القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

انضربت في وسط العيلة كاملة حكايات صافي هاني

 انضربت في وسط العيلة كاملة حكايات صافي هاني



انضربت في وسط العيلة كاملة حكايات صافي هاني

جوزي ضربني بالقلم قدام 18 واحد من قرايبه وزعق فيا: «اطلعي بره البيت ده!». حماتي ابتسمت بكل شماتة وقالتلي سيبي الذهب والفيزا والمفاتيح. أنا كل اللي عملته إني أخدت شنطتي، وكلمت المحامية بتاعتي وفضلت ساكتة… عشان الفيلا والـ 180 ألف دولار اللي كانت بتاخدهم كل شهر في حسابها، أنا اللي كنت بدفعهم من جيبي.


«اطلعي بره البيت ده فوراً النهارده!»، تامر زعق بعلو صوته.


ملحقتش حتى أرد عليه.


إيده نزلت على وشي قدام عيلته كلها، ومن قوة القلم رجعت لورا واتخبطت في طربيزة الصالون اللي عند الباب. كوباية اتزحلقت ووقعت على الأرض الرخام واتفشكت ميت حتة، حتت صغيرة وبتلمع، وكأن حتى الإزاز كان عارف إن مفيش حد هيقوم يلمني من الأرض.


كان فيه 18 واحد من قرايبه واقفين بيتفرجوا.


أخته واقفة وفي إيدها كاس العصير. اتنين من أعمامه ساندين على الحيطة. ولاد عمه اللي من عشر دقائق بس كانوا بيرفعوا كاساتهم وبيباركوا لحماتي «ميرفت» بمناسبة عيد ميلادها الـ 62، وكأن العزومة دي كانت لمة عيلة بجد مش محكمة متدارية في شكل حفلة.


محدش فيهم اتهز ولا اتكلم.


ميرفت هي الوحيدة اللي ابتسمت.


— جدع يا ابني، كده عرفت توقفها عند حدها — قالتها وهي بتظبط عقد اللولي اللي أنا نفسي كنت مهدياه ليها—. الست دي كانت خلاص صدقت نفسها وفاكرة إنها صاحبة الملك والمال.


حطيت إيدي على خدي. وشي كان بيولع نار وطعم الدم في بوقي، بس اللي كان بيوجع بجد مش القلم… اللي وجعني هي البرود والهدوء اللي كانوا واقفين بيه، ومستنيين مني أكسر عيني وأبص في الأرض.


الخناقة كلها بدأت وقت الحلو.


كنا في فيلا التجمع، قصر كبير بجنينة وأسانسير ومطبخ ميرفت كانت بتتباهى بيه قدام الناس وكأنها شقيانة في كل طوبة فيه. كانت جايبة بوفيه مفتوح وطباخين وويترية عشان عيد ميلادها.


أنا اللي كنت دافعة كل مليم في الحفلة دي.


بس محدش من اللي قاعدين كان يعرف.


الساعة كانت 3:17 العصر، وحسب الرسايل اللي شوفتها على موبايلي بعد كده، كانت لسه فواتير الديكور، والتورتة، والورد، والخدمة بتتسحب من رصيدي. كلها كانت بتنزل على فيزا الشركة اللي مش متسجلة باسم عيلتي بعد الجواز.


وفي وسط ما كنا بناكل الحلو، ميرفت رفعت كاسها لفوق.


— أنا عايزة أشرب شربات ابن حبيبي. تامر اللي شايل العيلة دي كلها على كتافه، رغم إنه اتجوز ست ناشفة وقاسية.


كام واحد من اللي قاعدين ضحكوا.


تامر بس في الأرض، ومفتحش بوقه ولا رد على أمه.


بعدها ميرفت بدأت تقول إني مش عارفة أكون زوجة صالحة. وقالت إن عدم خلفيتي لحد دلوقتي ده غضب من ربنا عشان فضلت شغلي على بيتي وعيلتي.


إحنا كنا مجهضين ومطلوقين في عيل صغير من تمان شهور بس.


وتامر كان عارف كويس إني لحد النهارده بقوم من النوم بالليل أعيط في السر، وإيد على بطني والإيد التانية ماسكة في الملاية من الوجع.



ورغم كل ده، فضل يقطع التورتة بتاعته بالشوكة وكأن أمه بتتكلم عن حالة الجو بره.


— مش هسمحلك تستغلي موت ابني عشان تذليني تاني — قولتلها وصوتي طالع بالعافية.


الصالة كلها هسس، مفيش نفس.


ميرفت حطت المعلقة في الطبق براحة، بحركة خبيثة ومحسوبة.


— ما هو كان حفيدي أنا كمان.


— يبقى كان لازم تحترمي روحه اللي راحت.


حطت إيدها على صدرها وكأنها اتصدمت.


— سامعين بتمشي كلامها عليا إزاي في بيتي؟!


تامر وقف فجأة.


ولثانية واحدة غبية، افتكرته قايم يدافع عني ويجيبلي حقي.


لكن لقيت خطوته سريعة ناحيتي، ورفع إيده وضربني.


في اللحظة دي فهمت حاجة غيرت حتى نفسي اللي طالع: الضرب ده مكنش نرفزة، ولا عصبية لحظة.


 


#حكايات_صافي_هاني


ده كان قرار هو واجده ومخطط له.


— اطلعي فوق لمي هدومك — زعق فيا—. الذهب هيفضل هنا، والعربية والفيز كمان. مش هتاخدي معاكي قشاية واحدة أنا دافع تمنها.


ميرفت ربعت إيدها وبصتلي من فوق لتحت.


— وسيبي المفاتيح وأنتِ خارجة. الفيلا دي من ورث عيلة الشافعي، مش ملجأ للستات قليلة الأصل اللي بتنكر الجميل.


بصيت للأرض الرخام، للسلم الخشب الغالي، للنجف، للكونسول المكسور، وللكوباية اللي بقت فتافيت.


كل ده أنا اللي كنت ممضية شيكاته وفواتيره.


الفيلا دي اشتريناها قبل جوازنا بست شهور عن طريق شركة قابضة تخصني. ورق البيع والشراء عليه إمضتي، وموافقة البنك بتاعي، وتوثيق الشهر العقاري. وتامر عمره ما سأل نفسه هي القروض دي كلها اختفت وسددت إزاي من شهر للتاني.


ولا عمره سأل نفسه منين بيجي الـ 180 ألف دولار اللي ميرفت بتاخدهم في حسابها كل أول شهر عشان السواق، واشتراك النادي، والأدوية، والفسح والسفريات اللي متغطية تحت بند “مصاريف علاج”.


هو كان مقتنع إن الفلوس دي جاية من ريع وأملاك أبوه الله يرحمه.


والحقيقة إن الأملاك دي كانت مخلصة وناشفة من سنين.


أنا سكت عشان تامر كان بيموت في رجله ويقولي أمه هيجرالها حاجة لو عرفت إنهم أفلسوا. أنا كمان اللي سندت شركة المقاولات بتاعته لما خسر أكبر مناقصتين. أنا اللي دفعت مرتبات الموظفين، وقسمت الديون، وطلعت قروض من شركة تانية هو عمره ما فكر يدور وراها أو يعرف بتاعة مين.


هم كانوا فاكرين إني عايشة في خير عيلة الشافعي.


#حكايات_صافي_هاني


والحقيقة المرة إنهم هم اللي كانوا عايشين على قفايا.


أخدت شنطتي من على ضهر الكرسي. اتأكدت إن موبايلي جواها. مشيت ناحية الباب من غير ما أستأذن حد، من غير ما أزعق، ومن غير ما أدي لميرفت المتعة والمنظرة اللي كانت مستيناها قدام قرايبها.


— هو ده أخِرك؟ — تامر قالها بضحكة استهزاء وسخرية —. هتمشي بالسهولة دي من غير ما تنطقي؟


مردتش عليه.


كل اللي عملته إني فتحت قفل الموبايل.


جبت رقم المحامية بتاعتي وضغطت اتصال.


وأول ما ميرفت المحت الاسم اللي ظاهر على الشاشة وعرفت أنا بكلم مين، الضحكة والابتسامة اللي على وشها بدأت تختفي…



— أيوة يا أستاذة فريدة، أنا خرجت من الفيلا خلاص.


صوتي كان طالع هادي وثابت، لدرجة إني نفسي استغربت قوتي في اللحظة دي. مكنش فيه رجفة ولا دمعة واحدة قادرة تنزل من عيني. وشي كان لسه بيولع من القلم، بس برود أعصابي كان بيموتهم بالبطيء.


ميرفت أول ما سمعت اسم فريدة الشناوي، المحامية الأكبر في قضايا الشركات والعقارات، بدأت ملامحها تتلخبط، كاس الشربات اللي في إيد أخت تامر اتهز، والـ 18 واحد اللي كانوا واقفين زي التماثيل، بدأت همهماتهم تطلع وعيونهم تزوغ بيني وبين تامر.


— وعليكم السلام يا مدام صافي — صوت فريدة جه عبر الاسبيكر واضح وقوي —. الورق كله جاهز، والشرطة القضائية والمحضرين زمانهم على وصول لعندك، الحجز التنفيذي على الفيلا وكل منقولاتها هيتنفذ حالاً بناءً على الصيغة التنفيذية ل أحكام الديون المباشرة، وبصفتك المالك الفعلي والوحيد للشركة القابضة اللي بتدير الفيلا دي.


تامر خطوته سبقت كلامه، قرب مني وعيونه مبرقة، وشكله بقا مرعوب بس بيحاول يداري ورا زعيقه:


— أنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟ محامية إيه ومحضرين إيه؟ اطلعي برة بيتي وبطلي شو الإعلام ده! أنتِ خلاص لغيتك من حياتي!


بصيت في عينه مباشرة، ولأول مرة محستش بأي ضعف ناحيته:


— بيتك؟ الفيلا دي مش بيتك يا تامر.. ولا كانت بيتك في يوم من الأيام. الفيلا دي والشركات والعربيات، وحتى اللقمة اللي بتاكلوها، كلها متسجلة باسم مجموعتي الاستثمارية. أنت مجرد مستأجر مديون، والنهاردة عقد الإيجار الصوري اللي بيننا انتهى، وبصفتي صاحبة الملك.. أنا اللي بطردك برة.


ميرفت وشها جاب ألوان، عقد اللولي اللي على رقبتها كان بيتهز مع ليل قلقها، قربت وسابت برستيجها وبقت تزعق:


— أنتِ اتجننتي يا بت؟ ورث عيلة الشافعي! إحنا الشافعي! الفلوس اللي في البنك والـ 180 ألف دولار اللي بيتحولوا لي كل أول شهر دول من خير جوزي الله يرحمه! تامر هو اللي بيبعتهم!


ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة وجع ممزوجة بالنصر:


— الـ 180 ألف دولار دول كانوا بينزلوا من حساب شركتي الخاصة تحت بند “تبرعات وإعانات إنسانية” عشان تامر رجا ميعرفكيش إنكم أفلستوا من خمس سنين، وعشان متموتيش من الصدمة. تامر اللي واقف قدامك ده مش حيلته مليم، وشركة المقاولات بتاعته أنا اللي كنت بطلع مرتبات موظفيها من جيبي عشان شكل المنظرة بتاعتكم قدام الـ 18 واحد اللي واقفين يتفرجوا دول!


الصدمة نزلت على الصالة زي الصاعقة. أعمامه وبنات عمه بدأوا يتراجعوا لورا، اللي ساند على الحيطة وقف عدل، وأخته حطت كاس العصير على الطربيزة المكسورة وإيدها بترتعش. الكل بقا بيبص لتامر مستني منه رد، مستني منه يكدبني.


لكن تامر كان واقف مكانه، وشه بقا أبيض زي القماش، عينيه في الأرض، ونفسه العالي هبط تماماً. هو عارف إن كل كلمة بقولها هي الحقيقة اللي كان هربان منها وساند ظهره عليا فيها.



— تامر! رد عليها! قول لها إنها كدابة! — ميرفت بقت تصرخ وتهز في كتف ابنها —. قول لها إن الفيلا دي حقتنا، والفلوس دي فلوسنا! رد يا تامر!


تامر مقدرش ينطق بحرف، كان بيبصلي بنظرة رجاء مكسورة، نفس النظرة اللي كان بيبصلي بيها لما كان بييجي يطلب مني شيكات عشان يلحق نفسه من الحبس في السوق.


في اللحظة دي، صوت سارينة عربيات الشرطة ضرب برة في الجنينة، وبوابة الفيلا الحديد انفتحت بصوت عالي. المحضرين دخلوا ومعاهم أفراد الأمن، ومعاهم فريدة الشناوي بشياكتها وقوتها المعهودة.


فريدة دخلت الصالة، وبصت للكل بثقة:


— مساء الخير يا جماعة. معاكم أمر قضائي بإخلاء الفيلا فوراً وبشكل عاجل، والحجز على كافة المنقولات والسيارات الموجودة بالخارج لصالح موكلتي مدام صافي، لعدم سداد المديونيات المستحقة على السيد تامر الشافعي.


ميرفت رجليها مأشالتهاش، وقعت على الكنبة وهي بتعيط بهيستيريا، والـ 18 واحد من قرايبهم بدأوا يتسحبوا واحد ورا التاني ناحية الباب الخارجي عشان ميتفضحوش في وسط الحجز والشرطة، العزومة الفخمة وعيد الميلاد الـ 62 اتحولوا في ثواني لمشهد طرد وخراب.


مشيت خطوتين ناحية الباب، وقبل ما أخرج، لفيت وشي وبصيت لتامر وأمه للمرة الأخيرة. حطيت إيدي على خدي اللي لسه معلم فيه القلم وقلت بوضوح:


— القلم ده تمنه غالي أوي يا تامر.. تمنه إنك تخرج من هنا بهدومك وبس، أنت وأهلك.. وريني بقى مين في الـ 18 واحد دول هيشيلك، ومين هيدفعلك مرتبات الشهر الجاي.


طلعت من الباب، وسبت ورايا الصراخ والندم والفيلا اللي بقت حطام، وركبت عربيتي وأنا باصة للمستقبل… ومن غير ما أبص ورايا ولو لثانية واحدة.



انضربت في وسط العيلة ج 2 حكايات صافي هاني


السواق قفل باب العربية ورايا، وركبت في الكنبة اللي ورا. قعدت وسندت ضهري على الكرسي الجلد، وبصيت من الشباك على بوابة الفيلا وهي بتقفل ورايا لأول مرة وأنا مش ندمانة.


برة الفيلا، الشارع كان هادي، بس جوايا كان فيه صوت تكسير كل حاجة ربطتني بتامر وبعيلته. حطيت إيدي على وشي، مكان القلم كان لسه واجعني ومسمع في دماغي، بس الوجع ده كان بيتحول كل ثانية لقوة. فتحت الشنطة، طلعت منديل ومسحت بيه نقطة الدم الهربانة من شفتي، وبصيت للمراية الصغيرة؛ عيني مكنش فيها دموع، كان فيها نظرة حد قفل صفحة قديمة وبدأ يكتب سطر جديد بدم بارد.


الموبايل في إيدي مكلش بيبطل رن.


رقم تامر كان بيظهر على الشاشة المرة ورا التانية، وبعده رقم أخته «نهى»، وبعده رقم حماتي «ميرفت». مكنتش برد. كنت بسيب الموبايل ينور ويطفي على الكرسي جمبي وكأنه لعبة ملهاش قيمة. هما دلوقتي في مرحلة الاستيعاب، الصدمة بدأت تفوقهم من الوهم اللي عاشوا فيه سنين. تامر دلوقتي بيواجه الـ 18 واحد من قرايبه اللي كانوا من شوية بيشربوا شربات فرحته وهو بيضربني، ودلوقتي بيشوفوا المحضرين وهما بيجردوا النجف والتحف وبيمضوا تامر على قرار طرد وإخلاء.


فريدة الشناوي المحامية كلمتني بعد نص ساعة. صوتها كان فيه نبرة انتصار هادية:


— صافي، المحضرين خلصوا الإجراءات المبدئية. تامر حاول يعمل مشكلة ويزعق، بس لما شاف العقود الرسمية وتوقيعه على شيكات المديونية اللي اشترتها شركتك، انكمش ومبقاش عارف يقول إيه. أمه جالها حالة انهيار وطلبوا لها الإسعاف، وقرايبهم كلهم اتسحبوا ومبقاش فيه حد في الفيلا غيرهم وهما بيلموا هدومهم الشخصية في أكياس.


— والشركة يا فريدة؟ — سألتها بصوت خالي من أي مشاعر.


— قوة التنفيذ راحت على مقر شركة المقاولات بتاعته حالاً. الحجز التحفظي اتفذ على المكاتب والحسابات البنكية المقفولة أصلاً. تامر الشافعي من الساعادي مش من حقّه يدخل مكتبه، ولا يملك يوقع على ورقة واحدة باسم عيلة الشافعي. إحنا خطوتنا الجاية هي قض..ية الطلاق للضرر، ومعاها جنحة الضرب بالتقرير الطبي اللي هنعمله حالاً. أنتِ فين دلوقتي؟


— أنا رايحة المستشفى أعمل التقرير، وبعدها هطلع على شقتي القديمة اللي في الزمالك.


قفلت مع فريدة ونزلت من العربية قدام المستشفى. دخلت وعملت إثبات الحالة، الكدمة اللي على وشي كانت واضحة، والدكتور وهو بيكتب التقرير كان بيبصلي بشفقة، مكنش يعرف إن الكدمة دي هي تمن حريتي، التمن اللي دفعته عشان أخلص من كذبة عشتها بكامل إرادتي عشان خفت على مشاعر ناس مبيعرفوش يعني إيه أصول.


لما وصلت شقتي في الزمالك، الشقة اللي قفلتها من يوم ما اتجوزت تامر، فتحت الشبابيك ودخلت الشمس. الهوا كان نضيف، مفيش فيه ريحة النفاق والغل بتاعة فيلا التجمع.


الساعة بقت 9 بالليل لما لقيت رسالة مبعوتة من تامر على الواتساب. الرسالة مكنتش شتيمة ولا زعيق زي الصبح، الرسالة كانت مكتوبة بنبرة تانية خالص، نبرة متعودة عليها منه لما الأمور بتضرب في وشّه:



«صافي.. أرجوكي ردي عليا. أمي تعبانة جداً في المستشفى وضغطها مش راضي ينزل. إحنا قعدنا في شقة قانون جديد إيجار بتاعة واحد صاحبي. أنا أسف، والله العظيم مكنتش في وعيي، الضغط عليا كان كبير وأمي كانت بتسخنني بقالها كام يوم. أنتِ عارفة إني بحبك وإني مقدرش أعيش من غيرك، والشركات والفلوس دي كلها بتاعتك إحنا عمرنا ما طمعنا فيكي. افتكري الأيام الحلوة اللي بينا وافتكري ابننا اللي راح.. بلاش تخربي بيتنا عشان لحظة غضب».


قريت الرسالة مرتين. الابتسامة رجعت لوشي بس المرة دي كانت ابتسامة سخرية. “ابننا اللي راح”، حتى وهو في القاع، لسه بيحاول يستغل الوجع الأكبر في حياتي عشان يخليني أحن وأرجع أدافع عنهم وأشيل شيلتهم تاني.


مسكت الموبايل، ومسحت الرسالة وعملت له “بلوك” من كل حتة، وقفلت الخط خالص.


الفيلا هترجع تفضى، والشركات هتتباع أو تتصفى، والـ 180 ألف دولار اللي كانوا بيروحوا لحساب ميرفت عشان تتمنظر بيهم على قرايبها، هيتحولوا من الشهر الجاي لحساب مؤسسة خيرية لرعاية الأطفال.


بصيت لنفسي في مراية الصالون، ميرفت كانت فاكرة إنها لما تقولي “سيبي الذهب والمفاتيح” إنها بتاخد مني كل حاجة.. مكنتش تعرف إن الذهب والفيلا والفلوس دي مجرد قشور، وإن الحاجة الحقيقية اللي كانت مخلياهم واقفين على رجليهم هي أنا.. وأنا خلاص مشيت.


نمت ليلتها لأول مرة من تمان شهور من غير ما أصحى مخضوضة ولا أظبط المنبه. صحيت الصبح على صوت العصافير في شجر الزمالك، الشمس كانت مالية الأوضة، والهدوء اللي حواليا كان بيفكرني بنقاوة حياتي قبل ما أدخل ديرة عيلة الشافعي.


عملت قهوتي وبقيت أشربها براحة وأنا بقرأ الإيميلات اللي مبعوتة من مديري الحسابات في شركتي. التقارير كلها كانت بتأكد إن عملية الاستحواذ والحجز التنفيذي تمت بنسبة 100%.


على الساعة 12 الضهر، لقيت جرس الباب بيرن.


لما فتحت، اتفاجئت بنهى، أخت تامر، واقفة قدامي. مكنش في إيدها كاس العصير بتاع امبارح، ولا كانت لابسة الفستان السواريه. كانت باهتة، وعينيها منفوخة من العياط، والكسرة اللي كانت مستنياها تشوفيها في عيني امبارح، كانت مالية وشها كله.


— صافي.. أنا جيتلك ومحدش يعرف إني هنا — قالتها وصوتها بيرتعش وهي بتبص للأرض.


وسعتلها الباب ودخلت من غير ما أتكلم. قعدت على طرف الكرسي وكأنها خايفة تقعد براحتها.


— ماما في الرعاية المركزة يا صافي.. الدكتور بيقول جلطة خفيفة بس مأثرة على نطقها. وتامر.. تامر قاعد في شقة صاحبه مش بينطق، المحاميين بتوعه قالوا له إن الورق اللي مع فريدة الشناوي يقفل له أي باب أمل، وإن الشيكات اللي هو ماضيها لشركتك ممكن توديه في داهية.


بصيت لها وأنا باخد بوق من القهوة:


— والمطلوب يا نهى؟ جاية تقولي لي إيه؟


— جاية أترجاكي — دموعها نزلت —. إحنا غلطنا، وماما غلطت، وتامر اتعمى لما حس إنه قليل قدامك وقدام فلوسك فحب يثبت رجولته قدام العيلة بالطريقة الغبية دي. بس بلاش تخربي بيتنا للاخر. تامر لو اتحبس ماما هتموت فيها بجد. سيبي لنا حتى شقة نقعد فيها، أو لغي الحجز على حسابات الشركة عشان يعرف يشتغل ويسددلك.



حطيت فنجان القهوة على الترابيزة وبصيت لها بكل برود:


— تامر محبش يثبت رجولته يا نهى.. تامر كان واخد القرار ومخطط له، كان فاكر إنه لما يكسرني قدام الـ 18 واحد بتوعكم، ويخليني أخرج بالهدوم اللي عليا، هخاف من الفضيحة وأرجع أترجاه وأسيب له كل حاجة عشان أشتري سكوتي. تامر مكنش غبي، تامر كان طماع وخاين للقمة والعيش اللي طفحهم من خيري سنين.


وقفت ومشيت ناحية الشباك وكملت:


— وأمك.. ميرفت هانم اللي كانت بتعايرني بموت ابني اللي ملحقتش أفرش سريره، ربنا وراها في نفس اللحظة إن الملك لله وحده، وإن الست الناشفة اللي مش عاجباها هي اللي كانت مأكلاها ومشرباها ومشتية ومصيفة لها. أنا مش هتنازل عن مليم واحد يا نهى. القض..ية هتمشي في مجراها، والفيلا هتعرض للبيع للاسترداد المديونية، وأخوكي هيتحاسب على كل شيك، وعلى القلم اللي علّم على وشي وقلبي.


نهى وقفت وهي بتبكي بهيستيريا:


— يعني مفيش في قلبك رحمة؟ م بتفتكريش أي حاجة طيبة؟


— الرحمة دي كانت عندي وخلصت لما كنت بقوم بالليل أنزف وأعيط على ابني وأخوكي نايم في الأوضة التانية بيعد الفلوس اللي هيطلبها مني الصبح. مع السلامة يا نهى، وبليغ تامر إن الورقة الجاية اللي هتوصل له هي قسيمة طلاقه للضرر.


خرجت نهى وتجر وراها خيبتها وخيبة عيلتها كلها. قفلت الباب وراها وأنا حاسة بنظافة غريبة في الهوا.


تلفوني رن تاني، كانت فريدة الشناوي:


— صافي، جلسة البيع المبدئي للفيلا تحددت، وتامر جاله استدعاء رسمي للتحقيق في جنحة الضرب بكره الصبح.


— تمام يا فريدة، كملي في الإجراءات ومتقبليش أي تسوية أو تصالح مهما حصل.


قعدت على مكتبي وفتحت اللابتوب بتاعي، وبدأت أتابع أرقام البورصة وشغل شركتي اللي أهملته سنين عشان أرضي راجل ميسواش. الـ 180 ألف دولار اللي كانوا بيطلعوا من دمي ل ناس مبيطمرش فيهم، نزلوا في حساب الجمعية الخيرية ل رعاية الأطفال المبتسرين، وبقيت حاسة إن روحي بدأت تترد لي من تاني، وإن حقي وحق ابني اللي راح رجع تالت ومتلت.


 تمت 



 


تعليقات

التنقل السريع
    close