زعيم المافيا لم يسمح لأي إنسان أن يلمس جلده طوال أحد عشر عامًا...
سما سامح
زعيم المافيا لم يسمح لأي إنسان أن يلمس جلده طوال أحد عشر عامًا... حتى وضعت ممرضة ممتلئة يدها على صدره، فتوسّل إليها ألا ترفعها.
أول رجل حاول أن يلمس فينسنت ميرسر تلك الليلة خرج من غرفة الإصابات واثنان من أصابعه مكسوران.
أما الثاني، فتراجع قبل أن يتمكن فينسنت من الوصول إليه.
والثالث كان جرّاحًا وقف متجمدًا بجوار طاولة العمليات، يحدّق في الدم الذي كان ينتشر تحت جسد أخطر رجل في شيكاغو، ثم همس بالكلمات التي لا ينبغي لأي طبيب أن يقولها أبدًا
أنا... مش هقدر أنقذه.
سمعها فينسنت.
رغم أنه كان شبه فاقد للوعي، ورصاصتان استقرتا بالقرب من أضلاعه، وثالثة اخترقت كتفه، سمع كل كلمة.
فتح عينيه الرماديتين تحت أضواء غرفة العمليات الساطعة، وقال بصوت مبحوح
يبقى اطلع برّه.
تراجع الجرّاح للخلف مرتبكًا.
خلف الأبواب الزجاجية لغرفة الطوارئ الخاصة، وقف ستة رجال مسلحين ببدلات سوداء يشاهدون زعيمهم ينزف فوق سرير المستشفى. ضرب أضخمهم، كاليب رورك، مكتب التمريض بكلتا يديه وهو يصرخ
حد يوقف النزيف ده!
لكن...
لم يتحرك أحد.
كان الجميع في مستشفى ليكشور كراون يعرفون من هو فينسنت ميرسر.
في الحادية والأربعين من عمره، كان يسيطر على إمبراطورية إجرامية تختبئ خلف شركات شحن، وشركات أمن خاصة، ومقاولات، واستثمارات عقارية على الواجهة البحرية.
السياسيون يعيدون الاتصال به فورًا.
القضاة يتجنبون حتى ذكر اسمه.
وأي شخص يخونه... غالبًا يختفي قبل طلوع الشمس.
لكن أكثر شائعة كانت ترعب الناس لم تكن عن جرائمه...
بل عن لمسة واحدة.
فمنذ أحد عشر عامًا، لم يسمح فينسنت لأي إنسان أن يلمس جلده مباشرة.
لا طبيب.
ولا حلاق.
ولا حتى امرأة أحبته.
قبل أحد عشر عامًا، خانته امرأة وثق بها. دسّت له المخدر، وأشعلت النار في منزله المطل على البحيرة، وتركته يموت وسط اللهب.
لكنه نجا...
بأعصاب تالفة في الجانب الأيمن من جسده، وندوب تمتد من أضلاعه حتى كتفه.
أما الألم الجسدي، فقد اختفى مع الزمن.
لكن الرعب...
لم يختفِ أبدًا.
مجرد يد تلامس جلده كانت كافية لتدخله في تشنجات عنيفة ونوبات هلع، فيشعر وكأنه يحترق حيًا من جديد.
لذلك كان يرتدي القفازات حتى داخل منزله.
يقص شعره بنفسه.
ويخيط جروحه بنفسه.
وحتى أثناء الفحوصات الطبية، كان الأطباء يقفون بعيدًا ويعطونه التعليمات، بينما يقوم هو بكل شيء بنفسه.
لكن الليلة...
لم يعد قادرًا على إنقاذ نفسه.
ضغطه يهبط بسرعة.
نبض قلبه يختل.
وكلما اقترب منه أحد، كان يقاتل كحيوان محاصر.
في نهاية الممر، كانت نورا بينيت تراقب شاشة العلامات الحيوية، وتعد الثواني بين كل إنذار وآخر.
كانت نورا في الثلاثين من عمرها.
قصيرة القامة.
وممتلئة أكثر مما يسمح به الناس، في نظرهم، دون أن يطالبوها باعتذار.
قضت حياتها كلها تتعلم كيف تصبح غير مرئية.
ترتدي ملابس طبية واسعة.
وتقف دائمًا في آخر صف الصور الجماعية.
وتضحك عندما يسخر الآخرون من وزنها... حتى لا يلاحظوا كم تؤلمها كلماتهم.
بعض الممرضات كنّ يتهامسن بأنها لا تصلح للطوارئ.
وبعض الأطباء كانوا يتعاملون معها وكأنها قطعة أثاث.
أما مشرفتها، ميليسا جرانت، فكانت تعطيها أصعب المناوبات وأقذر المهام دائمًا.
لكن عندما تنهار حالة مريض...
كانت نورا غالبًا أهدأ شخص في المكان.
ترى ما لا يراه الآخرون.
الارتجافة الصغيرة قبل التشنج.
التغير الخفيف
في تنفس طفل قبل الحساسية.
والانقباضة التي تكاد لا تُرى في وجه المريض قبل أن يصبح الألم لا يُحتمل.
والآن...
رأت شيئًا لم يره أحد.
كلهم ظنوا أن فينسنت مجنون.
أما هي...
فرأت الحقيقة.
كان خائفًا.
اقتربت ميليسا منها بسرعة وقالت
إنتِ اللي هتدخلي.
التفتت نورا بدهشة.
أنا؟
أيوه.
لكن أنا مكلفة بجرد المخزن.
غيّرت التكليف.
نظرت نورا عبر الزجاج.
كان فينسنت قد نزع أنبوب الأكسجين، والدم يغرق الملاءة تحته.
خفضت ميليسا صوتها وقالت
هو هيؤذي حد... فالأفضل يكون حد يقدر يستحمل.
تجمدت نورا.
وفهمت الحقيقة في لحظة.
لم تختَرها لأنها الأفضل...
بل لأنها، في نظرهم، أكثر من يمكن التضحية به.
في تلك اللحظة، اقترب كاليب وقال بحدة
لو مات لأن المستشفى خايفة منه... هتندموا كلكم.
أشارت ميليسا إلى نورا وقالت بسرعة
دي أفضل ممرضة طوارئ عندنا.
كانت أول مرة تمدحها فيها.
وكانت أيضًا أول مرة تكذب عليها لتنقذ نفسها.
نظرت نورا إلى الشاشة مجددًا.
ضغطه 78 على 44.
الأكسجين ينخفض.
كان بإمكانها أن ترفض.
أو تستدعي الأمن...
رغم أن معظم رجال الأمن اختفوا بالفعل.
أو تقف وتشاهد رجلًا خطيرًا يموت...
لأن الحياة لم تعلّمه يومًا أن اللمسة قد تعني الأمان، لا الخيانة.
لكنها حملت حقيبة الإسعافات.
اعترض كاليب طريقها.
لو غلطتِ غلطة واحدة...
قاطعته بهدوء
لو فضلت تهددني... هيموت قبل ما تخلص كلامك.
ساد الصمت.
حدق فيها كاليب طويلًا.
كانت ركبتاها ترتجفان...
لكن صوتها ظل ثابتًا.
وسع.
ولأول مرة...
تنحّى جانبًا.
دخلت نورا غرفة الطوارئ وحدها.
أدار فينسنت رأسه نحوها.
حتى وهو ينزف، كان يبدو مرعبًا.
شعره الأسود مبلل بالعرق.
وكم
قميصه الأبيض مقطوع، كاشفًا عن الندوب الممتدة على كتفه.
أما يده اليسرى، فكانت تقبض على حاجز السرير بقوة حتى برزت عروقه.
قال بصوت خشن
متقربيش.
توقفت نورا على بعد مترين تقريبًا.
وقالت بهدوء
مش هقرب.
ضيّق عينيه وهو يراقبها.
وضعت حقيبة الإسعافات على العربة وفتحتها ببطء.
اسمي نورا بينيت... وأنا ممرضة طوارئ.
قال ببرود
مش فارق معايا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
مش لازم يفرق.
رفعت ضمادة معقمة وقالت
عندك جرحين لسه بينزفوا... ولازم أضغط على الجرح اللي تحت ضلوعك.
هز رأسه بقوة.
لأ.
لو معملتش كده... ممكن تفقد الوعي خلال دقائق.
قال بصوت متعب
يبقى سيبيني.
تأملته نورا لثوانٍ، ثم قالت
ده مش اللي إنت عايزه.
اشتعل الغضب في عينيه.
إنتِ متعرفيش أنا عايز إيه.
قالت بهدوء
أنا عارفة إنك هاجمت كل اللي قرب منك... لكنك لسه ما شلتش المحلول من دراعك.
نظر تلقائيًا إلى أنبوب المحلول.
ثم أكملت
إنت خايف... لكنك في نفس الوقت بتحاول تعيش.
صمت.
وتقدمت نورا خطوة واحدة فقط.
في اللحظة نفسها...
تصلب جسده بالكامل.
فتوقفت فورًا في مكانها
تنفّس فينسنت بصعوبة، وصدره يعلو ويهبط بشكل متسارع كأنه يركض في ماراثون للموت. كانت عيناه الرماديتان تشعان برعب حقيقي، رعب لم يره أحد فيه من قبل. كان يرى في يد نورا، رغم أنها فارغة، مشعلًا يعيد إحراق جسده.
لم تتحرك نورا. علمت أن أي حركة مفاجئة ستجعله يدخل في صدمة قلبية بسبب الفزع. خفضت جَسدها قليلًا لتصبح في مستوى نظره، وقالت بصوت هادئ، رصين، يحمل نبرة لم يعتد عليها زعيم المافيا... نبرة الأمام والأمان
فينسنت... أنا مش هلمس الندوب. أنا هحط إيدي على نص صدرك الشمال، بعيد عن الرصاص. النبض عندك واصل ل 160، وقلبك هيقف قبل ما الجراحين يرجعوا. أنا محتاجة أكون العداد اللي هيظبط حركتك.
لم ينتظر موافقته، لأن الموت
لم يكن سينتظر. ببطء شديد، خلعت نورا قفازها الطبي البلاستيكي. كانت تعلم أن ملمس البلاستيك البارد قد يذكره بحبس الأنفاس، أما الجلد البشري الدافئ فهو الحقيقة الوحيدة التي يمكنها طرد الأشباح.
مدّت يدها الممتلئة، الدافئة، ووضعتها بثبات وقوة في منتصف صدره.
اللمسة والتحول
تصلب فينسنت كأنه صُعق ببرق. اتسعت عيناه، وخرجت من حنجرته صرخة مكتومة مزقت الصمت. تحركت يده السليمة بسرعة البرق وقبضت على معصم نورا بقوة كادت تكسر عظامها. كان ضغطه على يدها مؤلمًا، لكنها لم تتراجع، ولم تسحب يدها، بل ظلت تنظر في عينيه مباشرة وتقول بصرامة
اتنفس معايا... شهيق... زفير... ركز في إيدي، إيدي مش نار... إيدي أرض ثابتة.
تحت كفها، كان قلبه يخبط كطائر حبيس في قفص حديدي. لكن، لسبب لم يفهمه فينسنت نفسه، لم تأته النوبة. لم يشعر باللهب يأكل جلده. كان كف نورا ممتلئًا وناعمًا وثابتًا بشكل غريب، كأنه يمتص الألم والحرارة من جسده ويستبدلها ببرودة السلام.
تدريجيًا، بدأت أنفاسه تبطئ. ارتخت قبضته القوية حول معصمها، وتحولت إلى ما يشبه التمسك بالحياة. تلاقت عيناه بعينيها، وبلع ريقه الجاف، وبصوت مبحوح، ضعيف، كطفل تائه وسط عاصفة، همس بالكلمات التي غيرت كل شيء
أرجوكي... ما ترفعيش إيدك.
أومأت
له نورا بهدوء، وحافظت على ضغط يدها. التفتت برأسها نحو الباب الزجاجي ولمحت الطبيب الجراح وميليسا يراقبون المشهد بذهول. أشارت نورا للطبيب بيدها الأخرى بحسم
ادخل فورًا! النبض استقر... جهز أنبوب الصدر والضمادات، أنا هفضل مثبتة حركته.
نقطة التحول ليلة الجحيم في المستشفى
دخل الجراح مرتجفًا، وبدأ بالعمل بسرعة تحت توجيهات نورا التي لم تترك صدر فينسنت للحظة. كانت هي الرابط الوحيد بينه وبين الواقع، وكلما شعر بوخزة ألم من مشرط الطبيب، كان يضغط على يدها، وتضغط هي بالمقابل لتذكره بأنه ما زال حيًا.
لكن الأمور لم تكن لتمر بهذه البساطة في حياة أخطر رجل في شيكاغو.
فجأة... انقطعت الأنوار بالكامل عن المستشفى.
ساد الظلام الدامس لثانيتين قبل أن تعمل أجهزة الطوارئ باللون الأحمر الخافت. وفي نفس اللحظة، دوى صوت إطلاق نار كثيف من الممر الخارجي.
صرخ الجراح وركض للاختباء أسفل طاولة العمليات. أما كاليب ورجاله في الخارج، فقد بدؤوا في تبادل إطلاق النار مع مجموعة مسلحة اقتحمت المستشفى لإنهاء ما بدأوه في المستودعات. الأعداء جاءوا لتصفية فينسنت وهو على سرير الشفاء.
نورا... هرب... حاول فينسنت أن يتحدث، والدم ينضح من كتفه مجددًا مع ركود المحاليل.
لكن نورا لم تهرب. نورا التي قضت
حياتها غير مرئية، وجدت في هذه اللحظة بالذات سببًا لتقف شامخة. قفلت قفل السرير الحديدي، وسحبت الطاولة الطبية الثقيلة لتسد بها زاوية الرؤية من الباب الزجاجي.
انفجر زجاج الباب إثر رصاصة طائشة. انحنت نورا بجسدها فوق فينسنت بالكامل، لتلقي بحجمها فوقه وتحميه من الشظايا المتطايرة. في تلك اللحظة، شعر فينسنت بجسدها بالكامل يحيطه. لم يكن هناك مجال للهلع من اللمس، لأن غريزة البقاء والدهشة من تضحية هذه المرأة ألجمت خوفه القديم.
أحد المسلحين دفع الباب المكسور ودخل الغرفة، موجهًا سلاحه نحو السرير. لم يكن يرى سوى ظهر نورا.
في كسر من الثانية، وبأطراف أصابع فينسنت السليمة التي كانت تتحرك بحرية لأول مرة منذ سنوات، سحب المحقن الطبي الكبير المملوء بمادة مخدرة قوية كان الجراح قد تركها على الطاولة، وبحركة خاطفة وسريعة من خلف ظهر نورا، غرس المحقن بكامله في رقبة المسلح وضغط المكبس.
ترنح الرجل وسقط سلاحه، قبل أن يدخل كاليب الغرفة مسرعًا ويطلق عليه الرصاصة الأخيرة.
النهاية المغلقة بعد مرور عام
في المستشفى نفسه، ولكن في الجناح الرئيسي الفاخر الذي أُعيد بناؤه بالكامل...
لم تعد نورا بينيت تلك الممرضة الممتلئة التي تقف في آخر الصفوف وتتحمل الإهانات. أصبحت الآن رئيسة قسم الطوارئ
والرعاية الحثيثة في مستشفى ليكشور، بعد أن قام متبرع مجهول بشراء المستشفى بالكامل، وإقالة المشرفة ميليسا جرانت وتعيين نورا بميزات وصلاحيات لم تحلم بها من قبل. والأهم من ذلك، أن أحدًا في المستشفى لم يعد يجرؤ على السخرية من وزنها أو النظر إليها باستهانة؛ فقد عرف الجميع أنها المرأة التي روضت الموت.
أما في الواجهة البحرية لشيكاغو، داخل المكتب الفخم لفينسنت ميرسر...
كان يجلس خلف مكتبه، يرتدي بدلت canali السوداء الفاخرة. دخل عليه كاليب ووضع مجموعة من الأوراق أمامه، ثم تراجع خطوتين للخلف كالمعتاد.
لم يكن فينسنت يرتدي قفازات.
نزل من مكتبه وتوجه نحو النافذة المطلة على البحيرة. التفت إلى كاليب وقال بصوت هادئ وقوي هل كل شيء جاهز للموعد؟
أجاب كاليب باحترام السيارة في الأسفل يا سيدي، والدكتورة نورا في انتظارك بمركزها الجديد.
ابتسم فينسنت ابتسامة خفيفة، التقط معطفه، وخرج.
كل شهر، كان فينسنت يذهب للمستشفى، ليس من أجل فحص طبي، بل من أجل جلسة أمان مدتها نصف ساعة. يجلس في مكتب نورا، وتضع هي يدها الدافئة على صدره لثوانٍ معدودة، ليثبت لنفسه وللعالم أن الحريق الذي اندلع قبل اثني عشر عامًا قد انطفأ أخيرًا... وأن الندوب لم تعد تؤلم، طالما أن هناك يدًا صادقة تعرف كيف تلمس الروح قبل الجسد.


تعليقات
إرسال تعليق