أطلقت وروحت أعيش في بيت أبويا كاملة
حكايات شيمو كامله
“أطلقت وروحت أعيش في بيت أبويا… وأخدت عيالي.”
أنا مدرسة، وبقبض مرتب على قدنا، والحمد لله كان مكفيني أنا وعيالي بالعافية. من أول يوم دخلت بيت أبويا، قلت لنفسي: مش هكون حمل على حد.
كل أول شهر أنزل أجيب طلبات البيت كاملة… رز، زيت، سكر، لحمة، فراخ، خضار… وأديها لماما، وهي تطبخ، وأنا أرجع من الشغل ألاقي الغدا جاهز، وولادي راجعين من الدروس، والدنيا ماشية بالستر.
قلت لأبويا: “كل اللي طالبه منك يا بابا… علاجك وعلاج ماما بس، غير كده سيبه عليا.”
ربت على كتفي وقال: “ربنا يعوضك يا بنتي.”
الكلمة دي كانت بتنسيني كل التعب.
عدت شهور، واتعودت على حياتي الجديدة… لا راجل يصرف، ولا حد يسأل، لكن كنت حاسة بالأمان وسط أبويا وأمي.
لحد ما في يوم… أختي دخلت البيت.
جوزها مسافر، وجابت هي كمان عيالها، وقالت: “هقعد كام يوم عندكم.”
كلنا رحبنا بيها… ومحدش كان يعرف إن الكام يوم دول هيقلبوا حياتي جحيم.
في الأول كنت بقول: “عادي… أختي.”
لكن بعد أسبوع… اكتشفت إنها ولا دفعت جنيه، ولا جابت طلب واحد.
كل يوم تبعت تجيب أكل دليفري ليها ولولادها… بيتزا… فراخ… برجر… وحلويات…
وأولادي قاعدين يبصولهم في صمت.
ابني مرة همسلي وقال: “ماما… هو إحنا عملنا حاجة غلط؟”
الكلمة دي كسرت قلبي.
رجعت أوضتي وفضلت أعيط وأنا سامعة صوت ضحكهم برا.
فضلت مستحملة أسبوع… واتنين… وتلاتة…
لحد ما المرتب خلص قبل آخر الشهر.
وقفت قدامها بكل هدوء وقلت: “بصي يا أختي… إحنا الاتنين قاعدين في بيت بابا، وأنا من يوم ما جيت وأنا بجيب طلبات البيت كلها… ياريت تساعديني معايا في المصاريف.”
بصتلي من فوق لتحت وقالت بمنتهى البرود: “هو أنا قاعدة عندك؟”
قلت: “لأ… بس بابا وماما كبار، ومعاشهم على قد علاجهم.”
ضحكت وقالت: “أبويا وأمي بيصرفوا… وانتي مالك؟”
اتصدمت.
لفيت لماما أستناها تقول كلمة…
لكنها قالتلي: “اسكتي… متعمليش مشاكل.”
قلت: “يا ماما أنا مش بشتكي… أنا خلاص مش قادرة.”
قالت: “احتسبيها عند ربنا.”
ومن اليوم ده… بقيت أنا اللي بجيب الفطار… والغدا… والعشا…
وهي بتطلب دليفري قدامي.
وفي مرة… ابني الصغير دخل المطبخ يدور على أي حاجة ياكلها.
ملقاش غير رغيفين عيش.
وفي نفس اللحظة… جرس الباب رن.
الدليفري وصل لأختي…
ريحة الأكل ملت البيت كله.
ولادي بصوا للأكياس… وبعدين بصولي.
والله العظيم… كان نفسي الأرض تنشق وتبلعني.
لما دخلت أوضتي، لقيت بنتي بتقولي وهي مخبية دموعها: “ماما… متزعليش… أنا مش جعانة.”
وأنا عارفة إنها من الصبح ما كلتش غير سندوتش جبنة.
في الليلة دي… قررت آخد قرار.
قلت لنفسي: “خلاص… من أول الشهر الجاي، كل واحد يشيل نفسه.”
لكن اللي حصل بعدها… مكنش في بالي ولا في بال أي حد.
تاني يوم الصبح… وأنا خارجة الشغل…
سمعت أختي بتقول لماما بصوت واطي، وهي فاكراني خرجت:
“سيبيها تتعب وتصرف… هي معاها مرتب، وإحنا أولى بفلوسها.”
اتجمدت مكاني…
لكن الصدمة الحقيقية… ما كانتش كلام أختي.
الصدمة كانت في رد أبويا…
الرد اللي خلاني أحس إن كل اللي كنت بعمله السنين دي كان مبني على سر كبير… ولو اتكشف، عمر علاقتنا كلها ما هترجع زي الأول.
وقف الزمان بي لحظتها، والدم اتجمد في عروقي. كنت ماسكة أكرة الباب، وإيدي بتترعش، مش قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس. كان عندي أمل أسمع بابا بيرد عليها، يزجرها، يقولها: “عيب دي أختك وشايلانا كلنا”… لكن اللي طلع من بوق بابا هدّ كل أوهامي في ثانية واحدة.
سمعت بابا بياخد نفسه بتعب وبيقول لأختي بأسى:
“سبيها يا بنتي… ربنا يعينها. بس مش عشان معاها مرتب… عشان دي فلوس حلال، ومش عاوزين نجيب لنفسنا ولا لعيالنا مصاريف من القرش الحرام اللي أختك ما تعرفش عنه حاجة!”
أختي ردت عليه باستخفاف:
“حرام إيه يا بابا بس؟ هو جوزي لما بيحول الفلوس بيسرقها؟ ما هو تعبان في الغربة!”
بابا صوته علي شوية وهو بيحاول يكتم غضبه:
“لا يا هدى… جوزك مش بيشتغل في الغربة! جوزك محبوس في ق\ضية نصب كبيرة من ست شهور، والفلوس اللي بيبعتهالك دي فلوس ناس اتنصب عليهم ومظلومين! أنا ساكت ومخبي عشان أستر عليكي وعلى عيالك وما أكسرش قلبك، وبقول لأختك تصرف عشان اللقمة اللي تخش بطن عيالك وعيالها تبقى من شقا مدرسة حلال… مش من فلوس حرام!”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. عقلي ما كانش قادر يستوعب اللي بيمر عليا. جوز أختي مش مسافر؟ محبوس في قض\ية نصب؟ والفلوس اللي بتطلب بيها دليفري وتتفشخر بيها قدام ولادي… فلوس حرام؟ والأدهى إن بابا وأمي عارفين ومخبيين عليا، واستغلوا سكاتي وجدعتني وشهامتي عشان أكون أنا الشماعة اللي تشيل البيت كله، وأنا فاكرة إن بيتي وسندي بيحميني!
أمي اتدخلت بصوت خايف:
“وطي صوتك يا حاج! لو البت سمعت ولا حد من الجيران عرف… فضيحتنا هتبقى بجلاجل! سيبها تصرف وتطحن نفسها في الشغل… هي مطلقة وملاذها الوحيد البيت ده، مش هتطفش يعني ولا هتسيب ولادها يجوعوا، أهي شايلة البيت وموفرة علينا ونفس الوقت بناكل من حلالها.”
دموعي نزلت في صمت رهيب، دموع قهر ومش استسلام. الفكرة إنهم مش بس كانوا بيستغلوني مادياً، دول كانوا بيستغلوا طيبتي وكسرة نفسي بعد الطلاق، وبيتعاملوا معايا على إني “مجبرة” أتحمل وأدفع التمن عشان أعيش تحت سقفهم!
ما دخلتش الأوضة، ولا واجهتهم في اللحظة دي. خرجت من البيت ورحت مدرستي وأنا مش شايفة قدامي. طول النهار والطباشير في إيدي وأنا بتكلم مع الطلاب، عقلي بيعيد ويتكلم في التفاصيل. افتكرت نظر أختي ليا وهي بتقول “هو أنا قاعدة عندك؟”، وافتكرت بنتي وهي بتقولي “أنا مش جعانة”، وافتكرت طرد زوجي ليا ويومه لما قال “روحي لبيت أبويكي شوفيهم هيشيلوكي إزاي!”.
رجعت البيت الساعة أربعة العصر، المرة دي مش محملة بأكياس الخضار واللحمة والفاكهة زي كل يوم. دخلت وإيدي فاضية تماماً.
أمي أول ما شافتني دخلت المطبخ بتبص في إيدي واستغربت، وقالتلي بلهجة فيها حدة مخفية:
“إيه ده يا بنتي؟ فين طلبات الغدا؟ الساعة بقت أربعة وأختك وعيالها زيك راجعين جيعانين!”
بصيت لأمي في عينها بثبات غريب، لأول مرة أقف قدامها بالجمود ده، وقلت بصوت هادي ومسموع للبيت كله:
“ما فيش غدا النهاردة يا أمي.”
أختي خرجت من أوضتها وهي ماسكة تليفونها وبتبصلي باستعلاء:
“يعني إيه ما فيش غدا؟ إحنا هناكل إيه؟ ولا هنفضل قاعدين جنب ولادك يستنوا رغيفين عيش ناشفين؟”
التفت ليها وقلت بمنتهى البرود:
“اطلبي دليفري يا هدى… اطلبي بيتزا وفراخ وبرجر زي كل يوم… بس المرة دي اطلبي لولادي معاكي، أو هاتي من الفلوس اللي مع العيال، أصل أنا مرتب الشهر ده خلص… ومعنديش استعداد أدفع قرش واحد زيادة!”
بابا خرج من أودته على صوتنا، وبصلي بقلة حيلة وهو مش عارف أنا سمعت إيه، وقال:
“يا بنتي استهدي بالله… أختك ضيفة عندنا كام يوم.”
رديت عليه وأنا ببتسم ابتسامة مكسورة:
“ضيفة يا بابا؟ الضيف بيقعد يومين، مش بييجي بفلوس ما يعلم بيها إلا ربنا ويقعد يكسر في نفوس ولادي ويخليهم يبصوا للقمة! من النهاردة يا بابا… أنا هجيب أكلي وأكل ولادي بس، وعلى قد مرتب المدرسة. مش هكون حمل على حد، بس كمان مش هكون مغفلة!”
هدى وشها اتغير وأحمر، وبصت لبابا بخوف وقالت:
“هي… هي سمعت حاجة؟”
قلت لها بعين قوية:
“سمعت كل حاجة يا هدى. سمعت عن جوزك ‘المسافر’، وسمعت عن الفلوس الحرام، وسمعت كلام أمي وهي بتقول ‘سيبوها تطحن نفسها ما هي ملهاش غيرنا’!”
البيت كله سكت. السكون كان يرعب. أمي حطت إيدها على بؤها، وبابا وطى راسه في الأرض مش قادر يحط عينه في عيني.
في اللحظة دي، جرس الباب رن.
فتحت الباب وأنا جسمي كله بيترعش… لقيت قدامي راجل غريب، لابس بدلة ووشه جاد جداً، ووراه اتنين أمناء شرطة.
الراجل بصلي وقال:
“ده بيت الأستاذ أحمد؟”
بابا طلع يجري على الباب ووشه أصفر:
“أيوه يا فندم… خير؟ في إيه؟”
الراجل طلع كارنيه وورقة رسمية من جيبه وقال بمنتهى الجدية:
“أنا أمر ضبط وإحضار للست هدى أحمد… بتهمة التستر على أموال متحصلة من عمليات نصب وتبييض أموال مع جوزها المحبوس، ومعانا إذن بفتيش البيت!”
حكايات شيمو ٢
كامله
دخل أمناء الشرطة البيت، وسادت حالة من الذهول والعرَج في المكان. أختي هدى صرخت صرخة هزت أركان الشقة، وراجعت لورا وهي بتستخبى ورا أمي اللي جسمها كله بدأ يترعش.
أبويا كان واقف مش قادر ينطق، وشه اتخطف وبقى لون الورق، وقرب من الضابط وهو بيهتز:
“يا بيه… فيه إيه؟ تفتيش إيه وضبط إيه؟ دي بنتي، وجوزها هو اللي…”
الضابط قطعه بصرامة ونظرة حادة:
“جوزها المظنون فيه اعترف في التحقيقات إنه كان بيحول الأرباح والمبالغ اللي بينصب بيها على الناس باسم مراته، وهدى أحمد متهمة رسمياً بالتستر وإخفاء أموال متحصلة من جناية نصب وتسهيل الاستيلاء على أموال الغير. التفتيش هيتم فوراً، ويا ريت محدش يعطل شغلنا عشان الموضوع ما يكبرش.”
أختي بدأت تصرخ وتصوت:
“والله ما أعرف حاجة! هو اللي كان بيبعتلي الفلوس ويقولي شيليها معاكي! أنا ما نصبتش على حد!”
الضابط أشار لأمناء الشرطة، ودخلوا أوضتها وبدأوا يقلبوا الدوالايب والمطابخ والشنط. ولادي الكبار جرا عليهم الفزع، وحضنوني وهم بيترعشوا، بنتي همستلي وهي ماسكة في هدومي:
“ماما… هما وياخدوا خالتي؟ هو إحنا هنعمل إيه؟”
مسكت دموعي بالعافية، وطبطبت على راسها وقلت بصوت واطي:
“ما تخافوش يا حبيبتي… أدخلوا جوه الأوضة واقفلوا على نفسكم.”
خلال دقائق، طلع أمين شرطة وهو شايل شنطة هدى الصغيرة، وفتحها قدام الضابط. الشنطة كان فيها مبالغ مالية ضخمة بالجنيه والدولار، مع دفتر توفير وسائبة مش باسمها.
الضابط بص لهدى وقال:
“الفلوس دي كلها حلال وبريئة يا مدام؟ اتفضلي معانا على النيابة للتحقيق.”
أمي اترمت على رجل الضابط وهي بتبكي بانهيار:
“أبوس إيدك يا بيه! دي عندها عيال صغار! سيبوها عشان خاطر ربنا! أنا السبب… أنا اللي قلت لها خبي الفلوس وسكت!”
الكلمة دي نزلـت عليا أشد من الصدمة الأولى. أمي مش بس كانت عارفة، دي كانت شريكة بالتكتم والتغطية! التفت لأمي وأنا مش مصدقة حجم الزيف اللي كنت عايشة فيه. كل لحظة حرمان عشتها أنا وولادي، وكل لقمة ناشفة أكلناها، وكل قرش كنت بقطعه من جلدي وجلد ولادي عشان أصرف على البيت، كان في مقابل للتغطية على شوال الفلوس الحرام اللي مستخبي في الأوضة التانية!
الضابط زق إيد أمي بالراحة وقال:
“القانون مفيش فيه الكلام ده يا حجة. الكلام ده تقولوه في النيابة.”
سحبوا هدى وهي بتصرخ وتستغيث بأبويا وبيا:
“الحقيني يا أختي! أمانة عليكي عيالي! يا بابا ما تسيبنيش!”
خرجوا بيها، وسابوا البيت زي الج\ثة الهامدة. باب الشقة المفتوح كان بيعدي منه هواء بارد، والهدوء كان يخنق.
أبويا قعد على أقرب كرسي، وحط إيده على قلبه وهو بيلهث. أمي قعدت في الأرض بتلطم على خدودها وبتبكي بكسرة. عيال أختي التلاتة كانوا واقفين في الصالة بيعيطوا بهستيريا ومش فاهمين حاجة.
أمي بصتلي بعيون مليانة دموع وغل في نفس الوقت، وقالتلي بصوت مجروح:
“مرتاحة دلوقت؟ شمتانة فيها؟ إنتي اللي جيبتي لها الأذى بوشك الشوم! من يوم ما دخلتي البيت بفقرك وعياطك والبيت اتخرب!”
بصيت لأمي، ولأول مرة في حياتي ما أحسش بالذنب ولا بالخوف من غضبها. بصيت لها بمنتهى الجفاء وقلت:
“أنا اللي خربت البيت يا أمي؟ ولا الفلوس الحرام اللي كنتوا بتاكلوا منها وبتباركوا صاحبها؟ أنا اللي بقالي أشهر بطحن نفسي عشان أجيب أكل حلال لعيالي ولكم، وأنتم شايلين أكياس الفلوس تحت السرير وتخلوا أختي تتفشخر عليا وعلى ولادي وتذلهم بالدليفري؟”
أبويا رفع رأسه بصعوبة، وصوته كان متهدج:
“خلاص يا بنتي… خلاص. أبوكي اتقطم ظهره خلاص… ما تذبحونيش أكتر من كده.”
التفت لعيال أختي، كانوا خايفين ومرعوبين. رغم كل اللي عملته أختي، العيال مالهمش ذنب. قربت منهم، أخدتهم في حضني، وقلت لولادي:
“خدوا ولاد خالتكم جوه… هاتي يا بنتي الجبنة والعيش اللي فاضلين واقسموهم مع بعض.”
دخلت أوضتي، ولميت هدومي وهدوم ولادي في الشنط. كل حتة قماش وكل كتاب لولادي حطيته بصرامة.
أمي دخلت الأوضة وشافت الشنط، وشهقتها عليت:
“إنتي بتعملي إيه؟ رايحة فين في نص الليل كده؟ هتسيبيني أنا وأبوكي في ظروفنا دي؟ ومين هيصرف على البيت وعلى عيال أختك اللي مرميين دول؟”
وقفت ورفعت شنطتي، وبصيت لأمي بثبات صلب:
“أنا أديتكم كل اللي أقدر عليه… أديتكم صحتي ومرتبي وحبي واكتشفت إني مجرد ‘شغالة بفلوسها’ بتغطي على الوساخة اللي في البيت. عيال أختي هاخد بالي من أكلهم وشربهم طالما هما في رقبتكم، بس أنا ولادي مش هيعيشوا ثانية واحدة في بيت ماليان كذب وحرام.”
أبويا قام وقفل الباب بجسمه وهو بيبكي:
“عشان خاطري يا بنتي… لو مشيتي دلوقت، الناس هتاكل وشنا، وأنا مش هتحمل النظرات.”
بصيت لأبويا وقلت له بوجع:
“إنت اللي اخترت تسكت يا بابا… وإنت اللي رضيت إن أختي تذل ولادي باللقمة. خايف من كلام الناس، وما خفتش من ربنا وإنت شايفني باتعصر كل شهر عشان أوفي طلباتكم؟”
زقيت الباب بالراحة، وخرجت أنا وولادي في ضلمة الليل، وأنا مش عارفة هروح فين، ولا معايا فلوس تكفي أجر شقة، ومعايا خمس عيال (ولادي وتلاتة عيال أختي اللي اضطريت أخد إيدهم معايا لأني ما قدرتش أسيبهم في وسط المأساة دي)…
خرجت للشارع وأنا مسكينة، بس المرة دي… كانت دماغي مرفوعة لأول مرة من سنين.
مشيت في الشارع والليل كاحل، الهواء البارد بيخبط في وشوشنا، وخمس عيال ماشيين ورايا زي الكتاكيت الخايفة. ولادي التلاتة شايلين شنطهم الصغيرة، وعيال أختي التلاتة ماسكين في طرف عبايتي وبيعيطوا بصوت مكتوم. كنت حاسة إن خطاي ثقيلة، لكن المرة دي ثقل شرف، مش ثقل ذل وكسرة.
ابني الكبير قرب مني وشد إيدي بصوت يترعش:
“ماما… إحنا رايحين فين؟ الشارع ضلمة أوي، وأنا خايف.”
بصيت له وابتسمت ابتسامة بألم، لكن فيها قوة ما عرفش جابتيها منين:
“ما تخافش يا حبيبي… طول ما بنآكل حلال وبنتقي ربنا، ربنا مش هيضيعنا. تعالوا معايا.”
ما كانش قدامي غير وجهة واحدة؛ “أم أمل”… ست كبيرة جارتنا القديمة من أيام ما كنت متجوزة، ست طيبة وساكنة لوحدها في بيت صغير على قدها، وكانت ديماً بتعزني وتعتبرني زي بنتها.
خبطت على بابها الساعة واحدة بعد نص الليل. لما فتحت وشافتني بالشنط والعيال دول كلهم، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
“يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إيه ده يا بنتي؟ إيه اللي خرجكم في الوقت ده؟”
دخلتنا فوراً، وقفت المطبخ عملت شاي وعيش وجبنة للعيال اللي أكلوا بنهم غريب، وكانوا محرومين. بعد ما العيال ناموا من التعب على الكنب وفي الصالة، قعدت معاها وحكيت لها كل حاجة بالدموع… من أول القرش الحرام، لحد الضابط ما أخد أختي، وموقفي مع أبويا وأمي.
أم أمل طبت على صدرها بحزن وقالت:
“يا ساتر يا رب! الحرام عمره ما يبني بيت يا بنتي، وحبل الكذب قصير… الحمد لله إن ربنا كشف لك كل حاجة قبل ما تتورطي أو تجيبوا لنفسكم مصيبة. بس يا بنتي إنتي حملك تقيل أوي… ست عيال بمرتب مدرسة؟ هتكفي منين أكل وشرب ومصاريف نيابة ومحامين لأختك؟”
قلت لها بعين ناشفة:
“المحامين والمصاريف دي مش بتاعتي يا خالتي… أختي وأبويا يتدبروا فيها من الفلوس اللي كانت مستخبية. أنا كل اللي يلزمك إني أجر منك الأوضة الصغيرين اللي في الملاية فوق السطوح، وأدفع لك أجرها كل أول شهر من مرتبي، لحد ما ربنا يفرجها وألاقي شقة أجرها هادي.”
الست رفضت تاخد مني جنيه في الأول، لكن بالتحايل والإصرار وافقت، وصعدت أنا والعيال فوق السطوح. الأوضة كانت صغيرة وشمسها دافية، بس كانت بمليون قصر… لأن اللقمة فيها كانت مغسولة بتعبي وعرقي.
تاني يوم الصبح، نزلت المدرسه وأنا مطبقة ما نمتش. في الاستراحة، زميلتي “ناهد” شافت وشي أصفر وعيني منفخة، سألتني بدموعها:
“مالك يا مريم؟ فيكي إيه؟”
حكيت لها على قد ما أقدر بدون ما أفضح أختي، قلت لها إني سبت بيت أبويا ومحتاجة أي شغل زيادي عشان أقدر أكفي مصاريف العيال.
ناهد مسكت إيدي وقالتلي:
“ربنا جابك في وقتك! مدرسة الدرس الخصوصي اللي جنبنا محتاجة مدرسة عربي وتأسيس للأطفال، وبيمنحوا أجر باليومية… وغير كده، فيه مشغل ملايات وسجاد يدوي صاحبتي فاتحاه ومحتاجة حد يمسك الحسابات ساعتين بعد الظهر!”
من اليوم ده، حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة. بقيت أخرج من المدرسة الصبح، أطلع على المشغل ساعتين، وبعدها أدي دروس للأطفال في المركز للمغرب. برجع السطوح ظهري مقسوم، بس معايا قرشين حلال، أدخل على العيال ألاقيهم جمعوا بعضهم، وبنتي الكبيرة طبخت رز وبطاطس، وعيال أختي بقوا بيساعدوها وبيحبوها زي أختهم.
عدى أسبوعين، والهدوء كان بيسود حياتنا الجديدة، لحد ما في يوم، وأنا راجعة من الشغل بالليل، لقيت ولد صغير واقف مستنيني تحت بيت أم أمل…
الولد كان ابن جيران أبويا، جري عليا وهو بيلهث وقال:
“الحقي يا أبلة مريم! أباكي تعب أوي ونقلوه المستشفى… وأمك قاعدة في البيت لوحدها بتصرخ وما معهاش جنيه، والنيابة حجزت على كل حاجة في الشقة!”
نزلت شنطتي من إيدي، وعقلي اتوقف عن التفكير… أبويا في المستشفى، الشقة محجوز عليها، وأمي لوحدها مش فاهمة حاجة!
جريت على مستشفى القصر العيني، ودخلت الاستقبال وأنا بدور عليه برعب. لقيت أمي قاعدة على الأرض عند باب الرعاية المركزة، هدومها متبهدلة ووشها شاحب زي الموتى. أول ما شافتني، قامت وجريت عليا، اترمت في حضني وهي بتصرخ وتبكي بحرقة:
“سامحيني يا بنتي! سامحيني يا مريم… أبوكي بيموت جوه، والشرطة أخدت كل الفلوس والدهب اللي في البيت، وقالوا دي فلوس غسيل أموال! والنهاردة صدر قرار جديد من النيابة يقلب كل الموازين!”
مسكتها من كتافها وبصيت لها برعب:
“قرار إيه يا أمي؟ أختي جرى لها إيه؟”
أمي بلعت ريقها بالعافية وقالت بصوت يرتجف:
“القرار مش عن أختك بس يا مريم… القرار جاي بضبت وإحضار لأبوكي ولكل اللي كان بيستلم التحويلات المالية… واستدعاء رسمي ليكي إنتي كمان في النيابة بكرة الصبح!”
حكايات شيمو ٣
كامله
وقع الكلام عليا زي الصاعقة. استدعاء ليا أنا؟ في النيابة؟ وأبويا جوة الرعاية المركزة بين الحيا والموت، والشرطة مستنياه يفوق عشان يحققوا معاه!
الدموع جمّدت في عيني، وضربات قلبي بقت زي الطبول. بصيت لأمي وقلت لها بصوت مخنوق من الصدمة:
“استدعاء ليا أنا ليه يا أمي؟ أنا مالي؟ هو أنا كنت شفت جنيه واحد من الفلوس دي؟ ولا كنت أعرف مصدرها إيه أساساً؟”
أمي نزلت راسها في الأرض وما قدرتش تحط عينها في عيني، وقالت بصوت واطي ومكسور:
“أختك… أختك في التحقيقات لما انزنقت والخناق زاد عليها، المحامي بتاعها نصحها تقول إن الفلوس دي كانت بتتحول على حسابات مختلفة… وقالت إن جزء من مصاريف البيت والعيال كان بيطلع من تحت إيدك، وإنك كنتِ بتستلمي معاها المبالغ وبتقسميها!”
اتراجعت خطوتين لورا وأنا مش مصدقة. أختي؟ أختي اللي كنت بشيل أكلها وأكل عيالها، وأتحرم أنا وولادي عشان أوفر لها، بتلبسني تهمة نصب وتبييض أموال عشان تنقذ نفسها؟
بصيت لسقف المستشفى وأنا بحس بمرارة عمري ما حسيتها في حياتي. الممرضة خرجت من باب الرعاية المركزة وهي بتجري، وقالت بصوت عالٍ:
“دكتور! بسرعة! الحالة اللي جوة الضغط بتاعها بيقع والدقات بتضعف!”
أمي صرخت ولطمت على وشها، وأنا وقفت أراقب المشهد من بعيد… أبويا بين أيدي ربنا، وأختي باعتني في لحظة، وأمي واقفة مستنية مني أنقذ العيلة اللي هدّت حياتي!
عدّت ساعات الليل زي الدهر. على الفجر، الدكتور خرج ووشه مجهد، وقال إنهم قدروا يثبتوا حالة أبويا، بس هو محتاج رعاية مركزة مش أقل من أسبوع، وجنبه أمين شرطة واقف حراسة عليه.
خرجت من المستشفى والشمس بتشرق، ودموعي على خدي لكن رجلي كانت شيلاني بثبات غريب. ما رجعتش للعيال فوق السطوح، طلعت على النيابة مباشرة… لازم أواجه المصير ده بوش مكشوف، أنا معملتش حاجة تخوفني.
دخلت سرايا النيابة، المبنى كان يرهب والهدوء فيه يخنق. قعدت على الدكة المكسورة مستنية دوري، لحد ما العسكري نادى باسمي:
“المتهمة مريم أحمد… ادخلي لوكيل النيابة!”
دخلت الأوضة، وكيل النيابة كان شاب صغير ووشه جاد جداً، قدامه ملفات قد الجبل. بصلي بنظرة فاحصة، وحط إيده على الملف وقال:
“إنتي مريم أحمد؟ مدرسة؟”
قلت بثبات: “أيوه يا فندم.”
بدأ يسألني عن التحويلات، وعن ردودي في البيت، وعن أختي وجوزها… وقرا عليا أقوال أختي اللي كانت بتتهمني فيها إن أخدت مبالغ مالية كبيرة منها وكتبت بيها شهادات في البنك!
في اللحظة دي، طلعت من شنطتي الورق اللي كنت مجهزاه… كشف حساب بنكي بيثبت إن معنديش غير حسابي اللي بينزل عليه مرتب المدرسة، وإيصالات الجمعيات اللي كنت بداخلة فيها عشان أصرف على البيت، وشهادة من مديرة المدرسه بتثبت إن أيام امتحانات النصف الأول كنت باخد دروس إضافية وأشتغل باليومية عشان أوفي المصاريف.
حطيت الورق قدامه وقلت بدموع حابساها بالعافية:
“يا فندم… أنا مطلقة، وبقبض مرتب مدرسة على قد حالي. كنت بجيب الرز والزيت بشقايا ورزق ولادي وأديه لأمي. أختي دخلت البيت بشرها وفلوسها الحرام، ولما اكتشفت الحقيقة وسمعت أبويا بودني بيحكي عن جوزها المحبوس، أخدت ولادي وطفشت وعشت فوق السطوح وأكلت عيش وجبنة ولا إني ألمس قرش واحد من فلوسها! وتقدر حضرتك تسأل الجيران، وتسأل مديرة مدرستي، وتسأل الست اللي متأجرة عندها أوضتي فوق السطوح!”
وكيل النيابة مسك الورق، وبدأ يقلب فيه بتركيز شديد. السكوت في الأوضة كان مرعب… لحد ما رفع رأسه وبصلي وقال بلهجة هادية غيرت كل حاجة:
“أقوالك مطابقة لتقرير التحريات اللي وصلنا الصبح يا أستاذة مريم… التحريات أثبتت إنك مالكيش أي علاقة بنشاط جوز أختك، وإنك سبتي البيت فور علمك بالموضوع.”
اتنفست الصعداء والدموع نزلت من عيني زي المطر… الحمد لله، الحلال نصرني.
لكن وكيل النيابة كمل كلامه وقال:
“بس للأسف… الشقة اللي ساكن فيها أبوكي وأمك محجوز عليها رسمياً لأنها اشترت بأموال متحصلة من النصب، وخلال ٤٨ ساعة الشقة هتتشمع بالكامل… وفي نفس الوقت، وصلنا بلاغ جديد النهاردة من أهل النواحي اللي جوز أختك نصب عليهم…”
بصيت له بخوف: “بلاغ إيه يا فندم؟”
قال بصرامة: “البلاغ بيتهم أختك وأبوكي إنهم بيشغلوا الفلوس دي في تجارة آثار غير مشروعة مع ناس كبار في الصعيد… والشرطة رايحة دلوقتي تفتش أرض أبوكي القديمة في البلد!”
الكلمة نزلت عليا كأنها جبل اتطوح فوق دماغي. تجارة آثار؟! أبويا المدرس المتقاعد، وأختي اللي كانت عاملة فيها مظلومة، يدخلوا في سكة خطيرة زي دي؟!
خرجت من مكتب وكيل النيابة ورجلي مش شيلاني، الدنيا بتلف بيا. النيابة برأتني أنا من قض\ية النصب، بس اللي جاي كان أبشع بكتير. العيلة اللي كنت فاكرة إنها سندي وأماني، اتضحت إنها غرقانة في مستنقع ملوش آخر، وأنا وولادي كنا هنسحب معاهم للظلمات دي لولا فضل ربنا.
طلعت على المستشفى وأنا بجري. لقيت القوة الأمنية زادت قدام باب الرعاية المركزة، وبقى فيه ظباط بزي رسمي واقفين بيتكلموا بصوت واطي. أمي كانت قاعدة في زاوية على الأرض، عيونها مزغللة وزي اللي طالع منها الروح، وأول ما شافتني قامت تتطوح ورمت نفسها عليا:
“عملتي إيه يا مريم؟ النيابة سابتك؟ الحقيني يا بنتي… الشرطة أخدت مفاتيح الشقة وشيّعوا قوة للبلد يفتشوا بيت أبوكي القديم!”
مسكت أمي من إيديها وشدتها بعيد عن الظباط، وقلت لها بصوت واطي وهو بيترعش من الغضب والذهول:
“آثار يا أمي؟! أبويا اللي كان بيعلم الناس الفضيلة يتاجر في الآثار؟! أختي وجوزها جابوا الرتب دي كلها منين؟ اتكلمي يا أمي وما تخبيش عليا حاجة تاني، كفاية كذب لحد كدة!”
أمي غطت وشها بإيديها وبدأت تبكي بصوت مكتوم وهي بتعترف باللي استخبى سنين:
“والله ما كان قصدنا يا مريم! جوز أختك هو اللي ورط أبوكي… من سنتين لما قفل شركته وبدأ ينصب، أقنع أبويا إن فيه بيت قديم ورثنا في البلد تحت منه حفر، وقال له الفلوس دي هتخلينا فوق السحاب، وأبوكي ضعيف وطمع عشان يؤمن مستقبل أختك بعد ما جوزها اتقبض عليه! الفلوس اللي كانت في شنطة هدى ما كانتش بس فلوس نصب… دي كانت عربون صفقة آثار كبيرة كان المفروض تتسلم الأسبوع ده!”
حطيت إيدي على بوقي وأنا مش مصدقة حجم البشاعة. أبويا وطمعه، وأختي وششرها، وأمي بسكوتها وتغطيتها عليهم… كلهم اشتركوا في الجري\مة دي، وكانوا مستعدين يضحوا بيا وبسمعتي وبمستقبل ولادي عشان يغطوا على القرف ده!
في اللحظة دي، باب الرعاية اتفتح، والدكتور خرج ومعه ممرضين بيجروا. الظابط قرب منه بسرعة، والدكتور هز رأسه بأسى وقال:
“المريض فاق ووعيه رجع… بس الحالة حَرِجة جداً والقلب ضعيف أوي، هو طالب يشوف بنته مريم بالاسم قبل ما يدخل في غيبوبة تانية.”
الظابط بصلي وسابلي السكة: “ادخلي يا أستاذة… بس معاكي خمس دقائق بس.”
دخلت أوضت الرعاية المركزة. ريحة المطهرات والأجهزة اللي بتطاطي بصوت رتيب كانت ترعب. أبويا كان راقد، الأجهزة متوصلة بكل جسمه، وشه كان دبلان وأصفر زي الشمع. أول ما شافني، عينيه دمعت وبدأ يحرك شفايفه بصعوبة شديدة وهو بيمد إيده المرتعشة ناحيتي.
قربت منه، مسكت إيده اللي كانت ساقعة زي الثلج، وقلت بصوت مكسور:
“ليه يا بابا؟ ليه عملت فينا كدة؟ ليه ذبحتني أنا وولادي وأنا اللي كنت تحت جزماتكم بأكلكم من عرقي؟”
أبويا بدأ يبكي بصوت مهدود، وقال بفتات صوت طالع بالعافية:
“سامحيني يا مريم… الشيطان عماني… كنت عاوز أأمن أختك وعيالها بعد ما جوزها يتسجن… افتكرت إن الفلوس هتسترنا… أثرها عرتنا وفضحتنا في آخر أيامنا… سامحيني يا بنتي، إنتي الوحيدة اللي طلعتي بنظافة قلبك وشقاكي الحلال…”
الدموع غلبتني، ورغم كل اللي عمله، ده في النهاية أبويا اللي رباني. مسكت إيده بقوة وقلت له:
“ربنا يسامحك يا بابا… ربنا يسامحكم كلكم.”
فجأة، جهاز نبضات القلب بدأ يصدر أصوات إنذار متسارعة، وأبويا مسك في إيدي بضغط شديد وهو بيبص لسقف الأوضة بعيون مفتوحة على آخرها، وصرخ بصوت طالع من أعمق نقطة في روحه:
“السر في الأرض يا مريم! الورقة… الورقة اللي تحت بلاطة الفرن في البلد… ما تخليش حد يأخدها… دي فيها…”
قبل ما يكمل الكلمة، إيده ارتخت فجأة، والجهاز أطلق صفارة مستمرة بطويلة تتعلن توقف القلب!
الدكاترة جيروا على الأوضة وزقوني لبرا وهم بيحاولوا يعملوا له إنعاش قلبي، وأنا واقفة ورا الزجاج مشايفة غير جهاز القلب اللي خطه بقى مستقيم… أبويا مات، ومات معاه السر!
لكن الكارثة ما انتهتش هنا…
وأنا طالعة من المستشفى في حالة ذهول وتعب مش قادرة أوصفه، تليفوني رن… كان رقم أم أمل اللي أنا قاعدة عندها فوق السطوح.
رديت وأنا بصوت ميت: “أيوه يا خالتي…”
أم أمل كانت بتتكلم وهي بتلهث وبتبكي بهستيريا وصوت صريخ العيال طالع في الخلفية:
“الحقي يا مريم! الحقيني يا بنتي! فيه ناس غريبة ومسلحين طالعين على السطوح عندك… ماسكين العيال وبيسألوا عن شنطة أبوكي القديمة، وبيقولوا لو مريم ما جابتش الورقة خلال ساعة… مش هتشوفي ولادك تاني!”
تجمد الدم في عروقي، والصرخة اتخنقت في زوري. الشارع تحت رجلي بدأ يلف، وصوت بكاء ولادي وصريخهم في التليفون كان بيقطع في قلبي زي السكاكين. أبويا مات وسابلي ورائه كابوس، وأمي غرقانة في دموعها في المستشفى، وولادي الخمسة بين إيدين عصابة مفيش في قلوبهم رحمة!
جمعت كل قوتي وقلت لأم أمل بصوت مرتجف بس قاطع:
“اثبتي يا خالتي… أوعي تحسسيهم إنك خايفة، أنا جاية فوراً!”
قفلت الخط، والتفت للظابط اللي كان واقف قدام باب الرعاية بيخلص أوراق وفاة أبويا. مسكت إيده بانهيار وقلت له:
“يا بيه! ولادي بيتخطفوا دلوقتي فوق السطوح! ناس مسلحين فوق بيتي مهددين يقتلوهم عشان ورقة أبويا سابها قبل ما يموت!”
الظابط وشه اتغير فوراً، ورفع التليفون وطلب الدعم. خلال دقائق كانت عربية شرطة متخفية ومصفحة بتجري بيا في شوارع القاهرة بسرعة الجنون، ومعايا قوة من المباحث والعمليات الخاصة.
طول الطريق كنت بدعي ربنا دعاء المظلوم اللي ملوش غيره: *”يا رب… أنا أكلتهم حلال، وصنت شرفي وشرفهم، ما تفجعنيش فيهم يا رب!”*
وصلنا الشارع. الظابط طلب مني أدخل لوحدي الأول وأتكلم معاهم عشان نضمن سلامة العيال، والقوة المسلحة تنزل من على الأسطح المجاورة وتعمل حصار.
طلعت السلم رجلي بتخبط في بعضها. الأوضة فوق السطوح كان بابها مفتوح، ولادي وعيال أختي محشورين في زاوية، وابني الكبير واقف قدامهم بيحاول يحميهم بظهره، وكان واقف فوق رأسهم راجلين شكلهم يقطع الخلف، واحد منهم ماسك طبنجة وموجهها ناحية العيال.
الراجل أول ما شافني ابتسم ابتسامة صفراء مرعبة وقال:
“أهلاً بالأستاذة… البركة في أبكي. بس أبوكي مات وخد السر معاه، وإحنا عاوزين الورقة اللي بتثبت ملكيتنا للآثار اللي اتضبطت، أو خريطة المقبرة اللي في البلد… فين الورقة يا مريم؟”
بصيت لولادي، دموعهم كانت نازلة في صمت، وبنتي الصغيرة عينها كانت بتستنجد بيا. مسكت نفسي وقلت له بثبات مزيف:
“الورقة مش معايا هنا… الورقة تحت بلاطة الفرن في بيتنا القديم في البلد، زي ما أبويا قال لي وهو بيموت! أوتعوا إيدكم عن العيال وأنا هروح أطولها لكم بنفسي!”
الراجل ضحك بشر وقرب مني:
“فاكرانا مغفلين؟ هتروحي وتجيبي الشرطة؟ إنتي هتمشي معانا دلوقتي، والعيال دول هيضلوا معانا رهن لحد ما نوصل للفرن ونطلع الخريطة!”
وفجأة… وفي اللحظة اللي مسك فيها دراعي، اتكسر شباك الأوضة، واقتحمت قوات العمليات الخاصة السطوح من كل اتجاه!
“اطرح في الأرض! الشرطة!”
الصوت كان زي الرعد. حركة سريعة، ضرب نار في الهواء، وفي ثواني كان الراجلين مربوطين ومطروحين في الأرض تحت إيدين رجال الشرطة. جريت على ولادي، ضميتهم لخضني بكل ما فيا من قوة، وبقيت أبكي وأبوس فيهم وأنا مش مصدقة إنهم بخير وسالمين.
عدت الأيام…
نزلت القوات لبيت أبويا القديم في البلد، وبحضور النيابة رفعوا بلاطة الفرن، ولقوا خريطة المقبرة والورق اللي بيثبت تورط شبكة كبرى لتهريب الآثار، كان يد فيها جوز أختي وناس كبار جداً. الق\ضية كبرت، وأختي اتلقى عليها حكم بالسجن، وأمي عاشت باقي عمرها في حسرة وندم على كل اللي عملوه فيا وفي نفسهم. الشقة المحجوز عليها راحت، والعيلة اللي كانت فاكرة إن الفلوس الحرام هتبنيها… اتهدمت فوق رؤوس أصحابها.
أما أنا…
بعد ما التحقيقات انتهت وظهرت برائتي الناصعة قدام الدنيا كلها، كرمتني وزارة التربية والتعليم على أمانتي وقوة تحملي، وتم ترقيتي لموجهة لغة عربية.
سبت السطوح، وأجرت شقة صغيرة دافية في حي هادي. شقة مفيهاش عفش فخم ولا دليفري غالي، بس فيها أمان… فيها راحة بال ملهاش تمن.
عيالي وعيال أختي التلاتة عاشوا معايا، كبرتهم برزقي الحلال، وعلمتهم إن اللقمة الناشفة بشرف وأمان أحسن من ألف مائدة مفروشة بفلوس الحرام.
في ليلة من الليالي، كنت قاعدة في البلكونة بشرب شاي، وابني الكبير قرب مني، حط إيده على كتفي وطبع بوسة على رأسي وقال لي:
“ربنا يخليكي لينا يا أمي… تعبتي وشيلتي الجبل لوحدك، بس رفعتي رأسنا في السماء.”
ابتسمت، وبصيت للسماء الصافية وأنا حاسة برضا يملأ قلبي. افتكرت كلمة أبويا القديمة لما قال لي: “ربنا يعوضك يا بنتي”… وعرفت إن ربنا فعلاً عوضني، مش بالفلوس، بس بأعظم حاجة في الدنيا: **الستر، والحلال، وراحة الضمير.**


تعليقات
إرسال تعليق