حكاية دياب وفاتن كاملة بقلم ملك ابراهيم
حكاية دياب وفاتن ج1
الجزء الأول
الكاتبة ملك إبراهيم
مطار القاهرة، الزحمة والصوت العالي في كل حتة، وشنطة سفر سودا بتجرها عجلة مكسورة نصها. دياب الهلالي واقف في نص الصالة، البدلة الكحلي متكرمشة من السفر، وعينه تايهة بين لوحة الرحلات وبين البوابة اللي هتاخده على أمريكا.
6 سنين طب في جامعة أسيوط… سهر وتعب ومذاكرة تحت لمبة جاز في الدوار لما الكهربا كانت بتقطع في البلد. والمنحة دي؟ دي كانت حلم عمره من وهو عيل صغير بيقلب في كتب الطب القديمة بتاعة عمه. بس الحلم دلوقتي طعمه مُر، عامل زي الدوا اللي لازم تبلعه غصب عنك.
قبلها بأسبوعين… دوار الهلايلة في أسيوط
ريحة الشاي بالنعناع مالية الدوار، والحاج هلالي قاعد على الكنبة الخشب العتيقة، العصاية الأبنوس متسندة جنبه، وملامحه زي الحجر. مفيش كلمة بتطلع من بقه إلا وليها وزن.
الحاج هلالي بص لدياب اللي قاعد قدامه على الأرض بإحترام، وعينه فيها قرار مفيهوش رجعة:
“يا ولدي، قبل ما تركب الطيارة وتسافر بلاد بره، لازم تستر بنت عمك فاتن. أنا وعدت أبوها المرحوم وهي لسه في اللفة إنك ليها وهي ليك. كلمتي يا دياب ما تنزلش الأرض.”
دياب حس إن ريقه نشف. فاتن… فاتن اللي كانت بتجري في حوش البيت وهي صغيرة وتقع وتعيط فيجي هو يشيلها. فاتن اللي كانت بتعمل له الشاي وهو بيذاكر للثانوية. أصغر منه بـ 5 سنين، طيبة وغلبانة وعينها دايماً في الأرض. عمره ما شافها غير أخته الصغيرة. إزاي؟ إزاي تبقى مراته؟ مرات الدكتور اللي هيسافر أمريكا؟
حاول يمسك نفسه، صوته طلع واطي ومهزوز:
“يا جدي، بالله عليك… أنا لسه هسافر 4 سنين دراسة وتخصص. حرام أربط البت جنبي وأنا مش موجود. أظلمها معايا ليه؟”
الحاج هلالي خبط العصاية في الأرض خبطة هزت القهوة في الفنجان. صوته بقى زي الرعد:
“تكتب كتابك وتسافر! بنت عمك متتعايَرش في البلد ويقولوا الهلالي سابها من غير كتب كتاب. احنا صعايدة يا ولدي، والعِرض عندنا أغلى من الروح والدم. الكلام خلص.”
ورا الباب الخشب التقيل، كانت فاتن واقفة، قلبها بيدق زي الطبلة. سامعة كل كلمة، كل خبطة عصاية. إيديها بتترعش وهي ماسكة طرف طرحتها. ما نطقتش. ما قالتش آه ولا لأ. اتربت على إن البنت سكوتها علامة الرضا… حتى لو الرضا ده بيكسر قلبها ميت حتة.
يوم كتب الكتاب
الزغاريد مالية الدوار، والرجالة لابسة الجلاليب البيضا. دياب لابس بدلة سودا، بس وشه أصفر زي الليمونة. واقف وعينه في الأرض، كأنه في عزا مش فرح. المأذون قاعد قدامه بالدفتر الكبير:
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”
دياب سامع الكلام بس حاسس إن فيه حبل خشن بيتربط حوالين رقبته وبيتشد… بيتشد جامد.
فاتن قاعدة جنب أمها، الفستان الأبيض واسع عليها شوية، ووشها في الأرض وكله كسوف. بس في لحظة رفعت عينها سرقة، لمحت عين دياب… ما لقيتش فيها فرحة عريس، لقيت حزن وضيق، زي واحد محكوم عليه.
بعد ما المأذون قفل الدفتر، الحاج هلالي قام وقف، خبط على كتف دياب بفخر وقال بصوت سمعه الدوار كله:
“يلا يا عريس… الدخلة بلدي. عايزين نفرح بيك الليلة.”
دياب اتنفض، بص لجده وعينه مبرقة من الصدمة. صوته طلع مخنوق:
“دخلة إيه يا جدي؟! انت قولت كتب كتاب وبس. اتفقنا على كده!”
الحاج هلالي ضحك بسخرية، ضحكة ناشفة مفيهاش رحمة:
“هو أنا هخلي أهل البلد ياكلوا وشنا؟ يقولوا ابن الهلالي كتب كتابه وساب مراته بنت بنوت؟ عيب يا ولدي. اطلع على عروستك فوق، وهي مستنياك. وأنا هنا مع الرجالة مستني البشارة… عايزين نضرب نار للصبح.”
دياب حس الدنيا بتضيق عليه. اتدبس… خلاص اتدبس ومفيش مفر. الكلمة لو خرجت من بيت الهلايلة ما ترجعش. بلع غصته وطلع السلم رِجل ورا ورِجل قدام، كأنه طالع مشنقته.
الأوضة كانت هادية، ولمبة صفرا مديّة نور ضعيف. فاتن قاعدة على طرف السرير، متوترة وبتفرك في إيديها. لما شافته دخل، قلبها كان هيقف.
الليلة دي عدت… عدت تقيلة وباردة، كأنها واجب تقيل لازم يخلصه وخلاص. لا فيها حب ولا فيها مشاعر. دياب بعدها اتجنبها، أسبوعين كاملين ما قربش منها، ما كلماش إلا للضرورة. كل يوم بيعدّي كان بيحسبه فاضل قد إيه على الطيارة… على الهروب.
يوم السفر… مطار القاهرة
العيلة كلها جات تودعه. زحمة وأحضان وتوصيات. فاتن واقفة على جنب، بعيد شوية، لابسة عباية سودا بسيطة، وماسكة منديل أبيض في إيدها بتفركه من التوتر. عينها ما نزلتش من على دياب لحظة.
دياب خلاص بيخلص إجراءات السفر، شنطته اتوزنت، وجواز سفره في إيده. خد نفس عميق… أخيراً هيتنفس، أخيراً هيهرب من كل ده.
قبل ما يخطي خطوة واحدة ناحية صالة السفر، حس بإيد حديد مسكته من دراعه. لف… كان جده الحاج هلالي، وعينه فيها نفس النظرة بتاعة يوم كتب الكتاب.
الحاج هلالي بص له وقال بصوت واطي بس قاطع زي السكينة:
“استنى يا دياب… مراتك جاية معاك.”
دياب حس كأن حد دلق عليه مية ساقعة في عز الشتا. فَكه اتفتح من الدهشة:
“إيه؟! جاية معايا فين يا جدي؟ أنا رايح أدرس… أربع سنين مذاكرة وبهدلة في المستشفيات، مش رايح اتفسح في ديزني!”
الحاج هلالي شد على دراعه أكتر، وصوته بقى فيه صرامة الدنيا:
“تدرس براحتك يا دكتور. ومراتك هتكون معاك تراعيك وتخدمك وتغسل لك هدومك. بدل ما عينك تزوغ على حريم الأجانب هناك وتجيب لنا العار. أنا خليت المحامي بتاعي جهز لها كل ورق السفر، وحجزت لها كرسي جنبك في نفس الطيارة. مفيش نقاش.”
دياب بص وراه… شاف فاتن واقفة بعيد، شنطة صغيرة في إيدها، وعينها فيها ألف سؤال وألف خوف. والطيارة… الطيارة اللي كانت هربه، بقى فيها القيد اللي كان بيجري منه، قاعد جنبه… يتبع
الفصل الثاني:
الطيارة أقلعت من القاهرة، ودياب قاعد جنب الشباك، فاتن جنبه على الكرسي اللي في النص. 12 ساعة طيران لأمريكا… 12 ساعة وهو حاسس إن جدران الطيارة بتطبق عليه.
أول ما المضيفة قفلت الباب، دياب لف وشه ناحية الشباك ولزق جبهته في الإزاز البارد. ولا كلمة. فاتن قاعدة متخشبة، الشنطة الصغيرة في حضنها، والطرحة ملمومة على وشها. حاولت تفتح كلام مرة واحدة، مدت له كوباية المية اللي المضيفة حطتها قدامها وقالت بصوت واطي:
“عايز تشرب؟”
دياب ما ردش. بس هز راسه بهزة خفيفة جداً معناها “لأ”، من غير ما يبص لها. كأنها هوا.
الناس اللي في الطيارة بتبص عليهم. شايفين العريس والعروسة اللي لسه متجوزين، بس هو باصص الناحية التانية وهي عينها في حجرها. لما المضيفة جات تسألهم “Chicken or pasta؟”، دياب قال “Chicken” بصوت يادوب مسموع، وبعدها سكت. المضيفة بصت لفاتن مستنية، دياب محركش شفايفه ولا قال إنها معاه. فاتن فهمت، وهزت راسها بالراحة: “Pasta, please”. وكلت لقمتين بالعافية واللقمة واقفة في زورها.
كل ما حد يعدي يقول “Congrats” وهو مبتسم، دياب كان بيشد السماعات على ودانه ويغمض عينه، كأنه بيقول للدنيا كلها “سيبوني في حالي”.
مطار جون كينيدي – نيويورك
الطيارة نزلت، والركاب كلهم بيجروا على الجوازات. الدنيا زحمة، وناس بتتكلم إنجليزي بسرعة، ولوحات إرشادية مكتوبة بحروف غريبة على فاتن.
دياب خلص إجراءاته بسرعة لأنه معاه ورق المنحة. استلم شنطته من على السير ووقف على جنب مستني. فاتن اتأخرت في طابور الجوازات. الضابط بيسألها بالإنجليزي وهي مش فاهمة، ووشها أصفر من الخوف. بعد محاولات، ختم لها ودخلت.
لقت دياب واقف بعيد، مديها ضهره وبيبص في موبايله. جريت عليه وهي بتجر الشنطة الصغيرة، نفسها مقطوع. أول ما وصلت جنبه، هو اتحرك ومشي بخطوة سريعة ناحية الباب، من غير كلمة.
فاتن لحقته بره الصالة، في الحتة اللي الناس بتستنى فيها التاكسي. الهوا البارد ضرب في وشها. شدته من طرف جاكيتته وقالت وهي بتنهج ودموعها على طرف عينها:
“دياب… استنى. أنا مش فاهمة حاجة هنا، هنروح فين؟”
دياب وقف. ما زعقش. بص حواليه الأول، اتأكد إن مفيش حد مركز معاهم. بعدين قرب منها خطوة، وصوته طلع واطي بس مسموم، زي لدغة العقرب:
“هنروح فين؟ أنا رايح على سكن الجامعة. وإنتِ… إنتِ مشكلتي اللي لازم أخلص منها.”
فاتن اترعشت:
“أنا… أنا مراتك. جدك قال أراعيك و…”
دياب ضحك ضحكة قصيرة، مكسورة، مفيهاش أي فرح:
“جدك؟ جدك رماني في جهنم وسابني. فاكراني هوديكي الجامعة وأقولهم دي مراتي؟ هقولهم إيه؟ دياب الهلالي الدكتور اتجوز واحدة مكملتش تعليمها ومالهاش في الدنيا؟ هبقى مسخرة يا فاتن. إنتِ هتضيعي مستقبلي اللي شقيت عليه عمري كله.”
صوته كان بيترعش، مش من الغضب، من الرعب. رعب من جده، رعب من المستقبل، رعب من نفسه. فاتن حاولت تمسك إيده:
“دياب بالله عليك… أنا خايفة. مليش حد هنا.”
دياب نطر إيدها، بس مش بعنف. نطرها كأنه بيتخلص من حاجة مقرفة. بص في عينها لأول مرة من ساعة ما ركبوا الطيارة وقال الكلمة اللي كان شايلها في قلبه من يوم كتب الكتاب:
“إنتِ طالق يا فاتن.
من قبل ما نركب الطيارة وإنتِ طالق في سري.
أنا ما كنتش موافق، وربنا شاهد.
اعتبري الورقة هتوصلك لما أرتب أموري… بس من اللحظة دي، كل واحد في طريق. أنا مش هضيع مستقبلي عشان كلمة جدي، وهو لو عايز يقتلني لما أرجع… يبقى يحصل.”
سابها واقفة ومشي ناحية طابور التاكسي الأصفر. ما بصش وراه. ركب أول تاكسي، وقال للسواق وهو بيبلع ريقه بصعوبة:
“Columbia University, please.”
فاتن فضلت واقفة في البرد. الشنطة وقعت من إيدها على الأرض، والطرحة اتحركت من الهوا. بلد غريبة، لغة مش فاهماها، والراجل اللي اتكتب اسمها على اسمه… لسه سايبها وماشي.
دمعة واحدة نزلت على خدها، مسحتها بسرعة وهي بتتلفت حواليها. مش عارفة تروح فين، ولا تكلم مين. بس في جيب العباية، كانت صوابعها بتضغط على ورقة صغيرة… رقم المحامي اللي جدها ادهولها في المطار وقالت لها: “لو ضاقت بيكي الدنيا، كلميه”.
التاكسي اختفى في زحمة نيويورك، وهي لسه واقفة… مش عارفة إن الكسر ده، كان أول خطوة في إنها تجبر نفسها بنفسها.
الفصل الثالث:
الأسفلت البارد قدام صالة الوصول في المطار كانت فاتن وهي واقفة مكانها. الشنطة القماش مرمية جنبها، والطرحة اتزحلقت على كتفها. مكنتش بتعيط بصوت… كانت شهقات مكتومة بتقطع صدرها، وشفايفها بتترعش بكلام مش واصل: “يا رب… أروح فين دلوقتي؟”
الناس رايحة جاية، أحضان وضحك وشنط بعجل، وهي الوحيدة اللي واقفة في النص كأنها تمثال من ملح. اللي يبص عليها يبعد عينه بسرعة. البرد دخل في عضمها، بس البرد اللي سابه كلام دياب في قلبها كان أقطع.
في نفس اللحظة، من بوابة الخروج كانت نازلة بنت لابسة بالطو بيج تقيل، شعرها أصفر وملموم، ونضارة شمس كبيرة. ساندي الصياد ، كانت راكبة نفس الطيارة، درجة أولى. لمحت من بعيد بنت واقفة لوحدها، هدومها مش بتاعة سفر، وشنطتها قديمة، ووشها أصفر من الخوف.
ساندي قربت بخطوات مترددة. قلبها وجعها. نزلت النضارة وشافت وش فاتن كويس… عينها حمرا، والنَفَس بيتاخد بالعافية. دي مش تايهة، دي مصدومة.
ساندي قربت أكتر وقالت بصوت واطي، نصه عربي ونصه إنجليزي:
“إنتِ كويسة؟… Are you okay؟ محتاجة مساعدة؟ في حد بتستنيه؟”
فاتن رفعت وشها ببطء. أول ما شافت حد بيكلمها بحنية، الكسرة اللي كانت حبساها اتفجرت. مسكت طرف بالطو ساندي كأنها بتغرق، وقالت وسط شهقات:
“جوزي… هو… قالي مش عايزني. وسابني ومشي. قالي إنتِ طالق… أنا معرفش حد هنا، ولا عارفة أروح فين.”
ساندي حطت إيدها على بقها من الصدمة.
دموعها نزلت غصب عنها. من غير تفكير حضنت فاتن وطبطبت على ضهرها:
“اهدي… اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي. ششش، خلاص. مش هسيبك.”
وفي اللحظة دي، صوت موتور تقيل وقف قدامهم. صف عربيات سودا فخمة. نزل منها اتنين بودي جاردز لابسين بدل سودا، فتحوا الباب اللي ورا باحترام.
نزل منه شاب طويل، لابس بدلة كحلي متفصلة، وشعره متسرح، وملامحه هادية بس فيها حسم. ده سليم الصياد، أخو ساندي الكبير. كان جاي بنفسه يستقبل أخته.
سليم قرب، وعينه لقطت المشهد كله في ثانية: أخته حاضنة بنت منهارة، شنطة قماش على الأرض، والمنظر كله غلط. صوته طلع هادي بس فيه نبرة آمر متعود عليها:
“ساندي. إيه اللي بيحصل؟”….كملوها في الجزء الأخير
حكاية دياب وفاتن ج2
الجزء الأخير
الكاتبة ملك إبراهيم
سليم قرب، وعينه لقطت المشهد كله في ثانية: أخته حاضنة بنت منهارة، شنطة قماش على الأرض، والمنظر كله غلط. صوته طلع هادي بس فيه نبرة آمر متعود عليها:
“ساندي. إيه اللي بيحصل؟”
ساندي بعدت عن فاتن شوية بس فضلت ماسكة إيدها اللي بتترعش:
“سليم، البنت دي كانت معانا على الطيارة. جوزها… سابها في المطار ومشي. طلقها. وهي ما تعرفش حد هنا ولا بتتكلم كلمة إنجليزي.”
عين سليم نزلت على فاتن اللي كانت مدكنة وشها في الأرض من الذل. شاف الهدوم البسيطة، الإيد المتشققة، والرعشة اللي مش راضية تقف. شاف كسرة متكسرش غير اللي جربها. ما سألش كتير. بص للبودي جارد وأشار براسه إشارة خفيفة ناحية شنطة فاتن.
الحارس شال الشنطة بهدوء. سليم بص لفاتن وقال بنبرة حاسمة، بس ناشفة من غير قسوة:
“مفيش حد بيفضل في الشارع. اركبي.”
فاتن شهقت ورفعت راسها بخوف. صوتها كان يادوب مسموع:
“أركب… فين؟ أنا… أنا ما عرفكوش.”
ساندي ضغطت على إيدها وطمنتها:
“هتركبي معايا أنا. هتيجي البيت عندنا الليلة دي. بكرة الصبح نشوف هنعمل إيه. ماتخافيش، إنتِ في أمان. أوعدك.”
الكرامة كانت بتاكل في فاتن. عايزة تقول “لا” وتقعد في الشارع ولا إنها تتمد لإيد غريب. بس صوت العقل جواها صرخ: والشارع؟ والليل؟ والبرد؟ هتنامي فين؟
بصت في عين ساندي، لقيت صدق. وبصت لسليم، ملامحه جامدة بس مش بتاعة واحد مؤذي.
هزت راسها بضعف، وسندت على ساندي وهي بتقوم. رجلها كانت بتخونها. البودي جارد فتح لها باب المايباخ. ريحتها ريحة جلد غالية ونضيفة، عكس ريحة الخوف اللي لازقة فيها.
قعدت جنب ساندي اللي خدتها في حضنها تاني. سليم ركب قدام جنب السواق، وبدون ما يبص وراه قال كلمة واحدة:
“Home.”
العربيات اتحركت بسلاسة، وسابت وراها نور مطار جون كينيدي. وسابت وراه كمان دياب الهلالي، اللي كان فاكر إنه قطع آخر حبل بيشدّه للوراء، وهو ما يعرفش إن الحبل ده كان مربوط في كنز رماه بإيده.
فاتن سندت راسها على الإزاز البارد. الدموع وقفت، بس الكسرة لسه مالية قلبها. بس لأول مرة من ساعة ما دياب سابها… حست إن البرد مبقاش واصل للعضم. حست إن فيه سقف، ولو مؤقت، ولو بتاع ناس غريبة.
—
الفصل الرابع:
بعد مرور سنة
برج إزاز في قلب مانهاتن، الدور الـ 50. قاعة اجتماعات صامتة إلا من صوت التكييف المركزي. طرابيزة خشب غالية، وشاشات بتعرض منحنيات أرباح بالملايين. الوفد الأمريكي قاعد ببدل غامقة، والمترجم قاعد على جنب… بس محدش احتاجه.
الباب اتفتح بدون صوت، ودخلت بنت بخطوات محسوبة. صوت الكعب الواطي بيرن بثقة على الرخام. تايير أسود محتشم، متفصل بالمللي، وطرحة ستان كحلي ملفوفة بعملية من غير زينة زيادة. وشها هادي، بس العين فيها حزم وتركيز ما كانوش موجودين زمان.
دي فاتن. بس مش فاتن اللي ساندي لقيتها واقفة متجمدة قدام المطار.
عدت بنظرة سريعة على الحضور، وابتسمت ابتسامة شغل، وقعدت على يمين الكرسي الكبير… كرسي سليم الصياد. الكل وقف نص وقفة احترام قبل ما تقعد. سنة واحدة كانت كفاية تتحول من “الحالة اللي سليم لقطها من الشارع” لـ “فاتن الهلالي، مديرة مكتب الرئيس التنفيذي”.
سليم قاعد على راس الطرابيزة، بدلته الرمادي وملامحه الثابتة زي ما هي. بس أول ما عينه جات عليها، حاجة نورت فيها ثانية واختفت. سنة كاملة وهو شايف التحول ده… من واحدة بترتعش وهي بتقول “Yes” للويتر، لواحدة بتقفل صفقات بملايين. كورسات لغة وإدارة، سهر للفجر، ومكتبها اللي مبيتقفلش نوره. مكنتش بتثبت له حاجة… كانت بتنتقم من كسرة المطار، بالشغل.
الاجتماع بدأ. الـ CEO الأمريكي بيشرح البنود بسرعة. فاتن ميلت على المايك، وردت عليه بإنجليزي واضح، هادي، من غير لكنة أجنبية واضحة. ناقشته في بند رقم 14، وطلعت غلطة في الأرقام بتاعة السنة اللي فاتت. هو سكت ثانية، وبص لورقه، وبعدها هز راسه بإعجاب حقيقي:
“Mr. Sayad, your Chief of Staff is brilliant.”
سليم ساند ضهره لورا، وعينه ما اتحركتش من على فاتن. قال بنبرة حيادية، بس كل اللي في الأوضة فهمها:
“She’s not my Chief of Staff. She’s my right hand.”
فاتن ما اتهزتش. بس صوابعها ضغطت على القلم ثانية. كملت في النقطة اللي بعدها كأنها ما سمعتش.
وفجأة… تليفون سليم اللي على الطرابيزة نوّر. “Sandy – Calling”. كان على الوضع الصامت دايماً في الاجتماعات، بس الاسم ده بيكسر كل القواعد.
سليم رفع صباعه إشارة “ثانية واحدة” للوفد، ورد من غير ما يقوم:
“ساندي؟”
الصوت اللي جاله كان سريع ومهزوز، بس متماسك بالعافية:
“سليم… أنا في Mount Sinai. حادثة صغيرة، العربية اتخبطت من الجنب. أنا كويسة، بس ركبتي… ركبتي وارمة ومش عارفة أدوس عليها. الإسعاف جابني. ممكن… ممكن تيجي؟”
ملامح سليم اتجمدت. القلق عدى على وشه زي سحابة صيف. قفل الخط، وقام وقف. الحركة كانت هادية، بس الكرسي الجلد اتحرك وراه نص متر.
“Meeting’s adjourned. My office will reschedule.”
الوفد اتفاجئ، بس وش سليم مكنش فيه مساحة للنقاش. بص لفاتن بنظرة واحدة بس، نبرة أمر مختصرة:
“معايا.”
فاتن ما سألتش. في ثانيتين كانت قفلت اللاب توب، لمت الفايل، وقامت وراه. هي الوحيدة في الشركة اللي حافظة الفرق بين “سليم متضايق” و “سليم في مصيبة”. ودي كانت مصيبة.
الأسانسير الخاص نازل بسرعة. وش سليم حجر. فاتن واقفة جنبه، لأول مرة من سنة تشوفه مش متحكم 100%. من غير ما تحسبها، رفعت إيدها ولمست دراعه لمسة سريعة، زي ما كانت بتعمل لساندي زمان. صوتها كان واطي بس ثابت:
“هي قالت إنها كويسة. حادثة بسيطة، سليم. ساندي قوية.”
سليم ما اتكلمش. بس بص للإيد اللي على دراعه ثانية، والشد اللي في فكه هدي سنة. هز راسه هزة خفيفة وما شالش إيدها.
“يلا.”
العربية كانت مستنية تحت. السواق أول ما شاف وش سليم فهم. طار بيهم على Mount Sinai. الطريق كله سكوت، بس مش سكوت غريب. سكوت اتنين قلقانين على نفس الشخص. سكوت فيه مساحة مكنتش موجودة قبل كده.
قدام باب الطوارئ، سليم فتح الباب بنفسه قبل ما البودي جارد يلحق. فاتن نزلت وراه، شدّت التايير بسرعة، وعدلت الطرحة. خدت نفس عميق وهي بتلحق خطوته السريعة.
داخلين على ساندي… وداخلين على احتمال إن اللي بينهم يتغير من “مدير ومديرة مكتبه” لحاجة تانية خالص.
يتبع…
—
الفصل الخامس:
مستشفى Mount Sinai، الدور السابع. ريحة المطهرات مالية الطرقة، وصوت عجل السراير بعيد. ساندي اتنقلت لأوضة خاصة، ركبتها ملفوفة برباط ضاغط، وشها شاحب بس بتحاول تبتسم عشان تطمن أخوها.
سليم واقف جنب الشباك، دراعه متكتف، وعينه كل ثانية على ساندي. فاتن قاعدة على الكرسي جنب السرير، ماسكة إيد ساندي وبتتكلم بصوت واطي وثابت:
“الدكتور قال كدمة بس يا ساندي. يومين راحة وهتبقي زي الفل. إحنا معاكي متخافيش.”
ساندي ضغطت على إيد فاتن: “مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه النهاردة.”
في آخر الطرقة، دياب الهلالي خارج من شيفت 12 ساعة. البالطو الأبيض مكوي، والسماعة حوالين رقبته، ودبلة شفافة في صباعه بيتفقدها كل شوية كأنه بيتأكد إنها لسه موجودة. شكله اتغير… أنضف، واثق أكتر، واللهجة الإنجليزي بقت أنعم. سنة في أمريكا علمته يخبي التعالي ورا ابتسامة دكاترة.
ممرضة الاستقبال وقفته:
“Dr. Diab, room 712. New admission, MVA. Family name is Sayad… they’re VIP. The attending asked if you could do the initial consult.”
دياب رفع حاجبه. “الصياد؟” الاسم عدى عليه في مجلة فوربس. ابتسامة حسابات طلعت على وشه. “On my way.”
فتح باب 712 بهدوء. أول عينه جات على سليم… بدلة غالية، وقفة سلطة. عرف فوراً إنه الشخص المهم. قرب من السرير وقال بابتسامة عملية:
“Good afternoon. I’m Dr. Diab El-Hilaly. I’m covering for Dr. Evans. How is Ms. Sayad feeling?”
سليم هز راسه ببرود ومد إيده: “She’s stable.”
دياب سلم، وعينه بسرعة مسحت الأوضة. لمح بنت قاعدة على الكرسي، لابسة تايير أسود متفصل، طرحة ستان غامقة، وضهرها مفرود بثقة. “سكرتيرة؟ مساعدة شخصية؟” ما ركزش. رجع بص لسليم.
بس حاجة نغزته. حركة إيد البنت وهي بتشيل خصلة وهمية من على طرحتها… الحركة دي شافها قبل كده.
فاتن كانت بتبص في الموبايل، بترد على إيميل شغل. لما سمعت صوته… الصوت اللي كانت بتسمعه في كوابيسها أول 3 شهور في أمريكا… صوابعها وقفت على الكيبورد. الدم هرب من وشها ثانية واحدة.
رفعت عينها ببطء. وشافته.
نفس العين السودا، نفس خط الفك، بس البالطو الأبيض مديه هيبة مزيفة.
ثانية واحدة رجعت فاتن بتاعة المطار. ثانية واحدة بس.
خدت شهيق عميق، من بطنها، زي ما علمتها مدربة الـ public speaking. الزفير طلع معاه كل الرعشة. ملامحها اتجمدت. برود… برود جبل تلج.
قامت وقفت. 170 سم بالتايير والكعب الواطي. وقفت بثبات.
دياب لاحظ حركتها، لف ناحيتها بنص ابتسامة مجاملة. “وإنتِ لازم تكوني…” سكت. عينه جات في عينها.
عينها ما اتهزتش. مفيهاش دمعة المطار، ولا كسرة الدوار. فيها حاجة جديدة… حاجة اسمها قرف.
مد إيده بأدب أوتوماتيكي وقال:
“And you are?”
فاتن بصت لإيده الممدودة ثانية. ثانية كاملة. الأوضة كلها ساكتة. بعدين رفعت عينها لعينه مباشرة. مدت إيدها، سلمت سلام بيزنس، ضغطة سريعة، باردة، محترفة.
ابتسامة صغيرة، ميتة، طلعت على شفايفها. وبصوت واطي، واضح، طلعت منه حروف صعيدي صافي قاصدة بيه ترميه سنة لورا:
“أزيك… يا ابن عمي.”
الكلمة ضربته في صدره. إيده اتخشبت في إيدها. الابتسامة المجاملة اتمسحت كأن حد زرار off. وشه جاب ألوان… أحمر، أبيض، أصفر.
“إيه؟… إنتِ… فاتن؟!”
قالها بصوت مسموع، وهو بيتراجع خطوة غصب عنه كأنه لمس سلك عريان. عينه بتجري على وشها، على التايير، على الطرحة الستان، على الثقة اللي بتخر من كل حركة. بيدور على فاتن الغلبانة اللي رماها. مش لاقيها.
سليم حاجبه اترفع ملي واحد. بص لفاتن، وبعدين نقل عينه لدياب. النظرة الهادية اتحولت لحاجة بتقيم، بتوزن. ساندي شهقت وحطت إيدها على بقها.
فاتن سحبت إيدها بهدوء من إيده اللي لسه متجمدة. نزلت إيدها وعدلت طرف جاكيتة التايير بحركة واحدة. بصت لدياب، وبعدين بصت لسليم وساندي كأنها بتكلمهم هما، وصوتها وصل لكل ركن في الأوضة:
“أيوه يا دكتور دياب. فاتن الهلالي. اللي حضرتك سيبتها قدام مطار جون كينيدي من سنة بالظبط، وقلت لها ورقتك هتوصلك.”
الصمت اللي نزل كان تقيل. تقيل لدرجة إن صوت جهاز القلب في الطرقة بقى مسموع. دياب واقف، السماعة هتقع من رقبته، وعرق بارد بدأ يلمع على جبهته. سنة كاملة بيقنع نفسه إنه “عمل الصح”، وإنه “اتخلص من عبء”. ودلوقتي العبء واقف قدامه لابس تايير ماركة، وفي أوضة مستشفى VIP، وجنبها راجل اسمه سليم الصياد.
سليم ساب الحيط وسند ضهره. تكتف تاني. بس المرة دي، عينه على دياب ما كانش فيها برود… كان فيها بداية كشف حساب.
الفصل الأخير: المقام
الأوضة 712 اتجمد فيها الهوا. مفيش صوت غير صوت جهاز النبض بعيد.
دياب واقف متسمر. عينه بتاكل فاتن من فوق لتحت، كأنه بيدور على غلطة، على دليل إن دي تمثيلية. بيدور على البنت اللي قال لها “إنتِ أقل مني”. مش لاقيها. اللي قدامه واحدة تانية خالص… تايير ماركة، وقفة واثقة، وعين باردة ما فيهاش كسرة المطار.
بلع ريقه. بدلة الدكتور الواثق اتكرمشت عليه فجأة. صوته طلع واطي، مهزوز، مش لاقي الكلام اللي حافظه:
“فاتن… إنتِ… إزاي؟ إزاي اتغيرتي كده؟”
سكت ثانية، وبعدين الكدب طلع لوحده من كتر الصدمة:
“أنا… والله كنت بدور عليكي. من ساعة ما سيبتك وأنا ندمان. كنت عايز أرجعك… إنتِ دلوقتي… إنتِ تشرفي أي حد. تشرفيني أنا.”
قرب نص خطوة، ووشه كله ندم متأخر سنة:
“سامحيني يا فاتن. أنا غلطت… غلطت غلطة عمري.”
فاتن سمعته للآخر. ما قاطعتش. بصت له… نظرة طويلة، فاحصة. مفيهاش كره، مفيهاش حب. فيها حاجة أتقل: شفقة. وبعدين… زاوية بقها اترفعت. ضحكة قصيرة، هادية، من غير صوت. بس كانت أقصى من قلم.
هزت راسها ببطء وقالت، وصوتها رايق وموزون:
“بتدور عليا؟ دلوقتي يا دكتور؟ بعد ما قلت إني هضيع مستقبلك وإني أقل منك؟”
سكتت لحظة، وعينها ما نزلتش من على وشه. قالت الكلمة اللي دفنته:
“للأسف يا دياب… إنت مبقتش من مقامي.”
“مقامي؟!” الكلمة طلعت منه شهقة. كأنه اتكهرب.
فاتن ما ردتش عليه. لفت ببطء ناحية سليم. سليم كان واقف زي الجبل، ساكت، بس كل عضلة في وشه صاحية وبتسمع. فاتن مدت إيدها، من غير تردد، من غير ما تبص وراها. مسكت إيد سليم. شبكت صوابعها في صوابعه قدام عين دياب.
وبصت لدياب تاني. المرة دي الابتسامة وصلت لعينها. ابتسامة واحدة كسبانة، واحدة واصلة. قالت بصوت واضح، ثابت، تسمعه الممرضة اللي بره:
“أيوه. مبقتش من مقامي. لأن أنا… أنا دلوقتي مرتبطة براجل شافني وأنا واقعة في الشارع، وما قالش إني أقل منه. شالني، وعلمني أقف، ومطلبش مني مقابل.”
ضغطت على إيد سليم ضغطة خفيفة، وكملت وهي بتبص له:
“سليم الصياد… خطيبي. وإن شاء الله جوزي قريب.”
الاسم نزل على دياب زي جبل. “سليم… الصياد؟!” همسها وهو بيتراجع لورا، ضهره خبط في الباب. الملياردير اللي كان داخل يتملقه من دقيقة… هيبقى جوز “العبء” اللي رماه؟
وشه جاب كل الألوان. أحمر من الفضيحة، أبيض من الرعب على مستقبله، رمادي من الندم اللي خنقه. بقى صغير… صغير أوي في البالطو الأبيض الواسع عليه. فتح بقه، عايز يقول “فاتن اسمعيني”، “ده سوء تفاهم”، بس لسانه اتشل.
سليم ما اتكلمش. بس ساب إيد فاتن، وحط إيده على ضهرها في حركة حماية خفيفة. وبص لدياب. نظرة واحدة بس. نظرة مفيهاش غضب، فيها أسوأ: لا مبالاة. كأن دياب بقى هوا.
دياب فهم الرسالة. فهم إن الأوضة دي، المستشفى دي، البلد دي… مبقاش له فيها مكان جنبهم. بلع ريقه، ووشه في الأرض. لف، وفتح الباب وخرج. خطوته اللي دخل بيها متعالية، خرجت بيها مجرورة. الباب اتقفل وراه بصوت واطي، بس صداه كان عالي جواه.
الصمت رجع. بس المرة دي كان دافي. ساندي كانت شهقتها مكتومة، وباصة لفاتن بانبهار ودموع.
فاتن خدت نفس طويل، أول نفس حقيقي من سنة. بصت لسليم، وابتسمت. ابتسامة تعب وسنين، بس فيها راحة. فيها وصول.
سليم قرب، مسح بصوابعه على كف إيدها اللي كانت لسه سقعانة، وهمس: “كويسة؟”
هزت راسها. “أنا… أنا كويسة أوي يا سليم.”
وقفت جنبه. مش متدارية وراه، ولا ساندة عليه. واقفة جنبه. راسها مرفوعة.
وفي اللحظة دي بس، فهمت. فهمت ليه كل ده حصل. ليه اتجوزت غصب، ليه اترمت في المطار، ليه اتكسرت.
مهمة دياب في حياتها كانت تذكرة سفر اتجاه واحد… تذكرة رماها في الشارع، عشان القدر يجيب لها اللي يستناها ياخدها من على الرصيف.
عشان توصل لسليم الصياد وتكون من نصيبه.
تمت
الكاتبة ملك إبراهيم


تعليقات
إرسال تعليق