس الغريبة إن الخوف ما لمسش قلبي. بل بالعكس، حسيت بنار جوايا بتزيد. قرفت منه ومن جبروته، وبصيت له بجمود وقلت:


— حياتي في إيد ربنا يا سامح بيه… لكن شركتك وفلوسك ونفوذك بقوا في إيدي أنا. والاجتماع ده انتهى خلاص. من اللحظة دي، أي قرار هيطلع من البرج ده بدون توقيعي الشخصي، هعتبره جري\مة اختلاس وهحاسبك عليه بالقانون.


فريد ابتسم بانتصار، وبص للمساهمين المذهولين وقال:



— بنطلب من جميع أعضاء مجلس الإدارة إخلاء القاعة فوراً، وهيتم الدعوة لاجتماع طارئ للجمعية العمومية خلال أسبوع لإعادة تشكيل الإدارة وتنصيب المدام مريم. تفضلوا.


الرجال ببدلهم الفاخرة بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني وهما بيبهسوا بتوتر، وسابوا سامح واقف لوحده في وسط القاعة الكبيرة، عامل زي المجروح اللي بيحتضر في ميدان معركته. بصلي بحدة أخيره وقال:


— مش هتهني بقرش واحد… والأيام بيننا.


خرجنا من البرج، وأول ما الباب الزجاجي اتقفل وارانا والنسيم البارد ضرب وشي، حسيت برجلي بتهتز. فريد مسك دراعي يسنّدني وقال بهدوء:


— برافو يا مريم… أنتِ وقفتِ قدامه بثبات ماكنتش أتوقعه. بس اللعب بجد بدأ دلوقتِ. سامح مش هيسكت، والضربات اللي جاية مش هتكون في قاعات الاجتماعات… هتكون في الشارع.


ركبنا العربية المصفحة، وفريد طلب من السائق يتحرك ببينا لمكان أمان.


— مش هترجعي شقتك في المعادي ولا بيتك القديم خلاص — فريد قال وهو بيراجع أوراق في إيده — كريم كان مجهزلك شقة مؤمنة في كمبوند مقفول في التجمع الخامس، وفيها حراسة خاصة أنا اللي اخترتهم بنفسي.


وصلنا الشقة الجديدة. كانت واسعة، هادية، وفخمة جداً، بس بالنسبة ليا كانت تحسسني بالغربـة. أنا اتعودت على البساطة، اتعودت على صوت الحارة وخدمة المرضى بالجمعية الخيرية. قعدت على الانتريه وأنا حاطة إيدي على دماغي، الفلاشة المربوطة بسلسلة فضة كانت في جيبي.. زي الجمرة.


شغلت اللابتوب اللي فريد جابهولي، وحطيت الفلاشة.


ظهرت فولدرات كثيرة مفيهاش غير تاريخ وأرقام. فتحت أول فولدر، ولقيت فيديو بابا مصوره بنفسه قبل وفاته بشهرين.


ظهر على الشاشة… كان باين عليه التعب، وجهه شاحب، بس عينيه كانت مليانة أمل. أتنفس بصعوبة وبدأ يتكلم كأنه بيبصلي في عيني مباشرة:


*”مريم يا حبيبتي… لو بتشوفي الفيديو ده، يبقى أنتِ فتحتِ الخزنة ووقفتِ قدام سامح. أنا عارف إنك خايفة، وعارف إن الثروة دي تقيلة عليكِ… بس أنا ما سبتلكيش فلوس وبس يا مريم، أنا سبتلك أداة لحمايتك. الفيديو ده سجلته عشان أقلك سر سامح عبد الجواد الكبير.”*


سكت شوية، كأنه بياخد نفسه، وكمل:


*”سامح مش مجرد راجل أعمال جشع… سامح متورط في عمليات غسيل أموال لصالح شبكة دولية ضخمة، وهي دي الثروة الحقيقية اللي بناها. الشركة بتاعتنا كانت مجرد الستارة اللي بيخفي وراها المعاملات دي. الملف اللي اسمه (مشروع الواحة) على الفلاشة، فيه الحسابات السرية وأرقام الشفرات للشركات الأوفشور في الباهاماس. سامح لو اتكشف الملف ده، مش بس هيخسر ثروته… ده هيدخل السجن بقية حياته، والشبكة نفسها ه تتخلص منه عشان يداروا على نفسهم.”*



قلبي بدأ يدق بسرعة. الفيديو كمل:


*”بس حاسري يا مريم… الملف ده س\لاح ذو حدين. لو استخدمتيه غلط، الشبكة دي هتوصلك أنتِ كمان. فريد عارف إزاي يتعامل مع النيابة العامة والأجهزة المختصة، بس أنتِ لازم تكوني الذكاء والمحرك. افتكري يا بنتي… الحق معاكي، وأنا دايماً جنبك.”*


الفيديو انتهى، وسبني في حالة من الذهول. الأمر أكبر بكتير من مجرد شركة ومقاولات، دي شبكة مافيا كاملة!


قبل ما أستوعب اللي سمعته، تلفوني رن برقم غريب.


ترددت ثواني، وبعدين فتحت الخط وحطيته على ودني بدون ما أتكلم.


صوت حريمي غريب، ناعم بس مليان تهديد، جه من الناحية التانية:


— مساء الخير يا مدام مريم… أو أقول يا بنت كريم؟


بلعت ريقي وقلت بتماسُك:


— مين معايا؟


ضحكت ضحكة خفيفة وباردة:


— أنا حد مهتم بصحتك وبمستقبلك. سامح عبد الجواد مجرد غبي بيلعب في الوقت الضايع وميعرفش حاجة عن حجم اللعبة. أنتِ مسكتِ في إيدك حاجة تخص ناس كبار أوي يا مريم… ناس ما بيهزروش.


— عاوزين إيه؟ — سألتها وصوتي محبوس.


— عاوزين الفلاشة. الملفات اللي عليها ترجع لينا، وفي المقابل… نوعدك بنصيبك الكامل في شركة أبو العز، وثروة كريم كلها هتوصلك لحد عندك بدون مشاكل، وسامح عبد الجواد إحنا بنفسنا هنشيله من طريقك للأبد. قدامك 24 ساعة تفكري… لو رفضتِ، الحراسة اللي بره باب شقتك الجديدة مش هتمنعنا نوصلك، والجمعية الخيرية اللي كنتِ بتتطوعي فيها… ممكن تصبح ركام في لحظة.


الخط اتعلق!


قمت وقفت بفضول ورعب، وجريت على شباك الصالة اللي بيطل على الشارع.


تطلعت لتحت… لقيت عربية سوداء زجاجها فاميه واقفة في أخر الشارع، وأول ما بصيت، العربية ولعت أنوارها العالية مرتين… كإشارة إنهم شايفيني وبيراقبوا كل حركة باعملها!


دموع الخوف والحرقة اتجمعت في عيني. أنا بقيت محاصرة بين سامح عبد الجواد من جهة، وبين شبكة مجهولة ومخيفة من جهة تانية.


اتصلت بفريد فوراً، بس التلفون كان بيدي جرس ومحدش بيرد!


كررت الاتصال مرتين، تلاتة… مفيش إجابة.


بدأت أتوتر أكتر. وفجأة، سمعت صوت حركة غريبة بره باب الشقة.


مشيت بالراحة ناحية الباب بخطوات مكتومة، وبصيت من العين السحرية.


لقيت اثنين من الحراس اللي فريد عينهم حراسة ليا… وافقين بس جسمهم مائل بشكل غريب، وفجأة وقعوا الاثنين على الأرض في الممر بدون ما يطلعوا أي صوت!


وقفت مسمرة في مكاني والدم اتجمد في عروقي.


وبعدها بثواني… مسكة الباب بدأت تتلف بالراحة من بره!




تراجعت لورا بخطوات مرعوبة، وصوتي اتخنق في زوري. مسكة الباب كانت بتتحرك بهدوء يخوف، وكأن اللي بره بيجرب مفتاح ماستر أو أداة فتح ذكية.


عقلي شغل إشارات الخطر في ثواني: شقتي في الدور الثالث، ومفيش باب خلفي، والحراس بره اتخدروا أو اتقتلوا في صمت رهيب. طالعت الشقة بعيون زاغية لحد ما وقعت عيني على الس\كين الضخم اللي سبته على رخامة المطبخ المفتوح. جريت مسكته بإيد بتترعش، وجريت على الغرفة الماستر وقفلت الباب على نفسي بالمفتاح، وسحبت تسريحة الخشب الثقيلة بحركة هستيرية وزقيتها ورا الباب عشان أسده.


سمعت صوت باب الشقة الرئيسي بيتفتح بالراحة، وبعدها خطوات جزمة جلد ثقيلة بتتمشى في الصالة.


الهدوء كان قاتل. النفس كان بياخد مني بالعافية، وصدري كان بيعلو ويهبط من الذعر.


الخطوات قربت من باب الأوضة… ووقفت.


طقطقة خفيفة على خشب الباب، وبعدها صوت راجل هادي، مليان ثقة وبرود مرعب:


— مدام مريم… بلاش التوتر ده. لو كنا عاوزين نأذيكي كان زماننا عملناها وأنتِ طالعة من البنك الصبح. افتحي الباب… إحنا جايين نتفاوض.


صرخت من ورا الباب وأنا ماسكة الس\كين بإيديا الاثنين:


— بره! اخرجوا بره وإلا هطلب الشرطة فوراً!


ضحك الراجل ضحكة خفيفة وقال:


— الشرطة؟ الأجهزة الأمنية في الإجازة الرسمية للوردية دي يا مدام. والاتصالات مقطوعة عن الشقة بالكامل… جربي تشوفي التلفون كدة.


بصيت لشاشة الموبايل في إيدي… فعلاً الشبكة كانت «لا توجد خدمة».


كمل الراجل كلامه بجدية:


— الهانم اللي كلمتك في التلفون اديتك 24 ساعة، بس الأستاذ سامح عبد الجواد استعجل، وبعث ناس من طرفه يخلصوا عليا وعليكي الليلادي عشان يلم الموضوع. إحنا الحقناكي منه وعطلنا رجالته اللي كانوا طالعين على السلم. إحنا مش أعدائك يا مريم… إحنا عاوزين الفلاشة، والمقابل هتاخدي أمانك وثروة أباكي كاملة.


قلبي كان بيتقطع بين الخوف وبين الشك. هل هما فعلاً أنقذوني من سامح؟ ولا دي تمثيلية عشان أسلّم الفلاشة برضاي؟


افتكرت كلام بابا في الفيديو: *” الملف ده س\لاح ذو حدين… ولو سلمتيه هتكوني تحت رحمتهم طول عمرك.”*


قلت بصوت بحاح بس ثابت:


— الفلاشة مش معايا هنا! الفلاشة فريد المحامي أخدها ووداها النيابة العامة من ساعة!


ساد السمت لثواني بره الباب. وبعدين سمعت صوت تنهيدة طويلة، وصوت الراجل وهو بيكلم حد في اللاسلكي:


— كدابة… فتشوا الشقة بسرعة، ولو ما لقيناش حاجة اكسروا الباب ده.


بدأوا يكسروا الشقة، صوت كركبة ورزع وإدراج بتتخلع في الصالة. أنا كنت واقفة ورا الباب المزنوق بالتسريحة، الفلاشة المربوطة بالسلسلة الفضة كانت ملفوفة حولين معصم إيدي تحت أكمام بلوزتي الأسود.



وفجأة… ضربة قوية نزلت على باب الأوضة! الخشب اتشرخ.


ضربة ثانية… والتسريحة تحركت سنتيمترات.


كنت عارفة إنها مسألة ثواني والباب ينهار.


وفي اللحظة اللي الخشب فيها كان بيتكسر تماماً، اتسمع صوت إنفجار مكتوم بره في الممر، وبعده صوت ضرب نار حي ورصاص بيخترق جدران الشقة!


الراجل اللي كان واقف ورا الباب صرخ:


— كمين! انزلوا من البلكونة بسرعة!


دوشة وصراخ وتبادل إطلاق نار كان مالي الشقة في ثواني معدودة. زحفت على الأرض واستخبيت تحت السرير وأنا ضامة رجلي لصدري وقافلة عيني. الرصاص كان بيخرم خشب الباب وبيطير الشظايا في كل مكان.


بعد دقائق مرت كأنها قرون… ساد الهدوء تماماً.


صوت خطوات ثقيلة وجزمة عسكرية قربت من الأوضة، وزقت بقايا الباب والتسريحة بقوة.


صوت معروف بالنسبة ليا نادى باضطراب:


— مريم! مريم أنتِ فين؟! أنتِ بخير؟!


طلعت من تحت السرير وأنا بنهج ودموعي مغرقة وشي. كان فريد المحامي، ولابس قميص أبيض مغرق دم من عند كتفه، ووراه ثلاثة رجال بملابس مدنية شاهرين أسلحتهم.


— أستاذ فريد! — صرخت وأنا بقع على الأرض من الصدمة.


فريد جرى عليا، وسندني وهو بيتأوه من جرح كتفه:


— الحمد لله إنك سليمة… أنا آسف، اتأخرت عليكِ. سامح كان عامللي كمين وأنا راجع في الطريق، وعطلوني وضربوا عليا نار، بس ربنا ستر ورجالتي قدروا يخلصوني وجينا بأقصى سرعة.


بصيت حوليا… الشقة كانت مدمّرة، الجدران مخرمة بالرصاص، ورجلين من المهاجمين كان أجهزة الأمن المقربة من فريد مسيطرة عليهم ومكتفاهم على الأرض.


فريد بصلي بجدية شديدة، وعينيه فيها شرار:


— اللعب بقواعد القانون مابقاش ينفع يا مريم. سامح والشبكة الدولية اتحدوا ضدنا، واليومين الجايين هيتحولوا لحرب شوارع.


سحب نفس عميق وكمل وهو بيمسح الدم من على وشه:


— دلوقتي مفيش خيار تاني. الفلاشة ديزم تُسلم فوراً لأعلى سلطة في الجهاز الوطني لمكافحة أموال العامة وقطاع الأمن الوطني. أنا ترتيب اجتماع سرّي بكرة الصبح مع لواء في الجهاز كان صديق شخصي لولدك كريم قبل ما يختفي.


— وهل ده هينهي الكابوس؟ — سألته بصوت خافت.


فريد بص في عيني بثبات مرعب وقال:


— ده مش هينهي الكابوس بس يا مريم… ده هيفتح أبواب جهنم على سامح عبد الجواد والشبكة اللي وراه. بس المشكلة إن اللواء ده طلب شرط واحد عشان يتحرك ويتدخل بنفسه ويحمايكي…


سكت فريد لحظة، وحسيت بنبرة غريبة في صوته.


— شرط إيه؟ — سألته بقلق.


فريد قرب مني وقال بهمس:


— طلب إنك أنتِ اللي تسلمي الملفات بنفسك داخل مقر الجهاز… بس بشرط تتنازلي رسمياً عن 50% من أصول شركة “أبو العز” لصالح صندوق تعويضات الدولة كبديل عن الأموال المهربة، وإلا الأوراق اللي معاكي هتعتبر أدلة ضيدك أنتِ كمان باعتبارك الوريثة والشريكة الرسمية في القضايا دي!



وقفت مذهولة. حسيت إن كل خطوة بأمشيها في السكة دي بكتشف إن الأقنعة بتتقطع، وإن المحامي اللي بابا آمنه على حياتي وعلى حقي… ممكن يكون بيلعب لعبه الخاصة!


بصيت لفريد بحدّة ولأول مرة أشوف في عينيه نظرة طمع خفية حاول يداريها بسرعة.


قلتله بصوت هادي زي السكون اللي بيسبق العاصفة:


— موافقة يا فريد… أعمل الميعاد بكرة الصبح.


بس جوايا… كنت عرفت إن الثقة ماتت، وإن المعركة الأخيرة مش هحارب فيها سامح بس… دي هتبقى معركة ضد الكل!


خرج فريد من الشقة وهو بيطمني إن رجاله يفضلوا حارسين المكان لحد الصبح، بس أول ما الباب اتفقل، حسيت إن البرودة سكنت العظام. بصيت لحراسي الجدد اللي واقفين على الباب، وجوايا يقين واحد: أنا لو سلمت نفسي وعقلي لفريد، هكون مجرد قطعة شطرنج تحركت عشان تاخد ضربة الموت مكان غيرها.


دخلت الأوضة المهدومة، وقعدت على الأرض بين شظايا الخشب. مسكت الفلاشة الفضية المربوطة في إيدي. كلام فريد عن “تنازل 50% للصندوق” كان فيه حاجة مش مظبوطة… لغة طمع متغلفة بثوب القانون. فتحت اللابتوب تاني بسرعة، ووصلت الفلاشة.


المرة دي ما فتحتش فيديوهات بابا… فتحت الملف المالي المعقد اللي كان باسم (مشروع الواحة). نزلت تحت خالص في المستندات والتحويلات البنكية السرية، وكانت الصدمة اللي جمدت الدم في عروقي.


اسم “فريد الهواري” كان مكتوب كالمستفيد الثاني من شركة “أوفشور” في بناماس، بصفته المستشار القانوني للشبكة!


فريد ماكانش مجرد محامي لبابا… فريد كان هو الجسر اللي ربط بين جشع سامح عبد الجواد والشبكة الدولية! بابا اكتشف خيانته قبل ما يموت، وده السبب اللي خلاه يلجأ للعبة الجواز المباغتة معايا، عشان يخليني الطرف الوحيد اللي ليه سلطة قانونية مطلقة على الأسهم، ويبعد فريد عن التحكم المباشر فيها!


الدموع جفت في عيني وتحولت لجمود. كل الأقنعة اتسقطت. أنا لوحدي في الميدان… بابا، وسامح، وفريد، والشبكة المجهولة.


ما استنيتش الصبح.


سحبت شنطة ظهر صغيرة، حطيت فيها الأوراق الأصلية، الفلاشة، وجواب بابا. غيرت هدومي بلبس أسود بسيط، وطلعت للبلكونة الخلفية للشقة اللي بتطل على ممر الخدمة الجانبي. كان فيه سلم طوارئ صلب. نزلت عليه بهدوء محترفة خوف، واتسللت بين العمارات لحد ما طلعت على الشارع الرئيسي، وأجرت عربية تاكسي قديمة بصعوبة.


— على فين يا أنسة؟ — السواق سألني وهو بيبصلي في المراية باستغراب.


— على مبنى النائب العام… دار القضاء العالي.



الساعة كانت ستة الصبح، الشوارع فاضية والندى مالى القزاز. اتصلت برقم واحد بس… رقم دكتور هاني، مدير الجمعية الخيرية اللي كنت بتطوع فيها. الراجل الطيب اللي يعرفني من صغري ويعرف إخلاصي.


— دكتور هاني… أنا مريم. محتاجة مساعدتك فوراً، بس بشرط… محدش يعرف مكانك ولا المكان اللي رايحة له.


دكتور هاني ما ترددش. وصلني بمستشار قضائي جليل من معارفه القدامى، راجل مشهود له بنزاهته المطلقة ومالوش أي مصلحة في سوق المقاولات أو بيزنس الشبهات.


الساعة تسعة الصبح بالضبط.


كنت قاعدة في مكتب النائب العام المساعد، وبحضور المستشار الشريف ودكتور هاني. فتحت الشنطة، وحطيت كل حاجة على الطاولة: عقد الجواز الشرعي، شهادات الملكية، والأهم… الفلاشة اللي عليها التسجيلات والتحويلات البنكية بالأسماء.


قدمت بلاغ رسمي صريح اتهت فيه سامح عبد الجواد بمحاولة القتل وغسيل الأموال، واتهمت فريد الهواري بالتستر والتآمر والتزوير.


في نفس الوقت اللي كنت بقدم فيه البلاغ، فريد كان واقف قدام الكومبوند مع رجاله بيقتحموا الشقة عشان ياخدوني للميعاد المزيف، بس ما لقوش غير الهواء.


الساعة اتنين الضهر… العاصفة ضربت القاهرة.


قوات أمنية مكبرة من مباحث الأموال العامة وقطاع الأمن الوطني اقتحمت برج (أبو العز للإنشاءات). تم القبض على سامح عبد الجواد متلبساً في مكاتبه وهو بيحاول يحرق جزء من المستندات المالية بعد ما عرف بفراري.


وفي نفس الساعات، تم القبض على فريد الهواري في مكاتبه بالزمالك وهو بيحاول يجهز شنط السفر للهروب بره مصر، بعد ما اكتشف إن أمره اتكشف بالكامل.


القض\ية هزت الرأي العام. الصحف والمواقع الإخبارية ماكانتش بتتكلم غير عن “الأرملة الشابة التي أطاحت بفرعان المقاولات وعصابة غسيل الأموال”.


بعد ستة شهور…


كنت واقفة في نفس الصالة الصغيرة بتاعة شقة المعادي. الشقة اللي شهدت زواجي الغريب، والشقة اللي مات فيها كريم… بابا.


المكان كان هادي، والشمس داخلة من الشبابيك بتنور كل زاوية.


صدرت الأحكام القضائية النهائية: السجن المشدد لسامح عبد الجواد وفريد الهواري، واسترداد كافة الأصول والشركات المملوكة لكريم أبو العز وإعادتها للوريثة الشرعية الوحيدة… مريم كريم أبو العز.


بقيت بملك إمبراطورية مالية ضخمة، بس الثروة دي ما غيرتش حاجة جوايا.


أول قرار أخذته كرئيسة لمجلس إدارة مجموعة “أبو العز”، كان تخصيص 40% من أرباح الشركة السنوية لبناء أكبر مستشفى مجاني لعلاج مرضى السرطان في مصر باسم (مستشفى كريم أبو العز للرحمة)، وتولت الجمعية الخيرية اللي كنت بتطوع فيها إدارة المستشفى بالكامل.



مسكت الجواب الأخير اللي سابهولي بابا، وبصيت لصورته اللي علقتها على الحيطة.


كنت حاسة بإبتسامته الهادية بتطوف حواليا في الصالة.


قربت من الصورة، ولمستها بأطراف صوابعي ودمعة دافية نزلت على خدي… بس المرة دي ماكانتش دمعة حزن أو خوف، دي كانت دمعة انتصار وسلام.


— حقك رجع يا بابا… وأمنيتك تحققت. أنت مموتش لوحدك… أنت سبت وراك بنتك، اللي عاشت وحاربت وصانت اسمك.


 




 


تعليقات

التنقل السريع
    close