القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 كيكة العيد ميلاد الدهبي كاملة مني السيد



كيكة العيد ميلاد الدهبي ج1


مني السيد



خطيبي خلاني أعمل كيكة لعيد ميلاد أخته، وقالي على كل حاجة محتاجها فيها بالتفصيل. قاللي: “عايزها تبقى شيك، والكريمة تكون بيضا، والورد دهبي، واكتبي Happy Birthday سارة.”


فضلنا أكتر من ساعة بنتكلم في التفاصيل، وكل شوية يبعتلي صورة ويقول: “اعمليها زي دي بالظبط.”


أنا وافقت من غير ما أفكر، لأني اعتبرت إن ده أقل حاجة أعملها عشانه.


المشكلة إن الفلوس اللي كانت معايا ما كانتش مكفية.


فتحت محفظتي… لقيت فيها خمسمية جنيه بس.


حسبت تكلفة المكونات أكتر من مرة، وكل مرة كانت النتيجة واحدة… حوالي سبعمية جنيه.


وقفت محتارة شوية، وفي الآخر دخلت لماما وقلتلها إني محتاجة ميتين جنيه ضروري عشان أجيب شوية حاجات.


مدتهملي وهي فاكرة إني بشتري حاجة تخصني، ولو عرفت الحقيقة… غالبًا كانت هتزعل جدًا، لأنها من أول يوم وهي بتقولي: “أوعي تصرفي من جيبك على أي حاجة تخص خطيبك.”


لكن ساعتها قلت لنفسي: “أكيد أول ما ييجي ياخد التورتة هيديني الفلوس.”


نزلت اشتريت كل حاجة، وفضلت واقفة في المطبخ من بعد الضهر لحد نص الليل.


خبزت الكيك، وعملت الحشوة، وغلفتها بالكريمة، وكل وردة كنت بعملها بإيدي.


لما خلصت، بصيت عليها وحسيت إنها طالعة أحسن من الصور اللي كان باعتها.


بعتله صورة.


رد بعد دقيقة:

“تحفة… أنا جاي آخدها.”


جه فعلًا.


ابتسم وهو شايفها، وقال:

“بجد تسلم إيدك.”


شال الكيكة بحرص، ولف ناحية الباب.


أنا استنيت…


قلت أكيد هيطلع الفلوس دلوقتي.


فتح الباب.


وبرضه مستنيت.


خرج.


وقبل ما ينزل السلم، بصلي وقال:

“يلا سلام… هشوفك بكرة.”


وقفلت الباب وراه.


استنيت دقيقة…


اتنين…


خمسة…


يمكن هيرجع افتكر.


لكن مفيش حد خبط.


مسكت الموبايل، وفضلت أبص عليه.


كل شوية أقول: “أكيد هيبعتلي يحولهم.”


عدت ساعة.


ولا رسالة.


ولا تحويل.


ولا حتى كلمة.


فضلت أحاول أقنع نفسي إنه نسي، وإنه أول ما يفتكر هيبعتهم.


لكن اليوم خلص… واليوم اللي بعده بدأ… ولسه مفيش أي حاجة.


الموضوع بقى تقيل على قلبي، خصوصًا إن الميتين جنيه بتوع ماما كانوا دين، وأنا وعدتها هرجعهملها أول ما أقبض.


كل ما أشوفها قدامي أحس بالذنب.


وفضلت طول اليوم ماسكة الموبايل، داخلة على المحادثة، أكتب رسالة… وأمسحها.


أكتب:

“معلش، فلوس الكيكة…”


وأرجع أمسحها.


أقول لنفسي: “هيقول عليا بخيلة.”


وأرجع أسكت.


لحد ما بالليل لقيته باعتلي رسالة.


ابتسمت، وقلت أكيد أخيرًا افتكر.


فتحت الرسالة بسرعة…


لكن أول ما قريتها، حسيت إن دمي اتجمد في عروقي…


لأنه بدل ما يبعتلي فلوس الكيكة… كان طالب مني طلب تاني، أغرب وأصعب بكتير، وكأنه ناسي تمامًا إني لسه مستنية منه سبعمية جنيه!


الفصل الثاني

فضلت واقفة في وسط الأوضة والموبايل في إيدي، وصوابعي بتترعش وأنا ببص للشاشة مش مصدقة عيني. حسيت بضربات قلبي بتزيد وسخونية غريبة طلعت في دماغي.

الرسالة اللي بعتها ما كانتش اعتذار، ولا كانت سكرين شوت لتحويل الفلوس زي ما كنت بتمنى وسرحانة بقالي ساعات.

الرسالة كانت:

“حبيبتي، التورتة كسرت الدنيا بجد! أصحابي وأهلي كلهم مبهورين بشكلها وطعمها، لدرجة إن خالتي لما شافتها حلفت لتسألك على حاجة.. ابنها خطوبته الأسبوع الجاي، وعايزاكِ تعملي تورتة دورين كبيرة تكفي ١٠٠ فرد، ومصممة إنها تكون من إيدك عشان تتباهى بيها قدام أهل العروسة. أنا قولتلها طبعاً إنك مش هترفضي، وجهزي نفسك بقى عشان دي هتبقى بجد وشنا قدام الناس!”

فتحت بوقي وذهولي زاد وأنا بقرا الكلام تاني وتالت. “قولتلها إنك مش هترفضي؟” و”وشنا قدام الناس؟”

طب والسبعمية جنيه اللي دفعتهم من دمي ومن ورا أمي؟ والوقفة والتعب؟ مفيش أي إشارة ليهم، كأن التورتة دي نزلت من السما بـ “كن فيكون” ومكلفتش قرش صاغ واحد!

قفلت الموبايل ورميته على السرير، وقعدت وأنا حاسة بقمة الإهانة والضغط. الكلمة واقفة في زوري، وعقلي عمال يودي ويجيب. لو سكت المرة دي، هبقى بفتح الباب لحاجات تانية كتير أكون فيها الطرف اللي بيضحي ويصرف من غير حساب ولا تقدير.

وفي نفس الوقت، كلام أمي عمال يتردد في وداني زي الجرس: “أوعي تصرفي من جيبك على أي حاجة تخص خطيبك.”

لو عرفت إني استلفت منها عشان أعمل تورتة لأخته، وهو خدها ومشي من غير ما يدفع تمنها، وكمان طالب تورتة تانية لدورين وببلاش.. أمي كانت ممكن تروح تفركش الخطوبة دي فوراً.

نزلت الصالة ولقيت ماما قاعدة بتشرب الشاي وبتتفرج على التلفزيون. بصتلي وقالت بابتسامة حنينة:

* “مالك يا بنتي؟ وشك أصفر كدة ليه وشكلك شايلة الهم؟”

حاولت أبتسم وأداري الرعشة اللي في صوتي:

* “لا يا ماما، مفيش حاجة.. بس تلاقيني تعبانة شوية من قلة النوم بتاعة امبارح.”

ماما بصلتي بنظرة شك، الأمومة طبعاً بتكشف كل حاجة:

* “امبارح فضلتي في المطبخ لحد الفجر عشان التورتة دي.. هو كريم عجبته؟”

بلعت ريقي بصعوبة وقلت:

* “آه.. عجبته وعجبت أخته جداً.”

ماما هزت راسها وقالت:

* “طيب الحمد لله.. والفلوس اللي استلفتيها مني يا سارة؟ رجعتيها محفظتك ولا لسه؟”

حسيت كأن حد ضربني بقلم على وشي. كدبت وقلت بصوت واطي:

* “أيوة يا ماما، معايا في المحفظة.. هشيلهم وأديهملك علطول.”

دخلت أوضتي بسرعة وقفلت الباب ورايا. دموعي نزلت غصب عني. أنا بـكدب على أمي عشان أداري على خيبتي وكسفتي قدام نفسي!

مسكت الموبايل تاني، ولقيته باعت رسالة تانية:

* “ها يا حبيبتي؟ مرديتيش يعني؟ شكل التورتة الدورين هياخد وقت، ابدأي رتبي نفسك وجيبي المكونات من بكرة عشان تخلصيها براحتك.. خالتي هتيجي تاخدها يوم الخميس الصبح.”

حسيت إن السكوت دلوقتي هيبقى غباء. لازم أواجهه، وبطريقة واضحة ومباشرة بس من غير خناق عشان محرجش نفسي. كتبت ورجعت مسحت، وفي الآخر كتبت رسالة واضحة:

* “كريم، أنا مبسوطة جداً إن التورتة عجبتهم وده المطلوب.. بس بالنسبة لتورتة خطوبة ابن خالتك، دي تورتة دورين لـ ١٠٠ فرد وتكلفتها هتبقى عالية جداً في الخامات والأدوات، والوقت كمان. الخامات لوحدها ممكن تعدي الألف ونص أو ألفين جنيه في الغلاء ده.. وأنا بصراحة الخمسة غسالة والـ ٢٠٠ جنيه اللي استلفتهم من ماما عشان أكمل تورتة أختك لسه م رجعتهمش، وكنت مستنية تاخدهم امبارح عشان أسدد ديني لماما.”

دوست “إرسال” وقلبي بيدق في رجلي.

فضلت باصة للشاشة.. دقيقة.. اتنين.. ظهر علامة الـ Read باللون الأزرق.

فضلت مستنية يكتب.. مفيش.. مفيش أي رد.

عدت ربع ساعة، ونص ساعة، وكريم مبيكتبش. الضغط العصبي كان هيموتني. هل زعل؟ هل حس بإحراج؟ ولا طنش؟

بعد حوالي ساعة، لقيت الموبايل بيرن.. كان هو.

أخدت نفس عميق وفتحت الخط:

* “ألو.. أيوة يا كريم.”

جه صوته ناشف ومختلف تماماً عن نبرته العادية، صوته كان مليان عتاب وضيق:

* “أيوة يا سارة.. أنا قريت الرسالة بتاعتك وبجد مش مصدق.”

قلت بقلق وتوتر:

* “مش مصدق إيه يا كريم؟ أنا بكلمك في الأصول والواقع.”

رد بنبرة حادة شوية:

* “واقع إيه يا سارة؟ إنتِ بتكلميني في ٢٠٠ جنيه؟ وبتطالبيني بفلوس تورتة أنا فاكر إنك عاملاها هدية لأختي في عيد ميلادها؟ هو إحنا بينا حسابات وفلوس بجد؟ أنا مكنتش أتخيل إنك مادية كدة، ولا إنك هتحسبيها عليا بالقرش والمليم في مناسبة تخص عيلتي!”

الكلام نزل عليا زي المية الساقعة. مادية؟ أنا مادية عشان طالبت بحقي وفلوس دفعتها من جيبي المستور بالعافية؟

قلت وصوتي بدأ يترعش من الغضب:

* “كريم! مادية إيه؟ إنت اللي قولتلي بالتفصيل تعمليها إزاي واعتبرت ده طلب أوردر.. وبعدين أنا ممعيش الفلوس دي أصلاً عشان أهادي بيها! أنا استلفت من أمي عشان أكملك الطلبات اللي إنت طلبتها، وأمي منبهة عليا مأصرفش مليم في الخطوبة.. أنا كدبت عليها عشان خاطرك! هل ده معناه إني مادية؟”

سكت ثانية وقال بنبرة تريقة:

* “كدبتي على مامتك عشان ٢٠٠ جنيه؟ يا سارة إنتِ كبرتي الموضوع وعملتي منه حكاية ورواية.. كان ممكن تقوليلي ببساطة (يا كريم كملي الفلوس) من غير ما تعملي دراما وتكتبيلي لستة أسعار وتورتة دورين وتكلفة وتفاصيل تقفل الواحد! على العموم يا سيتي، حقك عليا.. أول ما أنزل هعدي عليكي وأديكِ السبعمية جنيه بتوعك عشان متزعليش.. بس بجد، حركتك دي نزلت من نظري كتير وخليتني أحس إنك مش بتعملي حاجة من قلبك ليا.”

وقبل ما أرد، قفل السكة في وشي!

فضلت باصة للتليفون والدموع مغرقة عيني. الإهانة والوجع اللي حسيت بيهم ميتوصفوش. هو قلب التربيزة عليا وخلاني أنا الغلطانة والمادية واللي باصة للقرش، في حين إنه هو اللي استغلني وخلاني أدفع من جيب فاGrid لدرجة الاستلاف ومفكرش حتى يسألني “كلفتك كام؟” لما جه يستلم الكيكة.

نميت ليلتها وأنا مقهورة، وصوت بكايا المكتوم مالي الأوضة عشان ماما متسمعنيش وتعرف الخيبة اللي أنا فيها.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط على باب الشقة.

قمت من السرير بكسل وتعب، ولقيت ماما بتفتح الباب. كان كريم واقف وبإيده كيس صغير.

بصلي بنظرة باردة من غير ما يبتسم وقال لماما:

* “صباح الخير يا طنط.. معلش جيت بدري عشان ورايا مشوار.. سارة صاحية؟”

ماما بصتله وقالت:

* “صباح النور يا كريم يا ابني، اتفضل جوة.. سارة صاحية اهي.”

دخلت الصالة وأنا مكسورة وراسي في الأرض. وقف قدامي، وطلع من جيبه ظرف مقفول وحطه في إيدي بقسوة واضحة وقال بصوت واطي عشان ماما متسمعش في المطبخ:

* “دول الـ ٧٠٠ جنيه بتوعك يا سارة.. أهم.. عشان متقوليش إني واكل عليكي حاجة أو مديون لك.”

حسيت بالظرف في إيدي كأنه جمرة نار. كنت عايزة أرميه في وشه، بس افتكرت الـ ٢٠٠ جنيه اللي عليا لماما وخوفي من الفضيحة.

كريم كمل كلامه بنبرة خبيثة وهادية:

* “وبالنسبة لتورتة خطوبة ابن خالتي.. أنا خلاص اتفقت معاهم وقولتلهم إنك هتعمليها.. ودفعتلك عربون أهو عشان ترتاحي وميبقاش عندك حجة.”

طلع من الكيس اللي في إيده علبة خامات شيك، وحط فوق الظرف خمسمية جنيه تانية وقال:

* “ده العربون.. وخالتي هتدفع الباقي لما تستلم.. جهزي الخامات بكرة عشان ميبقاش شكلي وحش قدام عيلتي، وإنتِ عارفة إن الموضوع ده يمس كرامتي شخصياً.”

بصيت للفلوس وللعلبة، وبصيت في عينه اللي كانت مليانة تحدي وبرود. كان بيلوي دراعي بكرامته ووشه قدام عيلته، وفي نفس الوقت بيحرجني بالفلوس عشان يثبت إني مادية ومبتحركش غير بيهم.

مشي كريم بعد ما سابني في دوامة أشد من الأول ميت مرة.

دخلت الأوضة وحطيت الفلوس على السرير. رجعت الـ ٢٠٠ جنيه لماما، والارتياح اللي كان المفروض أحس بيه بعد ما سددت ديني، اتحول لغصة ومرارة في حلقي.

فضلت طول اليوم بلف حوالين نفسي. أعمل إيه؟

لو وافقت وعملت التورتة الدورين، هبقى بكرر المأساة وتعب الأعصاب والوقفة.. ولو رفضت، كريم هيعمل مشكلة كبيرة وممكن ينهي الخطوبة بحجة إني صغرت كتفه قدام عيلته وكسفت وشه بعد ما وعدهم.

عدى يومين وأنا بتهرب من مكالماته، وبرد على رسايله بكلمات مقتضبة جداً: “تمام”، “حاضر”، “بشوف”.

لحد ما جه يوم الأربعاء بالليل.. اليوم اللي قبل التسليم بيوم واحد بس!

الساعة كانت حوالي ١٠ بالليل. تليفوني رن، وكان كريم.

فتحت الخط وأنا مقررة أقوله إني مش هقدر أعملها بالدقة دي لوحدي في الوقت الضيق ده.

لكن قبل ما أنطق بحرف واحد، كريم قال بصوت مرعوب ومذعور ومختلف تماماً عن نبرة التحدي اللي كانت عنده:

* “سارة.. إلحقيني.. المصيبة مش في التورتة خالص دلوقتي.. كارثة هتحصل لو الموضوع ده اتعرف.. إنتِ لازم تلمي الدور معايا حالاً!”

سمعت صوت دوشة في الخلفية وناس بتصرخ وصوت كريم وهو بينهج كأنه بيجري..

وقبل ما أسأله في إيه، الخط قطع!

تفتكري إيه المصيبة اللي كريم وقع فيها وبتخص عيلته وصدمت سارة؟ وهل سارة هتقف جنبه بعد اللي عمله معاها ولا هتستغل الفرصة وتاخد موقف؟


كيكة العيد ميلاد الدهبي ج2

مني السيد



الفصل الثالث

ألو! كريم! رد عليا في إيه؟ كريم!

لكن الخط كان قطع تماماً.

وقفت في مكان بصلابة كأني اتجمدت، والتليفون لسه على ودني. صوته وهو بينهج، والصرخات اللي كانت طالعة من وراه، وصوت الهبد والزعيق.. كل ده كان بيدور في دماغي زي الإعصار. حاولت أتصل بيه تاني فوراً، لكن التليفون كان بيدي جرس طويل ومحدش بيرد. طلبته تاني، وتالت، ورابع.. وفي المرة الخامسة التليفون اتقفل وبقى يعطي غير متاح.

الخوف بدأ يتسلل لجلدي، ورجليا مقتش قادرة تشيلني. قعدت على السرير وأنا بفرك إيدي ببعض بقلة حيلة. يا ربي، إيه اللي حصل؟ وإيه الكارثة اللي بيتكلم عنها دي؟ وهل ليها علاقة بالتورتة ولا بحاجة تانية؟

في وسط حيرتي وقلقي، الباب بتاع أوضتي اتفتح براحة. كانت ماما واقفة وبتبصلي بنظرات كلها ترقب وشك. شكلها مكانتش نايمة وهي كمان حاسة بيا و بحركتي الكتير وقلقي اللي باين عليا بقاله يومين. قربت مني وقعدت جنبي على السرير، وحطت إيدها على كتفي وقالت بنبرة حنينة بس حازمة:

* في إيه يا سارة؟ إنتِ مش على بعضك خالص من وقت ما كريم مشي الصبح. ورجعتيلي الـ ٢٠٠ جنيه وشكلك باين عليه الهم. في إيه يا بنتي؟ مخبية عليا إيه؟

بصيت لماما وحسيت بغصة في حلقي. كنت عايزة أرمي نفسي في حضنها وأحكيلها على كل حاجة، على استغلال كريم ليا، وعلى طريقته البايخة معايا، وعلى السبعمية جنيه اللي طلعوا بطلوع الروح، وعلى الخوف اللي أنا فيه دلوقتي بسبب مكالمته الأخيرة. بس كبريائي وخوفي من إنها تقول لي أنا مش قولتلك من الأول، خلاني أسكت. بلعت ريقي وصنعت ابتسامة باهتة وقلت:

* مفيش يا ماما.. تلاقيني بس متوترة عشان تورتة خطوبة ابن خالته اللي طلبها مني، الوقت ضيق جداً ومكنتش عايزة أعملها بصراحة بس هو صمم.

ماما هزت راسها بعدم رضا وقالت:

* وعلشان تورتة تقومي تتنفضي وتترعشي بالشكل ده؟ سارة، أنا عارفاكِ كويس وحافظة ملامحك.. الزعيق اللي طالع من تليفونك من شوية ده مكنش كلام عادي.. قوليلي يا بنتي، كريم ماله؟

قبل ما أرد على ماما وأخترع كدبة جديدة أداري بيها، تليفوني رن في إيدي. اتنفضت وبصيت على الشاشة بلهفة، بس الرقم مكانش كريم.. كان رقم أخته الكبيرة، نهى.

بصيت لماما بخوف، وشاورتلها بـ ثواني، وفتحت الخط بسرعة:

* ألو.. أيوة يا نهى؟ في إيه؟ كريم ماله؟

جالي صوت نهى وهي بتعيط بهستيريا، وصوتها كله رعب وبتقول بوشوشة كأنها مستخبية في مكان:

* سارة.. إلحقينا يا سارة.. البيت عندنا مقلوب، وعمي وعمتي وأجوازهم هنا، وخناقة كبيرة جداً والشرطة كانت هتيجي.. كريم عمل مصيبة سودة وضيعنا كلنا!

جسمي كله سقع، ووقفت من على السرير غصب عني وماما بتبصلي بـ فزع. قلت بصوت مرعوب:

* مصيبة إيه يا نهى؟ فهميني في إيه؟ كريم كلمني من شوية والخط قطع وسامعة صوت صراخ!

نهى شهقت وهي بتعيط وقالت:

* كريم خد من خالتي ١٥ ألف جنيه! قالها إن دي تكلفة التورتة الدورين والمصاريف بتاعة البوفيه والحاجات اللي إنتِ هتعمليها لخطوبة ابنها، وفهمها إنك اتفقتي مع شيفات تانين وجبتي خامات غالية جداً مستوردة عشان تطلع حاجة تشرف.. وخالتي وثقت فيه وأديتله المبلغ كله عشان يخلصلها الليلة دي بما إنه خطيبك وإنتِ اللي هتعملي الشغل.. المصيبة إن كريم مأداكيش غير ٥٠٠ جنيه بس وقالِك إن ده العربون، والـ ١٤ ألف ونص الباقيين خدهم ودفعهم لواحد كان كاتب عليه شيكات ومهدده بالحبس!

حسيت إن الأرض بتلف بيا، وصوت نهى بدأ يبعد ويقرب كأني في حلم مرعب. ١٥ ألف جنيه؟ كريم خد من خالته ١٥ ألف جنيه باسمي أنا؟ وشغل تورتة وبوفيه أنا معرفش عنه أي حاجة؟

قلت بصراخ غصب عني وماما برقت عينيها برعب:

* إنتِ بتقولي إيه يا نهى؟ بوفيه إيه وتكلفتة إيه؟ أنا مالي بكل ده؟ هو قالي تورتة دورين بس وأداني ٥٠٠ جنيه خامات! هو إزاي يعمل كدة ويشيلني ذنب حاجة ماليش علاقة بيها؟

نهى كملت عياط بصوت واطي:

* يا سارة اسمعيني بس.. الكارثة الأكبر إن جوز خالتي بالصدفة سأل واحد صاحب محل خامات حلويات كبير بيثق فيه، وقاله على المواصفات والأسعار، وصاحب المحل قاله إن الأسعار دي فلكية ومستحيل توصل لكدة حتى لو الشغل من أكبر مكان في مصر. فـ جوز خالتي شك، وجه بيتنا من شوية وواجه كريم، وكريم فضل يلف ويدور لحد ما اتزنق واعترف بكل حاجة.. خالتي وجوزها مبهدلين الدنيا دلوقتي وطالبين الفلوس فوراً يا إما هيبلغوا عنه ويسجنوه، وأبويا ضغطه علي ونقلناه المستشفى من كتر الفضيحة.. كريم ساب البيت وجري ومحدش عارف هو فين، بس قبل ما يجري قالهم إن الفلوس معاكِ إنتِ وإنه سلمهالك كلها عشان الخامات!

هنا ومقدرتش أتحكم في أعصابي، صرخت في التليفون:

* كداب! كداب وحرامي! أنا مأخدتش منه مليم غير الـ ٥٠٠ جنيه وعندهوملي في الأوضة وكنت هرفض التورتة أصلاً! هو إزاي بالبشاعة دي؟ عايز يرمي بلاه عليا ويطلعني أنا النصابة قدام أهله وعيلته عشان يحمي نفسه؟

نهى قالت بضعف:

* أنا عارفة يا سارة، والله عارفة إنك مالكيش ذنب وإنه كداب.. بس أبوس إيدك لو كلمك أو جالك اتصرفي معاه.. إحنا بنتدمر.. أبويا بيموت في المستشفى بسبب الفضيحة دي..

قفلت الخط وأنا بنهج ونفسي مقطوع. رميت التليفون على السرير وقعدت ألطم على وشي من كتر الصدمة والذهول. ماما قربت مني بسرعة وجسدت كتافي بقوة وهي بتصرخ فيا:

* في إيه يا سارة؟ انطقي! مين اللي كداب ومين الحرامي؟ كريم عمل إيه؟ والـ ١٥ ألف جنيه دول بتوع إيه؟ انطقي يا بنتي ركبي هتسيب!

بصيت لماما وعيني مليانة دموع، مكنش ينفع أداري أكتر من كدة. الفاس وقعت في الراس والموضوع دخل فيه شرطة وفضيحة وسجن. حكيت لماما كل حاجة من طقطق لسلام عليكم.. حكتلها عن تورتة أخته والـ ٢٠٠ جنيه اللي استلفتهم منها عشان أكمل تمن الخامات وهو واخد التورتة وماشي من غير ما يدفع مليم، وحكتلها عن كدبي عليها وعن تورتة ابن خالته والـ ١٥ ألف جنيه اللي نصب بيهم على خالته باسمي أنا وشغلي.

ماما كانت بتسمعني ووشها بيتحول من اللون الأصفر للأحمر من كتر الغضب والذهول. وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بصوت يرعش من الغضب الشديد:

* بقى الحرامي ابن الحرامي ده يعمل فيكي كدة؟ يستغلك ويشغلِك سخرة عنده وعند أهله، ولمّا يزنقه القرش يسرق وينصب باسمك ويشيلك الفضيحة؟ ده أنا اللي هوديه في داهية بـ إيدي! أنا من الأول قلبي مكنش مستريحله ولا لأمه الحرباية.. يغور هو وتغور الخطوبة دي في ستين داهية.. اطلبيلي أمه حالاً!

قلتلها وأنا بعيط وبترجاها:

* يا ماما استني بس، أمه ملهاش ذنب دلوقتي، ده خالتهم وجوز خالتهم هما اللي قالبين الدنيا.. والناس فاكرين إن الفلوس معايا أنا! أنا خايفة ييجوا يتبلوا عليا هنا أو ييجوا يتخانقوا معانا قدام الجيران والمنطقة كلها وتفضح!

ماما قالت بقوة وعزة نفس:

* ييجوا! خليهم ييجوا ورجلهم فوق رقبتهم.. إحنا ناس شرفا ومبناكلش حرام، والـ ٥٠٠ جنيه بتوعه تفضلي شايلاهم في إيدك عشان لو حد عتب باب البيت ده نرميهم في وشه ونعرفهم حقيقة ابنهم النصاب!

وفجأة.. في وسط كلامنا وزعيقنا.. سمعنا خبط غريب وجامد جداً على باب الشقة.

الخبط مكانش طبيعي، ده كان هبد قوي وسريع وراه نهجان وصوت حد بيلحق نفسه.

أنا وماما اتجمدنا في مكاننا. بصينا لبعض برعب. هل هما أهله؟ هل جوز خالته جه يطالب بالفلوس ويفضحنا؟

ماما مشيت بخطوات ثابتة ووراها أنا وأنا بترعش وساندة عليها. قربنا من الباب، وماما سألت بصوت قوي وعالي:

* مين على الباب؟

جالنا صوت من برة، صوت ضعيف ومرعوب ومكتوم كأنه بيموت:

* افتحي يا طنط.. أبوس إيدك افتحي.. أنا كريم.. إلحقيني يا سارة هيموتوني!

ماما بصتلي ونظراتها كلها غل وغضب، وقبل ما تنطق بكلمة، أنا شاورتلها بـ لاء وخوف. بس الخبط زاد وبقى بهستيريا وكريم عمال يترجى برة وصوته مليان رعب بجد كأن حد بيجري وراه في السلم.

ماما وبدون تفكير، مدت إيدها وفتحت الباب.

دخل كريم بسرعة البرق وقفل الباب وراه وراه بضهره وبدأ يقفل الترباس وهو بينهج ونفسه خارج بصعوبة شديدة. شكله كان يقطع القلب بس يثير الاشمئزاز في نفس الوقت؛ هدومه مقطعة شوية، وشه عليه آثار ضرب وخربشة، وتراب السلم مالي جزمته وبنطلونه.

بصلنا وعينه مليانة دموع ورعب حقيقي، وجري عليا ومسك إيدي وبدأ يبوسها قدام ماما وهو بيقول بـ ذل:

* سارة.. أبوس رجلك أنقذيني.. جوز خالتي جاب بلطجية وبيجروا ورايا تحت، هما عرفوا إني هربت وجيت عليكي هنا.. هيموتوني بجد أو هيحبسوني.. سارة، قولي لـ جوز خالتي لما ييجي إنك أخدتي الـ ١٥ ألف جنيه بجد وإنك ضيعتيهم أو جبتي بيهم حاجات تانية.. أبوس إيدك أنقذي مستقبلي وحياتي!

ماما نفضت إيده من عليا بكل قوتها وصوتها هز البيت:

* ابعد إيدك النجسة دي عنها يا نصاب يا حرامي! إنت بجد جاي لحد بيتنا وعايز تشيل بنتي مصيبتك وسرقتك؟ اطلع برة بيتنا حالاً قبل ما أطلبلك البوليس أنا بـ إيدي وألم عليك أمة لا إله إلا الله!

كريم وقع على ركبه في الأرض وبكى بحرقة:

* يا طنط والنعمة هيموتوني.. هما تحت في الشارع ويسألوا عليا.. لو طلعت هيمسكوني يفرموني.. أنا غلطت والله غلطت وشيطاني وزني عشان أسدد الشيكات اللي عليا.. سارة إنتِ بتهوني عليكي كرامتي؟ هيهون عليكي خطيبك يتضرب ويتهان في الشارع قدام الناس ويتسجن؟

بصيتله وأنا حاسة بـ مزيج غريب من القرف والصعبانية. القرف من نذالته واستغلاله وكدبه، والصعبانية على منظره وهو مكسور وبيعيط تحت رجلينا بعد ما كان بيكلمني من يومين بكل كبرياء وبيتهم الخمسة غسالة وإني مادية.

وقبل ما أرد عليه أو ماما تطرده برة الشقة.. سمعنا صوت كلاكيس عربيات كتير تحت البيت، وصوت زعيق ناس في الشارع بتنده باسم كريم وباسم عيلتنا..

وبعدها بثواني.. الخبط رجع تاني على باب الشقة، بس المرة دي مكانش خبط إيدين.. ده كان رزع بالرجلين وصوت رجالة بتهدد بكسر الباب!

كريم اتنفض من الأرض وجري استخبى ورا ضهري وهو بيترعش ويقول بصوت واطي:

* هما.. هما يا سارة.. أبوس إيدك متفتحيش.. هيموتوني!

بصيت للباب وبصيت لماما اللي وشها اتخطف من الرعب، والصوت تحت في الشارع وزعيق الناس بدأ يعلى والكل بيسأل عن بيت سارة الشيف اللي نصبت على الست الغلبانة..

**تفتكري سارة هتعمل إيه في الموقف المرعب ده؟ هل هتفتح الباب وتكشف حقيقة كريم للناس وتنقذ سمعتها؟ ولا خوفها من الفضيحة ودموع كريم هيخلوها تضحي بنفسها وتغطيه؟**



الفصل الرابع

الرزع على الباب كان بيهز الحيطان، وصوت رجالة خشنة برة بيصرخوا:

* “افتحي يا بتاعة التورت! افتحي بدل ما نكسر الباب على دماغكم! ابنكم الحرامي مستخبي جوة، افتحوا!”

كريم كان مكلبش في دراعي من ورا ضهري وجسمه كله بيتنفض زي الفرخة المبلولة. كان بيوشوشني برعب وعياط:

* “سارة.. متفتحيش.. قولي مش هنا.. والنبي يا سارة هيموتوني بجد!”

بصيتله بقرف حقيقي ونفضت إيده من عليا بكل قوتي، وزقيتُه لورا لدرجة إنه اتطوح على الكنبة. في اللحظة دي، مكنتش شيفاه خطيبي ولا البني آدم اللي كنت بتمناه؛ كنت شيفة كائن جبان، نذل، رما بلاه عليا ومستعد يدمر سمعتي وسمعة عيلتي عشان ينجد بجلده.

ماما كانت واقفة في وسط الصالة، ملامحها اتغيرت تماماً. الخوف اتلاشى وظهر مكانه غضب الأمهات الصعيديات لما حد يمس شرف بيتها وبنتها. راحت على المطبخ وجابت مقشة خشب تقيلة ووقفت ورا الباب. بصتلي وقالت بصوت قوي وواضح:

* “افتحي الباب يا سارة.. واليوم ده مش هيعدي غير لما كل واحد يعرف مقامه وحقيقته.”

مديت إيدي وأنا قلبي بيدق في راسي كأنه طبول حرب. فتحت الترباس، وبمجرد ما لفت الأكرة، الباب اتزق بقوة لدرجة إني رجعت خطوتين لورا.

دخل تلات رجالة شكلهم يخوف، وفي وسطهم كان جوز خالته، راجل ضخم وشه أحمر وعروقه بارزة من الغضب. أول ما شاف كريم مستخبي ورا الكنبة، صرخ بزئير:

* “أهو الحرامي أهو! بقى بتستخبى في بيت نسوان يا كريم يا بن الـ… بعد ما سرقتنا ونصبت علينا؟”

واحد من البلطجية اللي معاه قرب يشد كريم من قفاه، لكن ماما وقفت في النص ورفعت المقشة في وشه وقالت بصوت زلزل الشقة:

* “الخطوة بـ رقبتك يا راجل منك ليه! إنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا بيت ناس شرفا؟ الزم حدودك واقفل بوقك إنت وهو!”

جوز خالته بصلها بغيظ وقال:

* “يا ست إنتِ.. إحنا مش جايين نتخانق معاكِ.. ابن أختك النصاب ده خد من مراتي ١٥ ألف جنيه بـ حجة الخامات والشغل اللي بنتك سارة هتعمله.. ولما اتزنق قال إن الفلوس معاها! إحنا جايين ناخد حقنا، يا الفلوس ترجع حالاً يا هناخد الواد ده نفرمه ونوديه القسم بـ فضيحة.”

هنا أخدت نفس عميق، وخطيت خطوة لقدام، وبصيت لجوز خالته في عينه بكل ثبات، وقلت بصوت عالي وواضح عشان الجيران اللي واقفين على السلم وباصين من المناور يسمعوا:

* “الفلوس مش معايا يا عمي.. ولا شفت منها مليم واحد!”

جوز خالته برق عينه وقال بحدة:

* “يعني إيه؟ خطيبك كداب؟”

بصيت لكريم اللي كان بيبصلي بـ نظرات رجاء ذليلة كأنه بيشاورلي بعينه “أبوس إيدك شيليني”. لكن الوجع والإهانة اللي حسيت بيهم لما قالي “مادية” ولما عايرني بالـ ٢٠٠ جنيه بتوع أمي، صلبوا قلبي.

وقفت بثقة وقلت:

* “كريم جالي من يومين، وحط في إيدي ٥٠٠ جنيه بس! وقاللي ده عربون تورتة دورين.. وأنا كنت لسه بدرس الموضوع وموافقتش أصلاً.. الـ ١٥ ألف جنيه دول أنا معرفش عنهم حاجة، ولا طلبتهم، ولا شوفت شكلهم.. كريم أخد الفلوس منكم عشان يسدد شيكات قديمة عليه ومزنوق فيها، وجاي دلوقتي يلبسني القض*ية عشان يحمي نفسه!”

جوز خالته لف لكريم وعينه بتطلع شرار:

* “بقى كدة يا بن الـ…؟ بتتبلى على خطيبتك وتلبسها سرقتك عشان تخلع؟”

كريم وقف بضعف وقال بصوت يترعش:

* “والله يا جوز خالتي.. أنا.. أنا كنت هرجعهملكم.. أنا بس استلفتهم عشان الراجل كان هيحبسني.. وسارة.. سارة كانت عارفة!”

صرخت فيه بغضب أعمى:

* “كنت عارفة؟ يا كداب يا حرامي! أنا عرفت من أختك نهى من عشر دقائق بس! إنت مش بس حرامي، إنت كمان معندكش ريحة الرجولة ولا الشرف! جاي تستخبى ورايا وتشيلني نصباية بـ ١٥ ألف جنيه؟”

ماما دخلت الأوضة بسرعة، وطلعت الظرف اللي فيه الـ ٥٠٠ جنيه اللي كريم سابهم عربون، والـ ٥٠٠ جنيه التانية اللي كان مرجعهم بتوع التورتة القديمة، ورمتهم في وش كريم وجوز خالته في الأرض وقالت:

* “أهي فلوسكم اهي! الـ ٥٠٠ جنيه العربون والـ ٥٠٠ جنيه بتوع تعب بنتي في التورتة الأولى.. مبروك عليكم.. وبنتنا ملهاش علاقة بالشكال دي من بكرة الصبح.. الدبلة بتاعته هتوصله لحد باب بيته.. وتاخدوا الحرامي ده وتطلعوا برة بيتنا حالاً!”

البلطجية مسكوا كريم من قفاه وهدومه اتمزعت أكتر وهو بيصرخ ويبكي:

* “سارة! حرام عليكي متعمليش فيا كدة! قولي أي حاجة! طنط أبوس رجلك!”

لكن جوز خالته زقه بقوة وخرجوا بيه على السلم وصوت زعيقهم وخناقهم مالي العمارة كلها، والجيران واقفين يتفرجوا على كريم وهو بيتداس على كرامته في الأرض، والكل عرف حقيقته وإنه هو النصاب مش أنا.

قفلت الباب وراهم بقوة، ورجعت ساندة ضهري عليه.. وحسيت كأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح.

ماما رمت المقشة من إيدها، وبصتلي وعينها مليانة دموع.. قربت مني وأخدتني في حضنها جامد. فضلت أعيط بحرقة.. مش عشان كريم، كريم خلاص مات في نظري.. أنا كنت بعيط على نفسي، على غبائي، على ثقتي في حد ميسواش، وعلى كدبي على أمي عشان أرضي بني آدم مستغل.

ماما طبطبت عليا وقالت:

* “الحمد لله يا بنتي إن ربنا كشفه على حقيقته دلوقتي.. قبل ما تدخلي بيته وتكتشفي نذالته وإنتِ على اسمه.. احمدي ربنا على الضربة اللي بتصحّي وتفوق.”

عدت الليلة دي بصعوبة.. مكنتش عارفة أنام من كتر التفكير.

تاني يوم الصبح، صحيت على تليفون من نهى أخت كريم. ردت بصوت باكي ومهدود:

* “سارة.. كريم اتمسك في القسم.. جوز خالتي عمله محضر نصب وخالتي مصممة تحبسه لو الفلوس مرجعتش كاملة النهاردة بالليل.. وماما بتموت ومفيش في إيدينا نعمل حاجة.. إحنا بنجمع الفلوس من طوب الأرض بس لسه ناقص ٥ آلاف جنيه.. أبوس إيدك يا سارة، ساعدينا لو معاكِ أي حاجة ذهب أو فلوس شيلاها.. كريم هيضيع بجد!”

ضحكت بسخرية ومرارة وقلت لنهى:

* “أساعده؟ بـ ذهبي اللي مجبهوش أصلاً؟ ولا بـ فلوستة اللي كنت بستلف عشان أعمل لأخته تورتة؟ قولي لأخوكِ ربنا يسهله.. المحبس ده هو المكان الصح لشخص زيه.”

قفلت السكة وأنا حاسة بـ غسيل من جوة. رحت قعدت مع ماما وفطرنا، وقررت إني هنسى الكابوس ده تماماً وأرجع لشغلي وصفحتي وأركز في مستقبلي.

لكن الكوابيس مابتنتهيش بسهولة كدة..

بعد الضهر، الباب خبط تاني. مكنش كريم طبعاً لأنه محبوس..

فتحت الباب، ولقيت واحدة ست لابسة عباية شيك جداً وواقفة وبتبصلي بنظرات حادة وغريبة.

سألت بقلق:

* “أيوة.. مين حضرتك؟”

الست ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:

* “إنتِ سارة الشيف؟ أنا بقى يبقى اسمي (سمر).. خطيبة كريم التانية اللي كان كاتب كتابها من وراكم، وجاية أقولك إن الـ ١٥ ألف جنيه دول، كريم كان واخذهم عشان يشتري بيهم شبكتي أنا!”

**تفتكري إيه المفاجأة السواد التانية اللي سمر جاية تكشفها لسارة عن حياة كريم السرية؟ وهل سارة هتقدر تستحمل الصدمة دي ولا هتنهار؟**


كيكة العيد ميلاد الدهبي ج3

مني السيد


الفصل الخامس والأخير

وقفت مكاني والباب في إيدي، وحسيت إن كلام الست دي زي الطلقة اللي صابتني في مقتل بس مأمتنيش.. دي فوقتني على حقيقة ألعن ميت مرة من كل اللي عرفته.

“خطيبته التانية؟ وكاتب كتابها؟ والفلوس كانت لشبكتها؟”

الكلام كان تقيل على وداني، لدرجة إني مكنتش قادرة أستوعبه. بصيت للست دي من فوق لتحت؛ كانت واثقة من نفسها قوي، ولابسة دهب كتير في إيدها، وبتبصلي بنظرة شفقة ممزوجة بـ شماتة.

ماما سمعت الصوت وجت من جوة بسرعة، أول ما شافت الست وشافت وشي اللي اتقلب لونه أبيض، سألت بحدة:

* “مين دي يا سارة؟ وفِي إيه تاني؟ هو الكابوس ده مبيخلصش؟”

الست اللي اسمها سمر دي دخلت خطوة جوة الصالة من غير ما حد يأذن لها، وقالت بنبرة باردة ومستفزة:

* “مساء الخير يا طنط.. أنا سمر، كاتب كتابي على كريم من شهرين.. وجيت بس عشان ألم حاجتي وفلوسي اللي عرفت إنها هنا، وعشان أصحي الأستاذة من الغيبوبة اللي هي فيها.”

ماما برقت عينيها وصوتها علي:

* “كتب كتاب إيه يا روح أمك؟ الواد ده خطيب بنتي بقاله سنة، والشبكة والدبل في إيديها اهي! إنتِ جاية تتبلي علينا ولا إيه حكايتك بالظبط؟”

سمر ضحكت بسخرية، وطلعت من شنطتها الشيك قسيمة جواز رسمية، وفتحتها وحطتها قدام عين ماما:

* “بصي يا طنط.. أهو.. كريم محمد.. على سمر رأفت.. كاتب كتاب رسمي وموثق بقاله شهرين بالتمام والكمال. كريم مكانش خطيب بنتك بس، ده كان عايش بفلوسك وبفلوس بنتك عشان يأثث شقتي أنا! وكان مفهمني إن سارة دي مجرد واحدة قريبته بتساعده في شغل البوفيه والتورت عشان يجمع قرشين يتجوز بيهم!”

حسيت بـ دوخة شديدة، والحيطان بدأت تلف بيا. يعني كل مرة كان بيجيلي بطلب، وكل مرة كان بيلح عليا أعمل حاجة، وكل الأفكار والصور اللي كان بيبعتها ويقولي “اعملي زي دي بالظبط”، مكانتش لأخته ولا لعيلته! دي كانت لسمر! كانت لبيته الجديد اللي بيبنيه على قفايا وعلى حساب صحتي وتعب إيدي!

افتكرت تورتة أخته.. وافتكرت الـ ٢٠٠ جنيه اللي استلفتهم من أمي وأنا حاسة بالذنب والكسوف.. وافتكرت وقفتي في المطبخ من الضهر لحد نص الليل وضهري اللي كان هينكسر.. كل ده كان عشان ست الحُسن والجمال تتمنظر بيها قدام أهلها في حفلة كتب كتابهم!

دموعي نزلت، بس المرة دي مكانتش دموع وجع.. دي كانت دموع قهر وغضب أعمى.

بصيت لسمر وقلت بصوت حاد زي الموس:

* “وإنتِ جاية هنا ليه دلوقتي؟ جاية تتمنظري عليا بـ قسيمة الجواز؟ ولا جاية تاخدي إيه بالظبط؟”

سمر ملامحها اتقيدت بالغل وقالت:

* “جاية أخد الـ ١٥ ألف جنيه اللي كريم أخذهم من خالته! كريم اتمسك في القسم وجوز خالته قالي إن الفلوس هنا معاكِ إنتِ وأمك.. الفلوس دي حقي، دي فلوس الشبكة اللي كان رايح يشتريها ليا النهاردة قبل ما يتمسك.. هاتي الفلوس من سكات بدل ما أعملكم مشكلة أنا كمان وأجيب لكم الشرطة!”

ماما هنا مقدرتش تمسك نفسها، هجمت عليها وزقتها لبرة الباب وقالت بـ زعير هز العمارة كلها:

* “شرطة لما تلمك وتلمه في قفص واحد يا خطافة الرجالة يا نصابة! الفلوس مش هنا، والـ ١٠٠٠ جنيه اللي سابهم جوز خالته أخذهم امبارح وهو جارد كريم من قفاه.. اطلعي برة بيتنا وبأعلى ما في خيلك اركبيه! إحنا بكرة الصبح هنروح نرفع عليه قض*ية نصب بـ الرسايل والاتفاقات اللي بينا.. غوري في داهية إنتِ وهو!”

سمر بدأت تصرخ برة على السلم وتدعي وتزعق، بس ماما رزعت الباب في وشها وقفلته بـ ميت ترباس.

لفيت لماما وأنا مش قادرة أقف على رجليا، ارتميت في حضنها وقعدت أصرخ من كتر الوجع. سنة كاملة من عمري ضاعت مع بني آدم خاين ومخادع ومريض. سنة وأنا بستخسر في نفسي الحاجة عشان أساعده، وبصرف من جيب أمي الغلبانة عشان مأصغرش كتفه.. وهو كان بياخد تعبي وعرقي يقدمه لغيري على طبق من دهب!

ماما فضلت حاضناني وهي بتبكي معايا، وبتقولي كلام يطمن قلبي:

* “معلش يا بنتي.. فداكي وفدى جزمتك.. ربنا حماكي منه.. تخيلي لو كنتِ اتجوزتيه ودخلتي بيته واكتشفتي القرف ده وإنتِ معاكي عيل منه؟ ربنا بيحبك يا سارة.. ربنا كشفهولك عشان إنتِ طيبة ومبتأذيش حد.. نامي يا بنتي وارتاحي، ومن بكرة صفحة جديدة هتبدأ.”

الليلة دي كانت أطول ليلة في حياتي. مكلتش ولا شربت، فضلت باصة للسقف وعقلي شغال زي الماكينة. مسكت موبايلي، ودخلت على الشات بتاعه.. قريت كل كلمة، كل صورة بعتها، كل مرة قالي فيها “تسلم إيدك يا حبيبتي”، كل مرة حسسني فيها إني مقصرة وإني مادية..

حسيت بـ كمية غثيان وقرف مش طبيعية.

عملت حاجة واحدة بس.. صوّرت كل المحادثات اللي بيني وبينه، من أول يوم لحد ليلة امبارح، وصورت التفاصيل اللي كان بيطلبها بالمليم والـ ٥٠٠ جنيه اللي بعتها.. وشيلتهم في مكان آمن. وبعدين عملتله “بلوك” من كل حتة في حياتي.

تاني يوم الصبح، قمت من السرير وحسيت بـ طاقة غريبة. مكنتش مكسورة، بالعكس، كنت حاسة إن فيا قوة تفتح الأرض.

دخلت المطبخ، وبصيت لأدواتي وخاماتي اللي كنت بشتغل بيها.. وقلت لنفسي: “الشغل ده هو اللي هيوقفني على رجلي، وهو اللي هيخليني أدوس على أي حد استهتر بيا.”

فتحت صفحتي على الفيسبوك، الصفحة اللي كنت بنشر عليها رواياتي واقتباساتي ووصفات الكيك، وكتبت بوست طويل.. محكيتش فيه تفاصيل الفضيحة، بس كتبت كلام من قلبي:

“السقوط مش نهاية العالم.. السقوط ساعات بيبقى الفرصة الوحيدة عشان تقف على أرض صلبة وتشوف الناس على حقيقتها. من النهاردة، الصفحة دي هتبقى لشغلي وبس.. مفيش مجاملات، مفيش تضحية على حساب نفسي، ومفيش حد يستاهل مليم واحد من تعبي من غير تقدير.”

البوست جاب تفاعل مش طبيعي، وكل الناس بدأت تدعمني وتشجعني.

بعد يومين، عرفت من نهى (اللي كلمت ماما من تليفون تاني وهي بتعيط) إن أهل كريم وخالته رفضوا يتنازلوا عن المحضر.. وإن سمر لما عرفت إنه معندوش فلوس وإن الشقة اللي كان مأجرها طلعت إيجار جديد ومش ملكه، رفعت عليه قض*ية خلع وفضحته في منطقته. وكريم دلوقتي محبوس على ذمة القض*ية ومستقبله انتهى تماماً.. حتى الشغل اللي كان شغال فيه طردوه منه بسبب الفضيحة والبلطجية اللي جوله هناك.

لما ماما حكتلي الكلام ده، مأثرش فيا ولا شعرة. حسيت إن ربنا عدل، وإن كما تدين تدان.. هو اللي جاب ده لنفسه بـ طمعه ونذالته.

عدى شهر.. وشهرين.. وثلاثة..

حياتي اتغيرت تماماً. ركزت في مجالي، وبقيت أعمل تورت وأوردرات للمناسبات، وبقت تطلب بالأسم “تورت سارة” لأنها مش بس شكلها شيك، دي معمولة بـ نظافة وضمير. وبدأت أكسب فلوس كويسة جداً، لدرجة إني بقيت أنا اللي بساعد ماما وبجيب لها كل اللي نفسها فيه.. وعمري ما نسيت درس الـ ٢٠٠ جنيه.. بقى تمن أي خامات بيتدفع مقدم وقبل ما أمد إيدي في الشغل.

وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة في المحل الصغير اللي ربنا كرمني وقدرت أأجره عشان يكون معمل لشغلي. الباب انفتح ودخلت زبونة..

أول ما بصيت لوشها، اتفاجأت.. كانت خالته! الست الكبيرة اللي كريم نصب عليها باسمي.

وقفت مكاني وبصيت لها بترقب. هي قربت مني وعينها كانت مليانة كسوف وإحراج. حطت إيدها على المحاسب وقالت بصوت واطي:

* “يا سارة يا بنتي.. أنا عارفة إن الزيارة دي تقيلة عليكي.. بس أنا جاية اعتذر لك.”

بصيت لها وقلت بـ هدوء:

* “تعتذري على إيه يا طنط؟ إنتِ مالكيش ذنب.. إنتِ كمان اتنصب عليكي.”

دموعها نزلت وقالت:

* “جوزي لما جه هنا امبارح وزعق وبهدل الدنيا، كان فاكر بجد إنك شريكة معاه.. بس لما كريم اعترف في التحقيقات وقال إنه استغل اسمك وشغلك من غير ما تعرفي، وجوزي عرف حقيقتك وحقيقة مامتك الست المحترمة.. حسيت بالذنب إني كنت هخرب بيت ناس مالهمش ذنب.. أنا جاية أباركلك على المحل، وجاية أطلب منك أوردر لخطوبة ابني اللي اتأجلت.. وعايزاكِ تعملي التورتة الدورين اللي كريم مكانش عايزنا نشوفها من إيدك.. والفلوس اهي، مقدم وزيادة كمان.”

بصيت للفلوس اللي حطتها على الترابيزة.. وبصيت لـ وش الست الغلبانة اللي ملهاش ذنب في قرف ابن أختها.

ابتسمت ابتسامة حقيقية، ابتسامة نصر وراحة.. ومديت إيدي أخدت الفلوس وكتبت الأوردر في دفتري.

في اللحظة دي عرفت إن حقي رجع لحد عندي، وإن كرامتي وشرفي وشغلي هما اللي انتصروا في الآخر. كريم ضاع ورا القضبان بسبب وساخته وجشعه، وأنا وقفت على رجليا وبقيت أقوى وأنجح ميت مرة.

قفلت الدفتر وبصيت للشارع من ورا الزجاج، وأنا حاسة بنسمة هوا باردة بتغسل قلبي.. الكابوس انتهى.. والرحلة الحقيقية بتاعتي لسه هتبدأ حالاَ.



تعليقات

التنقل السريع
    close