القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 جوهرة البنهاوى كاملة 



جوهرة البنهاوى كاملة 


هي دي العروسة للي جاية من الارياف مش لابسة عباية سودة وريحتها بصل دي زي الاميرة


 


في المكتب الثاني، كان “آدم” قاعد مع “سوزي” خطيبته اللي شكلها يوحي بالرقة، بس قلبها عبارة عن “آلة حاسبة”.


ـ سوزي بدلال مزيف: “يا حبيبي اهدى.. إحنا اتفقنا إن دي ‘مصلحة’. الجد كتب الوصية كدة، الجواز من فاتن شرط عشان تستلم الـ 500 مليون جنيه والشركات. اتجوزها شهر، شهرين، خد الفلوس، وبعدين ارمي لها قرشين وطلقها ونرجع لبعض ونعيش ملوك.”


آدم بضيق: “أنا قرفان يا سوزي.. إزاي هبص في وشها؟”


سوزي ضحكت بوقاحة: “غمض عينك وتخيلني أنا يا بيبي.. الفلوس تستاهل التضحية.”


آدم راح لمكتب والده وافق ببرود، لكن والده حذره تحذيراً أخيراً:


ـ مصطفى: “لو دمعة واحدة نزلت من عين فاتن بسببك، هنسى إنك ابني.. فاتن أمانة، والوصية دي مش عشان الفلوس، دي عشان تنقذ رقبتك من اـ،ـلـ،ـو حـ،ـل اللي أنت عايش فيه مع سوزي وأمك.”


 


تاني يوم.. القصر كان متزيناً، بس الوجوه كانت كئيبة.


 


ثريا كانت واقفة بتبص للساعة بقرف، وآدم كان لابس بدلته السوداء وكأنه لابس كفنه، واقف بعيد بيشرب سجاير ورافض يقابل حد.


وفجأة.. الباب الكبير للقصر اتفتح.


 


دخل “مصطفى بيه” وهو ماسك إيد “العروسة”.


آدم مكنش عاوز يبص، كان باصص في الأرض وبيردد في سره: “يا رب تخلص الليلة دي، أكيد لابسة عباية سودة وريحتها بصل”.. لكن فجأة، سمع صوت “شهقة” مكتومة من أمه، وصوت وقع كوباية العصير من إيد سوزي.


رفع عينه ببطء.. وفجأة، الزمن وقف.


قدامه كانت واقفة بنت.. ملامحها “نور” رباني. عيون واسعة مكحلة بجمال طبيعي، بشرة صافية زي الحليب، وطول وجسد متناسق لفت حوله فستان بسيط جداً بس خلى جمالها يبان كأنها أميرة من أساطير ألف ليلة وليلة.


 


كانت بتتحرك بهدوء وثقة، وعينها فيها لمعة ذكاء مابنشوفهاش في “بنات الهوانم” المزيفين.


ـ آدم اتصدم، السيجارة وقعت من إيده وهو مش دريان، سأل بصوت مذهول: “مين دي؟!”


ـ مصطفى بابتسامة نصر: “دي فاتن يا آدم.. دي اللي جدك وصاك عليها بروحك.”


 


## الجزء الثاني


وقف آدم مكانه كأنه اتثبت في الأرض، عينيه مش قادرة تتحرك من على فاتن. الصدمة لجمت لسانه، والسيناريو اللي كان رسمه في خياله عن “البنت الجاية من الأرياف” اتمسح في ثانية واحدة. البساطة اللي هي فيها كانت أقوى من كل المظاهر الكدابة اللي عاش وسطها طول عمره.


فاتن كانت واقفه رافعة راسها، ملامحها هادية بس عينيها بتلمع بذكاء وكبرياء غريب. مكنش باين عليها الخوف أو الانبهار بالقصر، بالعكس، نظراتها كانت بتتحرك على المكان بهدوء، وكأنها بتقيم كل اللي واقفين.



ثريا، أم آدم، حاولت تلم صدمتها بسرعة، فركت إيديها ببعض وضغطت على سنانها وهي بتبص لفاتن من فوق لتحت بغل مكتوم. مشيت خطوات ناحيتها وهي بتحاول ترسم ابتسامة صفرا على وشها وقالت بصوت مليان تريقة مبطنة:


ـ “أهلاً يا حبيبتي.. منورة القصر. بس غريبة يعني، افتكرناكي هتيجي باللبس التقليدي بتاع بلدكم، مكنتش أعرف إن الموضة وصلت هناك وبقيتوا تلبسوا فساتين زينا!”


فاتن بصلتها بثبات، وابتسمت ابتسامة رقيقة بس واثقة وردت بصوت نقي ومسموع للكل:


ـ “الجمال والأصول مالهمش مكان يا طنط.. والأرياف اللي حضرتك بتتريقي عليها، علمتنا إن اللبس يستر ويصون، بس المحتد والأصل هما اللي بيبانوا في الوش. والجد، الله يرحمه، كان دايماً يقولي إن الزين زين لو قام من النوم، والشين شين لو غسل وشه كل يوم.”


الرد نزل على ثريا زي المية الساقعة، وشها احمر واتحرجت قدام الموجودين، وخصوصاً لما شافت نظرة الفخر في عين جوزها مصطفى بيه.


أما سوزي، فكانت واقفة بعيد، بتولع من كتر الغيظ. كوباية العصير اللي وقعت من إيدها كانت أقل تعبير عن الصدمة اللي حست بيها. قربت من آدم وبهمس حاد مليان غيرة:


ـ “آدم! إيه التنحة اللي أنت فيها دي؟ ما تفوق! دي في الأول والآخر حتة بنت فلاحين، أوعى تخلي الفستان ينسيك إحنا متفقين على إيه.. دي مجرد ‘مصلحة’ لشهور وبس!”


آدم ماردش على سوزي، ولا كأنه سامعها أصلاً. كان لسه باصص لفاتن اللي قربت مع والده.


مصطفى بيه أخد إيد فاتن وحطها في إيد آدم. أول ما لمست إيديه، حس برعشة غريبة سرت في جسمه. إيدها كانت ناعمة بس دافية وثابتة.


ـ مصطفى بصوت قوي: “آدم.. فاتن من النهاردة بقت مرتك على سنة الله ورسوله، وشرفها من شرفك. المأذون مستني جوة عشان نكتب الكتاب الرسمي بعد ما عملنا التوكيلات. عاوزك تشيلها في عينيك.”


آدم بلع ريقه بصعوبة، وهز راسه من غير ما ينطق ولا كلمة.


دخلوا الصالون الكبير، وتمت إجراءات كتب الكتاب وسط نظرات متناقضة؛ نظرة فرحة حقيقية من مصطفى بيه، ونظرات حقد وغل من ثريا وسوزي، وذهول تام مسيطر على آدم. بعد ما المأذون قال جملته الشهيرة “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”، مصطفى بيه طلب من الكل يسيبوا العرسان لوحدهم شوية.


ثريا وسوزي خرجوا وهما بيموتوا من الغيظ، ومصطفى بيه طبطب على كتف آدم وخرج وقفل الباب وراه.


الهدوء ساد المكان. آدم كان واقف بعيد، مش عارف يبدأ الكلام إزاي. التكبر اللي كان جواه من دقيقة فات اتهز. مشي خطوات بطيئة ناحية فاتن اللي كانت قاعدة على الكنبة بفستانها الأبيض البسيط، واديها في حجرها.



ـ آدم اتنحنح وقال بصوت حاول يخليه جامد: “مبروك.. يا.. يا فاتن.”


فاتن رفعت عينيها الواسعة وبصت له مباشرة، النظرة دي خلته يوتر أكتر. وقفت وربعت إيديها وقالت بهدوء:


ـ “الله يبارك فيك يا ابن عمي.. أو يا جوزي، على حسب ما تحب تسميها.”


آدم استغرب طريقتها، كان فاكرها هتكون مكسوفة أو بتعيط، بس لقيتها قوية ومفيش في عينيها أي ضعف.


ـ آدم: “أنا عارف إن الجوازة دي حصلت بسرعة، وإنك يمكن تكوني مغصوبة عليها بسبب وصية جدي والفلوس..”


فاتن قاطعيته بضحكة خفيفة، بس ضحكة فيها عزة نفس وجعت كبرياء آدم:


ـ “مغصوبة؟ والفلوس؟ ههه.. أنت فاهم غلط خالص يا آدم بيه. أنا وافقت على الجوازة دي لسبب واحد بس.. عشان دي رغبة جدي اللي رباني وعملني، ولما طلب مني كدة قبل ما يموت، قالي ‘يا فاتن، آدم غرقان في وسط ناس هضيع أصله ودينه، وأنتي الوحيدة اللي هتقدري تقومي عوجه’. أنا هنا مش عشان الـ 500 مليون بتوعك، أنا هنا عشان أصلح اللي باظ فيك، لو ينفع يتصلح.”


آدم اتمطت ملامحه بالذهول والعصبية من كلامها: “أنتي بتتكلمي معايا أنا كدة إزاي؟ أنتي عارفة أنت بتكلمي مين؟ أنا آدم السيوفي!”


ـ فاتن قربت منه خطوة، وبكل ثقة بصت في عينيه: “وعارفة كمان إنك كنت هتموت من القهر وأنت فاكرني جاية بعباية سودة وريحة بصل زي ما رميت كلام برة وسامعاك.. آدم بيه، المظاهر دي سيباها لخطيبتك اللي واقفة برة وبتاكلك بعنيها. إحنا هنا في أوضة مقفولة، والاتفاق اللي بينك وبينها أنا عارفاة كويس من قبل ما رجلي تعتب القصر ده.”


آدم صوته اتنبح: “عارفة إيه؟”


ـ فاتن بابتسامة تحدي: “عارفة إنكم متفقين تاخدوا الفلوس وتطلقوني بعد شهرين. وجدك الله يرحمه كان عارف برضه، وعشان كدة حط شرط في الوصية أنت لسه ماتعرفوش.. شرط هيغير كل حسابات المصلحة بتاعتكم.”


 

جوهرة البنهاوى 2


## الجزء الثالث


وقع كلام فاتن على آدم زي الصاعقة، ملامح وشّه اتغيرت وعينيه اتسعت من الصدمة. الكلام مكنش مجرد تخمين، دي كانت بتتكلم بثقة تامة وكأنها قرية ورق الوصية كلمة كلمة، وعارفة البئر وغطاه.


آدم خطى خطوة سريعة ناحيتها، وصوته اتنبح وهو بيحاول يداري ارتباكه بالعصبية:


ـ “شرط إيه؟ أنتي بتتكلمي عن إيه؟ الوصية واضحة.. الجواز منك هو الشرط الوحيد عشان الشركات والفلوس تنزل في حسابي!”


فاتن هزت راسها بأسف مفرود على وشها، وابتسمت ابتسامة باردة وهي بتقعد تاني على الكنبة بكل برود، وفردت فستانها الأبيض بحركة واثقة وقالت:


ـ “واضح إنك مقرتش السطور الصغيرة اللي في آخر الورقة يا ابن عمي، أو يمكن المحامي بتاعكم خاف يقولك عشان ميتسبش في جلطة لست الوالدة وللست سوزي.. جدي الله يرحمه مكنش سذج، وكان قاري كل ألاعيبكم.”


آدم قرب منها أكتر، الغضب والفضول كانوا بياكلوه:


ـ “انطقي يا فاتن! إيه هو الشرط؟”


فاتن رفعت عينيها وبصت له بثبات:


ـ “الشرط يا آدم بيه.. إن الجواز ده لازم يستمر لمدة سنة كاملة ‘جواز حقيقي’ مش على الورق، وبشهادة المحامي المشرف على الوصية اللي هيزورنا هنا في القصر بشكل مفاجئ من وقت للتاني. ولو حصل طلاق قبل السنة، أو لو ثبت إن الجواز ده صوري ومجرد حبر على ورق.. الـ 500 مليون جنيه والشركات كلها بتروح فوراً لجمعيات خيرية وملاجئ للأيتام، وأنت تطلع من المولد بلا حمص.. والأنيل من كدة، إن القصر اللي إحنا واقفين فيه ده نفسه، مكتوب باسمي أنا بيع وشراء من جدي قبل ما يموت، يعني لو حبيت تفركش، هتفركش وأنت في الشارع.”


آدم حس إن الأرض بتلف بيه، الجدران كأنها بتطبق على نفسه. الكلام ده معناه إن كل خطة سوزي، وكل الأحلام اللي بناها في الكام يوم اللي فاتوا اتهدت فوق دماغه. سنة كاملة؟ مع بنت من الأرياف؟ وفي قصر هي تملك فيه كل حاجة؟


مسك راسه بإيديه وهو مش مصدق، وسابها وخرج برة الأوضة زي المجنون.


في الصالة الكبيرة برة، كانت ثريا وسوزي قاعدين على نار مستنيين، وأول ما شافوا آدم خارج وشه أصفر وعرقان، جريوا عليه.


ـ سوزي بلهفة وجشع: “إيه يا آدم؟ كلمتها؟ فهمتها إنها مجرد فترة وتغور؟”


ـ ثريا بقرف: “مالك يا ابني شكلك عامل كدة ليه؟ البنت دي قالتلك حاجة؟”


آدم بص لسوزي ولامه بنظرة مليانة يأس وذهول وقال بصوت مخنوق:


ـ “الخطة باظت.. إحنا كنا بنلعب مع تعلب.. جدي قفل اللعبة علينا من كل ناحية.”


ـ سوزي حطت إيدها على وسطها بعصبية: “يعني إيه باظت؟ اتكلم انطق!”



آدم حكى لهم على شرط السنة، وعلى إن القصر بقى باسم فاتن. ثريا حطت إيدها على قلبها وصوتت بصوت مكتوم: “يالهوي! القصر؟ قصر السيوفي يتكتب باسم الفلاحة دي؟ مصطفى! فين مصطفى؟”


وجريت ثريا تدور على جوزها وهي بتزعق.


أما سوزي، فوشها اتقلب مية حتة، وعينيها طلعت شرار، وقفت قدام آدم وصوتها علي:


ـ “سنة؟ أنت عاوزني أستناك سنة كاملة وأنت عايش مع البنت دي في أوضة واحدة؟ أنت اتجننت يا آدم؟ أنا مستحيل أوافق على المخروبة دي!”


في اللحظة دي، انفتح باب الأوضة، وخرجت فاتن.


كانت لسه بالفستان، بس قلعت الطرحة، وبان شعرها الأسود الطويل الناعم اللي كان واصل لآخر ظهرها، ملامحها في إضاءة الممر كانت تبهر أي حد، بس نظرتها كانت حادة زي الموس.


مشيت بهدوء لحد ما وقفت قدام سوزي، وبصت لها من فوق لتحت وقالت بصوت هادي بس يرعب:


ـ “صوتك ميعلاش في بيتي يا شاطرة.. القصر ده من اللحظة دي بتاعي، وأنا اللي أقول مين يقعد ومين يمشي. خطيبك العزيز ده لو عاوز الفلوس، هيفضل هنا تحت طوعي وشروطي لمدة سنة.. مش عاجبك؟ خديه في إيدك واخرجي برة، بس خدي بالك.. هتاخديه على الحديدة، لا حيلته قرش ولا يملك حتى الهدوم اللي هو لابسها دي.”


سوزي اتصدمت من قوة عين فاتن، وبصت لآدم مستنية إنه يرد كرامتها أو يزعق، بس آدم كان واقف ساكت، باصص للأرض وعقله شغال حسابات.. الـ 500 مليون والشركات، ولا سوزي؟


فاتن لفت وشها لآدم وقالت بلهجة أمر:


ـ “آدم بيه.. غير هدمك وتعالى ورايا على المندرة الصغير اللي تحت، عشان في قواعد جديدة للمعيشة في البيت ده هنمشي عليها من اللحظة دي.. وإياك تتأخر.”


سابتهم ومشيت بخطوات ملكية، وسابت وراها بركان قايد.. وسوزي بتبص لآدم بنظرة كره ووعيد، وآدم حاسس لأول مرة إنه مبقاش هو صاحب القرار.


## الجزء الرابع


دخل آدم أوضته وهو بيجر رجليه بالعافية، رمى جاكيت البدلة على السرير بعصبية، ووقف قدام المراية يفك كرافتته وإيديه بترتعش من كتر الغيظ والذهول. “أنا؟ آدم السيوفي يتعمل فيا كدة؟ ومن مين؟ بنت جاية من الوديان!”.. بس في نفس الوقت، كان في صوت جواه مصدوم من جمالها ومن شخصيتها اللي هزت كيانه في دقايق.


غير هدومه ولبس قميص وبنطلون كاجوال، وخرج وهو ناوي يوريها إنه مش سهل، ومش معنى إنه محتاج الفلوس إنه هيسلم لها رقابته.


نزل المندرة الصغيرة اللي تحت، وهي أوضة واسعة على الطراز العربي القديم كان جده بيحب يقعد فيها. دخل لقى فاتن قاعدة، بس كانت غيرت فستان الفرح.. لبست عباية استقبال بيضاء رقيقة جداً ومطرزة بخيوط دهب خفيفة، ولمت شعرها الأسود الطويل في ضفيرة مرخية على كتفها. كانت بتشرب فنجان قهوة بكل روقان وكأنها صاحبة المكان من سنين.



أول ما شافته، شاورت له بصباعها على الكرسي اللي قدامها وقالت:


ـ “اتفضل اقعد يا آدم بيه.. أتخرت خمس دقايق، وأنا مابحبش قلّة المواعيد.”


آدم قعد وحط رجل على رجل، وحاول يستعيد هيبته وقال بنبرة حادة:


ـ “بقولك إيه يا فاتن.. متعيشيش الدور قوي. قصة جدي والوصية والشرط ده كله على عيني وعلى راسي، بس أوعي تفتكري إنك هتمشي كلمتك عليا. أنا وافقت أقعد عشان الشركات، يعني جواز مصلحة وشغل.. وأنتي ليكي أوضة وأنا ليا أوضة، ونتحمل بعض الـ 12 شهر دول لغاية ما كل واحد ياخد نصيبه ونغور.”


فاتن حطت فنجان القهوة على الترابيزة ببطء، وبصت له بنظرة حادة خلت كلامه يقف في زوره:


ـ “أولاً.. رجل على رجل دي تنزلها وأنت بتتكلم معايا، عشان الأصول بتقول إنك بتتكلم مع مرتك وصاحبة البيت. ثانياً.. حكاية أوضة وأوضة دي انسىاها خالص.”


آدم اتنفض من مكانه: “نعاام؟! يعني إيه أنساها؟”


ـ فاتن ببرود: “يعني المحامي المشرف على الوصية، الأستاذ شاكر، راجل ذكي ومتربي على إيد جدي، ومبيفوتوش الهوا. لو جه في أي وقت ولقى حاجتك في أوضة وحاجتي في أوضة، هيعرف إن الجواز صوري والفلوس هتطير. من النهاردة.. هدومك وحاجتك كلها تتنقل الأوضة الكبيرة بتاعتك، وأنا هقعد معاك في نفس الأوضة.”


آدم بلع ريقه وحس بنبضات قلبه سريعة: “أنتي بتتكلمي جد؟ أنتي مش خايفة مني؟”


ـ فاتن ضحكت ضحكة ثقة سحرت آدم من غير ما يحس: “أخاف؟ أخاف من إيه يا ابن عمي؟ أنا بنت الحاج كامل، اللي علمني أريد الرقبة وما أهابش حد إلا اللي خلقها. وبعدين أنت راجل ومتربي، ولا أنت عندك رأي تاني في نفسك؟”


آدم اتزنق في الكلام، ومبقاش عارف يرد يقول إيه، البنت دي بتعرف تلعب بالكلام وتلجمه في ثانية.


ـ فاتن كملت كلامها وهي بتقف وتقرب منه: “من بكرة الصبح، الساعة 8 بالدقيقة، تكون جاهز ولابس بدلتك عشان تنزل معايا الشركة. جدي سابلي إدارة نسبة من الأسهم، وأنا مش هسيب مالي ومال عيلتي لواحد مدلع زيك يضيعه في السهر مع الست سوزي.”


وفي اللحظة دي، الباب بتاع المندرة اتفتح فجأة ودخلت سوزي وهي منهارة، وعينيها حمرا من العياط والغل، ووراها ثريا أم آدم.


ـ سوزي بزعيق: “آدم! أنا مش هسمح بالمسخرة دي! أنا عرفت من الشغالين إنها بتؤمرك تنقل حاجتها لأوضتك! أنت هتمشي ورا كلام الفلاحة دي؟ دي بتخطط عشان تاخدك مني وتسيطر على كل حاجة!”


فاتن مالت براسها وبصت لسوزي ببرود قاتل، ومشت خطوات بطيئة ناحيتها لحد ما بقت في وشها. الغرفة كلها اتملت بالتوتر، وآدم واقف يراقب ومستني يشوف فاتن هتعمل إيه مع إعصار سوزي.


 فاتن بصوت واطي بس حاد زي السكينة: “أنا حذرتك برة يا شاطرة.. وصبري لحد كدة وخلص.”


لفت فاتن وشها ونادت بأعلى صوتها: “يا عوض!! يا عوض!”


دخل راجل كبير من صعيد مصر، لابس الجلباب والشال، وهو كبير حراس القصر اللي جده كان معينه مخصوص لحماية فاتن.


ـ عوض بطاعة: “أؤمري يا ست البنات.. رقبتنا سدادة.”


ـ فاتن شاورت على سوزي وقالت بلهجة آمرة هزت المكان: “الست دي.. تلم أغراضها وتخرج برة بوابة القصر فوراً، ورجليها متعتبش المكان ده طول ما أنا على ذمّة آدم السيوفي. ولو حاولت تدش (تدخل) البيت تاني، سيب الكلاب عليها!”


سوزي صرخت بذهول: “أنتي بتطرديني أنا؟ آدم! اتكلم! سيباها تطردني؟”


آدم بص لفاتن، ولقى في عينيها نظرة وعيد.. نظرة بتقول لو اتكلمت، الـ 500 مليون هيروحوا للملاجئ بكرة الصبح!


 

جوهرة البنهاوى 3


## الجزء الخامس


المنظر في المندرة كان زي المشهد في فيلم سينما، الكل اتثبت في مكانه. سوزي وشها جاب ألوان، وعينيها كانت هتطلع من مكانها وهي بتبص لآدم ومستنية منه يقلب الدنيا، وثريا واقفة سانده على الحيطة وفاتحة بقها مش مصدقة إن في بني آدم على وش الأرض يقدر يطرد ضيوفها من قصر السيوفي.


عوض، كبير الحراس، مكدبش خبر، خطى خطوة لقدام وبص لسوزي بنظرة حازمة وقال بصوت غليظ:


ـ “اتفضلي معايا يا ست هانم بالذوق.. عشان مننفذش أمر الست فاتن بطريقة متوجبش بمقامك.”


سوزي لفت لآدم وزعقت بأعلى صوتها والدموع نازلة من كتر الغل:


ـ “آدم! أنت هتفضل واقف زي الصنم كدة؟ دي بتطرد خطيبتك! بتطرد البنت اللي هتبقى مراتك! سيب الفلوس والشركات تغور في داهية يا آدم، متصغرنيش قدامها!”


آدم كان بيموت من جواة، كبريائه كرجل اتهان، بس عقله كان شغال زي العداد.. “500 مليون جنيه والشركات، لو ضاعوا هبقى ولا حاجة، وسوزي نفسها أول واحدة هتسيبني وتجري لو بقيت على الحديدة”.. بص لسوزي بنظرة كسر وعجز وقال بصوت واطي:


ـ “سوزي.. معلش.. اتفضلي امشي دلوقتي، وأنا هكلمك في التليفون نتفاهم.”


سوزي شهقت بصدمة، وبصت له بنظرة كره واحتقار:


ـ “أنت رخيص يا آدم.. رخيص قوي!”


وجريت برة المندرة وهي بتعيط وتصرخ، ووراها ثريا اللي لفت لفاتن وقبل ما تخرج قالتلها بغل:


ـ “ورحمة أبويا ما هسيبك تهني باللي عملتيه ده يا بنت كامل.. القصر ده طول عمره بتاعي، وأنتي هتمشي منه مكسورة وراسك في الأرض، والأيام بيننا.”


فاتن متهزتش منها، فضلت واقفة ببرود لغاية ما الكل خرج، ومبقاش في المندرة غيرها هي وآدم.


آدم أول ما الباب اتقفل، انفجر وزق الكرسي برجليه وزعق في فاتن:


ـ “ارتحتي كدة؟ مبسوطة باللي عملتيه؟ أنتي فاكرة نفسك مين عشان تتحكمي في حياتي وفي الناس اللي بحبهم؟ أنا وافقت على شروطك عشان الفلوس، بس أقسم بالله يا فاتن لو فكرتي تدوسي لي على طرف تاني، لأكون مفركش كل حاجة وأسيبلك الجمل بما حمل!”


فاتن مشيت بهدوء وقعدت على كرسيها، وحطت رجل على رجل بكل ثقة، وبصت له بنظرة باردة وقالت:


ـ “أولاً.. صوتك ميعلاش عليا وأنا في بيتي، ده التحذير الأخير. ثانياً.. أنت مش هتقدر تفركش حاجة، لأنك عارف إن من غير الفلوس دي، الشركات اللي باسمك مديونة، والمحاكم مستنياك بسبب الشيكات اللي مضيتها عشان ترضي الست سوزي وتجيب لها شبكة وألماظ بال ملايين. يعني أنت غرقان يا ابن عمي، وأنا طوق النجاة الوحيد ليك.”



آدم اتصدم إنها عارفة حتى بأمر الديون والشيكات، وحس إن جده كان منقلها تقرير وافي عن كل مصايبه. قعد على الكرسي المقابل ليها وهو حاسس بالهزيمة الكاملة:


ـ “أنتي عاوزه مني إيه يا فاتن؟”


فاتن نظرتها اتمست بحتة حنين أو أسى، وقالت بصوت هادي لأول مرة:


ـ “عاوزه أرجع آدم اللي جدي كان بيحكيلي عنه.. آدم اللي كان بيخاف على اسم عيلته، مش آدم اللي ممسوك من رقبته بسبب الفلوس والمظاهر الكدابة. حاجتك بتتنقل دلوقتي لأوضتك، ومن بكرة الصبح، الشغل هيبدأ. نام كويس عشان ورانا يوم طويل في الشركة.. تصبح على خير يا جوزي العزيز.”


قامت فاتن وسابته في المندرة لوحده، وعقله مش ملاحق على كمية الأحداث.


طلع آدم على أوضته وهو مشحون، فتح الباب لقى الشغالين فعلاً نقلوا كل حاجتها، والهدوم بتاعتها محطوطة في جزء من الدولاب، وريحة الأوضة اتغيرت.. مقتش ريحة البرفانات الغالية بتاعة سوزي، بقت ريحة هادية ونظيفة، ريحة تشبه لفاتن.


فاتن كانت قاعدة على السرير، لابسة بيجامة ستان محتشمة، وبتعلم في ورق في إيدها. بصت له وقالت:


ـ “السرير واسع يا آدم بيه.. نصيحة مني، نام وماتتكلمش كتير، عشان طاقتك هتحتاجها بكرة.”


آدم نام على طرف السرير البعيد وهو عاطيها ضهره، بس مكنش عارف ينام. كان سامع صوت نفس الهادي، وجواه صراع غريب.. بين غيظه منها، وبين إعجابه الرهيب بقوتها وجمالها اللي مش قادر ينكره.


تاني يوم الصبح.. الساعة دقت 7:30.


آدم صحي على صوت حركة في الأوضة، فتح عينيه لقى فاتن واقفة قدام المراية، ليد برضه لبس رقيق بس رسمي جداً.. بدلة حريمي كحلي غامق، ولمت شعرها بكليبس شيك، وحاطة لمسات مكياج خفيفة جداً تبرز جمال عينيها الواسعة.


لفت وبصت له وقالت بصوت جاد:


ـ “قدامك نص ساعة تكون جاهز ولابس أحسن بدلة عندك، الأستاذ شاكر المحامي مستنينا في العربة تحت عشان نروح الشركة.. والنهاردة في اجتماع مجلس إدارة، وهناك هتعرف أول مفاجأة مجهزاهالك في الشغل.”


## الجزء السادس (قبل الأخير)


نزلت كلمات فاتن على آدم زي التحدي اللي صحى فيه غريزة العناد. قام من السرير بسرعة وهو بيحاول يداري انبهاره بشكلها الجديد، ودخل الحمام أخد دوش ولبس شيك بدلة عنده.. بدلة سودا كلاسيك، وظبط ساعته وبرفانه، وخرج وهو ناوي يوريها إن آدم السيوفي في وسط الشركات والاجتماعات راجل ميهزهوش حد، ولا يمكن لبنت مهما كانت ذكية إنها تمشي كلمتها عليه في ملعبه.


نزلوا هما الاتنين للممر الكبير اللي قدام القصر، ولقوا الأستاذ شاكر، محامي العيلة، واقف مستنيهم وعلامات الاحترام والتقدير باينة جداً على وشه أول ما شاف فاتن.



ـ شاكر بابتسامة وقار: “صباح الخير يا ست فاتن.. صباح الخير يا آدم بيه. العربية جاهزة والورق كله تمام، والكل في الشركة مستني وصولكم.”


فاتن هزت راسها بهدوء: “صباح النور يا أستاذ شاكر.. يلا بينا، مش عاوزين نتأخر على السادة أعضاء مجلس الإدارة.”


ركبوا العربية، وآدم طول الطريق باصص من الشباك وجواه بركان شغال، وسوزي مش بتفارق خياله.. رسايلها اللي عمالة تنزل على تليفونه زي المطر كلها شتائم وتهديد بإنها هتنهي كل حاجة لو مصلحش اللي حصل، بس في نفس الوقت، كان حاسس إن في قوة أكبر بتشده للعبة اللي فاتن بتلعبها.


وصلوا لمقر شركات السيوفي.. مبنى عملاق من الزجاج بيمثل إمبراطورية العيلة. أول ما آدم دخل ومعاه فاتن، الموظفين كلهم وقفوا في صمت، النظرات كلها كانت متجهة للبنت اللي داخلة وفاردة ظهرها بكل ثقة، ومفيش على وشها أي علامة من علامات الارتباك.


دخلوا قاعة الاجتماعات الكبيرة. ثريا، أم آدم، كانت قاعدة في صدر التربيزة، وجنبها كام عضو من الإدارة اللي هما من رجالتها، والكل كان باصص لفاتن بنظرات ترقب.


آدم أخد مكانه، وفاتن قعدت في الكرسي اللي جنبه مباشرة والأستاذ شاكر وقف وبدأ يتكلم:


ـ “سيداتي وسادتي.. بناءً على وصية الراجل العظيم، جلال السيوفي، الله يرحمه، تم توثيق عقد زواج آدم بيه والست فاتن كامل، وبناءً عليه، وبموجب البند الرابع من الوصية، يحق للست فاتن الإشراف الكامل على حصة الجد في المجموعة، والتي تمثل 40% من أسهم الشركات.”


ثريا خبطت على التربيزة بعصبية: “إشراف إيه ومسخرة إيه يا شاكر؟ البنت دي متعرفش يعني إيه شركة أصلاً! دي جاية من ورا البهائم، هتدير شركات بالمليارات؟ إحنا مش هنسمح بالمهزلة دي!”


آدم كان مستني يشوف فاتن هترد إزاي، ولسه هيتكلم عشان يهدي الأمور، لقى فاتن فتحت الشنطة بتاعتها بكل هدوء، وطلعت ملف أسود وحطته قدام ثريا.


ـ فاتن بصوت قوي، رخيم، وثابت هز القاعة: “الموضوع ملوش علاقة بالبهائم يا طنط.. ليه علاقة بالدماغ اللي بتفكر. الملف اللي قدام حضرتك ده فيه تقرير مالي كامل عن آخر تلات سنين للشركة. التقرير ده بيثبت إن تحت إدارة حضرتك وإدارة بعض المحاسبين اللي قاعدين معانا هنا، في عجز وتلاعب في حسابات المشتريات بقيمة 45 مليون جنيه.. والفلوس دي بتتحول لحسابات وهمية برة مصر.”


القاعة كلها اتقلبت، وأحد الأعضاء وشه أصفر ووقف يزعق: “أنتي بتقولي إيه يا مدام؟ دي اتهامات خطيرة!”


ـ فاتن بصت له بنظرة حادة زي السيف وقالت: “اقعد يا أستاذ مدحت.. وماتعليش صوتك، لأن التوقيع اللي على أوراق التحويلات دي توقيعك أنت شخصياً، والملف ده فيه نسخ من الشيكات دي. أنا مجيتش هنا عشان أتفرج، أنا جيت هنا عشان أحمي مال جدي اللي سابه لآدم، وعشان أنظف المكان ده من أي حد فاكر إنه يقدر يسرق اسم السيوفي.”



آدم اتصدم، وبص للملف وبص لمدحت اللي كان يعتبر دراع أمه اليمين في الشركة. لقى مدحت عرقان ومش قادر ينطق كلمة. لف آدم وشه لبص لفاتن ولقى في عينيها لمعة ذكاء وقوة، وحس لأول مرة في حياته بإن البنت دي مش بس جميلة، دي إعصار مفيش حد يقدر يقف قدامه.


ـ فاتن كملت كلامها وهي تلتفت لآدم: “وعشان كدة.. أول قرار ليا بصفتي المشرفة على الأسهم، وبتفويض من آدم بيه جوزي ورئيس مجلس الإدارة.. هو إقالة الأستاذ مدحت فوراً، وتحويل الملف ده للنيابة العامة لإعادة الأموال المنهوبة.”


ثريا وقفت مذهولة، وبصت لآدم بزعيق: “آدم! أنت هتوافق على اللي بتعمله ده؟ دي بتهد رجالتي في الشركة!”


آدم بص لمدحت الخاين، وبص لأمه اللي كانت دايماً بتمشي كلامها عليه، وبص لفاتن اللي كانت واقفة مستنية قراره.. حس بقوة غريبة بتتحرك جواه، قوة بقاله سنين مفتقدها. وقف على حيله، وظبط جاكيت بدلته وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي في الأوضة:


ـ “قرار المدام ساري يا أمي.. والملف ده هيروح للنيابة بكرة الصبح. الاجتماع انتهى، وكل واحد يشوف شغله.”


فاتن ابتسمت لآدم ابتسامة إعجاب حقيقية لأول مرة، وآدم حس براحة غريبة وكأنه بدأ يفوق من الغيبوبة اللي كان عايش فيها.


خرجوا من قاعة الاجتماعات، وآدم مشي جنب فاتن في الممر وهو حاسس بالفخر، بس أول ما وصلوا لمكتبه، الباب اتفتح فجأة.. ودخلت سوزي، بس المرة دي مكنتش بتعيط، كانت ماسكة في إيدها ورقة، وعلى وشها ابتسامة شريرة وقالت بصوت مليان شماتة:


ـ “مبروك يا آدم بيه.. مبروك يا بنت الأرياف على النصر الصغير ده. بس للاسف، اللعبة بتاعتكم انتهت قبل ما تبدأ.. شوفوا كدة المحامي بتاعي جابلي إيه من الدفاتر القديمة بتاعت جلال السيوفي!”


## الجزء السابع (الأخير)


الهدوء نزل على المكتب زي الموت. سوزي كانت واقفة ورافعة راسها لفوق، والشر باين في عينيها وهي بتهز الورقة اللي في إيدها. آدم خطى خطوة ناحيتها وعينيه وعقله مشحونين بالتوتر:


ـ “ورقة إيه دي يا سوزي؟ وأنتِ إزاي تدخلي هنا أصلاً؟”


سوزي ضحكت بوقاحة وبصت لفاتن اللي كانت واقفة مكانها متهزتش، وحاطة إيديها في جيب البدلة بكل برود.


ـ سوزي بشماتة: “الورقة دي يا بيبي.. هي ‘الملحق السري’ لوصية جدك، اللي المحامي بتاعي قدر يوصله من دفاتر الشهر العقاري القديمة. جدك جلال السيوفي، الله يرحمه، كان كاتب بند بيقول: ‘إذا ثبت أن الزوجة (فاتن كامل) تمتلك أي أصول أو أموال تخص عائلتها خارج نطاق بلدتها، أو إذا كانت على علم بالوصية وشروطها قبل إتمام الزواج وتواطأت لإتمام الصفقة، يعتبر العقد باطلاً وتؤول كل الثروة لآدم السيوفي فوراً دون الحاجة لشرط السنة’!”



سوزي قربت من فاتن ورمت الورقة في وشها: “يعني يا حلوة.. أنتِ جيتي هنا وأنتِ عارفة بكل كلمة في الوصية، ومظبطة اللعبة مع جدك عشان تذلي آدم وتسيطري على القصر. ودلوقتي، الجواز ده باطل بحكم شرط جدك نفسه، والفلوس كلها بقت من حق آدم لوحده.. ومن غير ما يقعد معاكِ يوم واحد زيادة!”


آدم بص للورقة، وبص لفاتن وهو حاسس بنار جواه. الصدمة مكنتش في الفلوس، الصدمة كانت إن فاتن — البنت اللي بدأ قلبه يدق لها ويشوف فيها الأصول والنقاء — تكون مجرد شخصية بتلعب لعبة مصلحة زيها زي سوزي.


ـ آدم بصوت مكسور ومليان عتاب: “فاتن.. الكلام ده صح؟ أنتِ كنتِ عارفة بالوصية ومرتبة كل حاجة عشان تاخدي القصر والشركات وتتحكمي فيا؟”


سوزي ضحكت بنصر: “هتقولك إيه يعني؟ انطق يا آدم واطردها برة! الفلوس بقت بتاعتك لوحدك خلاص!”


فاتن نزلت عينيها للورقة اللي على المكتب، وبعدين رفعت راسها وبصت لآدم. النظرة مكنتش نظرة خوف أو ذنب، كانت نظرة عتاب حزينة هزت آدم من جواة.


ـ فاتن بصوت هادي ونقي: “أيوة يا آدم.. كنت عارفة.”


سوزي صرخت: “سمعت؟ اعترفت بنفسها! يلا يا عوض، يلا يا أمن، ارموها برة!”


ـ فاتن كملت كلامها وكأن سوزي مش موجودة، وبصت في عين آدم مباشرة: “كنت عارفة يا آدم.. لأن جدك لما حس إن أيامه قريبة، جالي البلد وقعد معايا وهو بيبكي. قالي يا بنتي، أنا سيبت ورايا ابن وابنة وأم ضيعوا كل حاجة، وسابوا آدم لقمة طرية في إيد ناس ما برحموش، ناس عاوزين يمصوا دمه وفلوسه ويرموه. جدك هو اللي ترجاني أوافق على اللعبة دي عشان أحميك.. عشان لما تقع، تلاقي حد من أصلك يسندك. أنا عمري ما طمعت في قرش واحد من مال السيوفي، والورقة اللي في إيد الست سوزي دي.. أنا اللي خليت الأستاذ شاكر يسربها لها.”


آدم اتصدم: “أنتِ اللي سربتيها؟ ليه؟”


ـ فاتن ابتسمت ودمعة صغيرة لمعت في عينيها: “عشان كنت عاوزة أشوف.. لما الفلوس كلها تبقى في إيدك من غير شروط، ومن غير ما تحتاجني في حاجة.. ه تختار إيه يا ابن عمي؟ ه تختار الفلوس والمظاهر الكدابة والناس اللي كانت مستنية تبيعك؟ ولا ه تختار أصلك ودينك والبنت اللي وقفت في وش الكل عشان تحميك؟”


فاتن لفت ضهرها وأخدت شنطتها، ومشيت ناحية الباب، وقبل ما تفتح الباب لفت لآدم وقالت: “الشركات بقت بتاعتك يا آدم، والقصر أنا هتنازل لك عنه بكرة الصبح لإن المحامي معاه توكيل بكده.. أنا راجعة الأرياف، راجعة للمكان اللي بيقدر الأصول.”


سوزي جريت على آدم ومسكت إيده بلهفة وجشع: “مبروك يا حبيبي! القصر والشركات والـ 500 مليون بقوا بتوعنا! يلا بينا نمضي ورق الجواز ونخلص من الكابوس ده!”



آدم بص لإيد سوزي اللي ماسكة دراعه، وافتكر شكلها وهي بتضحك وتقول “غمض عينك وتخيلني”، وافتكر مدحت الخاين وهو بيسرق الشركات بعلم أمه، وافتكر فاتن وهي واقفة في قاعة الاجتماعات زي الأسد بتحمي ماله واسم عيلته.. وافتكر نظرتها الواثقة، وريحتها الهادية اللي ملية أوضته.


في اللحظة دي، كأنه فاق تماماً من السحر اللي كان عايش فيه سنين. نفض إيد سوزي عنه بقوة وعنف خلاها ترجع لورا ذهولة.


ـ آدم بزعيق هز جدران المكتب: “اخرجي برة يا سوزي!”


ـ سوزي بذهول: “آدم! أنت بتقول إيه؟ الفلوس بقت معاك!”


ـ آدم بعينين حمرا من الغضب: “الفلوس دي غارت في داهية لو كانت هتعيشني مع ناس زيك! أنا طول عمري كنت عمي، وجدي وفاتن هما اللي فتحوا عيني. أنا مش عاوز أشوف وشك تاني في حياتي، والشركات دي هتنظف منك ومن أمي ومن كل خاين.. برة!!”


سوزي شافت في عين آدم نظرة خوف رعبتها، أخدت شنطتها وجريت برة المكتب وهي بتصوت من كتر الخسارة والغل.


آدم مكدبش خبر، جري برة المكتب ورا فاتن. كان بيجري في ممرات الشركة وهو بيدور عليها زي المجنون، لغاية ما وصل للممر الرئيسي تحت، ولمحها وهي خارجة من الباب الزجاج الكبير ورايحة تركب عربية أجرة.


ـ آدم بأعلى صوته: “فاتن!! فـاتـن!”


فاتن وقفت وقبل ما تركب العربية لفت وشها.


آدم وصل عندها وهو بينهج، وقف قدامها وبص في عينيها الواسعة، ونزل على ركبه قدام الموظفين والناس كلها في الشارع، ومسك إيدها وضغط عليها:


ـ “سامحيني يا فاتن.. أنا كنت غبي وعميان، بس والله العظيم فوقت. جدي مكنش غلطان لما قال إنك الوحيدة اللي هتقومي عوجي. أنا مش عاوز الـ 500 مليون، ولا عاوز الشركات لو هتمشي وتسبيني.. أنا عاوزك أنتِ. عاوز البنت اللي ريحتها أصول وكرامة. مش هترجعي الأرياف لوحدك يا فاتن.. لو هتمشي، خدي جوزك في إيدك.”


فاتن بصت لآدم، ولقت في عينيه دموع حقيقية ونظرة راجل رجع لأصله ولأهله. الابتسامة الرقيقة الملاك رجعت لوشها تاني، مدت إيدها التانية وطبطبت على إيده وقالت بصوت مليان حنية وصعيد أصيل:


ـ “قم يا ابن عمي.. قف على حيلك، راجل الصعيد والسيوفية ميبكيش ولا ينحنيش قدام حد. القصر والشركات مكانهم مستنينا.. بس المرة دي، هنبني كل حاجة على نظافة وعلى الأصول اللي جدي ربانا عليها.”


آدم وقف وفرحة الدنيا مش سيعاه، أخد إيدها ودخلوا العربية مع بعض، وراجعين القصر مش عشان وصية ولا مصلحة، لكن عشان يبدأوا قصة حب حقيقية، قصة بطلتها “أميرة” جاية من الأرياف، علمت ابن البندر يعني إيه كرامة وأصول.



**تمت القصة**


 






أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close