القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 حكاية عمار وجميله كاملة بقلم ملك ابراهيم 



حكاية عمار وجميله ج1



الجزء الأول


الكاتبة ملك إبراهيم


“أنتِ مين؟”


رفعت وشها ببطء، عينيها في الأرض.. وهي مش مصدقة إن اللي قدامها ده يبقى ابن خالها.


 


كانت جميلة بتصحى قبل الشمس، تمسح خوفها مع تراب الأرض وهي بترص أطباق الفطار على سفرة مدام نيفين مرات خالها اللي شغلتها خدامة عندها من أسبوعين بس. بتحاول تكون شبح… ومحدش يشوفها، محدش يسمعها، خصوصاً بعد اللي حصل في المطبخ إمبارح بالليل. كانت بتدعي من قلبها: “يارب اللي شافني ده ميكونش حد من البيت هنا. يارب ما يعرفني”.


 


على رأس السفرة قاعدة مدام نيفين، أوامرها مفيهاش هزار. على يمينها عمار… ابنها المحامي الكبير، بدلة وملفات ووش مفيهوش ضحك. بيرجع كل يوم الفجر من المكتب وينزل قبل ما حد يصحى، عشان كده عمره ما قابلها. وعلى شمالها كريم، ابنها التاني.. لسه شعره منكوش من النوم، بس في عينه لمعة خبث بتقول إن اليوم ده مش هيعدي عادي.


 


جميلة ماشية جنب الحيطة، عينيها في الأرض. بتعدي بالطبق، وسامعة همس كريم لأخوه وهو بيضحك:


“إيه يا عمار، مش ملاحظ حاجة جديدة في البيت؟”


عمار بضيق من غير ما يرفع عينه من الورق: “ملاحظ إيه يا كريم؟ يا ريت تكون حاجة ليها علاقة بشغلك بدل سهرك ده.”


كريم بابتسامة خبيثة: “يا عم لا، دي حاجة أحلى بكتير. أنا شوفت إمبارح بالليل في المطبخ خدامة جديدة… إيه القمر ده يا عمار! بجد صاروخ أرض جو. وأول مرة أشوفها هنا.”


 


عمار ساب الورق من إيده، وشه اتقلب غضب: “ايه الكلام ده يا كريم؟ عيب عليك! إزاي تتكلم على أي بنت بالشكل ده، وخصوصاً لو شغالة هنا في البيت؟”


كريم بلامبالاة: “في إيه يا عمار؟ مالك اتعصبت كده؟ دي خدامة زي أي خدامة. دي كانت واقفة بتاكل حتة جبنة من التلاجة، شكلها طفسة وبتتخفى.”


عمار صوته علي: “جبنة إيه؟ حتى لو، ده مش مبرر! البنت دي ليها كرامتها. سيب البنت في حالها، ومتقربلهاش أبدًا، فاهم؟”


كريم بيتنهد: “خلاص يا عم عمار، فهمت. بس بجد لو شفتها هتقولي إن كلامي صح. دي جميلة بشكل مش طبيعي، ولونها القمحاوي ده يجنن!”


 


عمار بصله بنظرة تحذيرية أخيرة: “كريم! أنا قولت كلمتي. مش عايز أسمع سيرة الموضوع ده تاني. أمك بتتصرف تصرفات مش مفهومة، ومش عايزك تكون جزء من أي مشكلة.”


 


جميلة كانت بتعدي بالظبط وهي بتحط طبق، وسمعت كلام كريم. قلبها وقع في رجلها. هو ده الصوت. نفس صوت الشاب بتاع المطبخ. الأرض بتهتز تحتها، والخوف بيكلبش فيها.. وحمدت ربنا إن عمار مرفعش وشه وبص عليها.. كان مشغول بأوراق بيراجعها.


 


بعد الفطار، جريت جميلة من الباب الخلفي. متأخرة على الجامعة، لابسة بنطلون جينز وبلوزة قديمة كانت لحقت تلبسهم فوق الجلابية في أوضتها الصغيرة، شنطة قماش بتخبط في ضهرها، وعينيها على ساعتها. المكان الوحيد اللي بتحس فيه إنها بني آدمة ليها قيمة. وفي نفس اللحظة، عمار طالع بعربيته الفخمة من البوابة الرئيسية، دماغه غرقانة في القضايا.



 


زاوية ضيقة، خطوة غلط، وثانية واحدة فصلت بين الحياة والموت. جميلة بتعدي ومش شايفة، وفجأة عربية عمار في وشها. صوت الفرامل شق السما. العربية وقفت على بعد سنتيمتر واحد منها.


 


صرخت جميلة صرخة مكتومة ووقعت على الأرض، بتضم نفسها وبتترعش. عمار نزل يجري، وشه أصفر: “أنتِ كويسة؟ يا آنسة، أرجوكي ردي عليا!”


رفعت وشها ببطء، عينيها مليانة دموع، وبصت له. الشاب الأنيق بتاع السفرة… واقف قدامها بيمد إيده.


 


“أنا… أنا كويسة.” قالتها بصوت مرتعش.


عمار ساعدها تقوم، وعينه بتفحصها. وقتها بس خد باله… العيون الواسعة، الوش القمحاوي، البراءة اللي مشافهاش قبل كده. حس إن الملامح دي مش غريبة عليه.. الكشكول بتاعها اتفتح لما وقع على الأرض.. عمار لمحه وهو بيجيبه من على الأرض وقرأ الاسم بصدمة..


“أنتِ… أنتِ مين؟” سألها بذهول.


جميلة بلعت ريقها: “أنا جميلة.”


الاسم نزل عليه زي الصاعقة.


“جميلة… أنتِ جميلة بنت عمتي؟”


رمشت بسرعة تداري دموعها، وهزت راسها من غير ما تتكلم.


 


القلق في عيون عمار اتحول لغضب… من نفسه، من أمه، من كريم. البنت اللي كان بيدافع عن كرامتها من دقايق على السفرة، وبيحذر أخوه ميقربش منها، تطلع بنت عمته…


يتبع


 


الفصل الثاني:


“أنتِ مين؟ أنتِ جميلة بنت عمتي؟”


الكلمة نزلت على جميلة زي سك..ينة باردة. إيديها اللي عمار ماسكها عشان يوقفها كانت بتترعش، بس مش من الوقعة… من الرعب.


 


رمشت بسرعة تداري دموعها. مش قادرة تبص في عينه. ده ابن خالها الكبير، “الأستاذ عمار” اللي الخدم في البيت بيترعبوا من سيرته. دلوقتي عرف كل حاجة.


 


عمار سحب إيده كأنه اتلسع. بص حواليه بسرعة. الشارع فاضي بس أي حد ممكن يعدي. صوته طلع واطي ومخنوق:


“اركبي.”


 


“نعم؟”


“قولت اركبي. هتتأخري على محاضرتك.”


 


فتح لها باب العربية اللي كانت هتدوسها من دقايق. جميلة واقفة متسمرة. تركب معاه؟ لو حد شافها من البيت؟ لو مرات خالها عرفت؟


“يا أستاذ عمار والله أنا…”


“اركبي يا جميلة. مش هسيبك واقفة كده.”


 


ركبت وهي بتلم طرف البلوزة كأنها بتتكسف منها قدام فرش العربية الجلد. قفل الباب وركب جنبه. ساد صمت تقيل وهو سايق. صوت التكييف بس هو اللي بيزن في ودانها.


 


بعد دقيقتين، عمار كسر الصمت من غير ما يبص لها:


“أنتِ هنا من إمتى؟”


صوتها طلع بالعافية: “من… من أسبوعين.”


 


“أسبوعين وأنتِ بتشتغلي في بيتنا؟ وأمي عارفة أنتِ مين؟”


دموعها نزلت غصب عنها. هزت راسها.


 


عمار ضرب دركسيون العربية بكف إيده ضربة خلت جميلة تنتفض.


“ليه؟ ليه مقولتليش؟ ليه مقولتيش لأي حد؟”


جميلة انفجرت في العياط. لأول مرة من أسبوعين حد يسألها “ليه”.


“ماما… ماما ماتت من شهرين.” شهقت وهي بتمسح وشها بكم البلوزة. “مبقاش ليا حد. عمتي… قصدي مرات خالي مدام نيفين، كانت بتزورنا زمان. كلمتها، قولت لها أبوس إيدك أنا لوحدي ومش لاقية آكل. قالت لي تعالي القاهرة وأنا هساعدك.”


 


سكتت شوية تاخد نفسها. عمار سايق وباصص قدامه، بس الفك اللي مربطه بيقول إنه بيسمع كل حرف.


“لما جيت…” كملت جميلة بصوت مدبوح. “قابلتني هي لوحدها على الباب. أول ما شافتني قالت لي… قالت لي شكلك بقى حلو أوي يا جميلة. وبعدين ضحكت وقالت: بصي بقى، أنتي هتساعديني في شغل البيت. هتاكلي وتشربي وتنامي هنا، وهخليكي تكملي جامعتك. بس بشرط.”


 


عمار بص لها بسرعة: “شرط إيه؟”


“إن مفيش مخلوق في البيت يعرف أنا مين.” بلعت ريقها. “قالت لي بالحرف: أنتِ هنا خدامة وبس. لو عمار أو كريم عرفوا إنك بنت عمتهم، هتبقي في الشارع تاني يوم. أنا ربيت ولادي ومش عايزة واحدة زيك تخرب عليهم. عمار ممكن يتعاطف معاكي ويقف قصادي، وكريم عينه زايغة.”


 


العربية وقفت فجأة على جنب. كانوا وصلوا قدام بوابة الجامعة. عمار لف بجسمه كله وبصلها. الغضب في عينه كان يخوف.


“وأنتِ وافقتي؟”


“كنت هموت من الجوع يا أستاذ عمار.” قالتها وهي بتغالب دموعها. “أعمل إيه؟ كنت هنام فين؟”


 


سؤالها كان سكي..نة في قلبه هو المرة دي. سكت. الدنيا كلها سكتت.


 


جميلة مسحت دموعها بسرعة وهي بتفتح الباب. قبل ما تنزل مسكت طرف شنطتها القماش جامد وقالت بصوت مرتعش:


“أنا… أنا عارفة إن حضرتك متفاجئ. بس أبوس إيدك يا ابن خالي، عشان خاطر أمي الله يرحمها… متقولش لحد إنك عرفت. لو مرات خالي عرفت إنك عرفت، هتقول إني أنا اللي قولتلك وهتطردني. والله ما هكون لاقية مكان أروحه.”


 


بصت له بعيون مكسورة.


“اعتبرني خدامة زي ما هي عايزة. بس بالله عليك خليني أكمل تعليمي. دي الحاجة الوحيدة اللي فاضلة لي.”


 


نزلت من العربية وقفلت الباب بالراحة وجريت على بوابة الجامعة من غير ما تبص وراها.


 


عمار فضل قاعد في العربية، إيده لسه على الدركسيون. باصص لضهرها وهي بتختفي وسط الطلبة.


بنت عمته… خدامة في بيتهم من أسبوعين وهو مش داري. أمه بتذلها. أخوه بيتحرش بيها بالكلام. وهو كان بيدافع عن كرامة “الخدامة” من ساعة على السفرة.


 


تليفونه رن. “نيفين هانم” على الشاشة.


رد وهو مش شايف قدامه: “أيوه يا أمي.”


صوت نيفين متوتر وحاد: “عمار أنت فين؟ وكريم قالي إنك زعقت له على الفطار. مالك أنت ومال الخدم؟ مش عايزاك تشغل بالك بالتفاهات دي. عندك شغلك أهم.”


 


عمار بص للبوابة اللي جميلة اختفت فيها. بلع الغضب اللي في زوره بالعافية.


“مفيش يا أمي… مفيش حاجة خالص. مسألة شغل.”


 


قفل السكة.


كدب على أمه لأول مرة في حياته.


عشان بنت عمته اللي بقت خدامة.


يتبع..


الفصل الثالث:


عمار فضل باصص لبوابة الجامعة دقيقة كاملة بعد ما جميلة اختفت. كدبته على أمه لسه طعمها مر في بقه. داس بنزين ومشي، دماغه فيها حريقة.


 


في نفس اللحظة، على الرصيف التاني، كانت عربية كريم واقفة. كان رايح يقابل صاحب له، بس افتكر إنه نسي المحفظة في البيت، فلف ورجع. وهو داخل الشارع لمح عربية أخوه الفخمة واقفة قدام الجامعة.




“عمار بيعمل إيه هنا دلوقتي؟” قالها لنفسه وهو بيهدي.


 


وبعدين شافها.


الباب بيتفتح، و”الخدامة الجديدة” بتنزل من عربية عمار. شعرها القمحاوي بيلمع في الشمس، وشنطتها القماش بتخبط في ضهرها وهي بتجري على البوابة.


 


كريم اتسمر مكانه. السيجارة وقعت من إيده.


“إيه ده… دي هي! بتاعة المطبخ. نازلة من عربية عمار؟”


 


ابتسامة خبيثة، أخبث من بتاعة الفطار، اترسمت على وشه. طلع موبايله وصورها بسرعة وهي داخلة من البوابة. صورة تانية لعربية عمار وهي بتتحرك.


“يا ولاد الـ…” ضحك ضحكة واطية. “بقى عمار المحترم اللي كان بيديني محاضرة في الأخلاق على الصبح؟ ده أنت وقعت ومحدش سمى عليك يا أستاذ.”


ساب مشوار صاحبه وقرر يرجع البيت… يستنى “القمر” لما ترجع.


 



 


في بيت مدام نيفين – بعد الضهر


 


جميلة راجعة من الجامعة، قلبها مقبوض. كل ما تفتكر كلامها مع عمار الصبح في العربية، بطنها توجعها.


 


دخلت من باب الخدم وهي شايلة شنطتها. المطبخ فاضي. لسه هتطلع على أوضتها الصغيرة فوق السطوح، لقت كريم قاعد في الصالة اللي تحت، حاطط رجل على رجل وماسك موبايله.


 


قلبها وقع. حاولت تمشي بسرعة من جنبه وهي منزلة راسها.


“على فين يا قمر؟”


 


وقفت مكانها متسمرة. صوته كان فيه شماتة.


“كنت… طالعة أوضتي يا كريم بيه.”


“كريم بيه؟” قام وقف وسد عليها الطريق. “لا لا، خلاص بقينا بيهات؟ ده إحنا بقينا عشرة أوي.”


 


قرب منها خطوة، وهي رجعت خطوة لورا.


“كنتِ فين النهاردة يا جميلة؟”


اسمها من بقه خلاها تتلفت. هو عرف اسمها منين؟


“كنت… كنت في الجامعة.”


 


كريم رفع موبايله في وشها. صورة ليها وهي نازلة من عربية عمار.


“والجامعة دي روحتيها إزاي؟ مشي؟ ولا الأستاذ عمار أخويا المحترم هو اللي وصلك؟”


 


الدم نشف في عروقها. الحيطان ضاقت.


“أنا… أنا…”


“أنتِ إيه؟” كريم مسك دراعها جامد. “فهميني. أخويا اللي كان هيضربني الصبح عشان بقول عليكِ كلمة، يطلع هو اللي بيركبك عربيته؟ إيه الحكاية؟”


 


جميلة شدت دراعها وهي بترتعش: “سيبني. والله ما في حاجة. هو شافني… شافني في الشارع و…”


“وشافك في الشارع صدفة؟ يا سلام على الصدف!” ضحك بسخرية. “بصي بقى يا حلوة، أنا مش عمار أهبل. أنتِ شكلك لافه على أخويا. بس تعرفي؟ أنا ممكن أسكت ومقولش لأمي على الصور دي… لو بقيتي حلوة معايا وسمعتي الكلام.”


 


في اللحظة دي، صوت مدام نيفين جه من فوق السلم زي الرعد:


“كريم! جميلة! في إيه الصوت العالي ده تحت؟”


 


كريم ساب دراعها في ثانية ورجع خطوتين لورا بابتسامة بريئة.


“مفيش يا ماما. كنت بسأل جميلة على طلبات البيت، البنت كانت سرحانة بس.”


 


نيفين نزلت وهي بتبص لهم بشك. عينيها جت على وش جميلة الأصفر المذعور.


“وأنتي مالك شكلك كده؟ تعبانة؟”


جميلة بلعت ريقها بالعافية: “لا… لا يا هانم. بس مصدعة من الجامعة.”




 


نيفين بصت لكريم بصة معناها “هنتكلم بعدين”، وبعدين وجهت كلامها لجميلة بحدتها المعتادة:


“طالما مصدعة، اطلعي على المطبخ اغسلي المواعين بتاعة الغدا. وياريت تركزي في شغلك بدل السرحان.”


 


“حاضر يا هانم.”


جميلة جريت على المطبخ وهي حاسة إنها هتقع. كريم غمزلها من ورا ضهر أمه وحط صباعه على بقه بمعنى “سرنا”.


 


أول ما دخلت المطبخ، سندت على الحوض وهي بتاخد نفسها بالعافية. خلاص، كريم عرف. وهيبقى كابوسها.


 


في نفس الوقت، عمار كان في مكتبه، مش مركز في أي قض..ية. صورة جميلة وهي بتترجاه “متقولش لحد” مش مفارقة خياله.


تليفونه رن. رسالة واتساب من كريم.


فتحها… كانت الصورة.


صورة جميلة وهي نازلة من عربيته الصبح قدام الجامعة.


وتحتها رسالة من كريم: “إيه رأيك في الصدفة دي يا سيادة المحامي؟ مستنيك نتكلم بالليل… ولا تحب أتكلم مع ماما؟”


 


عمار قام من على مكتبه، كسر القلم اللي في إيده نصين.


الحرب بدأت.


يتبع…


 


الفصل الرابع:


الساعة عدت 12 بالليل. البيت كله ساكت، بس جميلة صاحية في أوضتها فوق السطوح. مش قادرة تنام. كلمة كريم “سرنا” بترن في ودانها. وأكيد بعت الصور لعمار. دلوقتي الاتنين هيتخانقوا بسببها، ونيفين هتدخل في النص، وفي الآخر… في الآخر هي اللي هتترمي في الشارع.


 


قامت وقفت قدام الشباك. “أنا السبب. طول عمري سبب مشاكل.”


مسكت شنطتها القماش. فيها كشكول محاضرات، قلم، و200 جنيه، وبطاقتها.


 


لبست عباية سودا قديمة فوق الجلابية، ولفت طرحتها كويس. مفيش حل تاني. لو فضلت هنا كريم هيبتزها، ولو عمار دافع عنها أمه هتطردها برضه. تهرب… يمكن تلاقي شغل في أي حتة، تنام في جامع، بس تبقى حرة.


 


نزلت على أطراف صوابعها. السلم الخشب بيزيق، كل زيقة منه كانت بتوقف قلبها. عدت من جنب أوضة نيفين. الباب مقفول.


 


وصلت للدور اللي تحت. الصالة ضلمة، بس نور جاي من مكتب عمار. الباب موارب. سمعت صوته هو وكريم. بيتخانقوا بصوت واطي عشان أمهم متسمعش.


 


صوت كريم: “بقى أنا يا عمار؟ ده أنت اللي واخدها الجامعة بعربيتك! الصور عندي يا حلو.”


صوت عمار متوحش: “امسح الصور دي يا كريم. قسما بالله لو ضايقت البنت دي بكلمة، هتندم ندم عمرك.”


كريم ضحك: “بتخوفني؟ طب أنا هوري لأمي دلوقتي.”


 


جميلة حطت إيديها على بقها عشان متصرخش. خلاص، دي النهاية.


 


جريت على المطبخ، ومنه على باب الخدم الخلفي. مقفول. بس هي من أسبوع وهي بتنضف لمحت نسخة مفتاح متعلقة على مسمار ورا دولاب العدة. مدت إيديها بترتعش وخدته.


 


فتحت الباب بالمفتاح من غير صوت. بصت وراها مرة أخيرة. المطبخ اللي كانت بتسرق منه اللقمة وبتمسح دموعها فيه.


“سامحيني يا أمي.” همست.


 


اندفعت للشارع الجانبي. هوا الفجر البارد ضرب في وشها. شارع ضلمة فاضي. جريت من غير ما تبص وراها.




 



 


في نفس اللحظة – مكتب عمار


 


كريم كان لسه ماسك موبايله وبيهدد: “دوسة واحدة يا عمار وأمي تشوف الصور.”


عمار قرب منه ومسكه من لياقة قميصه: “جرب كده… جرب.”


وفجأة… كملوا الباقي في الجزء الأخير


 

حكاية عمار وجميله ج2


الجزء الأخير


الكاتبة ملك إبراهيم


في نفس اللحظة – مكتب عمار


 


كريم كان لسه ماسك موبايله وبيهدد: “دوسة واحدة يا عمار وأمي تشوف الصور.”


عمار قرب منه ومسكه من لياقة قميصه: “جرب كده… جرب.”


وفجأة…


صوت الباب الخلفي الحديد وهو بيتقفل بره.


الاتنين سكتوا وبصوا لبعض. صوت كريم علي وهو بيزعق: “سمعت ده؟ في حد عند باب المطبخ!”


 


عمار سابه وجري على المطبخ. كريم وراه. نور المطبخ كان مقفول. بس باب الخدم اللي المفروض مقفول… كان موارب.


 


قلبه وقع.


“جميلة.” قالها بصوت ميت.


 


كريم جه بص وفهم في ثانية. وشه جاب ألوان.


“الهانم هربت… هربت بسببك!”


 


عمار ماردش. جري على الباب الرئيسي يفتحه بسرعة. البواب كان صاحي، حاول يوقفه: “على فين يا عمار بيه؟”


“افتح البوابة حالًا!” زعق فيه عمار.


 


البواب فتح وهو مرعوب. عمار اندفع للشارع الجانبي الضلمة وهو بينادي:


“جمــيلة! جمــيلة استني!”


 


من شباك الدور التاني، نيفين كانت صحيت على صوت الزعيق. بصت من الشباك وشافت عمار بيجري في الشارع زي المجنون، وكريم واقف في جنينة البيت مصدوم.


“فـي إيه؟ بتعملوا إيه الفجر؟” صرخت وهي نازلة السلم جري.


يتبع…



الفصل الخامس:


“جمــيلة! استني!”


صوت عمار كان مبحوح وهو بيجري في الشارع الجانبي الضلمة. الأدرينالين مخليه مش حاسس بحاجة.


 


جميلة سمعت صوته فزادت في الجري. عبايتها السودة بتطير وراها، والطرحة اتفكت وشعرها القمحاوي بان في نور عمود واحد. بتعيط وهي بتجري. “سيبني… أبوس إيدك سيبني أروح في داهية بعيد عنكم.”


 


عمار لمح خيالها وهي بتلف من ناصية الشارع على الشارع العمومي. داس أكتر. وصل الناصية في ثواني.


 


لقاها واقفة في نص الشارع العمومي الفاضي. واقفة بتترعش، بتبص حواليها زي القطة اللي تاهت. الفجر بيأذن، وصوت الأذان مالي السما.


 


“جميلة!” نده بصوت واطي المرة دي وهو بيقرب بالراحة كأنه خايف تفزع وتجري تاني.


 


لفت له. وشها غرقان دموع وتراب، وكف إيديها متخربش من وقعة بسيطة وهي بتجري. أول ما شافته انهارت على ركبها في نص الأسفلت.


“ليه؟ ليه جيت ورايا؟” صرخت فيه. “عايز ترجعني للذل تاني؟ عايز أخوك يكمل ابتزاز؟”


 


عمار وقف قصادها. شال جاكيت بدلته ورماه على كتفها يغطيها. نزل على ركبه في الشارع قدامها، ميهموش المنظر ولا هدومه اللي باظت.


“أنا آسف.” قالها ببساطة.


 


الكلمة وقفت عياطها ثانية. بصت له بذهول. الأستاذ عمار المحامي الكبير على ركبه في الشارع بيقولها آسف؟


“آسف على إيه؟” قالتها من بين شهقاتها.


“آسف إنك عيشتي أسبوعين في بيتنا خدامة وأنا مش داري.” صوته اتكسر. “آسف إن أمي عملت فيكِ كده. آسف إن كريم حيوان. آسف إني معرفتش أحميكِ.”


 


سكت شوية والأذان شغال “حي على الصلاة”.


“بس هروبك مش حل يا جميلة. أنتي هتروحي فين دلوقتي؟ فيكي حيل تروحي فين بـ 200 جنيه؟”




 


جميلة رفعت وشها المكسور: “أروح أي حتة. أنام على الرصيف أكرملي من إني أرجع بيتكم. أنا مش عايزة أكون السبب في إنك تخسر أهلك. كريم معاه صور…”


 


عمار مسك دراعها براحة، مش زي مسكة كريم المتوحشة.


“قومي.”


“مش هرجع.”


“مقولتش ترجعي البيت.” عينه كانت ثابتة في عينيها. “بس مش هسيبك في الشارع. قومي هوديكِ مكان آمن.”


 


“فين؟”


“شقتي.”


جميلة شهقت وشدت دراعها: “لا!”


“شقتي اللي قافلها من سنين وقاعد مع أمي عشان شغل المكتب.” كمل بسرعة وهو شايف الرعب في عينيها. “محدش يعرف مكانها. هتقعدي فيها يومين بس لحد ما أفكر هنعمل إيه. أوعدك يا جميلة، والله العظيم ما حد هيقربلك. أنتي بنت عمتي… وكرامتك من كرامتي.”


 


كلمة “بنت عمتي” خلت حاجة تتهز جواها. من إمتى حد قالها إن كرامتها تهمه؟


بصت له. الغضب اللي كان في عينه الصبح اتحول لخوف. خايف عليها بجد.


 


في اللحظة دي، نور عربية ضرب فيهم من بعيد. الاتنين اتلفتوا. كريم كان راكن بعيد بيراقب بيت عمار من ساعة الخناقة، متوقع إنها هتهرب عليه. أول ما شافهم نزل بيجري عليهم ووشه أسود.


 


“أهو أنتو هنا!” زعق كريم وهو جاي. “بقى بتجري وراها يا عمار؟”


 


جميلة اتخضت واستخبت ورا عمار لا إرادياً. مسكت في جاكيت بدلته.


عمار وقف بينها وبين كريم. ضهره ليها ووشه لأخوه.


“امشي يا كريم. دلوقتي.”


“أمشي؟ ده على جثتي.” كريم طلع موبايله. “أنا هتصل بماما حالاً. وهتيجي تشوف ابنها المحترم على ركبه في نص الشارع عشان خدامة هربانة.”


 


عمار خطى خطوة واحدة مسك كريم من رقبته وزقه على حيطة بيت. صوته كان فحيح:


“اسمعني كويس يا كريم. الصور اللي معاك دي لو طلعت للنور، أنا اللي هفضحك قدام أمي. هحكيلها كنت بتقول عليا إيه لصحابك، وهوريها إنك بتبتز بنت عمتك. أنت فاهم بتتكلم مع مين؟”


 


كريم وشه جاب ألوان. أول مرة يشوف عمار كده.


“أنت… أنت بتهددني عشانها؟”


“أنا بحمي بنت عمتي منك.” عمار سابه وزقه بعيد. “ودلوقتي هتاخد عربيتك وترجع البيت تقول لأمي إن جميلة تعبت وراحت تبات عند صاحبتها. سامع؟”


 


كريم بص لجميلة اللي مستخبية ورا عمار وبتترعش. بص لأخوه اللي عروق رقبته هتفرقع. فهم إن الموضوع كبر أوي.


“ماشي يا عمار.” تف في الأرض. “ماشي… بس اللعب على كبير، وأنا بعرف ألعب.”


 


ركب عربيته ورزع الباب ومشي.


 


الصمت رجع تاني. صوت الأذان خلص. نور الفجر بدأ ينور الشارع.


عمار لف لجميلة. كانت لسه ماسكة في جاكيت بدلته وباصة في الأرض.


“يلا.” مد إيده. “مفيش وقت. على ما أمي تصحى وتبدأ تقلب الدنيا.”


 


جميلة بصت لإيده الممدودة. إيد متخربشة بس… آمان.


بعد أسبوعين ذل، أول إيد تتمد لها مش عشان تضربها أو تذلها أو تبتزها.


إيد عايزة تنقذها.


 


حطت إيديها المتعورة في إيده.


“وديني… وديني أي مكان بعيد عنهم.”



عمار قفل إيده على إيديها وجرها ناحية عربيته اللي كان راكنها بعيد.


وهو بيفتح لها الباب، همس لنفسه: “حقك عليا يا بنت عمتي… حقك عليا هيرجع.”


 


وركبوا العربية والفجر بيطلع.


سايبين وراهم بيت نيفين هانم اللي خلاص… النار هتقوم فيه أول ما الشمس تطلع.


يتبع…


 



الفصل السادس:


المفتاح لف في الباب. عمار فتحه ودخل الأول وولع النور.


الشقة كانت مقفولة بقالها سنين. ريحة التراب مالية المكان. عفش متغطي بملايات بيضا.


 


جميلة واقفة على الباب مترددة. خايفة تدخل.


“ادخلي.” قالها عمار بهدوء. “متخافيش.”


 


دخلت وهي حاضنة جاكيت بدلته عليها. عينيها بتلف في المكان. في هدوء.


 


عمار شال الملاية من على كنبة: “اقعدي. هترتاحي هنا الليلة دي.”


 


قعدت على طرف الكنبة زي العصفورة المبلولة. كف إيديها متخربش من الوقعة.


عمار دخل المطبخ، فتح الحنفية بعد ما كحّت من الصدا، وطلع علبة إسعافات أولية من الدرج. جابها وقعد على ترابيزة قصادها.


 


“وريني إيدك.”


“لا… أنا هعملها.”


“جميلة.” بص لها بصة خلتها تسكت.


 


مسك إيدها براحة ومسح الخربوش بقطنة وبيتادين. إيديه ثابتة وحنينة.


جميلة كانت باصة في السقف، بتعض شفتها عشان متحسسوش إنها موجوعة. لأول مرة حد بيداويها. أمها الله يرحمها كانت آخر واحدة تعمل كده.


 


“خلاص.” لزق البلاستر وقام. “الحمام أول باب على اليمين. في ترينج رياضي بتاعي جديد في الدولاب، لسه بالتيكيت… كنت جايبه ومقاسه صغير عليا. خدي شاور والبسيه. هتلاقي نفسك بني آدمة.”


 


كلمة “بني آدمة” كسرتها. دموعها نزلت وهي قايمة رايحة الحمام.


“شكراً.” همست من غير ما تبص له.


 



 


بعد نص ساعة طلعت. لابسة الترينج، واسع عليها شوية، وشعرها مبلول ومتسرح. من غير جلابية الخدم، من غير تراب المطبخ. شكلها… بنت عندها 20 سنة. جميلة فعلاً.


 


عمار كان عمل شاي وحطه على الترابيزة. شايفها واقفة مترددة.


“تعالي اشربي شاي. مش هكلمك في حاجة النهاردة. نامي وبكرة يحلها ربنا.”


 


قعدت قصاده. مسكت كوباية الشاي بإيديها الاتنين. الدفا سرى فيها.


سكتوا دقيقة. بس الفضول كان هيقتل عمار.


 


“جميلة…”


“نعم؟”


“أمي… عملت فيكِ كده ليه؟” ساب الكوباية. “أنا لازم أفهم. أمي قاسية آه، بس مش للدرجة دي. مش مع بنت أختها.”


 


جميلة بصت في الشاي. الدموع رجعت تاني.


“عشان… عشان بتكره أمي. طول عمرها بتكرهها.”


 


عمار اتعدل في قعدته: “بتكره خالتي؟ ليه؟”


“عشان أبويا.” رفعت عينيها له. “عشان أبويا، اللي هو خالك، كان هيتجوز أمي الأول.”


 


الكوباية كانت هتقع من إيد عمار.


“إيه؟”


“أيوه.” هزت راسها. “ماما حكت لي قبل ما تموت. خالك الله يرحمه كان بيحب ماما، وراح خطبها. بس جدي رفض عشان كان فقير وقتها. بعدها بسنة، مدام نيفين هي اللي راحت اتقدمت له. عيلة غنية، وأبوها له اسم. خالك اتجوزها صالونات عشان يرضي أبوه.”


 


عمار ساند ضهره للكنبة كأنه مضروب على دماغه. عمره ما سمع الحكاية دي.


“وبعدين؟”


“وبعدين خالك قابل ماما صدفة بعد جوازه بسنتين. كان لسه بيحبها. واتجوزوا.” بلعت ريقها. “مدام نيفين عرفت. ومن يومها وهي شايلة من أمي. بتقول إنها خطافة رجالة. لما أبويا مات، ولما ماما بقت لوحدها ومريضة… مدام نيفين قالت دي فرصتها تشفي غليلها. تشفيه فيا أنا.”


 


الصمت نزل تقيل. عمار قام وقف راح للشباك. فتحه. هوا الفجر دخل. كان حاسس إنه بيتخنق.


“يعني أمي… بتخلص تار قديم. تار من 25 سنة… فيكِ أنتي؟”


 


“أيوه.” قالتها وهي بتمسح دمعة. “قالت لي أول يوم: أمك خدت مني جوزي، وأنا هاخد منك كرامتك.”


 


عمار ضرب كف على كف. لف لها وعينه فيها نار وألم.


“وأبويا؟ أبويا كان عارف؟”


“خالك الله يرحمه مات وأنا صغيرة. مظنش كان يعرف حاجة عن اللي بيحصل.”


 


عمار رجع قعد قصادها. لأول مرة يحس إنه مش عارف أمه. الست اللي ربته.


“جميلة… اسمعيني كويس.” مسك كوباية الشاي الباردة بتاعتها وحطها في إيديها تاني. “أقسم بالله، اللي حصل لك في بيتنا ده، مش هيتكرر تاني. ولا كريم هيقربلك، ولا أمي هتشوف ضفرك.”


 


“هتعمل إيه؟”


“هاخد حقك. وحق أمك.” عينه كانت بتلمع في الضلمة. “بس أوعديني، متخافيش مني. أنا مش زيهم. أنتي بنت عمتي… يعني لحمي ودمي.”


 


جميلة بصت له. الخوف اللي كان مالي عينيها من ساعة بدأ يهدى سنة. لأول مرة من أسبوعين… تحس بالأمان.


 


“هنام فين؟” سألت بصوت واطي.


عمار شاور على أوضة النوم: “دي أوضتي زمان. سريرها نضيف. أنا هفرش على الكنبة هنا. اقفلي عليكِ الباب بالمفتاح. محدش هيخش.”


 


قامت وهي ماسكة كوباية الشاي. قبل ما تدخل الأوضة وقفت في الطرقة.


“أستاذ عمار؟”


“قولي يا جميلة.”


“هو… هو حضرتك ليه بتعمل معايا كده؟ ممكن تسيبني وتكبر دماغك.”


 


عمار بص لها. شاف أمه فيها. شاف خالته الله يرحمها. شاف الظلم.


“عشان لو أبويا كان عايش، كان هيقطع رقبة أي حد يفكر يذل بنت أخوه.” قالها بجمود. “وأنا ابن أبويا.”


 


دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح. سندت ضهرها عليه وانهارت في العياط. بس المرة دي… عياط براحة.


عياط واحدة حست إن ليها ضهر أخيراً.


 


بره، عمار كان واقف في الصالة الضلمة. طلع موبايله. مفيش ولا رسالة من أمه لسه… معنى كده إن كريم مبلّغش. لسه.


 


فتح الكونتاكت، ودور على اسم: “نيفين هانم”.


صوباعه كان متردد على زرار الاتصال.


هيواجهها إزاي؟ هيقولها إيه؟


 


قفل الموبايل ورماه على الكنبة.


الحرب دي مش هتخلص بمكالمة.


الحرب دي عايزة خطة.


 


بص لباب الأوضة المقفول.


“نامي يا جميلة… نامي من غير خوف النهاردة. من بكرة، كل حاجة هتتغير.”


 


يتبع…



الفصل السابع: المواجهة


الشمس دخلت من شباك الأوضة. جميلة فتحت عينيها ببطء. لأول مرة من شهور تصحى من غير صوت نيفين هانم.



قامت غسلت وشها وطلعت الصالة. عمار كان صاحي، قاعد بفنجان قهوة وملفاته قدامه بس مش مركز. أول ما شافها ابتسم ابتسامة خفيفة.


“صباح الخير. نمتي كويس؟”


هزت راسها: “أيوه… أول مرة من زمان.”


 


سكتت شوية وبعدين خدت نفس عميق:


“أستاذ عمار… أنا فكرت طول الليل.”


عمار حط الفنجان: “في إيه؟”


“أنا مش هفضل مستخبية.” صوتها كان ثابت لأول مرة. “ولا هفضل هربانة وخايفة. أنا معملتش حاجة غلط عشان أستخبى. أمي معملتش حاجة غلط.”


 


عمار قام وقف: “قصدك إيه؟”


“قصدي إني عايزة أواجه مرات خالي.” عينيها كانت فيها قوة جديدة. “بس مش لوحدي. لو أنت جنبي… أنا مش خايفة من حد. عايزة أخد حقي، وحق أمي، وأنا رافعة راسي.”


 


عمار بص لها دقيقة كاملة. البنت المكسورة بتاعة المطبخ اختفت. قدامه واحدة قوية، وشها القمحاوي فيه كرامة.


قرب منها وقال: “وأنا جنبك. قد الدنيا كلها. يلا بينا.”


 



 


في بيت نيفين هانم – بعد ساعة


 


البيت كان مقلوب. نيفين هانم عرفت بهروب جميلة من كريم الصبح، وكان وشها أصفر من الغضب.


“يعني إيه هربت؟ وإزاي؟ وأنت كنت فين يا كريم؟”


كريم واقف ساكت. مش عارف يقول إن أخوه هو اللي مهربها.


 


وفجأة جرس الباب رن.


الخدامة فتحت، وقلب نيفين وقع.


عمار داخل… وماسك إيد جميلة.


 


نيفين قامت زي الملسوعة: “أنت!! أنتي إيه اللي رجعك هنا؟ وازاي تمسكي إيد ابني؟”


عمار وقف قدام أمه. صوته هادي بس زي الحديد: “سيبيها يا أمي. الكلام معايا أنا.”


“كلام إيه يا عمار؟ البنت دي خدت جزاءها وهربت، جايبها ليه؟”


“عشان دي مش خدامة.” قالها بصوت عالي سمع البيت كله. “دي جميلة بنت عمتي. بنت خالك الله يرحمه. واللي أنتي عملتيه فيها، كفاية.”


 


نيفين شهقت وحطت إيديها على قلبها: “أنت اتجننت؟”


“لا يا أمي، أنا فوقت.” عمار كمل. “عرفت كل حاجة. عرفت إنك بتخلصي تار قديم من واحدة ميتة… في بنتها اليتيمة. أبويا لو كان عايش كان اتبرى منك.”


 


كريم كان واقف مصدوم. أول مرة يشوف عمار بيكلم أمه كده.


جميلة كانت ماسكة إيد عمار وبتترعش، بس واقفة وراسها مرفوعة.


 


نيفين بصت لجميلة بكراهية: “وأنتي فرحانة؟ فاكرة إنك كده كسبتي؟”


جميلة خدت نفس واتكلمت لأول مرة: “أنا مش عايزة أكسب يا مرات خالي. أنا عايزة حقي بس. حقي إني أعيش بكرامة. أمي ماخدتش منك حاجة… أبويا هو اللي اختارها. وذنبها الوحيد إنها حبته.”


 


الكلمة نزلت على نيفين زي الصاعقة. رجعت خطوة لورا وقعدت على الكنبة. كأنها شافت شبح أختها. سكتت دقيقة كاملة، وبعدين دموعها نزلت. عياط ندم وكبرياء مكسور.


 


الصمت قطعته دقيقة كاملة. عمار بص لأمه، وبص لجميلة.


“من النهاردة، جميلة هتعيش هنا.” قالها بحزم. “مش خدامة. هتعيش بنت عمتي. في أوضتها، بتتعلم في جامعتها، بكرامتها. واللي مش عاجبه… الباب يفوت جمل.”


 


كريم قرب منهم ببطء. بص لأخوه الكبير، ولأول مرة يحس بالخزي من نفسه.


“أنا… أنا آسف يا عمار.” قالها بصوت مكسور. “آسف يا جميلة. كنت حقير. سامحوني.”


 


عمار ساب إيد جميلة وحضن أخوه. حضن رجالة. “سامحتك يا كريم. المهم إنك فوقت.”


 


كل العيون اتحولت على نيفين. كانت ساكتة، دموعها نازلة على وشها اللي كبر 10 سنين في دقيقة. قامت وقفت مشيت لحد جميلة.


رفعت إيديها… جميلة غمضت عينيها بخوف.


بس إيد نيفين نزلت على كتفها طبطبة. طبطبة خفيفة مرتعشة.


“سامحيني يا بنت أختي.” قالتها بصوت متحشرج. “سامحيني… شيطاني عمايني. أمك كانت أحسن مني.”


 


جميلة مقدرتش تمسك نفسها. الدموع نزلت من غير صوت. هزت راسها بس.


 


نيفين بصت لعمار: “خدها أوضتها… أوضة الضيوف اللي فوق. من النهاردة دي أوضتها. وأنا اللي هجهزها.”


 


عمار ابتسم لأول مرة من الصبح. مسك إيد جميلة.


“يلا يا جميلة… يلا على بيتك.”


 


وهو طالع بيها السلم، همس لها: “مش قولتلك حقك هيرجع؟”


جميلة بصت له والدموع في عينيها بس المرة دي دموع راحة: “قولتلي… وأنا صدقتك.”


 


بعد 6 شهور


 


زغاريد طالعة من بيت نيفين هانم.


جميلة واقفة في أوضتها بفستان خطوبة لبني بسيط. عمار واقف قصادها ماسك علبة قطيفة صغيرة.


“تتجوزيني يا جميلة؟” قالها وهو بيفتح العلبة. “بعد ما تخلصي جامعتك… تتجوزيني ونبدأ صفحة جديدة مفيهاش ظلم قديم؟”


 


جميلة عينيها دمعت. دي المرة الأولى اللي حد يطلبها عشانها هي. مش شفقة، مش حماية… حب.


هزت راسها: “موافقة يا ابن خالي… موافقة.”


 


بره الأوضة، نيفين كانت واقفة سامعة كل حاجة. ابتسمت بحزن وفرح في نفس الوقت.


راحت لكريم اللي كان قاعد سرحان.


“قوم يا كريم.” طبطبت على كتفه. “قوم بارك لأخوك وبنت عمتك. كفاية اللي فات… كفاية أوي.”


 


الظلم اتقفل بابه، والخدامة بقت بنت البيت، والكره بدأ يدوب.


والمشوار لسه طويل…”


تمت. ❤️


الكاتبة ملك إبراهيم



 


 




تعليقات

التنقل السريع
    close