أرملة أخو زوجى كامله
أرملة أخو زوجى كامله
حكايات رومانى مكرم
جبت ارملة اخو جوزى تنضفلى الشقة تنظيف كامل لانى الشقة كانت صعبة جدا والشقه أخدت معاها 3 أيام.تنظيف
كنيس ومسح وترويق وغسيل سجاد وستاير
بعد ما خلصت، عطيتها 600 جنيه، قالتلي: “لا، قليل!”
قلت لها: “لا حلو…اليوم ب 200جنيه 600جنيه في 3 أيام!”
قعدت تقوللي: “حرام عليكي… سيبت ولادي من الصبح لغايه بليل ثلاث ايام، وده شغل غير الشغل، ومحدش بياخد كده!”
الشقة كانت فعلاً صعبة، وانا تعبت وكل يوم بشتغل 12ساعه مش بقعد وانتى عارفه ولادى يتامه وجوزك يبقى عمهم يعنى مكان ابوهم وانتى مرات عمهم المفروض تحنى عليهم عموما انا مش عاوزه غير حقى وحق ولادى اليتامه
صرخت فيها وقولتلها مفيش جنيه تانى انتى هتشحتى
حضرتك انا مش شحاته انا بطلب بحقى وانا هعرف اخد حقى وتعبى
البدايه
كانت السكتة اللي سكتتها “سعاد” أطول من التلات أيام اللي قضتهم في الشقة.. أطول من كل دعكة يد وسحلة ضهر طلعتهم على السلم الموزاييك.
بصت لـ “أميرة” – مرت أخو جوزها المرحوم – اللي واقفة إيدها في وسطها، وصوت صريخها لسة بيرن في الشقة: *”مفيش جنيه تاني! أنتِى هتشحتي ولا إيه؟”*
سعاد مسحت وُشها بإيدها الشقيانة، إيدها اللي الخل والكلور كانو آكلين جلود صوابعها لدرجة إنها مش حاسة بالطرافة. بصت 600 جنيه المرميين على الترابيزة الخشب.. تلات ورقات بكارثتها، تلات أيام من صباحية ربنا لحد ما أذان العشاء يSide، تسيب عيالها اليتامى ياكلوا في بعضهم في البيت، وهي طالعة نازلة تنفض سجاد، وتغسل ستاير مليانة تراب سنين، وتمسح بلاتين وصالون كأنه ما اتفتحش من يوم فرح أميرة.
“أنا مش شحاتة يا أميرة…”
صوت سعاد طالع واطي، بس فيه هيبة الوجع. بصت في عين أميرة المبرقة وقالت:
“أنا دخلت بيتك بشرفي وبدراعي.. وطلبت حقي. بس ما يضرش.. ربك موجود، والفلوس دي مش هتغنيكي ولا هتفقرني. بس حقي وحق العيال اليتامى؟ وحياة اللي خلقك وخلقني، هعرف آخده.. وما بيموتش حق وراه مطالب.”
حكايات رومانى مكرم
لمت شالها الأسود القديم، لفّته على راسها بسرعة، ونزلت السلم وهي مش شايفاه من الدموع اللي اتجمعت في عينها مرة واحدة. كل خطوة على السلم كانت كأنها بتدوس على قلبها.. افتكرت “محمود” جوزها المرحوم.. كان يقولها: *”يا سعاد، طول ما أنا حي، محدش هيتجرأ يبصلك بنص عين، ولا يخليكي تحتاجِ لغير الله”*. أهو مات محمود، وأخوه “حسين” سافر الخليج من تلات سنين كأنه ما صدق يطفش، وساب مراته “أميرة” هنا، تسوق الافترا على خلق الله، وتعاير الغلبان بفقره.
سعاد ما مشيتش على بيتها. كانت رجليها سايقاها لنفس الحارة، بس على البيت الكبير.. بيت “الحاجة فاطمة”، حماتها وأم المرحوم محمود، وأم حسين المسافر.
دخلت سعاد بيت العيلة.. ريحة بخور الجمعة القديم، والحصيرة المفروشة في الصالة، والحاجة فاطمة قاعدة على دكتها الخشب، ماسكة سبحتها وبيبان على وشها التجاعيد اللي شايلة هموم الدنيا.
أول ما شافت سعاد وشها أصفر، وهدومها مبلولة ومتبهدلة بالتراب، وقفت بخضة:
“مالك يا سعاد؟ في إيه يا بت؟ العيال جرالهم حاجة؟”
سعاد قعدت على الأرض عند رجل حماتها، ومقدرتش تمسك نفسها.. انفجرت في العياط. عياط مكتوم، يقطع القلب.
“الحقيني يا حاجة فاطمة.. أنا اتهنت في بيت ابنك. أنا اتسحلت تلات أيام عشان أروق شقة أميرة، وفي الآخر ترميلي 600 جنيه، وتقولي أنتِ هتشحتي؟”
الحاجة فاطمة شهقت وحطت إيدها على صدرها:
“بتقولك تشحتي؟! أميرة تقولك كده يا سعاد؟ وأنتِ مرات المحروم أخو جوزها؟”
قعدت سعاد تحكيلها بالتفصيل.. عن الشغل اللي يهد جبال، عن السجاد اللي غسلته على السطوح في عز الشمس، عن الستاير اللي فكتها وغسلتها وركبتها، وعن ولادها اللي سابتهم باليومين على جبنة قريش وفينو بايت، وفي الآخر الإهانة والكسرة.
الحاجة فاطمة وشها جاب ألوان، وعيونها ولعت نار. قامت وقفت برغم ثقل جسمها ورجلها اللي بتوجعها، ومسكت عصايتها الخشب وضربت بيها الأرض:
“والله ما هعديهالها! البت دي فاكرة نفسها إيه؟ فاكرة إن حسين لما سافر وجاب الكرشين دول بقى يملك الدنيا؟ نسيت أصلها ونسيت إن جوزك الله يرحمه هو اللي عمل لحسين قيمة ورجولة؟”
سعاد هزت راسها ودموعها نازلة:
“أنا مش زعلانة عشان الفلوس يا حاجة.. أنا زعلانة عشان الكرامة. وعشان حسين أخو جوزي اللي رمى حمولنا ومسألش في العيال من يوم ما أخوه اندفن.. ولا حتى بيفرّط في جنيه لولاد أخوه.”
هنا، الحاجة فاطمة مشيت ناحية الدولاب القديم بتاعها. فتحت درج مقفول بمفتاح صغير كان متعلق في رقبتها، وطلعت أجيندة صغيرة جلدها ممسوح من كتر المسك. قلبت فيها بإيدها اللي بترتعش، وطلعت ورقة مطوية.
بصت لسعاد وقالت بصرامة:
“خد يا سعاد.. ده رقم حسين الجديد في السعودية. الرقم ده محدش يعرفه غيري.. حتى أميرة مراته ما تعرفوش، لأنها كل ما تطلب منه فلوس يغير الرقم ويقولها الشبكة ضايعة عشان هي طماعة وبتصرف الفلوس في الهيايف.”
سعاد بصت للورقة بذهول: “رقم حسين؟”
“أيوه.. رقم حسين.” الحاجة فاطمة قربت من سعاد ومسكت وشها بين إيديها:
“تطلبي الرقم ده دلوقتي يا سعاد.. وتخليه يسمع صوتك. مش هتقوليله هات فلوس تنظيف.. لا! أنتِ هتفتحي القديم والجديد. هتفكريه بأخوه اللي مات، وهتفكريه بحق العيال اليتامى اللي مراته بتهين أمهم وتأكل حقهم. وتقوليله إنك مش هنسي، وإن لو ما جابش حقك وحق العيال بالعدل، أنتِ هتعملي اللي ما يتعملش!”
مسكت سعاد الورقة.. صوابعها كانت بترتعش، بس عيونها فجأة انطفا منها الخوف، وحل مكانه شرار غريب. بصت للتليفون الصغير اللي في جيبها، وبصت للرقم المكتوب بالقلم الجاف..
#الكاتب_رومانى_مكرم_
سجلت الرقم، ودست على زِرار الاتصال.
الخط قعد يرن.. رنة.. التانية.. وفي الرنة التالتة، جيه الصوت من الناحية التانية، صوت حسين الجاف الغريب:
“ألو؟ مين معايا؟”
سعاد بلعت ريقها، وبصت للحاجة فاطمة اللي هزتلها راسها بتشجيع.. رفعت سعاد التليفون على ودنها وقالت بصوت هادي زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
“أنا سعاد يا حسين.. مرات أخوك المرحوم. وووو
الجزء الثاني:
وقف الزمن لحظة عند “حسين” في الناحية التانية من الخط. الصوت كان جاي له من مسافة بعيدة، بس رن في أذنه زي ضربة المرزبة. صوت سعاد.. صوت مرات أخوه الكبير، الصوت اللي ما سمعوش من يوم ما وقفت جنب قبر محمود وتقرأ الفاتحة وهي حاضنة عيالها الصغار. بلع حسين ريقه بصعوبة، وحس بكتمة في صدره، حاول يداري ارتباكه ونبرة قلق طالت كلامه:
“سعاد؟! أهلاً يا سعاد.. خير يا أختي؟ أمي جرى لها حاجة؟ العيال فيهم حاجة؟ جبتي الرقم ده منين أساساً؟”
سعاد ماسكة التليفون بإيد بترتعش من كتر القهر، بس نبرة صوتها كانت أتقل من جبل أُحد. بصت للحاجة فاطمة اللي واقفة جنبها، باصة لها بعيون مليانة غضب وتشجيع في نفس الوقت. ردت سعاد بهدوء يخوف:
“أُمك بخير يا حسين، والعيال عايشين.. بياكلوا في بعضهم وشايلين هم الدنيا بدري، بس أهو عايشين. أما جبت رقمك منين، فمن إيد أمك اللي قلبت الدنيا عشان تجيبه لي، لما لقت ابنها الكبير مات، وابنها الصغير نسى إنه كان عنده أخ، ونسى إن لأخوه ده لحم ودم مرميين في الشارع!”
حسين اتحرك في أوضته هناك في الغربة، حس بنغزة في قلبه، بس حاول يدافع عن نفسه ويقلب الطاولة:
“جرى إيه يا سعاد؟ هو أنا قصرت معاكم في حاجة؟ ما أنا عارف إن الدنيا مستورة والأيام بتعدي، وبعدين أنا هنا مطحون في الغربة مش بقعد، وبحول لـ ‘أميرة’ الفلوس مصاريف البيت أول بأول، وهي أكيد مش بتبخل عنكم بحاجة، دي شقتكم فوق بعض!”
هنا سعاد ما قدرتوش، وضحكت ضحكة مكسورة مليانة مرار، ضحكة هزت كيان حسين من ورا السماعة:
“بتبخل؟ أميرة مراتك مش بتبخل بس يا حسين.. أميرة مراتك سحلتني تلات أيام في شقتها! تلات أيام طالعة نازلة تنفيض ومسح وغسيل سجاد وستاير، وهد ضهر من صباحية ربنا لمغربها، عشان أسترزق وأعرف أطعم عيالك اليتامى اللي مالهمش عائل. وتعرف في الآخر رمت لي إيه؟ رمت لي 600 جنيه! ولما قلت لها ده قليل على سحلة تلات أيام والشقة كانت متبهدلة، صرخت في وشي وقالت لي: ‘أنتِ هتشحتي ولا إيه؟ مفيش جنيه تاني!’.”
الصمت نزل على الخط زي الصخرة. حسين اتسمر في مكانه. الكلمة نزلت عليه كأن حد ضربه على وشها بحديد.
“أميرة… قالت لك كده؟ وقالت لك هتشحتي؟”
سعاد صوتها بدأ يعلى والوجع يطلع من حشرجته:
“أيوه قالت لي! وقالت لي شغل البيت شغل، ومحدش بياخد كدا، ونسيت إن محمود الله يرحمه هو اللي عمل لحسين قيمة ورجولة، وهو اللي كان شايلك وشايل بيتك يوم ما كنت مش لاقي تأكل! نسيت إن عيال محمود دول يتامى، وإنك عمهم، يعني مكان أبوهم! المفروض تحن عليهم مش تسيب مراتك تعايرني بفقري وتديني حسنة كأني خدامة عندها!”
حسين مسح وشها بإيده اللي بترتعش. شريط كامل اتعرض قدام عينيه؛ افتكر محمود أخوه الكبير لما كان بياخد من قوته ويديه، افتكر لما كان بيقف جنبه في كل أزمة، افتكر وصية محمود قبل ما يموت بأيام لما قاله: “حسين.. العيال وسعاد في رقبتك يا خويا، لو جرالي حاجة متخليش حد يكسرهم.” حس حسين بكسرة نفس رهيبة، خجل قاتل من نفسه ومن أخوه اللي تحت التراب.
حسين اتكلم ونبرة صوته اتغيرت تماماً، بقى فيها ندامة ووجع حقيقي:
“حقك عليّ يا سعاد.. وحق محمود فوق راسي. وحياة طول عمري وغربتي دي، الكلمة دي مش هتعدي. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا اتعميت، وثقت في أميرة وسلمتها كل حاجة، وكنت فاكرها بتوصلكم حَقكم وبتسأل عنكم، طلعت أعمى ومغفل!”
الحاجة فاطمة شدت التليفون من إيد سعاد بسرعة، وحطت السماعة على أذنها وصوتها طلع زي الرعد:
“يا حسين! سامعني يا ابن بطني؟ لو مراتك دي فاكرة إنك لما سافرت مسكت السماء بإيدك، ونسيت أصلك وأصلها، فأناني مش هنسى! سعاد دي مرّة أخوك المرحوم، وعياله دول أيتام، وأنت سبتهم للمفترية دي تدوس على كرامتهم! الفلوس اللي بتبعثها لها بتصرفها في الهيايف، وتيجي على أرملة أخوك؟ والله يا حسين، لو الحق ده ما رجع لأصحابه، وما اتعمل لسعاد وعيالها قيمة، لا أنت ابني ولا أعرفك ليوم الدين!”
حسين اتخض من صوت أمه، وقفل عينيه بوجع وقال بنبرة ملخبطة:
“يهديكِ ياما.. بلاش الدعوة دي، وحياة جزمة أبويا ومحمود الله يرحمه لأرضيكم كلكم. أديني سعاد تاني ياما.. اديهالي.”
الحاجة فاطمة أدت التليفون لسعاد وهي بتمسح دموعها بخمارها. مسكت سعاد التليفون وقالت بثبات:
“نعم يا حسين.”
حسين اتكلم بصوت هادي كأنه بيعتذر لكل لحاف ومحمود تحت التراب:
“سعاد.. اسمعيني كويس. الفلوس اللي أميرة ادتهالك دي ترميها في وشها، أو تخليها عندها مش عاوزها. ومن اليوم ده، مش هتحتاجي تمدي إيدك ولا تشتغلي عند حد، ولا عند أميرة ولا غيرها. أنتِ مرات أخويا الكبير، ومحمود أفضاله عليا لما أعيش وأموت مش هعرف أردها.”
كمل حسين كلامه بكل حسم وصرامة:
“من أول الشهر ده، هتوصلك إ حوالة شهرية باسمك أنتِ يا سعاد، مبلغ ثابت مش هيتقطع أبداً طول ما أنا حي على وش الأرض. ده مش حسنة ولا عطف، ده حقك وحق عيال أخويا اليتامى عليا، ومكان أبوهم اللي مات. هتاخدي ماهيتك مرفوعة الرأس، وتصرفي على عيالك وتعلميهم أحسن تعليم، ومحدش يقدر يبصلك بنص عين ولا يسمعك كلمة تجرحك.”
سعاد بلعت دموعها وقالت ونفسها مقطوع من التأثر:
“وأميرة يا حسين؟ أميرة هزأتني في بيتها وقالت لي كلام يكسر أي بيت.”
رد حسين بنبرة ملبانة غضب ووعيد:
“أميرة دي حسابها معايا أنا.. قسماً بالله لأعرفها مقعدها صح، ولأخليها تعرف إن الله حق. مش حسين اللي يتنسى أصله، ولا حسين اللي يسيب مرات أخوه تتهان في بيته. أنا هطلبها حالاً، وهسمعها كلام يخليها تلف حولين نفسها، وهجبرها تيجي لحد عندك في بيت أمي، تبوس على رأسك وتعتذر لك قدام أمي كلها، وتاخدي حقك المادي والمعنوي تالت ومتالت، وإلا يمين طلاق ما تقعد لي في بيت ولا تفضل على ذمتي لحظة واحدة!”
سعاد حست بغصة الوجع بتبدأ تروح، ورجلها اللي كانت بترتعش ثبتت على الأرض. الحاجة فاطمة ابتسمت برضا، وهزت رأسها وهي بتسبح.
كمل حسين كلامه:
“سعاد.. جهزي نفسك بكرة الصبح، هبعتلك مصاريف فورية تحوليها من البنك باسمك، تجيبي للعيال كل اللي نفسهم فيه، وتشتري كل طلبات البيت. وأي حاجة تنقصك، تطلبيها مني أنا شخصياً، ورقمي ده يفصل معاكي طول العمر. أنتِ أختي الكبيرة ومرات الغالي، وعيالك عيالي.”
قفل حسين السكة بعد ما طمئن سعاد وحلف يمين إنه ينصفها. سعاد قعدت على الحصيرة، نزلت دموعها بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع كرامة ردت لها بعد ما كانت مكسورة ومتهانة. بصت للحاجة فاطمة وقالت:
“ربنا يخليكي ليا يا حاجة.. لولاكي كان حقي ضاع وأنا مكسورة.”
الحاجة فاطمة حطت إيدها على رأس سعاد وقالت:
“الحق ما بيضيعش يا بتي طول ما وراه مطالب.. وقوة يتيم ربنا ما بيسيبهاش. قومي املي وشك ميه، وروحي لعيالك مرفوعة الرأس، والنهارده الفرج جه.”
في نفس الوقت، في الشقة فوق.. كانت “أميرة” قاعدة في الصالة، حاطة رجل على رجل، ومسكة التليفون بتتفرج على الفيديوهات ومبسوطة إنها نضفت الشقة ببلاش تقريباً، ومكسرة خاطر سعاد. فجأة، رن تليفونها.. بصت على الشاشة لقت اسم “حسين”.
ابتسمت وقالت بدلع وهي بترد:
“ألو.. أهلاً يا حسين، إيه المفاجأة دي؟ أخيرا افتكرت ترن؟”
بس الصوت اللي جيلها من الناحية التانية ما كانش صوت حسين الدلع ولا الهادي.. كان صوت بركان ينفجر، صوت حسين وهو بيصرخ فيها بنبرة ترعب:
“يا زبالة! يا قليلة الأصل والتربية! أنتِ فاكرة نفسك مين عشان تدوسي على مرات أخويا وتعايريها بفقرها وتستغلي ظروفها؟!”
أميرة اتخضت وقامت وقفت والتليفون هيقع من إيدها، وشها أصفر وزرّق في ثانية:
“حسين؟! في إيه؟ مين قالك الكلام ده؟ هي سعاد راحت اشتكت لك؟”
حسين صرخ فيها بغل:
“سعاد أنضف منك ومن أهلك! سعاد مرات الراجل اللي أكلني وشربني وعملني راجل! أنتِ نسيتي نفسك يا أميرة؟ نسيتي إن الفلوس اللي بتصرفيها دي من خير أخوه؟ تشغليها تلات أيام وتديها 600 جنيه وتقولي لها بتشحتي؟! وحياة جزمة محمود الله يرحمه، لو ما نزلتِ دلوقتي حالا على بيت أمي، وتبوسي على جزمة سعاد وتعتذري لها قدام أمي وتديلها حقها كامل، ليكون ورقتك واصلة لبيت أهلك قبل ما الليل يليل، ولا تصرفي جنيه واحد من الفلوس اللي ببعتها تاني!”
أميرة أكلت شفتيها من الخوف والذهول، دموع الرعب نزلت من عينها وهي حاسة إن بيتها بيتخرب وعرشها بيتهد في ثانية:
“يا حسين استهدى بالله.. أنا ما قصدتش، أنا…”
حسين قاطعها بصوت قاطع زي السيف:
“ولا كلمة! قدامك نص ساعة.. تنزلي بيت أمي، وتراضيها، وتديلها ألفين جنيه تحت رجلها، وتعتذري لها كلمة كلمة.. وإلا انسى إن ليكي راجل اسمه حسين!”
قفل حسين السكة في وشها، وساب أميرة واقفة في وسط الصالة الشقة النظيفة المعطرة، بس قلبها كان بيموت من الخوف والكسرة. عرفت إن الله حق، وإن دعوة المظلوم واليتيم ملهاش حجاب، وإن سعاد اللي كانت فاكراها ضعيفة وملهاش حد، وراها ضهر وسند ما يتهزش.
نزل أميرة السلم وهي بترتعش، وخطواتها ثقيلة، رايحة لبيت العيلة وهي عارفة إنها هتدفع ثمن الافتراء والظلم، وإن سعاد وعيالها خلاص.. حقهم جيلهم مرفوع الرأس.
أرملة أخو زوجى 2
حكايات رومانى مكرم
الجزء الثالث:
وقفت “أميرة” على باب شقة الحاجة فاطمة وهي حاسة إن السلم نفسه بيميد بيها. جبهتها عرقانة، وإيدها المفروضة على طرف الطرحة بترتعش وهي بتمسح دموع الرعب. كانت متعودة تنزل البيت ده وهي رافعة رأسها، تتبغدد بفلوس الخليج وتتكلم بمنظار، بس المرة دي نازلة وكسرتها سبقاه.
خبطت على الباب خبطة خفيفة، خائفة، كأنها خائفة من الصوت نفسه.
جوة الصالة، كانت سعاد قاعد جنّب الحاجة فاطمة، بتمسح دموعها بمهل، والحاجة فاطمة ماسكة سبحتها وبتتمتم بالدعاء. أول ما الباب اتخبط، الحاجة فاطمة بصت لسعاد وقالت بصوت ثقيل:
“قومي افتحي يا سعاد.. قومي وشوفي الفرج وهو داخلك مرفوع الرأس.”
سعاد قامت ببطء، فتحت الباب.. أول ما العيون اتلاقت، أميرة نزلت عينها في الأرض على طول، وشها كان أصفر زي الليمونة المعتورة، وصوتها طلع بالعافية، مخنوق بالدموع:
“سعاد… أنا… أنا آسفة يا أختي.”
الحاجة فاطمة صرخت من جوة وهي قاعدة على الدكة:
“ادخلي جوة يا بت! الكلام ده ما يتقالش على العتبة.. ادخلي انظري إيد ورأس مرات أخو جوزك اللي استقليتي بيها واستغليتي يتاماه!”
دخلت أميرة الشقة بخطوات مكسورة، رجليها مش شايلها. قربت من سعاد، وحاولت تمسك إيدها عشان تبوسها، بس سعاد سحبت إيدها بهدوء وعزة نفس، وقالت وهي باصة في عينها بثبات:
“أنا مش عاوزة بوس إيدين ولا راس يا أميرة.. أنا مش خدامة عشان تزليني، ولا شحاتة عشان ترمي لي القرشين وتصرخي في وشي. أنا دخلت بيتك بدراعي عشان أطعم عيال أخو جوزك من حلال، لكن أنتِ استكبتي وتكبرتي.”
أميرة قعدت تبكي بحرقة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها على الترابيزة الخشب قدام الحاجة فاطمة:
“والله ما كنت أقصد يا حاجة.. حسين اتصل بيا وكان حايطلقني ويرميني في الشارع. ادي الفلوس اهي.. الفين جنيه زي ما حسين قال، وعليها يمين طلاق إني ما ألمس قرش من اللي بيبعته غير لما سعاد تاخد ماهيتها وزيادة.”
الحاجة فاطمة بصت للفلوس بقرف، وبعدين بصت لأميرة وقالت:
“الفلوس دي مش حسنة منك.. دي حقها وعرق جبينها في سحلة التلات أيام، وحق عيال محمود اللي نسيتيهم. والفلوس دي مش هي اللي هتغسل قلة أصلك.. اللي هيغسله إنك تعرفي مقعدك كويس، وتعرفي إن بيت العيلة ده له رب يحميه، وإن سعاد دي خط أحمر.. لو سمعت منك كلمة تجرحها تاني، أو شوفتك تبصي لها بقلة قيمة، قسمًا بالله لأخلي حسين يكتب الشقة دي باسم عيال أخوه، ويرميكي لبيت أهلك بشنطة هدومك!”
أميرة هزت رأسها بالوافقة وهي بتبكي ومش قادرة ترد، كرامتها اللي كانت بتبني فيها بالافتراء أتدكت في لحظة تحت رجليها. بصت لسعاد وقالت بصوت متقطع:
“سامحيني يا سعاد.. عشان خاطر العيال اليتامى وعشان خاطر المرحوم.”
سعاد بصت لها بنظرة طويلة.. نظرة فيها وجع السنين والكسرة، بس كان فيها كمان سامح القوي اللي أخد حقه. اتنهدت سعاد وقالت:
“الله يسامحك يا أميرة.. المسامح ربنا، بس الدرس ده ما تنسيهوش. العيال اليتامى دول مالهمش غير ربنا وعمهم، والقرش اللي يدخل بيتك ومفيهوش بركة دعوة غلبان، بيتحرق ويحرق صاحبه.”
خرجت أميرة من البيت جارية على السلم كأنها هربانة من فضيحة، وسابت الفلوس على الترابيزة.
سعاد بصت للورقيات المالية، وبعدين بصت للحاجة فاطمة، وقالت بابتسامة مكسورة:
“أنا مش عاوزة ده كله يا حاجة.. أنا كنت عاوزة كر أمتي بس.”
الحاجة فاطمة مسكت إيد سعاد وضمتها:
“وده حقك يا بتي.. خدي فلوسك، وروحي لعيالك، وانزلي هاتي لهم كل اللي نفسهم فيه. حسين اتصل بالبنك وبيحول لك ماهية شهرية ثابتة باسمك أنتِ، من بكرة الصبح تنزلي تسحبيها مرفوعة الرأس.”
رجعت سعاد شقتها القديمة في الحارة.. الشقة اللي كانت دايماً ضلمة وساكتة. فتحت الباب لقت عيالها الصغار، “أحمد” و”منى”، قاعدين على الأرض بيلعبوا بِلَعَب قديمة ومكسرة، وعلى وشهم أثر الفقر والانتظار.
أول ما شافوها، أحمد قام يجري عليها:
“أمي! جيتي؟ جبتي لنا أكل يا أمي؟”
سعاد اترمت على الأرض وضمتهم هما الاثنين في حضنها، وبكت.. بس المرة دي كانت دموع فرح وأمل. باست رؤوسهم وقالت:
“جبت لكم كل خير يا عيالي.. حقكم جيلكم لحد عندكم، وأبوكم الله يرحمه نام مرتاح النهاردة.”
عدت الأيام، والحال اتغير تماماً. التحويل الشهري من حسين بقى يوصل لسعاد في ميعاده كل أول شهر. قدرت تسدد ديونها القديمة، تشتري للعيال هدوم جديدة للمدرسة، وتملى البيت أكل وخير. وأميرة فوق، بقت تنزل السلم وهي حاطة رأسها في الأرض، كل ما تشوف سعاد تتمنالها الرضا وتتحاشى تتكلم معاها إلا بأدب وشديد الاحترام.
بس الهدوء ده ما طولش..
بعد ست شهور، وفي يوم جمعة، يرن تليفون سعاد.. كان رقم حسين من السعودية.
ردت سعاد بسرعة:
“أهلاً يا حسين يا أخويا.. عامل إيه وصحتك إيه؟”
صوت حسين جيلها المرة دي مش غضبان، بس كان فيه نبرة تعب وإرهاق شديد، نبرة واحد شايل حمول جبال على ضهره:
“أنا بخير يا سعاد.. الحمد لله. طمنيني عنك وعن العيال؟ أمانة عليكِ التحويل بيوصلك مظبوط؟”
“ربنا يخليك ويطول في عمرك يا حسين.. بيوصل ومستورين وأحسن كرم من ربنا ومنك. العيال بيدعولك في كل صلاة.”
حسين سكت شوية، وسعاد حسّت إن فيه حاجة مش مظبوطة في نبرة صوته. كمل حسين بكلام هادي ومتردد:
“سعاد.. أنا نازل مصر أسبوعين إجازة.”
سعاد فرحت وقالت:
“تنور بيتك وأمك يا خويا! الحاجة فاطمة هطير من الفرحة، ده بقالك تلات سنين ما نزلتش!”
حسين اتنهد تنهيدة طالعة من قاع صدره وقال:
“أنا نازل يا سعاد.. بس مش نازل إجازة وبس. أنا نازل عشان فيه موضوع كبير لازم يتحسم، ومفيش حد أثق فيه يقف جنبي وينصحني بالحق غيرك أنتِ وأمي.”
سعاد استغربت وقالت بقلة صبر:
“خير يا حسين؟ خير يا أخويا في إيه؟ أميرة عملت حاجة تاني؟”
رد حسين بنبرة ملبانة مرار وكسرة:
“أميرة؟ أميرة دي طلعت أقل مشكلة عندي يا سعاد.. أنا اكتشفت حاجة عن الشغل وعن الفلوس اللي كنت ببعتها هنا طول التلات سنين اللي فاتوا.. حاجة تهد البيوت وتخرب العائلات. أنا نازل وفي إيدي أوراق وقضايا.. ولازم الكل يتجمع في بيت أمي أول ما رجلي تطأ المطار.”
سعاد حطت إيدها على قلبها وهي حاسة إن فيه عاصفة جديدة جاية في الطريق، عاصفة مش هتسيب حد في بيت العيلة إلا وتهزه..
الجزء الرابع:
نزلت كلمة حسين على قلب سعاد زي جمرة نار. فضلت ماسكة التليفون بعد ما قفل السكة، عيونها متبتة على الشاشة، وصوت تنهيدته العميقة لسة بيرن في أذنها. “أوراق وقضايا.. وحاجة تهد البيوت!” الكلمات دي كانت كفيلة إنها تطير النوم من عينها باقي الليلة.
أول ما طلع نهار السبت، نزلت سعاد جاري على بيت الحاجة فاطمة. لقت حماتها قاعدة كالعادة على الدكة الخشب، بس السبحة كانت سايبة من إيدها، وعيونها باصة للباب بلهفة وترقب كأن قلب الأم حس قبل أي حد. أول ما شافت سعاد داخلة وشها مصفار وخطواتها مش متظبطة، وقفت الحاجة فاطمة وتسندت على عصايتها:
“خير يا سعاد؟ في إيه يا بت؟ وشك يقطع الخميرة من البيت ليه كده؟”
سعاد قعدت عند رجلها، وشسدت إيدها بطفف وقال بصوت واطي عشان محدش يسمعهم من السلم:
“حسين اتصل بيّا امبارح بالليل يا حاجة.. حسين نازل مصر، وفي خلال يومين هيكون هنا!”
الحاجة فاطمة شهقت من الفرحة، ودموعها نزلت على خدودها المجعدة:
“يا ألف نهار بركة! يا ألف حمد وشكر ليك يا رب.. الولد اللي غاب تلات سنين ويرجع يتملى في حضني؟ ده أنا أذبح تحت رجليه خروفين وأوزعهم على الحارة كلها!”
مسكت سعاد إيد حماتها ورجت بتهدئة:
“اهدّي يا حاجة واسمعيني.. حسين نازل، بس مش نازل مبسوط. حسيت من صوته إنه مكسور، وقال لي كلام يخوف.. قال إنه اكتشف بلاوي عن الفلوس والأوراق اللي كان بيبعتها طول التلات سنين اللي فاتوا، وإن فيه قضايا وأوراق في إيده نازل يحسمها، وقال مش هيأمن يفتح الموضوع ده غير قدامك أنتِ وأنا!”
ضربت الحاجة فاطمة على صدرها، وتحولت الفرحة في ثواني لغيمة سوداء من القلق:
“فلوس وأوراق؟ يا مري! هي أميرة الهانم عملت إيه من وراه؟ ده كان بيبعت لها شقى عمره أول بأول عشان تشتري حتة أرض وتبني بيت للعيال!”
“ما نعرفش يا حاجة.. هو أصرّ ما يقولش حاجة في التليفون، وقال الكل يتجمع في بيتك أول ما يوصل من المطار. بس المهم دلوقتي، أميرة ما تعرفش إنه نازل، هو طلب مني ما أقولهاش.”
في الشقة فوق، كانت أميرة عايشة في وهمها. من يوم واقعة التنظيف والتهديد بالطلاق، وهي ماشية جنب الحيط، بس جواها نار بالعداوة والغل من سعاد والحاجة فاطمة. كانت فاكرة إن السكوت اللي فرضوا حسين عليها مجرد أزمة وهتعدي، وبقت تقضي وقتها كله مع أخوها “سيد” – راجل طماع وشغال في السمسرة وبيع الأراضي والمقاولات غير المشروعة في المنطقة.
سيد كان هو “العقل المدبر” لكل قرش بيجي من الخليج. كل ما حسين يبعت مبلغ لأميرة عشان تحطه في البنك أو تشتري بيه أرض باسمه، كان سيد يقنعها بأسلوبه المسموم:
“يا هبلة! بتكتبي الأرض باسم حسين ليه؟ حسين في الغربة وممكن في أي لحظة يعجبك هناك ولا يرجع يتجوز عليكي ويرميكي! الفلوس دي شيلي نصها باسمك ونصفها باسمي نتاجر بيه ونطلع أرباح، وهو لما ينزل ويري المباني والخير مش هيسأل في الأوراق التفصيلية!”
أميرة كانت متساقطة ورا أخوها، سلمته أختام حسين وتوكيل عام كان حسين عامله لها قبل ما يسافر عشان تخلص بيه إجراءات المصالح الحكومية. سيد استغل التوكيل ده أسوأ استغلال؛ باع واشترى وعمل صفقات مشبوهة باسم حسين، وسجل حتة أرض كبيرة ومهمة كانت حلم عمر حسين باسمه هو شخصياً بدلاً من حسين!
يوم الاثنين الساعة أربعة العصر..
كانت الحارة هادية، وسعاد قاعدة مع الحاجة فاطمة بيجهزوا الشاي، وفجأة سمعوا صوت عربية تاكسي وقفت تحت الباب. الصوت والكركبة تحت خلوا قلوبهم تضرب. نزلت سعاد جاري تفتح الباب، لقت حسين واقف في مدخل البيت!
كان راجل في أواخر التلاتينات، بس الغربة والتعب رسموا خطوط قاسية على وشه، شايل شنطة سفره على كتفه، وعيونه مليانة إرهاق ونار مكتومة. أول ما شاف سعاد، نزل الشنطة من إيده، ووقف مكانها.
سعاد قالت بنبرة دافية:
“حمد لله على السلامة يا حسين.. كفارة يا أخويا من الغربة.”
حسين بص لها، وحس بخجل القديم بيجدد، بس هز رأسه وقال بصوت مبحوح:
“الله يسلمك يا سعاد.. أمي جوة؟”
“جوة وبتموت من القلق عليك.. ادخل يا أخويا.”
دخل حسين الشقة، وأول ما شاف أمه قاعدة، اترسخ تحت رجلها، مسك إيدها وباسها بلهفة وعياط مكتوم. الحاجة فاطمة حضنت رأسه وبقت تبكي وتدعي له، وسعاد واقفة بعيد، حاسة إن Moment ده هو هدوء ما قبل العاصفة.
بعد ما شرب شربة مية وهدي شوية، حسين وقف، وبص لأمه وسعاد وقال بصوت صارم:
“سعاد.. اطلعي نادي أميرة وأخوها سيد.”
سعاد استغربت: “سيد أخوها؟”
رد حسين وعيونه بتلمع بآثار غضب مكتوم:
“أيوه، سيد أخوها بالذات! قولي لها حسين نزل وعاوزكم تحت في بيت العيلة حالاً.”
طلعت سعاد فوق، خبطت على الباب. فتحت أميرة وهي لابسة هدوم البيت، وأول ما شافت سعاد، كشرت وقالت بضيق:
“خير يا سعاد؟ في حاجة تاني ولا إيه؟”
سعاد قالت بثبات وهدوء:
“جوزك حسين نزل من السعودية، وقاعد تحت في بيت أمه، وطالبك أنتِ وأخوكي سيد تنزلوا له حالاً.”
أميرة وشها اتقلب في ثانية! وقعت منها الفراشة اللي كانت ماسكاها، وصوتها طلع مرعوب:
“حسين؟! حسين نزل؟ ومقالش ليه؟!”
“انزلي شوفيه، هو قال مش هيستنى.”
أميرة جرت على التليفون اتصلت بسيد أخوها وهي بترتعش:
“الحقني يا سيد! حسين نزل وموجود تحت في بيت أمه، وطالبنا إحنا الاتنين! شكله عرف حاجة يا سيد، أنا خايفة!”
سيد قال لها في التليفون ببرود ومكر:
“اهدي يا بت وما تخافيش! التوكيل معاكِ والأوراق مستفة، ولو اتكلم نلبسها في السوق والخسارة. أنا جاي لك حالاً.”
بعد نص ساعة.. كانت الصالة في بيت الحاجة فاطمة مليانة.
حسين قاعد على الكرسي الخشب الكبير، وفي إيده شنطة جلد سوداء مقفولة. أمه قاعدة جنبه، وسعاد واقفة جنب الشباك بتتابع في سكوت. أميرة قعدت على طرف الكنبة وهي بتمسح عرق إيدها في جلابيتها، وسيد أخوها قاعد حاطط رجل على رجل بيحاول يبان واثق من نفسه ومبتسم ابتسامة صفراء.
سيد اتكلم الأوّل بنبرة فيها نفاق:
“حمد الله على السلامة يا عريس! التلغرافات كانت تنور الحارة كلها لو نعرف إنك نازل، الغربة غيرتك يا حسين ولا إيه؟”
حسين ما ردش عليه.. فتح الشنطة الجلد السوداء بالبطء، وطلع منها رزمة أوراق وقضايا وعقود، وحطها على الترابيزة الخشب في النص. الصوت اللي عملته العقود وهي بتنزل على الترابيزة كان زي ضربة الرصاص.
أميرة سحبت نفسها لورا بخرع، وسيد ابتسامته اختفت بالتدريج.
حسين بص لسيد بنظرة قاتلة وقال بنبرة هادية بس ترعب:
“الغربة ما غيرتنيش يا سيد.. بس الغربة كشفت لي الناس على حقيقتها. كشفت لي إن الراجل لما بيسيب بيته ويسافر يشقى، بيبقى فاكر إن وراه أخت وسند ومرأة بتصون غيبته، مش ديابة بياكلوا في لحمه!”
أميرة اتكلمت بصوت يترعش:
“في إيه يا حسين؟ هو إحنا عملنا إيه لكل ده؟ إحنا صايين بيتك وعيالك!”
ضرب حسين على الترابيزة بإيده بإيد قوية هزت الشقة كلها:
“اسكتي خالص! ما تسمعنيش صوتك! صايينة بيتي؟ صايينة بيتي وأنتِ مسلمة توكيلي لأخوكي السمسار يبيع ويشتري بيه؟ صايينة بيتي وأنتِ بتسرقي الفلوس اللي ببعتها عشان تبنوا بيها مستقبلي، وبتكتبوا الأرض اللي شقيت فيها تلات سنين باسم أخوكي سيد؟!”
سيد وقفت بخضة وتحفز:
“جرى إيه يا حسين؟ الزم حدودك! الأوراق دي كلها قانونية، والأرض دي أنا شاريها بفلوسي وحقي، وإختك…”
حسين وقف بسرعة البرق، وقرب من سيد، وطلع ورقة مطبوعة بالختم الميري والختم الإلكتروني للبنك، وحطها في وش سيد:
“أرض إيه اللي بفلوسك يا حرامي؟! دي كشوفات الحسابات والتحويلات البنكية من السعودية! التواريخ والمبالغ والتوكيل اللي اتستخدم لشراء قطعة الأرض رقم 40 في المنطقة الجديدة! أنتِ استغليتي التوكيل اللي باسم مراتي، ونقلت الملكية باسمك بعقد بيع صورى بتاريخ قديم! التقرير الجنائي والمحامي هناك وثقوا كل حركة تحويل من حسابي لشركتك المشبوهة!”
الحاجة فاطمة شهقت وحطت إيدها على قلبها:
“يا لهوي! يا مري يا أولادي! يعني أنتِ يا أميرة سارقة جوزك ومسلمة شقى عمره لأخوكي؟!”
أميرة انهارت في العياط ورمت نفسها تحت رجل حسين:
“والله ما كنت أعرف يا حسين! سيد هو اللي قال لي نضمن حقنا ونعمل كده عشان لو جرى لك حاجة! هو اللي قنعني واستغل التوكيل!”
سيد وشه جاب ألوان وشاف إن التبليغ والقضايا جاهزة، وحسين مش جاي يتفاوض، ده جاي ومجهزة كل حاجة بالشرطة والمحامين.
سيد قال بصوت متوتر وهو بيتراجع ناحية الباب:
“إحنا إخوات يا حسين.. والموضوع يتحل ودي، مش كده قدام الغرباء!” وبص لسعاد بقرف.
حسين صرخ بصوت هز جدران البيت:
“الغرباء؟! الغرباء دول أنضف منك ومن أختك! سعاد مرات أخويا الشريفة اللي اختها ورميت لها 600 جنيه وعايرتيها بفقرها، هي اللي صانت البيت وقعدت جنب أمي! وأنتِ وأخوكي نهبتوا شقى عمر بالملابين!”
كمل حسين وهو بيبص لأميرة وقرفان منها:
“الأرض دي هترجع باسمي وباسم عيال أخويا محمود اليتامى تالت ومتالت! والأوراق دي طالعة على النيابة العامة بكرة الصبح بق\ضية خيانة أمانة واستغلال توكيل وتزوير! وأنتِ يا أميرة…”
سكت حسين لحظة، والكل محبوس أنفاسه..
“أنتِ يا أميرة.. طالق! طالق بالثلاثة! وما لكيش قعدة في البيت ده ولا دقيقة واحدة تاني!”
أميرة صرخت صرخة هزت الشارع كله، وقعدت تعفر في التراب تحت رجل حسين وبتبكي بحرقة، وسيد أخوها واقف مصدوم مش عارف يهرب ولا يدافع عن نفسه.
حسين بص لسعاد ولأمه وقال بنبرة مليانة عزيمة:
“حق أخويا وحق عياله الشرفاء مش هيضيع.. واللي افتكر إن الغايب ملوش عين تسأل، هيشوف إن ربنا بالمرصاد.”
لكن سيد.. وقبل ما يخرج من الباب، التفت لحسين بعيون مليانة غل وشر، وقال بصوت واطي ومسموم:
“مش سيد اللي يتاخد منه حاجة بسهولة يا حسين.. والورق ده مش هيلحق يوصل للنيابة!”
خرج سيد وهو بيقفل الباب وراه بقوة، وساب جوة الشقة عاصفة فتحت أبواب لمواجهة جديدة أشد وأخطر..
أرملة أخو زوجى 3
حكايات رومانى مكرم
الجزء الخامس:
خرج سيد وقفل الباب وراه برجة هزت جدران الشقة، وساب وراه سكون تقيل زيه زي السكوت اللي بيسبق طلقة الرصاص. أميرة فضلت مرمية على الأرض، عياطها بقى شهقات متقطعة مليانة حسرة وخوف، باصة لحسين بعيون مكسورة ترجو منه الرحمة، بس حسين كان وشه زي القطعة الصوان، قاسي ومافيهوش نقطة تراجع.
الحاجة فاطمة مسكت سبحتها بإيد بترتعش، وبصت لحسين وقالت بصوت مهدود:
“يا حسين يا بني.. استهدي بالله. الطلاق مش سهل، وسيد أخوها راجل شراني وممكن يؤذينا أو يعمل حاجة مجنونة. الكلام اللي قاله وهو طالع ده يخوف!”
حسين قرب من أمه، قعد تحت رجلها ومسك إيدها باسها بثبات:
“ما تخافيش يا أمي.. اللي يسكت على حقه مرة، بيتداس عليه العمر كله. أنا سكت على حق أخويا محمود الله يرحمه ولاد أخويا، وربنا كرمني وكشفلي الغمة دي قبل ما أرجع الغربة تاني. سيد ده أجبن من إنه يواجه بالقانون، وده السبب اللي خلاه يهدد ويجري.”
التفت حسين لسعاد اللي كانت واقفة عند الشباك، عيونها بتبص على الشارع من ورا الستارة بتراقب سيد وهو طالع بيجري وركب عربيتة وطار بيها. بصت لسعاد لحسين وقالت بنبرة جادة:
“حسين.. سيد مش هيسيب الورق ده يوصل للنيابة بسهولة. الراجل ده شغال مع حيتان وسمسارة أراضي في المنطقة، ولو حس إن القض\ية دي هتلبسه في التخشيبة، ممكن يعمل أي حاجة عشان يمسح أثر العقود دي.”
حسين ابتسم ابتسامة باهتة فيها ثقة:
“الورق اللي شافوه ده يا سعاد.. مجرد صور! العقود الأصلية والتقارير البنكية الموثقة في السعودية ومصر، شيلتهم في مكان أمان محدش يخطر على باله. أنا عارف سيد وطمعه كويس من زمان.”
في الوقت ده، أميرة قامت من على الأرض، ودموعها نازلة على وشها المتبهدل، قربت من حسين وقالت بنبرة مكسورة:
“حسين.. عشان خاطر الأيام اللي كانت بينا، بلاش تحبس أخويا. أنا غلطت.. سلمت له عقلي وخليته يستغلني، بس والله ما كنت أعرف إنه هينصب عليك وياخد الأرض باسمه! أنا فاكرة إنه بيحمي فلوسنا!”
حسين بص لها بقرف ورفع صباعه في وشها:
“أنتِ غلطتك مش إنك سلمتِ له عقلك بس.. أنتِ غلطتك إنك نسيتي أصلك، ودستي على الغلبان، وعايرتي مرات أخويا بفقرها وسحلتيها في شقتك عشان تذليها! اللي بيظلم يتيم يا أميرة، ربنا بيسلط عليه اللي يظلمه. أطلمي لبيت أهلك بشنطة هدومك.. وما لكيش قعدة في بيتي ولا دقيقة واحدة تاني.”
أميرة لمّت بقايا كرامتها، وطلعت الشقة فوق بخطوات مكسورة عشان تلم هدومها وتنزل، وسابت بيت العيلة وهو بيغلي من الأحداث.
عدت ساعات الليل ببطء شديد.
الساعة كانت قربت من تلاتة الفجر، والحارة كلها دخلت في نوم عميق. كانت سعاد قاعدة في شقتها القديمة مع عيالها أحمد ومنى، مش جيلها نوم. حاسة بضيقة في صدرها، وشيء غريب بيهمس لها إن لسة فيه حاجة هتحصل. قامت تسحب رجليها وقفت في البلكونة الصغيرة اللي بتطل على البيت الكبير وشارع الحارة الضيق.
فجأة.. لمحت سعاد خيالين نازلين من آخر الشارع بالراحة، ماشيين جنب الجدران في الضلمة. واحد منهم كان شايل في إيده جردل أصفر صغير، والتاني شايل حاجة ملفوفة في قماش.
سعاد دققت عيونها في الضلمة.. القلب ضرب بسرعة لما عرفت جسم الراجل الأولاني: “ده سيد أخو أميرة!”
سيد والتاني قربوا ببطء شديد من باب شقة بيت العيلة اللي تحت—البيت اللي فيه الحاجة فاطمة وحسين نايمين فيه بعد تعب السفر والأحداث. سعاد شافت سيد وهو بيكب سائل ريحته طلعت بسرعة في الشارع.. ريحة بنزين!
التاني طلع ولاعة وشغلها..
سعاد ما فكرتش ولا ثانية! صرخت بأعلى صوت عندها هز الحارة الساكنة كلها:
“الحقووووووني! النار! الحق يا حسين! الحقوني يا ناس البيت ببيتحرق!”
صوت سعاد كان زي الإنذار اللي صحى الشارع كله في ثواني. سيد والتاني اتخضوا لما سمعوا الصريخ، والولاعة وقعت من إيد الراجل ولعت في البنزين على العتبة الخارجية قبل ما يقدروا يرموها جوة! النار مسكت في الباب الخشب القديم بسرعة، وسيد والتاني جروا في الشارع زي الفران.
حسين صحى من النوم على صوت صريخ سعاد، فتح باب الشقة لقى الدخان والنار طالعين من تحت الباب الرئيسي. جرى بسرعة مسك جردل المية وبدأ يطفي، وفي نفس الوقت كانت الجيران نزلت في الشارع بسرعة بالجرادل والمية بعد ما سعاد نزلت تجري وهي بتصرخ وتنادي على الناس.
خلال دقايق، الجيران وحسين قدروا يسيطروا على النار قبل ما تدخل جوة الشقة وتوصل للأوضة اللي نايمة فيها الحاجة فاطمة.
الحارة كلها اتجمعت، والناس كانت بتغلي من الغضب لما عرفوا إنها محاولة حريق بفعل فاعل. حسين واقف على عتبة البيت، وشه متبهدل بالهباب والتراب، وعيونه بتطلع شرار.
سعاد جت تجري وهي بتلهث:
“أنا شفته يا حسين! شفت سيد أخو أميرة ومعه واحد تاني، هما اللي كبوا البنزين وولعوا النار وجروا!”
أحد كبار الحارة زعق بغضب:
“سيد السمسار؟ يوصل بيه الفجر إنه يجي يولع في بيت العيلة والست الحاجة فاطمة جوة؟! والله ما هيطلع من الحارة دي سليمة!”
حسين مسك إيد سعاد بثبات وقال بصوت هز الشارع كله:
“لا يا جماعة.. محدش يلمسه بإيده. سيد افتكر إنه بالشكل ده هيرعبني أو يحرق الأوراق.. بس هو كده كتب بإيده شهادة وفاته بالقانون!”
في نفس الليلة، وخلال أقل من ساعتين.. كانت عربيات الشرطة داخلة الحارة بسراينها اللي بتنور الأحمر والأزرق. حسين كان مجهز كل حاجة: تفريغ كاميرات المراقبة بتاعت السوبر ماركت اللي في أول الشارع والتي سجلت حركة سيد ومرافق بوضوح وهما شايلين جردل البنزين، بالإضافة لشهادة سعاد والجيران، والأوراق الأصلية لق\ضية التزوير وخيانة الأمانة اللي حسين قدمها رسمياً للنيابة.
قبل ما يطلع نهار الأحد.. كانت المباحث نازلة على بيت سيد، وجايبينه معبوث ومتبهدل بالكلابشات في إيده، ومعه أخته أميرة للتحقيق معاها كشريكة في التزوير واستغلال التوكيل.
الصبح بدري..
كانت الشمس طالعة دافية على الحارة. الحاجة فاطمة قاعد في صالتها، وبجنبها سعاد وحسين بيشربوا الشاي. الشارع كان هادي، والعدل أخد مجراه والكل عرف إن الحق ما بيموتش.
حسين بص لسعاد وقالت بنبرة كلها احترام وامتنان:
“سعاد.. أنتِ مش بس صنتي بيتي وعيالي وأنا غايب، أنتِ أنقذتي حياتي وحياة أمي النهاردة. أنا مهما عملت، مش هعرف أوفيكي حقك.”
سعاد ابتسمت ابتسامة صافية، ابتسامة الست التي مرت بظروف صعبة وخرجت منها مرفوعة الرأس:
“ربنا هو اللي بيستر يا حسين.. والشر مهما كبر، عمره ما يغلب الحق. أنا ما عملتش غير اللي يمليه عليّ ضميري وأصلي.”
حسين طلع من جيبه عقد جديد، حطه قدام سعاد على الترابيزة:
“ده عقد شقة ملك باسمك وباسم أحمد ومنى عيال أخويا المرحوم محمود.. قطعة الأرض اللي سيد كان عاوز يسرقها، اتسجلت رسمياً باسمكم وباسمي مناصفة. هتبنوا فيها بيت كبير، وعيال محمود هيتربوا فيه ملوك، ومحدش في الدنيا يقدر يبص لهم بقلة قيمة تاني.”
دموع الفرح نزلت من عين سعاد.. بصت للسماء وحمدت ربنا. الحاجة فاطمة مسكت إيد سعاد وضمتها لإيد حسين وقالت:
“الحمد لله يا رب.. الظلم ساعة، والحق إلى قيام الساعة. واللي يتقي الله، يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.”
وانتهت العاصفة، ورجع الحق لأصحابه مرفوع الرأس، وعاشت سعاد وعيالها في عز وكرامة صانها إيمانها وأصلها الطيب..
الجزء السادس:
مرت ستة أشهر على ليلة الحريق والقبض على “سيد” و”أميرة”. كانت الحارة قد استعادت هدوءها، لكن بيت العائلة أسرع بالتحول من دارٍ تحيط به جدران الخوف والكسرة إلى ساحة من الرزق والراحة. صدق الحكم القضائي، واستعاد “حسين” كافة حقوقه وأمواله، وقُضي على سيد بالسجن المشدد عن جري\متي خيانة الأمانة والتزوير والشروع في الإحراق العمد، فيما خرجت أميرة بعقوبة مخففة مع الشغل مع وقف التنفيذ، لتنزوي في بيت والدتها البعيد، مكسورة العين، ينهكها الندم والفضول بعدما فقدت العرش والمال والزوج.
في تلك الأثناء، كان مشروع بناء الأرض الجديدة يسير بسرعة؛ حسين ألغى فكرة السفر إلى الخليج مجدداً، وقرر إدارة استثماراته وأعماله من مصر بجوار أمه وعائلة أخيه. جرى تشييد بناء حديث، كُتبت منه شقتان كاملتان باسم “أحمد” و”منى” عيال المرحوم محمود، لتضمن سعاد مستقبل أبنائها إلى الأبد دون الحاجة لرجاء أو سؤال أحد.
كانت سعاد تتنقل بين شقتها السابقة وشقة بيت العيلة، تحيطها هيبة لم تعهدها من قبل؛ الجيران والنساء في الحارة اللاتي كنّ يرمينها بالشفقة والهمس، صرن اليوم يتعاملن معها بأقصى درجات الاحترام والتقدير، يسألونها الشورة ويطلبون منها الوساطة في الصلح بين العائلات، بعدما أثبتت موقفها وثباتها وحسن أصلها.
في صباح يوم جمعة مشمس، جشأت الحاجة فاطمة بضحكة دافئة وهي تجلس على دكتها الخشبية، تراقب “أحمد” و”منى” بهدومهما الجديدة وهما يركضان في صالة الشقة ويلعبان باللُّعَب التي اشتراها لهما عمهما حسين.
دخل حسين وهو يحمل في يده صينية الشاي بالنعناع، وضعها على الترابيزة الخشبية، ثم التفت لزوجة أخيه الراحل وقال بنبرة هادئة ورزينة:
“سعاد.. العقود الجديدة للشقق اتسجلت في الشهر العقاري بالكامل، والمحامي استلم نسخ التمليك بأسماء العيال. بكرة الصبح تقدروا تنقلوا حاجتكم للشقة الجديدة في المبنى الجديد.”
سعاد ابتسمت، وعيونها تلمع بالامتنان:
“ربنا يبارك لك في صحتك ومالك يا حسين.. أنت عملت أصلك وزيادة، ومحمود الله يرحمه أكيد حاسس باللي عملته مع عياله ونام مرتاح في تربته.”
حسين حرك رأسه بتأثر وقال:
“ده حقهم يا سعاد.. وأنا اللي بعتذر لك تاني وتالت عن كل يوم قصرت فيه أو سبت المفترية دي تؤذيكي.”
هنا، حطت الحاجة فاطمة كوباية الشاي من يدها، وبصت لحسين وسعاد بنظرة فيها متسعة من التفكر والوقار، وقالت بصوت ثقيل وواضح:
“يا حسين.. البيت كبر، والحمد لله الحق رجع لأصحابه والشر انكسر. بس فيه حاجة لسة ناقصة، ولازم تتحسم قبل ما الأيام تجري بينا.”
حسين وسعاد تطلعا إليها باستغراب، وسألها حسين:
“خير يا أمي؟ في حاجة تاني نسيتها ولا موضوع مجرور من أوراق الق\ضية؟”
الحاجة فاطمة هزت رأسها بالرفض، وبصت لسعاد بابتسامة حنونة، ثم التفتت لابنها حسين وقالت:
“الموضوع مش ق\ضية ولا فلوس يا بني.. الموضوع عن اللمّة والصيانة. سعاد دي شالت اسم أخوك وصانت عياله، وأنت كبرت ورجعت من الغربة وقعدت وسطنا. سعاد ست أصيلة وما تطلعش من البيت ده ولا تنفصل عن العيلة، وأنا كبرت في السن ومش حابة أشوف عيال محمود يتربوا بعيد عنك وعن عيونك.”
سعاد حسّت برعشة خفيفة في قلبها من التمهيد، وتراجعت خطوة للورا وهي مش فاهمة مقصد الحاجة فاطمة بالضبط، بينما حسين كان يتابع كلام أمه باهتمام شديد.
كملت الحاجة فاطمة كلامها بصوت ثابت وواضح:
“أنا عاوزاك تتجوز سعاد يا حسين.. على سنة الله ورسوله! تجبر خاطرها، وتلم شمل العيال، وتكون لهم أب حقيقي مش مجرد عم بيبعت ماهية.. وسعاد تصونك وتصون بيتك وأمك.”
وقعت الكلمات في الصالة كأنها حجر سقط في بئر ساكنة. سعاد بلعت ريقها وشخصت عينها في الأرض بذهول وكسرة خجل، وحسين اتسمر في مكانه، يقلب الفكرة في رأسه وعقله يزن الأمور بسرعة..
الجزء السابع والأخير:
ساد الصمت في الصالة، صمت ثقيل بتهرب فيه الأنفاس. سعاد فضلت باصة في الأرض، وشها أحمر من الخجل، وإيدها بترتعش وهي ماسكة طرف شالها. الفكرة نفسها كانت مفاجأة هزت كيانها، هي اللي عاشت السنين اللي فاتت كلها قافلة باب قلبها على ذكريات محمود الله يرحمه، وشايلة هم العيال واللقمة.
سعاد رفعت رأسها ببطء، وبصت للحاجة فاطمة بنبرة فيها عتاب حنون وصوت طالع بالعافية:
“إيه اللي بتقوليه ده يا حاجة فاطمة؟ حسين أخويا.. ومحمود الله يرحمه كان روحي وعمري، أنا ما فكرتش في الجواز ولا دخلت عقلي الفكرة دي من يوم ما انكسر ظهري بموته.”
الحاجة فاطمة قربت منها، مسكت إيدها وحطتها بين إيديها الاثنين وقالت بصوت مليان حكمة وأمومة:
“عارفة يا بتي.. وعارفة إنك صنتي ودادي وداد المرحوم. بس الظروف اتغيرت، وحسين أهو قاعد معانا ومش راجع الغربة تاني، والعيال محتاجين ضل راجل يربيهم ويقف جنبهم وهما بيكبروا. حسين مش غريب يا سعاد.. حسين لحمهم ودمهم، وأولى الناس بيكم، وأنتِ أنضف وأصين ست ممكن تدخل بيته وتصون اسمه.”
حسين كان واقف، يبص لسعاد ولأمه. اتنفس نفس عميق، وخطى خطوتين ناحية أمه وسعاد، وقال بصوت هادي، فيه كل معاني الرجولة والاحترام:
“سعاد.. أمي عندها حق في خوفها على العيال وعلى لمّة البيت، بس أنا مش هفرض عليكي حاجة ولا أطلب منك حاجة تغصبك. أنتِ مرات الغالي، وأختي الشريفة اللي شالت اسم أخويا فوق رأسها. لو وافقتي، فده شرف ليا، وهكون للعيال أب وسند قبل ما أكون عم، وهتكوني في بيتي معززة مكرمة، رأسك مرفوعة ومحدش يمس كرامتك بكلمة طول ما أنا حي على وش الأرض. ولو رفضتي وفضلتي على حالك، فحقك وحق العيال محفوض ومسجل، وهتفضلي أختي وعلى رأسي من فوق.”
سعاد بصت لحسين، شافت في عينيه صدق محمود ورجولته القديمة، شافت حنية العم اللي وقف وقاتل عشان أيتام أخوه، وشافت راجل يصون وما يخونش. بصت لأحمد ومنى وهما بيلعبوا في الصالة، وافتكرت المُر اللي شافته والأيام الصعبة اللي عدت عليها وهي لوحدها.
سعاد بلعت دموعها، وهزت رأسها بابتسامة رضا مكسورة، وقالت بصوت خافت بس مليان يقين:
“اللي تشوفيه يا حاجة فاطمة.. أنا سلمت أمري لله، وحسين راجل وسند، وأنا عارفة إنه مش هيظلم عيال أخوه أبداً.”
الحاجة فاطمة زغردت زغروتة هزت جدران البيت، وفتحت أذرعها وضمت سعاد لحضنها، وحسين ابتسم ابتسامة راحة صافية، كأن غمامة التعب والظلم اتزاحت عن البيت للابد.
بعد شهر واحد..
كان بيت العيلة متزوق ومضيء بالنور. اتعمل كتب الكتاب في جو عائلي هادي، بحضور كبار الحارة والجيران اللي باركوا الجوازة وشهدوا إن الله يعوض الصابرين.
انتقلت سعاد وعيالها للشقة الجديدة في المبنى الجديد، شقة واسعة، يدخلها الشمس والخير من كل مكان. “أحمد” و”منى” بصروا بيعتبروا حسين أبيهم، ينادونه بـ “يا بابا حسين”، وهو بياخدهم في حضنه كل يوم لما يرجع من شغله، يتابع دراستهم، ويشتري لهم كل اللي نفسهم فيه.
أما “أميرة”، فكانت الأيام تدور عليها دورة قاسية. عاشت في بيت أهلها مكسورة، تسمع عن خير سعاد وعزها ونظافة بيتها الجديد، وتتحسر على العرش والنعمة اللي كانت في إيدها وضيعتها بطمعها وقسوة قلبها. عرفت إن ظلم اليتيم دين يسدده الإنسان في الدنيا قبل الآخرة.
في ليلة جمعة مباركة..
كانت سعاد قاعدة في بلكونة شقتها الجديدة، باصة للسماء والصلاة على النبي على لسانها. حسين جه وقعد جنبها، ومسك كوباية الشاي ودعا لها بالخير.
سعاد بصت له وقالت بامتنان:
“يعلم ربنا يا حسين.. كل ما بفتكر الأيام اللي فاتت والكسرة اللي كنت فيها، بسبح ربنا وبحمده إن الحق ظهر وما ضاعش.”
حسين ابتسم ورّد عليها بثبات:
“الحق ما بيموتش يا سعاد طول ما وراه مطالب.. وأنتِ صبرتي وصنتي وصنتِ بيتك وعيالك، وربنا جعل الصبر ده فرج وعز ليكي ولعيالك.”
وعاشت سعاد في كرم وعز، مرفوعة الرأس، محاطة بحب زوجها ورعاية عائلتها، بعد ما أثبتت الأيام إن الطيب بيفضل طيب، وإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
تمت القصة.


تعليقات
إرسال تعليق