القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 دخلت السجن سنتين بدل أخويا كاملة 




رواية كاملة

 

دخلت السجن سنتين بدل أخويا عشان مستقبله ما يضيعش، بس لما خرجت ،رجعت البيت، أخويا مد لي إيده ب 400 جنيه وقالي شوفي لك لوكاندة عشان شكلنا قدام الناس.. أنا ميادة، ودي قصة خيانتهم اللي بدأت قبل الحادثة بكتير.

لقد قضيت عامين في سجن القناطر دفاعاً عن جريمة ارتكبها أخي. وفي اليوم الذي عدت فيه إلى منزلى .

سمعت أصواتهم قبل أن أطرق الباب.

جاءت أصواتهم من خلف البوابة الحديدية الخضراء لمنزلنا في عين شمس حيث نشأت.

لمدة عامين، داخل زنزانتي، حلمت بهذا الصوت.

حلمت برنين غوايش أمي في المطبخ.

بنحنحة والدي قبل أن يناديني يا بنتي.

بأخي الصغير يوسف وهو يركض ليفتح الباب.

حلمت بالشاي الساخن، بملاءة سريري القديمة، برائحة البخور بجانب سجادة الصلاة.

حلمت بالوطن.

لكن البيت كان يتحدث عني وكأنني وباء.

قالت سماح، زوجة أخي ميادة مستحيل تعيش هنا. أنا حامل، والناس هيقولوا إيه لما رد سجون تسكن معانا في البيت؟

تسمرت مكاني خارج البوابة.

سقطت شنطة القماش من على كتفي.

كانت أوراق الإفراج لا تزال بداخلها.

أجابتها أمي بصوت منخفض ومرتعش وطي صوتك.. ممكن تيجي في أي لحظة.

ردت سماح بحدة خليها تسمع! بسبها ابني هيتولد في فضيحة. النهاردة هنروح الشهر العقاري وننقل البيت باسم يوسف، عشان محدش ييجي يطالب بحاجة.

توقف نفسي.

بيتي.

بيت والدي.

الشيء الوحيد المتبقي من جدي.

ثم نطقت أمي الجملة التي حطمت شيئاً ما بداخلي.

هي بقى عندها سابقة دلوقتي.. مين هيشغلها؟ ولا مين هيتجوزها؟ لو فضلت هنا هتبقى حمل تقيل علينا.

حمل تقيل.

قبل عامين، لم أكن حملاً ثقيلاً.

قبل عامين، كنت مفيدة.

قبل عامين، يوسف وسماح قتلوا رجلاً عند كوبري أكتوبر.

سيارتي أنا.

قيادتهم وهما في حالة سكر.

عكس الاتجاه.

منتصف الليل.

عامل دليفري مات على الطريق، وصندوق الطعام الخاص به تناثر بجانبه.

اتصل بي يوسف قبل أن يتصل بالشرطة.

يا ميادة، الحقي برقبته، قالها وهو يشهق بالبكاء. أنا لو دخلت السجن


هموت، انتي عارفة قلبي وتعب ال نهجان اللي عندي. وسماح لسه عروسة جديدة، أهلها هيطلقوها. أرجوكي.. قولي إنك كنتي سايقة.

ارتمى والداي تحت قدمي.

حرفياً.

أمسكت أمي بكاحلي وبكت انتي قوية يا ميادة، أخوكي مش هيستحمل.

وقال والدي يا بنتي، العيلة بتحمي بعضها.. مش هننسى لك التضحية دي أبداً.

كانت سماح تجلس على الأرض ترتعد، وذهبها الشبكة لا يزال يلمع في يدها.

قالت يا ميادة، هشيلك فوق راسي طول عمري.

لذا، كذبت.

قلت إنني كنت أقود.

بعت سيارتي.

خسرت وظيفتي.

وقعت على أوراق لم أفهمها تماماً.

دفعت جزءاً من التعويض من مدخراتي.

وذهبت إلى السجن ب عباءة وضعتها لي أمي في الحقيبة 

لمدة عامين، نمت على مرتبة رقيقة تفوح منها رائحة الفنيك والعرق القديم.

لمدة عامين، ابتلعت الإهانات.

يا قاتلة.

يا بنت الأكابر اللي داست على الغلابة.

لمدة عامين، كنت أقول لنفسي شيئاً واحداً

عندما أعود للمنزل، كل هذا سيكون له ثمن.

رفعت يدي وطرقت الباب.

ساد الصمت بالداخل.

ثم خطوات متسارعة.

فتحت أمي البوابة.

لثانية واحدة، نسيت أن تمثل.

ظهر الخوف على وجهها.

ثم ابتسمت ابتسامة عريضة مصطنعة ميادة! يا حبيبتي حمد لله على السلامة.. يااه، ده انتي خسيتي خالص.

أردت احتضانها.

يا ربي، كنت لا أزال أريد احتضانها.

لكن قبل أن أتحرك، ظهرت سماح خلفها.

حامل في الشهر السادس.

سلسلة ذهبية غليظة حول عنقها.

وعيون تقطر اشمئزازاً.

كانت تمسك زجاجة كبيرة من المطهر.

وقفي عندك.

نظرت إليها بذهول سماح؟

ضغطت على بخاخ الزجاجة.

أصاب السائل البارد وجهي، شعري، عباءتي، وشنطتي.

مرة.

مرتين.

تكررت الرشات.

شهقت أمي، لكنها لم تمنعها.

غطت سماح أنفها وقالت معلش يا ميادة، ريحة السجن بتبقى لزقة.. والطاقة السلبية كمان.

دخلت رغم ذلك.

بدت الصالة أصغر مما تذكرت.

نفس الورد البلاستيك بجانب التلفزيون.

نفس برواز الآية الكرسي المشروخ.

نفس الكنبة التي هبطت حشوتها من المنتصف.

كان والدي جالساً هناك،

يمسك الجريدة.

لم يقف.

لم ينطق اسمي.

بابا، همست.

تنحنح وقال وصلتي بالسلامة؟

هذا كل شيء.

لا أهلاً بكِ في بيتك.

لا افتقدتك. فقط ذلك السؤال البارد.

مشيت باتجاه غرفتي.

كان الباب موارباً.

لمدة عامين، كانت تلك الغرفة هي ما يبقيني على قيد الحياة.

الحائط الأزرق.

دروع التكريم من الكلية.

كتبي.

صورتي مع يوسف في العيد.

دفعت الباب.

ووجدت كراكيب.

صناديق كرتونية.

أواني قديمة.

حلة ضغط مكسورة.

ملابس أطفال.

ألعاب بلاستيكية.

عربة أطفال مطوية.

سريري اختفى.

كتبي اختفت.

صوري اختفت.

شهادات تخرجي اختفت.

لقد تم محو حياتي بالكامل وكأنني مت فعلياً.

إيه ده؟ سألت.

مسحت سماح على بطنها وقالت أوضة البيبي.

وأوضتي؟

بقت مخزن لغاية ما البيبي يشرف.

التفتُّ إلى أمي وحاجتي؟

نظرت إلى الأرض وقالت يا بنتي، أغلبها باظ.. فئران، تراب.. كان لازمتها إيه؟

شهادتي؟

تلقيها في كرتونة من الكراتين.

رسائل بابا ليا؟ نظرت إلى والدي.

طوى الجريدة ببطء سماح محتاجة مساحة.. افهمي بقى.

خرج يوسف من غرفة النوم حينها.

أخي الصغير. الرجل الذي دخلت السجن من أجله.

كان يبدو بصحة جيدة.

لثانية واحدة، لان وجهه ميادة..

خطوت نحوه، فتراجع خطوة للخلف.

ابتسمت دون أن أعرف السبب.

ربما لأن الألم كان أكبر من أي تعبير آخر.

يوسف، قلت، قولهم.. قولهم إني هقعد في أوضتي.

تحولت عيناه إلى سماح.

ثم إلى والديّ.

ثم بعيداً عني.

يا ميادة، حاولي تقدري الموقف.

بدأ قلبي يدق بعنف أقدر إيه؟

البيت دلوقتي بيتم نقل ملكيته.. ومن النهاردة، البيت ده رسمي باسمي.

ليه؟

للأمان.

أمان مين؟

ضحكت سماح أماننا كلنا.

انتي دخلتي السجن. عليكي قضايا وسوابق. ممكن ناس مش تمام ييجوا هنا، الشرطة تسأل، الصحافة.. إحنا عندنا طفل جاي في الطريق.

أنا دخلت السجن عشانكم!

تغير وجهها لثانية واحدة، ثم رفعت ذقنها انتي اللي وافقتي.. محدش غصبك.

ساد صمت مميت في الصالة

نظرت لأمي، فضغطت على شفتيها.

نظرت لوالدي، فظل يحدق في الأرض.


نظرت ليوسف، فاشتد فكه ماتفتحيش السيرة دي تاني بقى.

تاني وكأن الحقيقة أصبحت قلة ذوق.

الراجل اللي مات الليلة دي، قلتها ببطء، انته اللي خبطته.

احمر وجه يوسف خلاص بقى!

كنت سكران.

قلت لك خلاص!

كنت سايق عربيتي عكس الاتجاه.

صرخت سماح الزمي حدودك.. انتي معندكيش دليل.

التفتُّ إليها كنتي قاعدة جنبه.

ابتسمت بخبث أمال اعترفتي ليه؟

بدأت أمي تبكي، بس يا ميادة، كفاية.. الجيران هيسمعوا.

خليهم يسمعوا.

وقف والدي الآن، وصوته كان كالثلج متنسيش انتي واقفة فين.

نظرت إليه في بيتي.

ضحك يوسف ضحكة قصيرة جعلت الأمر أسوأ.

ميادة، ده مابقاش بيتك خلاص.

دخلت الكلمات في صدري كأنها نصل سكين.

مشى إلى الطاولة، أخرج ورقتين بمتين جنيه، ومدهما لي.

خدي دول. شوفي لك لوكاندة قريبة من المحطة.. وهنبقى نتكلم بعدين.

حدقت في المال.

عامان من السجن.

عامان من الصمت.

عامان من العار.

وكان ثمني عند الباب هو أربعمائة جنيه.

لمست سماح بطنها وقالت زمان كنتي مفيدة عشان بتجيبي فلوس.. دلوقتي انتي مجرد فضيحة ماشية على الأرض...

تلك الجملة لم تكسرني بل أيقظتني.

التقطت حقيبتي القماشية من الأرض.

مدت أمي يدها، وفجأة أصبحت ناعمة يا بنتي متفهمنيش غلط.. إحنا بس عايزينك تتعلمي تقفي على رجلك.

نظرت إلى يدها.

نفس اليد التي أمسكت بكاحلي يوماً ما وتوسلت إليّ أن أدمر حياتي من أجل ابنها.

تراجعت خطوة للخلف.

لا يا أمي.. أنتم علمتوني حاجة أهم بكتير.

رمشت بعينيها إيه؟

علمتوني مابقاش دواسة للناس اللي مسميين نفسهم أهلي.

ثم خرجت.

لم يتبعني أحد.

لا أمي، لا والدي، ولا يوسف.

حتى كلب الشارع الذي كان ينبح على الجميع إلا أنا، لم يتحرك.

في تلك الليلة، أخذت غرفة في بانسيون رخيص في وسط البلد.

كانت البطانية تفوح منها رائحة الرطوبة.

والمروحة تصدر صوتاً مزعجاً.

بشرتي كانت لا تزال تشم فيها رائحة المطهر.

جلست على السرير، فتحت هاتفي، ودخلت على تطبيق البنك.

ظهر الرصيد.

10000000 جنيه.

عشرة

مليون جنيه.

عائلتي لم تكن تعرف شيئاً.

قبل ثلاثة أشهر من إطلاق سراحي، وقع حريق في مبنى الزيارات بسجن القناطر.

دخان في كل مكان.

صراخ سجينات.

سمعت شخصاً يصرخ أن آية عز الدين لا تزال محاصرة

 

 

في مكتب الاستشارات.

آية عز الدين.

ابنة عز الدين المنشاوي، رجل الأعمال الملياردير الذي يظهر على أغلفة المجلات الاقتصادية.

لم أفكر.

ركضت.

كان مقبض الباب يحرق راحة يدي.

بالداخل، كانت مغمى عليها، دم على جبهتها، وطرحتها عالقة تحت خزانة معدنية سقطت.

سحبتها عبر دخان كثيف كان يشبه ابتلاع الفحم.

انهارت قواي في الفناء بجانبها.

عندما أفقت في مستشفى السجن، كان هناك رجل يرتدي بدلة فاخرة يجلس بجانب سريري.

عز الدين المنشاوي.

لم يتحدث مثل الأغنياء في الأفلام.

تحدث بهدوء.

مثل رجل كاد يفقد ابنته الوحيدة.

انتي أنقذتي بنتي، قالها.

نظرت بعيداً عملت اللي أي حد كان هيعمله.

لا، قال. أغلب الناس بيقولوا كدة.. قليلين أوي اللي بيعملوه.

بعد أسبوع، جاء مرة أخرى.

هذه المرة مع آية.

احتضنتني.

ليس بحذر.

ليس بشفقة.

احتضنتني كأنني إنسانة.

كنت قد نسيت كيف يبدو هذا الشعور.

قال عز الدين أنا مقدرش أرجعلك السنتين اللي ضاعوا.. بس أقدر أتأكد إن العالم بعد السجن مش هياكلك صاحية.

جاء المال عبر إجراءات قانونية.

منحة خاصة.

عرض عمل.

شقة.

حياة جديدة.

أراد مني أن أدير برنامجاً لمؤسسة خيرية لدعم السجينات المفرج عنهن.

الستات اللي زيك محتاجين أبواب تتفتح، 

في ذلك الوقت، كنت لا أزال أخطط لمشاركة كل شيء مع عائلتي.

كنت أخطط لدفع فواتير علاج والدي.

تجديد البيت.

شراء غسالة أوتوماتيك لأمي.

دفع تكاليف ولادة سماح في مستشفى خاص.

مساعدة يوسف ليبدأ مشروعه الخاص.

حتى أنني اشتريت خلخال فضة صغير لمولودهم المنتظر.

ضحكت في غرفتي باللوكاندة عندما تذكرت ذلك.

ليس لأن الأمر مضحك.

بل لأنني كنت ساذجة لدرجة تستحق التصفيق.

في صباح اليوم التالي، قابلت آية في كافيه بالزمالك.

وقفت بمجرد أن رأتني.

لا اشمئزاز.

لا خوف.

لا تعاطف مزيف.

احتضنتني بقوة رحتي البيت؟ سألتني.

أومأت برأسي.

تغير وجهها كان للدرجة دي؟

وأوسخ.

دفعت



ملفاً نحوي بابا عايزك تمضي على ده النهاردة. شقة باسمك، مرتب، عربية، وسلطة كاملة على البرنامج.

فتحت الملف.

ضاعت الرؤية من عيني بسبب الدموع.

لمدة عامين، اختصرتني عائلتي في رقم مسجونة.

وهذه الغريبة كانت تعيد لي اسمي.

راقبتني آية بهدوء، ثم قالت ميادة، إحنا كمان بحثنا في قضيتك.

توقفت أصابعي إيه؟

الفريق القانوني لبابا راجع الملف.. في حاجة غلط. غلط كبير. تقرير الحادثة، مواعيد الشهود، تلفيات العربية.. مفيش حاجة راكبة مع اعترافك.

نظرت من النافذة الزجاجية.

كان الناس يمرون بحقائب تسوق، قهوة مثلجة، نظارات شمسية.

حياة طبيعية.

الحياة التي كنت أشاهدها في صور الجرائد من خلف القضبان.

مالت آية للأمام قوليلي الحقيقة.. انتي اللي كنتي سايقة؟

انغلق حلقي.

لمدة عامين، حملت الحقيقة كجمرة نار في فمي.

لكن الآن، بعد المطهر الذي رُش على وجهي، بعد تحويل غرفتي لمخزن كراكيب، بعد أن قال أخي إن البيت له.. تحركت الجمرة.

لا، همست.

لم تبدُ آية متفاجئة، بل غاضبة معاكي دليل؟

أغمضت عيني.

نعم.

كان معي دليل.

رسائل من أمي تتوسل إليّ لأكذب.

رسائل صوتية ليوسف وهو يبكي ويقول إنه هو من كان يقود.

فيديو محذوف استعدته من هاتفي القديم.

وفلاشة USB كانت سماح قد خبأتها داخل فازة ليلة الحادثة.

كانت تظن أن لا أحد يراها.

أنا رأيتها.

وقبل أن أسلم نفسي، أخذتها.

لم أكن أعرف لماذا وقتها.

ربما جزء مني كان يعرف أن الحب لا يجب أن يتطلب العمى.

في ذلك العصر، دخلت مديرية الأمن مع آية ومحاميها وملف أثقل من سنوات سجني.

استمع المحقق أحمد دون مقاطعة.

أعطيته كل شيء.

المحادثات.

التسجيلات.

الفلاشة.

التحويلات البنكية.

والرسائل التي كتب فيها والدي يا بنتي، انقذي يوسف المرة دي.. والعيلة دي هتفضل تسجد لك طول العمر.

تسجد لي.

وهم لم يعطوني حتى سريراً.

قام المحقق بتشغيل الرسالة الصوتية ليوسف.

ملأ صوت بكاء أخي الغرفة يا

ميادة أنا اللي كنت سايق.. أرجوكي انقذيني، مش عايز أدخل السجن.

نظر إليّ المحقق ليه دلوقتي؟

أخذت نفساً عميقاً.

لأن أهلي طردوني.

لأن أخي ترك زوجته ترشني كالقاذورات.

لأن والداي باعا تضحيتي من أجل طوب وإسمنت.

ولأن عامل الدليفري الذي مات كان له أم أيضاً.

لكنني قلت جملة واحدة فقط

عشان خلطت بين الحب والطاعة.. ودفعت تمن الغلطة دي من عمري كتير أوي.

في تلك الليلة، أرسلت لأمي رسالة

يا ماما، أنا عايزة أصفي النفوس. تعالوا بكرة اتعشوا معايا.. هاتي بابا ويوسف وسماح. أنا أجرت مكان صغير، ولازم نتكلم كأهل.

ردت في أقل من دقيقة

كنت عارفة إنك أصيلة وهتفهمي يا بنتي. الأهل مالهمش غير بعض. ابعتي العنوان.

حدقت في الشاشة.

ثم أرسلت عنوان شقتي الجديدة في المعادي.

ما لم تكن تعرفه هو أن طاولة العشاء ستكون بستة كراسي.

كرسي لأمي.

كرسي لوالدي.

كرسي ليوسف.

كرسي لسماح.

كرسي لي.

وكرسي للمحقق أحمد، الذي سيصل قبل الحلو ومعه كلبشات في جيبه

في المساء التالي، وقفت في مطبخ شقتي الجديدة بجهز الاكل كأنني ابنة تنتظر إطعام عائلتها.

لأول مرة منذ عامين، ارتديت فستان نظيفاً ، ليست ملابس السجن.

فستان أزرق غامق اللون الذي قالت عنه أمي يوماً إنه يليق ببشرتي.

كانت مائدة الطعام معدة لستة أشخاص..

صنعت كل شيء بيدي، ليس لأنهم يستحقون، بل لأنني أردت لهم أن يتذوقوا طعم ما ألقوا به في القمامة.

في الساعة السابعة واثنتي عشرة دقيقة، رن الجرس.

نظرت في الكاميرا؛ كانت أمي تمسك علبة حلويات، خلفها والدي يحاول التظاهر بالهدوء، ويوسف بقميص جديد، أما سماح فجاءت بفستان حمل فضفاض، تضع يداً على بطنها والأخرى تمسك سلسلتها الذهب كأن هوائي قد يسرق منها شيئاً.

خلفهم في الممر، كان هناك رجل بملابس مدنية يستند إلى الحائط يقرأ جريدة.. إنه المحقق أحمد.

فتحت الباب. اتسعت عينا أمي بمجرد رؤية الشقة أرضيات رخام، نوافذ طويلة،

إضاءة صفراء دافئة، وأثاث لا تفوح منه رائحة التنازلات القديمة.

همست ميادة.. ده بيتك؟

قلت مؤقتاً.

دخلت سماح ببطء تتفحص المكان كأنها لص يدرس الأقفال، بينما صفر يوسف قائلاً يا ميادة، ده أنتي قلتي مكان صغير!

ابتسمت بيبقى صغير فعلاً بعد سجن القناطر.

لم يضحك أحد.. وهذا جيد.

نظر إليّ والدي لأول مرة بجدية، لكنها لم تكن نظرة حب، بل نظرة حسابات اشتغلتي؟

أيوه.

مع مين؟

مؤسسة خيرية.

لان وجه أمي فوراً، ليس فخراً بل راحة شايفين؟ مش قلتلكم ربنا بيقف مع الصابرين؟

نظرت إليها لا يا أمي، ساعات الغرباء هما اللي بيقفوا.. وربنا بيراقب.

اختفت ابتسامتها.

توجهت سماح للأريكة لكنها تسمرت حين رأت خلخال فضة صغيراً على الطاولة، الذي اشتريته لمولودها.

سألت بعينين تلمعان ده لِينا؟

قلت أيوه.

لمست بطنها بوقاحة على الأقل في حد افتكر.

لم أقل شيئاً، وأشرت للمائدة تفضلوا.. الأكل جاهز.

جلسوا. أمي بجانبي، يوسف في المقابل، وسماح جلست بحذر وهي تتنهد لتلفت الانتباه. بقي والدي واقفاً لثانية ينظر للكرسي السادس الفارغ مين تاني جاي؟

قلت صديق.

أكلوا بشراهة، أمي تمدح العدس، وسماح تشتكي من التوابل، ويوسف يأكل كأنه لم يطعم منذ أيام، بينما والدي بالكاد لمس طبقه، يراقب الغرفة يبحث عن ثمن كل شيء فيها.

بعد عشر دقائق، تنحنحت أمي يا بنتي، كنا عايزين نتكلم.

وضعت المزيد من الأرز في طبقها اتكلمي.

نظرت لوالدي فأومأ برأسه، فقالت بخصوص البيت.. إحنا حسينا بالذنب بسبب اللي حصل امبارح، كل حاجة جت فجأة وسماح حامل والأعصاب مشدودة، وانتي برضه جاية من.. من المكان ده.

قلت بجمود السجن.

اهتزت ابتسامتها أيوه.. بس إحنا عيلة، مش لازم نتخانق.

قال يوسف وهو يميل للأمام يا ميادة، نقل البيت ده مجرد ورق، انتي عارفة إني هشيل بابا وماما في عيوني.

نظرت إليه زي ما شلت عامل الدليفري في عيونك كدة؟

توقف يوسف عن الأكل. تشنج وجه سماح. ووضع والدي كوبه.

همست أمي ميادة..

سندت ظهري للخلف لا يا أمي، خليه يجاوب.

مسح يوسف فمه ليه بتفتحي السيرة دي النهاردة؟

عشان من سنتين، أنتم اللي

 

 

جبتوا السيرة دي لحد بابي.

قالت سماح بحدة يا ميادة، بلاش تبوظي العشا.

ابتسمت لها العشا باظ لما رشيتي السبرتو في وشي.

قالت بثقة كنت خايفة.. أنا حامل.

قلت فعلاً، أنتي بتبقي حامل دايما لما الحساب بيبدأ.

خبط يوسف على الطاولة خلاص! إحنا جينا عشان طلبتي نصفي النفوس.

فعلاً.

أومال إيه الدراما دي؟

نظرت للكرسي السادس عشان الضيف لسه ما وصلش.

رن الجرس في تلك اللحظة. دخل المحقق أحمد.

وقف والدي فوراً مين ده؟

قال المحقق ممكن أقعد؟

جلس في الكرسي السادس. سماح قبضت بيدها على بطنها، ويوسف حدق فيه بذهول، بينما انتشر الخوف في وجه أمي كالحبر في الماء.

وضعتُ يدي على الطاولة ده يا جماعة.. عشاء عائلي.

وضع المحقق ملفاً على الطاولة. وقف يوسف أنا ماشي.

قال المحقق بهدوء لا.. مش هتمشي.

فتح الملف يوسف المنياوي.. مطلوب تسجيل أقوالك بخصوص إعادة فتح المحضر رقم 21422، حادثة القتل الخطأ والهروب عند كوبري أكتوبر.

شهقت سماح، وبدأت أمي في البكاء فوراً لا يا فندم، أكيد في سوء تفاهم، القضية دي اتقفلت وبنتي قضت عقوبتها..

قلت ظُلماً.

نظر إليّ والدي بخوف حقيقي عملتي إيه يا ميادة؟

قلت عملت اللي طلبتوه مني.. حميت العيلة.

صاح يوسف انتي اتجننتي؟ انتي اللي اعترفتي!




كنت بكذب.

أخرج المحقق تسجيلات من هاتفي القديم يا أستاذ يوسف، انت اعترفت في كذا رسالة صوتية إنك كنت سايق.

قامت سماح بسرعة حتى اهتز الكرسي كدب.. فبركة!

نظر إليها المحقق وفي كمان فيديو مسترجع من فلاشة USB.

شحب وجهها تماماً. ولأول مرة، نسيت أن تمسك بطنها.

قلت لها فاكرة الفازة؟

انفتحت شفتاها بذهول انتي شوفتيني؟

أيوه.

تذكرت تلك الليلة، سماح في غرفتي القديمة قبل أن أسلم نفسي، تدفن شيئاً في طين الزرع والشك ينهش قلبي، لكن السجن علمني أن الجزء الذي يشعر بالخيانة فينا يعرف الحقيقة قبل أن يقبلها القلب.

التفت يوسف لسماح بصرخ فلاشة إيه؟

همست سماح كنت خايفة..

صرخ فلاشة إيه؟!

أجاب المحقق تصوير كاميرا سيارة تانية بتبين إنك خرجت من باب السواق بعد الحادثة.

ساد الصمت. أمي أصدرت صوتاً مخنوقاً، ووالدي جلس ببطء.

تحول وجه يوسف من الخوف للغل خبيتيها عليا؟ صرخ في سماح.

ردت عليه بصراخ خبيتها عشان كنت عارفة إن أختك ممكن في يوم تبطل تبقى غبية!

ضحكت.. لم أستطع التوقف.

قلت بصوت منخفض هي دي.. هي دي سماح الحقيقية.

التفتت إليّ بكره فاكرة نفسك بقيتي هانم عشان واحد غني أداكي قرشين؟ هتفضلي رد سجون، والمجتمع هيصدقنا إحنا مش هيصدقك أنتي.

دفع المحقق ورقة

أخرى مش بعد التحليل الجنائي.

انهارت ثقة سماح. توددت لي أمي يا ميادة، أرجوكي بلاش تعملي كدة، يوسف عنده طفل جاي.

قلت بجمود عامل الدليفري كان عنده أم مستنياه.

أخرجت صورة من حقيبتي لشاب يدعى إبراهيم، كان يوصل الطعام ليدفع مصاريف تمريض أخته. وضعتها في منتصف الطاولة ده الراجل اللي دخلت السجن بسببه.. ده اللي يوسف قتله.

لم ينظر للصورة إلا المحقق. عائلتي نظرت لمفرش المائدة؛ فالجبناء لا يستطيعون النظر في وجوه الموتى.

قال يوسف بصوت مكسور يا ميادة، كنت سكران.. كانت حادثة.

قلت الحادثة كانت قضاء وقدر.. لكن الكدبة كانت اختياركم.

بدأ يبكي.. ليس على إبراهيم، بل على نفسه أنا هموت في السجن.

قلت لي نفس الكلام من سنتين.

أنا أخوكي!

نظرت إليه طويلاً عارفة.. عشان كدة خدت سنتين زيادة عشان أفهم.

قال والدي بخشونة يا ميادة، اسحبي البلاغ.

نظرت إليه، لثانية تمنيت أن يقف ويلمس رأسي ويقول أنا آسف، لكن الآباء الذين يضحون ببناتهم من أجل أبنائهم نادراً ما يتوبون.

قلت لا.

تجمدت عيناه إذن انتي مش بنتي.

جملة كان يجب أن تكسرني، لكنها حررتني. ابتسمت شكراً إنك قلتها أخيراً.

بكت أمي يا ميادة يا بنتي، فكري في الطفل اللي في بطن سماح.

رفضت أتنازل تانى .

توقفت

أمي عن البكاء. وأغمض والدي عينيه..

هنا تحطم كل شيء. لم يكونوا عائلة، بل مجرمين يتشاجرون على من يرتدي ثوب البراءة.

وقف المحقق يوسف المنياوي، مطلوب للتحقيق، وسماح المنياوي، مطلوبة بتهمة إخفاء أدلة.

ارتمت أمي عند قدم المحقق يا بيه أبوس إيدك، ده ابني الوحيد!

نظرت إليها بفراغ لا يا أمي.. كان عندك طفلين، بس انتي عديتي واحد بس.

حاول يوسف الهجوم عليّ وهو يصرخ خربتي بيتي!، لكن المحقق سيطر عليه.

سماح تراجعت، والدي صرخ، وأمي ولولت. الأرز بلبن كان لا يزال على الطاولة، حلواً وأبيض كأنه نكتة سمجة.

بينما يسحبون يوسف للخارج، نظر إليّ وقال يا ميادة.. أرجوكي.

تلك الكلمة ميادة.. حرقت حياتي من أجلها مرة، وهذه المرة تركتها تموت داخلي.

أخذوهم جميعاً. والدي مشى خلفهم دون أن ينظر إليّ. بقيت أمي منهارة على الأرض.

وقفت فوقها، بدت عجوزة جداً ميادة.. هروح فين؟

أخرجت الخلخال الفضة من حقيبتي ووضعته بجانبها للطفل.. هو ملوش ذنب.

مشيت للباب. صرخت يا بنتي ما تسيبينيش!

توقفت لثانية. لمدة عامين كنت أريد أن تتوسل إليّ أمي لأبقى. الآن، بدا صوتها أصغر مما تخيلت.

أنا مش بسيبك يا أمي.. أنا بعمل اللي انتي علمتيهولي.

ثم أغلقت الباب 

فهمت وقتها أن دخولي السجن لم يكن بداية خيانتهم.. كان فقط الجزء الذي فشلوا في إخفائه..

 


 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close