القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 ابن اختى  كاملة وحصريه 



ابن اختى  كاملة وحصريه 

حكايات بسمه


ابن أختي عاش في بيتي بعد وفاة أمه… وبعد 10 سنين لقيت تحت سريره حصالة مليانة فلوس وفوقها ورقة مكتوب فيها: «تمن الأكل اللي كلته عند خالي.»


 


أختي ماتت وابنها ياسين عنده 8 سنين.


 


أبوه كان متوفي قبلها.


 


فخدته يعيش معايا.


 


قلتله من أول يوم:


 


—البيت بيتك، وأنا أبوك قبل ما أكون خالك.


 


كان طفل هادي.


 


زيادة عن اللزوم.


 


عمره ما طلب لعبة.


 


ولا هدوم.


 


ولا حتى مصروف.


 


لو ولادي طلبوا أكل من بره، يقول:


 


—أنا مش جعان.


 


كنت فاكره مكسوف.


 


لحد ما كبر.


 


وبقى عنده 18 سنة.


 


وفي يوم كنت بدور على ورق في أوضته.


 


لقيت حصالة كبيرة تحت السرير.


 


فتحتها.


 


كانت مليانة فلوس.


 


فوقها ورقة مكتوب عليها:


 


«تمن الأكل اللي كلته عند خالي.»


 


قلبي اتقبض.


 


استنيته يرجع.


 


حطيت الحصالة قدامه.


 


—إيه دي؟


 


وشه اتغير.


 


—حاجة بتاعتي.


 


—ليه بتحوش تمن أكلك؟


 


سكت.


 


قلت:


 


—ياسين… مين قالك إنك لازم تدفع تمن أكلك في بيتي؟


 


بص ناحية المطبخ.


 


مراتي كانت واقفة.


 


قلت:


 


—بصلي أنا.


 


بدأ يعيط.


 


—محدش.


 


صرخت:


 


—متكدبش!


 


مراتي دخلت.


 


—بتزعقله ليه؟


 


رفعت الورقة.


 


—تعرفي حاجة عن دي؟


 


قالت:


 


—وأنا مالي؟


 


لكن ياسين قال:


 


—خلاص يا خالي.


 


—إيه اللي خلاص؟


 


قال:


 


—أنا ماشي.


 


مسكت دراعه.


 


—مش هتتحرك قبل ما أفهم.


 


سكت شوية.


 


وبعدين قال:


 


—كل يوم كنت باخد فيه مصروف، طنط كانت تكتب تمن أكلي في دفتر.


 


بصيت لمراتي.


 


—إيه؟!


 


قالت بسرعة:


 


—كنت بعلمه المسؤولية.


 


ياسين كمل:


 


—الفطار 10 جنيه.


 


الغدا 30.


 


الكهربا.


 


المية.


 


حتى الدوا لما كنت بتعب.


 


إيدي بدأت ترتعش.


 


—من إمتى؟


 


قال:


 


—من أول يوم جيت هنا.


 


دخل أوضته.


 


ورجع بدفتر قديم.


 


فتحته.


 


عشر سنين.


 


كل حاجة محسوبة.


 


وفي آخر صفحة مكتوب:


 


«إجمالي دين ياسين: 186 ألف جنيه.»


 


بصيت لمراتي.


 


—إنتِ عملتي كده في طفل يتيم؟


 


قالت:


 


—ما أنا اللي كنت بصرف عليه!


 


قلت:


 


—من فلوسي!


 


فجأة ياسين قال:


 


—لأ يا خالي.


 


بصيتله.


 


—يعني إيه؟


 


طلع ظرف من شنطته.


 


—أنا مكنتش عايز أقولك.



فتحته.


 


كان فيه كشوف حساب.


 


كل شهر مبلغ كبير بيتحول لمراتي.


 


قلت:


 


—الفلوس دي منين؟


 


قال:


 


—من ميراث ماما.


 


مراتي جريت ناحية الظرف.


 


مسكته قبلها.


 


راجعت الأرقام.


 


أكتر من مليون جنيه.


 


قلت:


 


—إنتِ كنتِ بتاخدي فلوسه… وتحسبيه على الأكل كمان؟


 


صرخت:


 


—مش فاهم حاجة!


 


ياسين طلع ورقة أخيرة.


 


—عشان كده كنت بحوش.


 


قلت:


 


—عشان تسدد الدين؟


 


هز راسه.


 


—لأ.


 


فتح الحصالة.


 


طلع من قاعها مفتاح.


 


—كنت بحوش عشان أول ما أتم 18 سنة أقدر أهرب قبل ما طنط تعرف إني لقيت الخزنة.


 


وش مراتي اصفر.


 


قلت:


 


—خزنة إيه؟


 


ياسين بصلي وقال:


 


—الخزنة اللي تحت سريرها.


 


—وفيها إيه؟


 


مد إيده جوه شنطته.


 


وطلع شهادة وفاة.


 


باسم أختي.


 


لكن تاريخ الوفاة مكنش من 10 سنين.


 


كان من 3 شهور بس.


 


بصيتله وأنا مش قادر أتكلم.


 


ياسين قال:


 


—خالي… ماما مكنتش ميتة زي ما قالولنا.


 


وبعدين بص لمراتي.


 


—وطنط تعرف كانت عايشة فين طول السنين دي.


 


قبل ما أسألها، جرس الباب رن.


 


فتحت.


 


لقيت راجل ماسك ملف وقال:


 


—حضرتك خال ياسين؟


 


قلت:


 


—أيوه.


 


بص ناحية مراتي وقال:


 


—إحنا جايين ننفذ وصية والدته.


 


سألته:


 


—وصية إيه؟


 


فتح الملف وقال:


 


—الوصية اللي كتبتها قبل موتها بثلاث أيام… وذكرت فيها بالاسم مين حبسها عشر سنين ومنع ابنها يعرف إنها لسه عايشة.


 


لفيت ناحية مراتي.


 


لكن ياسين مسك إيدي وقال:


 


—استنى يا خالي… قبل ما تسمع الوصية، لازم تعرف إن اسمك مكتوب فيها إنت كمان.


 


وقعت الكلمة عليا زي الصاعقة.


بصيت لياسين بذهول… دموعي نزلت من غير ما أحس.


—اسمي أنا يا ياسين؟ أنا اللي فتحتلك بيتي واعتبرتك ابني؟ أنا اللي كنت فاكر أختي ماتت وكنت ببكي عليها كل ليلة؟


ياسين بص للأرض، وصوته كان مخنوق بالوجع:


—عارف يا خالي… عشان كده أنا مكنتش عايز أظلمك. كنت مستني اللحظة دي عشان الحقيقة كلها تظهر قدامك.


الراجل اللي واقف على الباب دخل الشقة وقفل الباب وراه.


مراتي كانت واقفة مكانها، ملامحها اتحولت من الخوف لجمود مرعب. كأن القناع اللي لبسته عشر سنين وقع فجأة.


الرجل طلع دفتر أسود من الشنطة، وقال بصوت رسمي بارد:


—أنا الأستاذ عادل، محامي والدة ياسين… المرحومة فادية.



قلت بصوت مرعش:


—فادية… أختي كانت عايشة؟ فين؟ وإزاي؟


المحامي بص لمراتي وقال:


—في الملحق القديم بتاع بيت عيلتكم في البلد. البيت المهجور اللي قفلتوه من عشر سنين وقررتوا فجأة متقربوش منه.


الدنيا لفت بيا.


الملحق القديم؟


افتكرت قبل عشر سنين، لما مراتي ألفت عليا وقالتلي إن الملحق ده مسكون وفيه رطوبة ومشاكل في الأساسات، وأقنعتني نأجره لجمعية خيرية أو نقفله تماماً وننسى أمره.


قلت للمحامي وأنا بصرخ:


—بس الملحق ده مقفول بجنزير وقفل صدوا من السنين! أنا بنفسي كنت بروح هناك كل سنة أطمن عليه من بره!


ياسين رد عليا بصوت يقطع القلب:


—الجنازير كانت على الباب القديم يا خالي… لكن طنط فتحت باب سري من ورا الملحق، من ناحية الأراضي الزراعية. كانت بتروح هناك مرتين في الأسبوع. كنا بنفتكرها بتزور أهلها أو بتشتري طلبات للبيت… لكنها كانت بتروح تأكل السجينة.


بصيت لمراتي.


صوت أنفاسها كان عالي وسريع.


—إنتِ… إنتِ عملتي كده؟ أختي؟ فادية اللي كانت بتعتبرك أختها؟


مراتي ضحكت ضحكة هستيرية مفاجأة هزت أركان البيت:


—أختك؟! فادية طول عمرها كانت شيفا نفسها أحسن مني! ورثت أكتر مني ومنك! لما جوزها مات وسابتلك الوصاية على فلوسها وعلى ابنها، كانت فاكرة إنك هتحميها؟ أنا اللي كنت بستحق الفلوس دي! أنا اللي تعبت معاك وبنيت معاك البيت ده خطوة بخطوة!


المحامي قاطعها بصوت حازم وقال:


—الوصية مش بس بتشرح مكان حبسها وكيفية إطعامها… الوصية فيها اتهام مباشر لحضرتك يا فندم (وجه كلامه ليا).


برقت عيني بالرعب:


—اتهام بإيه؟


المحامي فتح الورقة الأولى وقرأ بصوت مسموع:


«أنا فادية… أكتب هذه الكلمات وأنا بكامل قواي العقلية، من داخل الغرفة المظلمة التي حبستني فيها زوجة أخي. أكتب لأحمي ابني ياسين. وأتهم أخي “محمود” بأنه شريك في ج*ريمة خطفي وحبسي، حيث قام بنفسه بالتوقيع على أوراق تنازل عن أملاكي، وحصل على مبالغ مالية ضخمة تم تحويلها لحسابه البنكي الشخصي طوال العشر سنوات الماضية.»


صدمتي كانت أكبر من إني أستوعبها. تراجعت لورا وسندت على الحيطة.


—أنا؟ أنا وقعت على تنازلات؟ أنا متحولش لحسابي قرش واحد من أملاك أختي!


ياسين طلع تليفونه، وفتح تطبيق البنك الخاص بيا… تليفوني اللي مراتي كانت دايماً بتمسكه بحجة إنها بتدفع الفواتير وتظبط حسابات البيت والجمعيات لأنها “أشطر مني في الحسابات”.


ياسين وراني الشاشة.


فيه حساب فرعي خفي باسمي… مكنتش أعرف عنه أي حاجة.


الحساب ده كان بيستقبل مئات الآلاف كل فترة كعائد من أطيان وعقارات أختي، وبتتسحب منه الفلوس كاش في نفس اليوم من ماكينات الصراف الآلي!



بصيت لمراتي وأنا حاسس إن الدم تجمد في عروقي.


—التوكيل العام…


افتكرت من عشر سنين، لما أختي اختفت فجأة، ومراتي أقنعتني إنها هربت بره مصر مع حد غريب بعد موت جوزها، وطلبت مني أعملها توكيل عام عشان تقدر تخلص أوراق البحث الجنائي وتتابع البنوك من غير ما تضيع وقتي في المحاكم.


مراتي استخدمت التوكيل ده عشان تفتح الحساب الفرعي باسمي، وتزور توقيعي وتوقيع أختي على أوراق التنازل والبيع والشراء!


ياسين قرب مني، وعينه مليانة دموع وعتاب مرير:


—كنت مصدقها يا خالي؟ عشر سنين ومحاولتش تدور على أختك بجد؟ كنت بتسمع كلام مراتي لما تقولك “فادية هربت وسابت ابنها عشان مش عايزة تتحمل مسؤوليته”؟ إزاي صدقت إن أمي تسيبني وتمشي؟


مراتي صرخت بأعلى صوتها وهي بتشاور عليا:


—أنا معملتش حاجة لوحدي! المحكمة مش هتصدق إنك مكنتش تعرف بالحساب البنكي اللي باسمك! إنت شريكي في السجن يا محمود! لو أنا دخلت السجن، إنت هتدخل معايا وهتتسجن بتهمة تزوير واختطاف أختك وغسيل الأموال!


المحامي بص لمراتي ببرود شديد وقال:


—الكلام ده مش حقيقي قانونياً… المرحومة فادية كانت ذكية جداً برغم قسوة حبسها. قبل وفاتها بثلاث أيام، وبمساعدة حارس قديم كان بيشفق عليها ويجيب لها الأدوية في غيابك (بص لمراتي)، قدرت تسجل فيديو كامل بالصوت والصورة بتشرح فيه كل التفاصيل، وبتقول إن محمود أخوها ملوش ذنب وإنه مغفل ومخدوع، وإن التوقيعات مزورة بالكامل من زوجته بموجب توكيل قديم.


وش مراتي اتقلب وبقى لونه شاحب زي الج*ثث.


المحامي كمل وهو بيقفل الملف:


—لكن… الفيديو ده والوصية دي مش هما كل حاجة.


سألته بلهفة وخوف ضرب كل حواسي:


—أومال فيه إيه تاني؟


المحامي بص لياسين، وياسين أخد نفس عميق، وطلع مفتاح تاني من جيبه… مفتاح قديم ومصدي، وعليه علامة غريبة محفورة بالنحاس.


ياسين قال بصوت حاد ومرعب:


—فيه سر تاني يا خالي… سر أمي مخبياه في الخزنة اللي تحت سرير طنط. سر لو عرفته… هتعرف إن مراتي مش بس حبست أمي عشان الفلوس.


وقف ياسين وبص ناحية أوضة نومي…


—السر ده يخص موت أبويا كمان من 11 سنة. الموت اللي قالوا إنه كان سكتة قلبية مفاجئة.


ارتعشت رجلي ومبقتش قادر أقف على طولي.


وفجأة… ومن غير أي مقدمات، مراتي جريت بسرعة جنونية ناحية المطبخ…


 

ابن اختى ٢

حكايات بسمه


وجريت وراها وأنا بصرخ بأعلى صوتي، وياسين والمحامي ورايا.


دخلنا المطبخ ولقيناها واقفة وماسكة س*كين كبير من بتوع التقطيع، عينيها كانت جاحظة والجنون والغل باينين في كل ملامحها. كانت بتنهج برعب وصوبت الس/كينة ناحيتنا وهي بتصرخ:


— محدش يقرب مني! والله العظيم اللي هيقرب لق*تله! إنتو فاكرين إنكم هترموني في السجن وتورثوا كل حاجة؟ أنا ضيعت عمري عشان أأمن مستقبل عيالي! ياسين ده كان لازم يموت مع أمه وأبوه!


لما قالت جملتها الأخيرة دي، حسيت كأن السقف وقع فوق دماغي.


— يموت مع أبوه؟! إنتِ عملتي إيه في جوز أختي يا فاجرة؟


مراتي ضحكت بمرارة ودموعها نازلة:


— جوز أختك اللي كان كاشفني؟ اللي عرف إني كنت بسرق من وراك وبشتري دهب وأراضي من ورا ضهرك؟ هددني إنه هيقولك وهيطلقني منك ويفضحني قدام عيلتي كلها! مكنش قدامي حل تاني.. حطيتله السم في دواه، ومات وهو فاكر إنه تعبان! والدكاترة قالوا سكتة قلبية والكل صدق.. الكل غبي! حتى أختك الغبية لما بدأت تشك فيا بعد موته وتدور ورايا، كان لازم أخلص منها.. بس مقدرتش أق*تلها.. مكنتش عايزة حبل المشنقة يلف حوالين رقبتي مرتين.. قلت أحبسها في مكان محدش يدور فيه.. مكان مهجور.. وأخليها تموت بالبطيء!


ياسين كان واقف، برغم دموعه وصغر سنه، كان ثابت زي الجبل. بص لمراتي بنظرة كلها كبرياء وقالها بصوت هادي ومرعب:


— والبطيء ده خلص يا طنط.. وأمي ماتت.. بس سابتلي المفتاح اللي يوديكي حبل المشنقة برضه.


المحامي عادل طلع تليفونه بسرعة وطلب الشرطة، وبدأ يمليهم العنوان بالتفصيل ويستعجلهم.


مراتي لما سمعت مكالمة الشرطة، انهار توازنها تماماً، وبدأت تبص حواليها كالمصعوبة، وفجأة وجهت السك*ينة لرقبتها هي!


— مش هتحبس! مش هسيبكم تشمتوا فيا!


في لحظة خاطفة، ومن غير ما أفكر في حياتي، رميت نفسي عليها ومسكت إيدها اللي فيها الس/كينة. دارت بيننا معركة شرسة، كانت بتتحرك بقوة وحشية كأنها بتحارب الموت. الس/كينة جرحت إيدي وسالت دموعي ودمائي في نفس الوقت، لحد ما قدرت أزق إيدها بعيد وأوقع الس/كين على الأرض. ياسين جري بسرعة وزق الس/كينة برجله تحت التلاجة، والمحامي مسك مراتي من كتافها وثبتها في الأرض وهي بتصرخ وتدعي علينا وتعيط بهستيريا.


قعدت على ركب السيراميك وأنا بنهج، جرح إيدي كان بينزف بس مكنتش حاسس بيه.. الألم اللي في قلبي كان مغطي على أي وجع تاني. بصيت لياسين وقلتله بصوت مكسور:


— حقك عليا يا ابن أختي.. أنا اللي كنت مغفل.. أنا اللي ضيعت أختي وضيعت طفولتك..


ياسين قرب مني، قعد جنبي على الأرض، وبإيده الطاهرة مسح دموعي وقال:


— إنت ملكش ذنب يا خالي.. إنت كنت ضحية زيي.. هي كانت بتخطط لكل حاجة من قبل ما أمي تتخطف.. كانت بتسمم أفكارك وتتحكم في كل خطوة بتخطيها.. يلا بينا نقوم.. لازم نفتح الخزنة ونشوف أمي سابت إيه قبل ما البوليس يوصل.


قومت معاه وأنا حاسس بدوار شديد. سبنا المحامي عادل ماسك مراتي اللي كانت بتئن في الأرض وتندب حظها، ودخلنا أوضة نومي.


نزلنا على ركبنا تحت السرير. ياسين مد إيده وطلع الخزنة الحديدية الصغيرة اللي كانت مستخبية في فتحة سرية ومغطية بقطعة موكيت قديمة. الخزنة كانت تقيلة وراسية.


ياسين حط المفتاح المصدي في القفل.. ولف المفتاح..


تكة القفل وهي بتفتح كانت كأنها بتفتح أبواب الجحيم اللي عشنا فيه عشر سنين.


فتحت الغطا..


وجوه الخزنة، لقيت حاجات مكنتش أتخيلها في أشد كوابيسي سواداً.


كان فيه علب أدوية فاضية.. نفس الأدوية اللي كان بياخدها جوز أختي قبل ما يموت.


وكان فيه أجندة صغيرة بخط إيد مراتي.. كاتبة فيها تواريخ، وجنب كل تاريخ اسم سم معين وجرعته!


لكن الصدمة الأكبر.. كانت ظرف أحمر كبير مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه من بره بخط إيد أختي فادية الواضح:


«إلى أخي محمود.. وإلى رجال العدالة.. لو تم فتح هذه الخزنة بعد موتي، فاعلموا أن الجريمة لم تنته بحبسي.. واعلموا أن هناك شخصاً آخر ساعد زوجة أخي في كل خطوة.. شخصاً يعيش معكم في نفس البيت ويظهر لكم الحب وهو يحمل الموت في جيبه..»


وقفت أنفاسي وأنا بقرا السطور دي..


بصيت لياسين بذهول، وياسين بصلي وعينيه اتسعت من الرعب..


وفجأة، سمعنا صوت حركة خفيفة ورا الباب.. صوت حد كان واقف بيسمعنا من أول ما دخلنا الأوضة!


التفتنا بسرعة ناحية الباب.. وناديت بصوت مرعش:


— مين واقف بره؟!


الباب اتفتح ببطء شديد، وظهر من وراه ضل شخص ملامحه غرقانة في الضلمة.


دقات قلبي كانت مسموعة في الأوضة كلها. خطوة ورا خطوة، وبدأ الشخص ده يقرب مننا لحد ما النور جه على وشه.


كان ابني الكبير، حازم.


عنده 21 سنة. وشه كان خالي تماماً من أي تعبير، كأنه مكنش لسه سامع أمه وهي بتعترف بق*تل جوز أختي وحبس أختي عشر سنين. كان واقف وباصص للظرف الأحمر اللي في إيد ياسين بنظرة باردة غريبة، نظرة عمري ما شفتها في عيون ابني اللي ربيته.


قلت بصوت مرعش وأنا بحاول أتماسك:


— حازم؟ إنت واقف هنا من إمتى؟ وسمعت إيه؟


حازم مد إيده في جيب بنطلونه، وطلع علبة قطرة صغيرة، وحطها على الترابيزة اللي جنب الباب بهدوء مريب. وقال بصوت واطي ومستقر:


— سمعت كل حاجة يا بابا.. من أول ما ياسين دخل بالحصالة لحد ما المحامي اتصل بالبوليس.


ياسين بص لعلبة القطرة، وبعدين بص لحازم، وعينيه لمعت بدموع جديدة، بس المرة دي كانت دموع خيبة أمل في الشخص اللي كان بيعتبره أخوه الكبير. ياسين قال بصوت مبحوح:


— القطرة دي.. دي اللي كنت بتخليني أحطها لعيني لما كانت بتوجعني يا حازم؟ اللي كنت بتقولي إنها مهدئة؟


حازم مبردش عليه، لكن بصلي أنا وقال:


— بابا.. أمي مكنتش بتعمل كل ده لوحدها. أنا اللي كنت بساعدها.


سندت على دولاب الهدوم لأني حسيت إن ركبي مش شايلاني. ابني؟ حازم اللي كنت بستشيره في كل حاجة؟ اللي كنت بقول عليه سندي في الدنيا؟


— إنت يا حازم؟ إنت تشترك مع أمك في حبس عمتك؟ وتعذب ابن عمتك اليتيم اللي عايش معاك في نفس الأوضة؟ ليه؟ أنا قصرت معاكم في إيه؟


حازم صوته علي شوية، وبدأ الغضب يظهر على ملامحه:


— قصرت في إنك كنت دايماً شايف ياسين وأهله أحسن مننا! كنت دايماً تقولي شوف ياسين مؤدب إزاي، شوف ياسين هادي إزاي! أمي فهمتني من وأنا عندي 12 سنة إن فلوس عمتي دي من حقنا إحنا. إن عمتي وجوزها أخدوا ورث مش بتاعهم. فهمتني إننا لو سكتنا، ياسين هيكبر ويأخد كل حاجة وإحنا مش هنلاقي ناكل!


صرخت فيه بأعلى صوتي والدموع مغرقة وشي:


— دي أختي! وده ابنها! دي فلوسهم ورثهم من أبوهم وأمهم! إنتو إيه؟ شياطين؟ إزاي قدرت تبص في وش ياسين كل يوم وتنام جنبه في نفس الأوضة وإنت عارف إن أمه محبوسة في خرابة وبتتعذب؟


حازم ضحك بسخرية ممريرة:


— كنت ببص في وشه عادي يا بابا.. لأن ياسين مكنش بيصعب عليا. أنا اللي كنت بروح الملحق القديم بالليل لما أمي تتعب. أنا اللي كنت برمي لأختك الأكل من فتحة السقف الصغيرة. وأنا اللي كنت بحط لياسين المادة اللي في القطرة دي في قطرة العين بتاعته عشان دايماً يفضل خامل، وذاكرته تضعف، وميركزش في أي حاجة بتحصل حواليه! عشان لما يطلب أكل أو يفتكر تفصيلة من يوم موت أبوه، ينسى تاني يوم!


ياسين حط إيده على راسه كأنه بيكتشف سر الصداع المزمن والخمول اللي كان بيعاني منهم طول سنين طفولته ومراهقته. بص لحازم وقال بكسرة:


— عشان كده.. عشان كده كنت دايماً تجيبلي القطرة وتقولي “عليك مجهدة من المذاكرة يا ياسين”.. كنت بتسممني بالبطيء يا ابن خالي؟


المحامي عادل تدخل بسرعة وهو ماسك التليفون وباصص لحازم بحذر:


— يا حازم، البوليس على وصول. اعترافك ده هيتسجل، والظرف اللي في إيد ياسين فيه أدلة تدينك إنت وأمك بشكل كامل. مفيش مفر.



حازم بص للمحامي ببرود وقال:


— إنت فاكر إني خايف من البوليس؟ أنا مأمن نفسي كويس أوي.. وبابا كمان مأمنني.


بصيتله بذهول:


— أنا؟ مأمنك في إيه؟


حازم طلع تليفونه وضغط على زرار، وفجأة اشتغل تسجيل صوتي بصوتي أنا!


التسجيل كان بيقول: “يا حازم، أنا موافق على كل اللي بتعمله أمك.. الفلوس دي لازم تدخل حسابنا بأي طريقة، وفادية لازم تفضل بعيد عننا ومحدش يعرف عنها حاجة.”


برقت عيني بالرعب والصدمة.


— التسجيل ده كدب! أنا عمري ما قلت الكلام ده! ده مش صوتي.. لأ، ده صوتي بس أنا مقلتش الجمل دي!


حازم ابتسم بثقة شريرة:


— طبعاً مقلتهاش يا بابا.. دي تقنية الذكاء الاصطناعي لتزييف الأصوات. جمعت مقاطع من صوتك على مدار سنتين وركبت الجمل دي بدقة عالية جداً. لو أنا وأمي دخلنا السجن، التسجيل ده هيروح للنيابة، وهتتحبس معانا بتهمة التخطيط والتحريض.. يعني يا ننجو سوا، يا نغرق سوا!


في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينات عربيات الشرطة وهي بتقف تحت البيت بأعداد كبيرة. صوت الأبواب الحديدية للعربيات وهي بتتفتح، وصوت خطوات العساكر السريعة وهي طالعة على السلم.


مراتي اللي كانت مرمية في المطبخ بدأت تصرخ وتنادي على حازم:


— الحقني يا حازم! البوليس جه! اخلص منهم!


حازم ملامحه فجأة اتحولت للجنون.. مد إيده في جيبه التاني، وطلع جهاز صغير فيه زرار أحمر.. وبص لياسين وليا وقال بصوت مرعب:


— أنا مش هسجن.. والموت أسهل لي من إني أشوف ياسين بياخد كل حاجة وإحنا بنتدمر. الملحق القديم مش هو المكان الوحيد اللي كنا بنخبي فيه الأسرار.. البيت ده نفسه مبني فوق قنبلة موقوتة!


ياسين صرخ:


— خالي! امسكوه! الجهاز ده متوصل بـ…


وقبل ما ياسين يكمل جملته، حازم ضغط على الزرار الأحمر.. وصوت صفير حاد جداً بدأ يطلع من جدران الأوضة!


يتبع في الجزء الخامس والأخير..)


 

ابن اختى ٣

حكايات بسمه

الصوت الحاد كان بيزيد سرعة وقوة، كأنه عد تنازلي لشيء كارثي. ريحة غاز قوية ونفاذة بدأت تنتشر في الأوضة بسرعة رهيبة.


ياسين صرخ وهو بيكح:


— الغاز يا خالي! حازم موصل المحبس الرئيسي للبيت بنظام إشعال ذاتي كهربي تحت السرير! لو الشرطة دخلت وفتحت الباب بالكهربا أو أي شرارة حصلت، الشقة كلها هتنفجر!


حازم ضحك بجنون وهو بيتراجع لورا ناحية الشباك:


— مفيش حد هيخرج من هنا ومعاه ورق يدمرني! الورق ده هيموت هنا.. وإنتو معاه!


في اللحظة دي، الباب الخارجي للشقة اتكسر بقوة، ودخلت قوة من الشرطة يقودها ضابط برتبة رائد، وتحت إيديهم مراتي اللي كانت بتصرخ وهي مكلبشة. الضابط شم ريحة الغاز وصرخ في عساكره:


— بسرعة! اقطعوا كهربا العمارة كلها من المفتاح الرئيسي بره! حدش يشغل كشافات أو تليفونات!


حازم لما شاف الضابط داخل الأوضة، رمى نفسه من شباك الدور الأول على جنينة البيت وهرب في الضلمة. الضابط صرخ:


— وراه! امسكوه بسرعة!


ياسين مجريش ورا حازم، لكن عينه كانت على شيء واحد.. الظرف الأحمر والعلب اللي جوه الخزنة. رمى نفسه على الأرض وسط ريحة الغاز الخانقة اللي بدأت تسحب الأكسجين من الأوضة، وسحب الظرف الحديدي بقوة. أنا جريت عليه وسحبته لبره الأوضة وإحنا بنكح ودموعنا نازلة من خنقة الغاز.


المحامي عادل كان واقف بره في الصالة، ملامحه كانت هادية زيادة عن اللزوم برغم الفوضى وصراخ مراتي والشرطة اللي بتجري ورا ابني في الشارع. بصيتله بشك وأنا باخد نفسي بصعوبة:


— أستاذ عادل.. إنت كنت عارف إن فيه غاز وفيه خطر هنا؟ ليه م حذرتناش؟


عادل ميردش عليا، وبص لياسين وقال بنبرة غريبة وجافة:


— ياسين.. هات الظرف ده بسرعة. لازم أحفظه في أحراز الق*ضية قبل ما يضيع أو يتلف من الغاز.


ياسين، برغم التعب والخمول اللي كان مسيطر عليه بسبب السموم اللي كان بياخدها سنين، تراجع خطوتين لورا وحضن الظرف لصدره وقال بنبرة شك:


— لأ يا أستاذ عادل.. أمي قالتلي في وصيتها الشفوية القديمة.. “الظرف الأحمر ميسلموش ياسين إلا للقاضي بنفسه في المحكمة.. ومحدش يلمسه قبله.”


ملامح المحامي عادل اتغيرت في ثانية. البرود والهدوء اللي كان عليه اختفوا تماماً، وحل مكانهم نظرة غل وتهديد واضحة. خطى خطوة سريعة ناحية ياسين ومد إيده بقوة عشان يشد الظرف منه، لكن أنا وقفت في النص وزقيته بعيد.


— في إيه يا متر؟ الولد قالك مش هيسلم الظرف غير في المحكمة! إنت مستعجل عليه كده ليه؟


الرائد أحمد (ضابط المباحث) دخل الصالة بعد ما العساكر أمنوا محابس الغاز وفتحوا الشبابيك كلها للتهوية. بص لعادل بشك وقال:



— في إيه هنا؟ إيه الظرف ده؟


عادل اتوتر بسرعة وقال:


— يا فندم ده حرز أساسي في القض/ية، وأنا كمحامي الضحية لازم أستلمه عشان أقدمه للنيابة مع بلاغ الاختطاف والقت/ل.


ياسين صرخ بصوت عالي وهو بيفتح طرف الظرف الأحمر اللي كان مقفول بالشمع، والورق بدأ يظهر منه:


— لأ يا حضرة الضابط! المحامي ده كداب! بص على الورقة دي!


ياسين سحب ورقة من الظرف، وكانت عبارة عن عقد بيع وتنازل عن نص أطيان أمي.. والمشتري مكنش مراتي، ولا حازم..


المشتري كان “عادل عبد الرحمن”.. المحامي نفسه! وبسعر بخس جداً وتاريخ العقد كان من 5 سنين! يعني في وسط فترة حبس أمي!


وقعت الصدمة عليا تاني كأنها جبل بيهد فوق راسي. بصيت لعادل وأنا مش مصدق:


— إنت؟ إنت شريك معاهم؟ إنت اللي كنت بتخلص لمراتي ورق التنازلات وبتشتريه لنفسك؟


عادل تراجع لورا وبدأ يحس إن الخناق بيضيق عليه، خصوصاً مع نظرات الضابط أحمد اللي شاور لعساكره يقفلوا باب الشقة ويحاصروه. عادل ضحك بسخرية وقال:


— هههه.. فادية هي اللي عرضت عليا البيع عشان تشتري حريتها! مرتك كانت حابساها، وأنا كنت الوسيط اللي بيقنع فادية تمضي على التنازلات مقابل إننا نخفف عنها التعذيب ونبطل ندي ابنها السم! أنا مكنتش شريك في الحبس.. أنا كنت مجرد رجل أعمال بيستغل الفرصة!


الضابط أحمد قرب منه وكلبش إيده بعنف:


— استغلال فرصة في ج/ريمة خط/ف وتع/ذيب وق*تل بالسم؟ ده إنت ليلتك سودا يا متر.


مراتي اللي كانت قاعدة في الأرض بتعيط، بصت لعادل وبدأت تصرخ وتضحك بهستيريا:


— شوفت؟ قلتلك محمود هيعرف! قلتلك ياسين مش غبي وهيلاقي الخزنة! إنت اللي قولتلي سيبيهم وأنا هأمنلك الورق وأخلي الحكومة تقبض على محمود لوحده! إنت اللي دمرتنا!


الضابط أحمد شاور للعساكر:


— خدوهم على البوكس فوراً.. واعملوا نشرة سريعة للقبض على المدعو حازم محمود.


وقفت في وسط الصالة وأنا حاسس إن حياتي كلها كانت كدبة كبيرة. مراتي، ابني الكبير، والمحامي اللي كنت فاكره جاي ينقذنا.. كلهم كانوا عصابة بتنهش في جثة أختي وابنها اليتيم بقالهم عشر سنين.


قربت من ياسين، وطبطبت على كتفه وأنا كلي خجل وندم:


— ياسين.. أنا مستعد لأي عقاب.. حتى لو المحكمة سجنوني بتهمة الإهمال أو عشان الحساب اللي باسمي.. أنا مش هدافع عن نفسي. أنا مستعد أدفع تمن غفلتي.


ياسين بص للظرف الأحمر في إيده، وسحب منه ورقة تانية صغيرة كانت مطوية بعناية. بص فيها وعينيه وسعت برعب حقيقي، كأنه قرأ شيء فاق كل التوقعات اللي فاتت.



مسكت دراعه بخوف:


— في إيه يا ياسين؟ الورقة دي فيها إيه تاني؟


ياسين بصلي وصوته كان بيرعش لدرجة مسمعتش زيها من أول الأزمة:


— خالي.. أمي مكنتش كاتبة الاتهام ده ليك ولا لمراتي بس..


سألته برعب:


— أومال لمين؟


ياسين شاور بصابعه المرتعش على السطر الأخير في الرسالة وقال:


— أمي كاتبة إن الشخص اللي دل مراتي على مكان السم البطيء.. واللي كان بيساعد حازم في تركيب الجرعات.. والمسؤول الأول عن موت أبويا.. هو شخص عايش في البيت ده من زمان.. ومش حازم ولا مراتي..


بصيت للورقة وقريت الاسم المكتوب.. وحسيت إن قلبي وقف عن النبض تماماً لما شوفت الاسم!


بصيت في الورقة، الكلمات كانت واضحة كأنها مكتوبة بنار في عيني. الاسم اللي كان مكتوب هو: **«الجد… والدك يا محمود.»**


سقطت الورقة من إيدي، وحسيت إن دماغي هتنفجر. والدي؟ الراجل اللي كان بيصلي الفجر في الجامع، الراجل اللي كان بيقعد يقرأ القرآن بالساعات، الراجل اللي كان ياسين بيحبه وبيعتبره جده الحنين؟


ياسين كان في حالة صدمة، صوته كان بيطلع بالعافية:


— خالي.. جدو هو اللي كان بيجيب السم؟ هو اللي كان بيوافق على كل ده؟


بصيت ناحية أوضة جدي اللي في آخر الطرقة. كانت مقفولة كالعادة. في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط بالراحة على باب أوضته، وفتح الباب وطلع جدي.. كان ماشي ببطء، ماسك عكازه الخشب، وعيونه كانت باردة بشكل مرعب، خالية من أي إحساس بالذنب.


بص لنا.. بص لياسين وللظرف اللي في إيده، وبعدين بص لي بابتسامة صفراء مشت مع ملامحه العجوزة.


— كنت عارف إن اليوم ده هييجي.


اتسمرت في مكاني. صوتي طلع هامس:


— بابا؟ إيه اللي مكتوب ده؟ أختي بتقول إنك إنت اللي كنت بتساعدهم؟ ليه؟ ليه تعمل في بنتك كده؟


الجد مشي خطوات ناحية الصالة، وقف قدامنا، وبص لياسين بنظرة حادة:


— عشان الفلوس يا محمود. عشان العز اللي عيلتنا كانت فيه، والفلوس اللي بدأت تخلص، والديون اللي كانت محاصرة تجارتي. فادية كانت غبية، كانت عايزة توزع الورث وتتبرع بجزء منه للجمعيات الخيرية، وأنا مكنتش هسمح بضياع مليم واحد من اللي تعبت فيه طول عمري.


سكت لحظة، وكمل بنبرة عدوانية:


— مرتك كانت طماعة، وحازم كان محتاج دفعة صغيرة عشان يبدأ يكره ياسين، وأنا اللي كنت بحط الخطة. كنت أنا العقل المدبر ورا كل ده، من أول سم جوز أختك لحد حبسها في الملحق.


ياسين صرخ:


— دي بنتك! دي لحمك ودمك!


الجد ضحك ضحكة قاسية:


— الدم بيخلص يا ياسين، لكن الفلوس بتفضل. لما عرفت إن فادية بدأت تشك فيا، قررت أتخلص منها نهائياً، بس مرتك اللي اقترحت فكرة الحبس عشان نستنزف حساباتها البنكية بالتدريج.



بصيت له وأنا حاسس إن كل ذكرياتي معاه بتتحرق.


— إنت شيطان.. أنا هسلمك للشرطة بنفسي.


الجد مد إيده في جيبه، طلع مسدس صغير.. مسدس قديم، وبص لنا ببرود:


— أنا ماليش مكان في السجن يا محمود. وعمري ما هسمح لمراهق زيك (بص لياسين) ولا لمجرمة زيك (بص لمراتي اللي كانت لسه مكلبشة جنب الضابط) إنكم تنهوا تاريخي.


الرائد أحمد حاول يتدخل، لكن الجد رفع المسدس في وشه بسرعة:


— ابعد يا ضابط.. لو خطوة واحدة، هفرغ الرصاص ده في صدر حفيدي اللي بيمسك الظرف الأحمر ده!


ياسين كان ماسك الظرف قدامه كأنه درع. الجد كان بيتحرك ناحيتنا ببطء، والشرطة محاصراه بس مفيش حد قادر يقرب عشان ميهددش حياة ياسين.


في لحظة غفلة من الجد، ياسين رما الظرف في الأرض بقوة في اتجاه الضابط، وانحنى عشان يتحرك، بس الجد أطلق رصاصة.. الصوت هز البيت كله!


صرخة ياسين ملأت المكان، بس الرصاصة مكنتش فيه.. كانت في إيدي أنا اللي حاولت أقف قدام ياسين عشان أحميه!


وقعت على الأرض، ودمي بدأ يغرق السجادة. الشرطة في اللحظة دي هجموا على جدي، صوت اشتباك، وصوت ضرب، ولحظات من الفوضى العارمة.. لحد ما سمعت صوت الكلابشات وهي بتتقفل في إيد والدي اللي كان بيشتم ويصرخ.


آخر حاجة شفتها قبل ما أغيب عن الوعي هي ياسين، اللي كان بيعيط وهو بيضغط على جرح إيدي بإيدين مرتعشة، وصوت الضابط أحمد وهو بينادي على الإسعاف.


 


فتحت عيني ببطء… ريحة المطهرات وجدران المستشفى البيضا كانت أول حاجة شوفتها. الألم في كتفي كان لسه بيصرخ، بس الألم اللي في قلبي كان هدي شوية لما عيني جت عليه.


ياسين كان قاعد على الكرسي اللي جنب السرير، راسه ساندة على إيدي السليمة، نايم من التعب والدموع معلمة على وشه.


حركت صوابعي بالراحة، فصحى مخضوض. أول ما شافني صاحي، عينه لمعت بدموع الفرحة:


— الحمد لله على سلامتك يا خالي.. كنت خايف تروح مني إنت كمان.


ابتسمت بضعف وقلتله بصوت مبحوح:


— أنا عايش يا ياسين.. عشان أكفر عن غفلتي.. وعشان أعوضك عن كل يوم عشته في بيتي وإنت حاسس إنك غريب.


الضابط أحمد دخل الأوضة بعد شوية، وعلامات الارتياح على وشه. بصلنا وقال:


— حمد لله على السلامة يا بطل. رصاصة جدك جت في الكتف والحمد لله ملمستش شريان رئيسي.


سألته بلهفة وخوف:


— وبابا؟ ومراتي؟ وحازم؟


الضابط أحمد اتنهد وقعد على طرف الكرسي:


— العدالة أخدت مجراها يا محمود. جدك اعترف بكل حاجة بعد ما اتحاصر بالأدلة والظرف الأحمر اللي فادية الله يرحمها سابته. النيابة وجهتله تهمة التحريض والاشتراك في الق*تل العمد والاخ*تطاف، وبسبب سنه وصحته المتدهورة، غالباً هيقضي اللي باقي من عمره في مستشفى السجن وسط ذله وفضيحته.


وكمل وهو بيبص لياسين:


— أما مراتك والمحامي عادل، فالتهم لابسهم من ساسهم لراسهم. تزوير، اختط*اف، تعذ*يب، وقت*ل عمد بالسم لجوز أختك. العقوبة هتوصل للإعدام أو المؤبد على أقل تقدير.


سألته عن ابني بقلب مكسور:


— وحازم؟ ابني حازم فين؟


— اتمسك وهو بيحاول يهرب على طريق السفر. انهار في التحقيقات واعترف بكل حاجة.. حقد أمه وجدك زرعوا فيه شيطان، وبدل ما يحميك ويحمي ابن عمته، بقى شريك في تسميمه وحبس عمته. هو كمان مستقبله ضاع ورا القضبان.


الضابط مشي وسابنا لوحدنا.


بصيت لياسين اللي كان باصص من الشباك للسما الواسعة. سألته:


— والفلوس يا ياسين؟ أطيان أمك وورثها؟


ياسين لف وبصلي بابتسامة صافية:


— المحكمة جمدت كل الأرصدة والتنازلات المزورة رجعت باطلة. الورث كله رجع ليا يا خالي. أنا بقيت غني جداً بالورق.. بس الحقيقة، أنا مكنتش عايز من الدنيا دي كلها غير حضن حنين يحسسني بالأمان.. وده اللي إنت عملته لما أخدت الرصاصة مكاني.


مد ياسين إيده تحت الكرسي، وطلع الحصالة القديمة الكبيرة. حطها على السرير قدامي.


— الحصالة دي لسه فيها الفلوس يا خالي. «تمن الأكل اللي كلته عندك».


دموعي نزلت:


— لسه فاكر الوجع ده يا بني؟ ارميها.. ارميها في الزبالة أنا مش عايز أشوفها.


ياسين مسك إيدي السليمة وضغط عليها:


— لأ يا خالي.. الفلوس دي مش تمن أكل بجد. الفلوس دي كانت رمزي للحريّة اللي كنت بحلم بيها. بس دلوقتي، أنا هستخدم الفلوس اللي جوه الحصالة دي في حاجة تانية.


— حاجة إيه؟


— هنبني بيها مستوصف خيري لعلاج الغلابة في البلد، وباسم أمي «فادية». الملحق القديم اللي اتحبست فيه عشر سنين، هنهده ونبني مكانه دار رعاية للأيتام.. عشان مفيش طفل يتيم يدخل بيت ويحس إنه تقيل أو يدفع تمن لقمته تاني.


بصيت لياسين بفخر ملوش حدود. الطفل الهادي الزيادة عن اللزوم، كبر وبقى راجل بقلب أنقى من الذهب برغم كل السموم والشرور اللي عاش وسطها.


سحبته لحضني بكتف واحد سليم، وضمني ليه بكل قوته.


عشر سنين ضاعوا في الكدب والظلم، بس النهاردة، الشمس طلعت بجد على بيتنا.. شمس الحقيقة اللي دمرت الشياطين، وطهرت قلوبنا، وجمعتني بابن أختي اللي بقى ابني بجد.. وللأبد.



تعليقات

التنقل السريع
    close