انا متجوزه من 12سنه وجوزى كامله
انا متجوزه كاملة
حكايات روماني مكرم
انا متجوزه من 12سنه وجوزى كل شهر بياخد منى ايجار البيت الى احنا قاعدين فيه بقالى 10سنين ادفع الايجار من تعبى وشقيا وكل سنه الايجار يذيد اقول لجوزى نشوف مكان تانى يقولى لا هنا افضل لغايه لم اكتشفت البيت اصلا بتاع جوزى بقاله 8سنين البيت مسجل باسم جوزى اشتره من 8سنين لم اخواته وزعو الورث لم جه اول الشهر وقال فين الايجار الراجل عاوز اجاره قولتله عاوز اقابل الراجل ده الايجار كتير
البدايه
صوت عقارب الساعة في صالة الشقة كان زي نبض منتظم بيخرم رأسي. الساعة كانت 11 بالليل، وأنا قاعدة على ترابيزة السفيرة، قدامي دفتر الحسابات القديم، الفواتير، والكروت اللي مدبوسة في بعضها.
12 سنة جواز… منهم 10 سنين كاملين وأنا بشيل نص الشيلة، أو بالأحرى شايلة الحمل كله على كتافي.
لما اتجوزنا، “شريف” قالي: “يا نهى، إحنا بتبدأ حياتنا من الصفر، الشقة دي إيجار جديد، وأنا ظروفي على قدها في الشركة.. يد على يد تساعد.”
وما ترددتش. نزلت اشتغلت في حضانة، وبعدها فتحت مشروع مشغولات يدوية وصابون طبيعي من البيت، وكنت بصلص بالساعات، عيني تتصفى وضهري يتكسر عشان أجمع قرش على قرش.
كل يوم 1 في الشهر، كان شريف يدخل عليّ بنفس الملامح المجهدة والمصنوعة بعناية، ويمد إيده: “هاتي نصيبك في الإيجار يا نهى، الراجل صاحب البيت بيتصل وبيزن، وإنتِ عارفة الراجل ده معندوش يما ارحميني، لو تأخرنا يوم واحد هيطردنا.”
والسنة اللي بعدها، يقولي: “الراجل زود الإيجار 10%..”
والسنة اللي بعديها: “السوق غلي وصاحب الملك متمسك بالزيادة، تدفعي ولا نترمى في الشارع؟”
لما كنت أقوله: “يا شريف، الإيجار قصم ضهرنا، إحنا بنرمي الفلوس في الأرض! تعال نشوف شقة أصغر، أو نطلع في مكان أبعد شوية ونجيب شقة قسط تملك لينا ولأولادنا”، كان ينفعل، ويتحول وشّه لكتلة من الغضب: “أنتِ بتفهمي أكتر مني؟ المكان هنا جنب شغلي وجنب مدارس العيال، وبعدين صاحب البيت ده راجل طيب وصابر علينا.. هنا أفضل وأبرك!”
وكنت بسكت.. وأضغط على نفسي أكتر، وأشتغل بالليل والنهار عشان أدفع “الزيادة”.
لحد من أسبوع فات…
كنت بنضف كراكيب الدولاب القديم في الصالة، بقلب في درف فوقانية ما حدش بيمسها من سنين. شريف كان في الشغل. وأنا بنزل شنطة جلد قديمة، وقع منها ملف أصفر مقفول بشرائط.
فتحت الملف بفضول عادي.. افتكرتها أوراق السجل المدني أو شهادات ميلاد العيال.
بس الورقة الأولى اللي طلعت في إيدي جمدت الدم في عروقي.
عقد بيع نهائي… نهائي ومسجل في الشهر العقاري!
تاريخ العقد: من 8 سنين فاتت!
البائع: ورثة المرحوم عبد السلام (إخوات شريف).
المشتري: شريف محمود… جوزي!
قعدت على الأرض، الأرض كانت بتدور بيّ. الشقة اللي أنا بدفع إيجارها بقالي 10 سنين… الشقة اللي بقالي 8 سنين بطحن نفسي في الشغل عشان أسدد “زيادة الإيجار السنوية” لصاحب الملك الوهمي… طلعت ملك جوزي!
شراها من إخواته لما وزعوا الورث من 8 سنين، بفلوس المكافأة اللي أخدها وشويشة تحويشة، وسجلها باسمه رسميًا!
8 سنين وهو بياخد مني كل شهر المبلغ ده بدم بارد! 8 سنين وهو بيثبتني ويمثل عليّ دور الزوج المظلوم اللي حارس العمارة بيضايقه عشان الإيجار! 8 سنين بيقبض مني إيجار شقته الملك، ويحوش فلوسي وفلوسه في حسابه، وأنا كتافي انحنت من التعب والوقفة!
ما صرختش.. ما عيطتش. الدموع جفت في عيني واتتحولت لجمر. شلت الملف ورجعته مكانه بالظبط، وقفلت الشنطة. قررت أربط على قلبي بحبل من حديد وأستنى.. أستنى اللحظة المناسبة.
واليوم.. جه أول الشهر.
دخل شريف الشقة، قلع جزمته عند الباب، ورمى المفاتيح على الترابيزة. حط إيده في جيبه، وقرب مني وأنا قاعدة بنفس جمودي على السفيرة.
طلع نبرة الصدمة والتمثيل المعتادة، وقال بصوت مغشوش فيه تمثيل الهم:
#الكاتب_رومانى_مكرم_
“مساء الخير يا نهى.. جهزي نصيبك في الإيجار بسرعة عشان الراجل صاحب البيت واقف تحت العمارة وعاوز إيجاره فورًا، ويقول لو مدفعتوش النهاردة بالزيادة الجديدة هيعملنا مشكلة!”
رفعت عيني فيه.. بصلته بثبات غريب، بصلت لوشه اللي حفظته على مدار 12 سنة، وشفت فيه لأول مرة غريب ما أعرفوش.
سكت ثواني.. أخدت نفس عميق، وقولتله بنبرة هادية ومستفزة:
“قوله ينزل.. أنا عاوزة أقابل الراجل ده.. الأيجار كتير!”
صدمة غطت وش شريف لثواني، حواجبها اتعقدت وعينيه اتسعت ببلاهة مشتتة. حاول يلملم شتات نفسه بسرعة، والابتسامة المزيفة اللي اتعود يلبسها رجعت لوشه، بس المرة دي كانت مكسورة ومرتبكة.
قرب مني خطوتين، وحط إيده على الترابيزة وهو بيميل عليا، وقال بصوت حاد فيه نبرة تحذير:
“أنتِ اتجننتي يا نهى؟ تقابلي مين وتنزلي لمين؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟ صاحب البيت راجل شديد ومبيحبش اللت والعجن في الكلام، وبعدين دي أصول وفيها عيب، الراجل يتعامل مع رجال زيّه.. هاتي الفلوس من غير كثرة كلام عشان الموقف ميكبرش تحت العمارة!”
وقفت من على الكرسي ببطء شديد. نظراتي كانت مسمرة في عينيه، هدوئي كان يرعب، وهو كان يلمس الهدوء ده ويقلق منه.
ربعت إيدي وقلتله بنبرة أبرد من التلج:
“لا يا شريف، مش مجنونة. بس أنا بقالي 10 سنين بدفع وأنا ساكتة، وكل سنة تطلعلي بزيادة، وشقايا وتدبيري ووقفة رجلي طول النهار في الشغل بتروح في جيب ‘الراجل الطيب’ اللي مش راضي يرحمنا. طالما هو واقف تحت العمارة مستني الفلوس، يبقى من حقي أقف قصاده وأترجاه يخفض الإيجار شوية، أو على الأقل أشوف وش الإنسان اللي بياخد دم قلبي بقاله سنين!”
وشه بدأ يقلب ألوان، التوتر ظهر على حركة صوابعه وهو بيلعب بمفاتيح العربية في جيبه، وقال بصوت واطي ومكتوم وهو بيبص ناحية باب الشقة كأن حد هيسمعنا:
“تترجيه؟ أنتِ بتهزري؟ أنتِ عايزة تصغّريني قدام الراجل؟ عايزاه يقول عليّ مش عارف ألم مراتي ولا ممشي كلامي في بيتي؟ هاتي الفلوس يا نهى وما تعمليش شو وبهرجة ملهاش لازمة، أنا نازل أديهاله بنفسي.”
حطيت إيدي في وسطي وابتسمت ابتسامة سخرية وجع:
“طب خلاص.. بلاش أنزل. خليه هو يطلع وياخد الفلوس من إيدي، أهو بالمرة أعمله كوباية شاي ونقوله ظروفنا، ولا هو صاحب أملاك معندوش وقت يتكلم مع السكان؟”
صوته نزل لطبقة همس مرعوبة، بس مليانة غضب:
“نهى! جرى لك إيه النهاردة؟ أنتِ بتستعبطي؟ هو حد بيدخل أصحاب الأملاك بيته في نص الليل؟ اخلصي وهاتي النسبة بتاعتك بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك!”
هنا.. حطيت إيدي على الترابيزة وميلت عليه بنفس الطريقة اللي كان مايل بيها عليا من شوية، وقلت بصوت واطي جداً زي الفحيح:
“التصرف اللي مش هيعجبني أكتر من إنك بتاخد مني إيجار ملكك بقالك 8 سنين يا شريف؟”
الكلمة نزل على دماغه زي الصاعقة.
جسمه اتخشب في لحظة. عينيه برقت للآخر، وشفايفه اتفتحت ومطلعتش حرف واحد. ألوان وشه كلها هربت، ودمه اتجمد كأنه اتتحول لتمثال من ثلج.
السكوت ساد في الصالة.. السكوت كان ثقيل ومشرشر زي الموس. صوت عقارب الساعة رجع يقتحم الهدوء تاني (تك.. تك.. تك).
بدأ يرجع خطوة لورا وهو بيبصلي بذهول، وحاول يبلع ريقه اللي جف تماماً، وقال بصوت متلجلج ومكسور:
“أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ تهيؤاتك وصلت لإيه؟ أنتِ خرفتي ولا إيه يا نهى؟”
مشيت ببطء ناحية الصالون، فتحت الشنطة اللي حطاها جنب الكنبة، وطلعت منها ورقة مصورة.. صورة طبق الأصل من العقد النهائي المسجل بالشهر العقاري.
مشيت ناحيته ورميت الورقة على ترابيزة السفيرة بيني وبينه.
الورقة نزل بفحيح هادي بس كان أثرها أشد من القنبلة.
“دي مش تهيؤات يا ابن محمود.. ده عقد البيع النهائي للبيت ده، بتاريخ من 8 سنين، البائعين إخواتك، والمشتري شريف محمود.. جوزي اللي أكلت معاه ملح وعيش بقالي 12 سنة.”
بص للورقة على الترابيزة وكأنها أفعى سامة هتهجم عليه. إيده اترفعت ببطء ورعشة خفيفة كانت باينة في أطراف صوابعه وهو بيمسك الورقة. عينيه كانت بتقرأ البنود والأسماء بسرعة مرعوبة، وعرقه بدأ ينزل من قورته بالرغم من إن الجو مكنش حر.
قعد على أقرب كرسي كأن حيله اتهد، العقد في إيده بيرتعش، ورفع رأسه يبصلي.. الملامح المصنوعة والتمثيلية اختفت تماماً، وحل مكانها وش تاني خالص.. وش شخص اتعرى تماماً وظهرت حقيقته.
سكت شوية، وبعدين حاول يجمع شتات نفسه ويبني خط دفاع جديد. أخد نفس طويل وقال بصوت فيه محاولة بائسة للهجوم بدال الدفاع:
“أنتِ فتشي في أوراقي؟ أنتِ بتفتحي درفي وحاجتي الخصوصية من ورايا؟ بقى أنتِ توصل بيكي الدناءة إنك تجسسي عليّ في بيتي؟”
ضحكت.. ضحكة عالية وموجوعة خرجت من قلبي، ضحكة هزت الصالة كلها:
“دناءة؟ بجد يا شريف؟ بتتكلم عن الدناءة؟ أنت بتاخد مني إيجار شقتك بقالك 8 سنين! بتخليني أقف على رجلي لحد ما دوالي رجلي اتنفخت من الوقفة في شغل المشغولات والصابون! بتخليني أوفر القرش من أكل عيالي ولبسي عشان أديهولك أول كل شهر وتقولي ‘الراجل يطردنا’! 8 سنين تمثيل وخداع.. جاي دلوقتي تقولي بتفتشي من ورايا؟”
وقف فجأة وضغط على العقد في إيده، وزعق بصوت جهوري عشان يداري على خيبته:
“أيوه شقتها ملكي! وشريتها بعرقي وتحويشتي ومكافأة شغلي! إيه الجر\يمة في كده؟ إيه العيب إن راجل يؤمن مستقبله ومستقبل عياله؟”
قربت منه وشاورت في وشه بصابعي:
“الجري\مة مش إنك شريتها يا شريف! الجر\يمة إنك كذبت! الجر\يمة إنك خدعتني! الجري\مة إنك شريتها بفلوسي وفلوسك، وبقيت تقبض مني إيجار ملكك! بتشغّل زوجتك عندك بالظبط زي الأجيرة، وتاخد منها إيجار السكن اللي هي عايشة فيه معاك! أنت عارف ده اسمه إيه؟ ده اسمه سرقة بالنصب والاستغلال!”
حاول يغير نبرته، هدي فجأة ونزل صوته للطريقة العاطفية اللي كان بيكسبني بيها زمان:
“نهى.. افهميني الصح. أنا عملت كده عشاننا! الفلوس اللي كنت باخدها منك ومني كنت بحطها في حساب استثماري باسم العيال! أنا مكنتش بضيع الفلوس ولا بفسح بيها نفسي! أنا كنت خايف من الزمن، وكنت عارف إنك لو عرفتي إن الشقة ملكي مكنتيش هترضاي تدفعي ولا تجتهدي في شغلك وتكبري مشروعك!”
بصلته بقرف مش قادرة أخفيه:
“يا سلام! بتسرقني عشان مصلحتي؟ بتبتزني عاطفياً وتهددني بالشارع عشان أشتغل أكتر؟ أنت بنيت ملكك على كسرة ضهري وصحتي! الفلوس اللي في حسابك دي مش بتاعتك لوحدك.. ده نصها دم قلبي وشقايا.”
سكت وهو بيتنفّس بسرعة، وقام وقف قدامي، وش القناع الهادي وقع تماماً، وظهر وشه الحقيقي.. وش الأنانية والجشع:
“أعلى ما في خيلك اركبيه يا نهى! الشقة مسجلة باسمي أنا بس! والعقد ده باسمي أنا بس! أنتِ مالكيش عندي ولا مليم، ولا ليكي حبة تراب في البيت ده! أنتِ كنتِ بتدفعي إيجار مقابل سكنك وأكلك وشربك ومأواكِ، وكل جنيه طلعتيه كان بمزاجك!”
البرود اللي نزل عليا في اللحظة دي كان أغرب حاجة حسيتها في حياتي. الأمل الأخير اللي كان فاضل جوايا إنه يتعذر أو يتأسف أو يندم.. مات واتدفن في لحظتها.
سحبت الورقة من إيده ببطء، وتنيتها وحطيتها في شنطتي.
بصلتي باستخفاف وقال:
“هتعملي إيه يعني؟ بترهبيني بالورقة؟ طلبي الطلاق؟ اطلبي.. وريني هتروحي فين بوالادك ومن غير قرش في جيبك، ومشرك اللي حيلتك مش هيفتحلك بيت!”
ابتسمتله ابتسامة هادية جداً، ومشيت ناحية أوضة النوم، وقفت على الباب والتفتت بصلتله:
“مين قالك إنها طلاق بس يا شريف؟ أنت فاكر إن اللعبة خلصت هنا؟ لا.. اللعبة يادوبك لسه تبدأ. الفواتير والدفاتر القديمة اللي تحت إيدي، مع كل تحويل بنكي وكل إيصال أنت كتبتهولي بخط إيدك طوال الـ 8 سنين اللي فاتوا كـ ‘إثبات استلام إيجار’.. دي مش مجرد أوراق.. دي حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتك في المحاكم وفي شغلك وفي وسط إخواتك اللي أنت غشتهم في الورث كمان!”
وشه اصفر تاني، والتحدي اللي كان في عينيه بدأ يتهز.
كملت كلامي بثبات:
“من بكرة.. مفيش مليم واحد هيدخل البيت ده من شقايا. ومن بكرة.. هتكتشف إن ‘نهى’ اللي استحملت 12 سنة غفلة.. غير نهى اللي صحيت النهاردة!”
انا متجوزه ج2
حكايات روماني مكرم
فصلتني عنه الأيام اللي بعد الليلة دي كأننا غراب عايشين تحت سقف واحد. شريف كان بيحاول يتعامل بكبرياء مزيف، يدخل ويخرج وهو قافل وشه، يحدف الكلمة بدبش، ويحاول يظهر إنه غير مهتم، بس عينيه كانت بتفضح خوفه.. كان بيراقب كل حركة بعملها، وكل مسكة تليفون، وكل ورقة بمسكها في إيدي.
أنا من ناحيتي، قفلت على نفسي حنفية الفلوس تماماً. المصاريف اللي كنت بشيل نصها في البيت، ومشتروات العيال، وحتى فواتير المطبخ، حطيت إيدها على خدي وما دفعتش فيها مليم. لما جه يسألني بغضب مكتوم بعد أسبوع:
“هو البيت مفيش فيه خضار ولا أكل ليه يا هانم؟ ولا حضرتِك مأضربتِ عن العيشة كمان؟”
رديت عليه وأنا برتب المشغولات اليدوية في ورشتي الصغيرة بكل هدوء:
“البيت بيتك يا شريف.. والسكن سكنك. الراجل اللي بيملك ملك، يقدر يصرف على بيته وعياله، ولا أنت كنت جايبني عشان أكل واشرب نفسي وأدفعلك إيجار كمان؟ الفلوس اللي مع معايا دي شقايا، والبيت ده مسؤوليتك الكاملة من النهاردة.”
اتشاط غضباً وضرب إيده على التربيزة:
“أنتِ بتلعبي بالنار يا نهى! فاكرة إنك كده بتضغطِ عليا؟ أنا أقدر أقطع عنك المصاريف وأسيبك تحفي!”
ابتسمتله بسخرية:
“جرّب.. عشان نضيفها للائحة القضايا اللي حاميكي المحامي بيكتبها دلوقتي.”
كلمة “المحامي” نزلت عليه زي المية الساقعة. سكت وانسحب من الأوضة وهو بيبرطم بكلمات مش مفهومة، بس أنا كنت عارفة إن السهم وصل للمكان الصح.
أنا مكنتش بضيع وقت. في خلال الأيام اللي فاتت، نزلت قابلت الأستاذ فريد، محامي شاطر ومتخصص في قضايا الأحوال الشخصية والنصب. قعدت معاه وسردتله كل حاجة، وحطيت قدامه الدفاتر القديمة اللي كنت بكتب فيها كل مليم يدخل ويخرج، وإيصالات الأمانة والتحويلات اللي كنت بحولها لشريف شهرياً تحت مسمى “إيجار الشقة”، ومعاهم صورة عقد البيع النهائي اللي شرا بيه الشقة من إخواته.
الأستاذ فريد بص في الأوراق وابتسم ابتسامة خبيثة وقال:
“جوزك وقع نفسه في حفرة ملهاش قاع يا مدام نهى. التحويلات البنكية اللي مكتوب فيها ‘إيجار الشقة’ وهو المالك الفعلي للشقة تُعتبر دليل قاطع على خيانة الأمانة والنصب والاستيلاء على أموال الغير بإيهامهم بوجود التزام وهمي. ده غير إننا هنرفع قض\ية تمكين، وقض\ية استرداد أموال غير مستحقة، وده كفيل يخليه يتنازل عن نص الشقة دي على الأقل أو يدفعلك كل مليم أخده بالفوائد!”
بس أنا مكنتش عايزة أقف عند المحكمة بس.. أنا كنت عايزة أرد اعتباري وسنوات عمر اللي راحت في الخديعة.
يوم الجمعة، كان الميعاد المنتظر. شريف كان متعود يجمع إخواته وأزواجهم في بيتنا مرة كل شهرين، وكان الميعاد ده جه. هو حاول يلغي العزومة عشان العجن اللي بيننا، بس أنا أصرّيت وعملت الاتصالات بنفسي وعزمتهم، وقلتله ببرود: “العزومة في معادها يا شريف.. الأصول أصول!”
جوا إخواته.. حماه وأحمد، وأختهم حنان. القعدة كانت في الأول ماشية بشكل طبيعي، ضحك وسوالف عن غلاء الأسعار والظروف الاقتصادية. شريف كان قاعد مش على بعضه، عرقان وبيقوم يقف ويرجع يقعد، عينيه بتتنقل بيني وبين إخواته كأنه خايف من القنبلة الموقوتة اللي حاسس إنها هتفرقع في أي لحظة.
وفي وسط الكلام، حنان أخته قالت وهي بتتحسر:
“والله يا نهى، الدنيا بقت صعبة أوي، إحنا أجرنا شقة ابننا الكبيرة وبندورله على شقة صغيرة عشان نعرف نلاحق على المصاريف.. الإيجارات بقت نار!”
هنا.. كانت اللحظة اللي استنيتها.
حطيت صينية الشاي على الترابيزة، وقعدت بثبات، وبصلت لحنان وقلت بصوت عالي وواضح سمع الكل في الصالة:
“أيوه والله يا حنان.. الإيجارات نار. بس الحمد لله، أخوكي شريف رحيم بيّا.. بقاله 8 سنين بياخد مني نص الإيجار كل شهر عشان يديه لـ ‘صاحب الملك الشديد’ اللي مبيرحمش!”
شريف وشه اتخطف، وقام وقف فجأة وهو بيزعق:
“نهى! إيه الكلام الفاضي ده؟ قومي طلي على الأكل جوة!”
ما اهتمتش بيه، وكملت وأنا ببص لإخواته الاثنين اللي حواجبهم اتعقدت باستغراب:
“ليه يا شريف؟ مش بنحكي لأهلك عن عصاميتك ودقتك في الحسابات؟ إخواتك يهمهم يعرفوا إن الشقة اللي بعتوهالك من 8 سنين لما وزعتوا ورث أبوكم المرحوم.. أخوكم كان بياخد مني أنا إيجارها كل شهر، وبيفهمني إن الشقة إيجار جديد وإننا مهددين بالمشي في أي لحظة!”
الصمت نزل على الصالة زي الصخرة.
أحمد وحمادة بصوا لشريف بذهول تام. حنان حطت إيدها على بقها وبصت لأخوها وهي مش مصدقة.
أحمد قام وقف وبص لشريف بنظرة شك وريبة وقال:
“شريف.. الكلام ده صح؟ الشقة دي أنت شريتها مننا بنص سعرها بحجة إنها متأجرة إيجار قديم وإنك مش هتعرف تستفاد بيها دلوقتي؟ أنت قلتلنا وقتها إن الشقة فيها سكان ومش هتعرف تخرجهم عشان كده أخدتها برخيص!”
الورث اللي وزعوه من 8 سنين.. ظهرت فيه كذبة جديدة مكنتش أعرفها!
شريف مخدعنيش أنا بس.. ده خدع إخواته كمان! أقنعهم إن الشقة فيها مشاكل وسكان عشان ياخدها منهم بتراب الفلوس، وفي نفس الوقت كان بياخد مني أنا إيجارها!
شريف وشه بياض زي الورق، شفايفه كانت بترتعش، وحاول يدافع عن نفسه بجلع:
“يا جماعة افهموا.. نهى بتهرج.. نهى بتتبلى عليا عشان بيننا خلافات زوجية!”
طلعت من الشنطة الشفافة اللي جنبي الدفتر، ونسخ التحويلات، وصورة عقد البيع، وحطيتهم على الترابيزة قدام إخواته كلهم:
“أنا متبلتش يا أحمد.. دي كشوفات الحساب، ودي التحويلات الشهري باسم أخوك، ودي صورة العقد اللي مسجل باسمه من 8 سنين.. تقدروا تراجعوا التواريخ والمبالغ بنفسكم.”
أحمد مسك الأوراق، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة، ووشه بيتحول لكتلة من الغضب الساطع. بص لأخوه وقال بنبرة مليانة قرف وازدراء:
“بقى بتغشنا إحنا وأختك في حق أبوك؟ وبتستغل مراتك وتسرقها طوال السنين دي؟ أنت إيه يا أخي؟ أنت ميعرفكش ربنا!”
حنان قامت وهي بتعيط وتدعي عليه، وأحمد مسكه من ياقة قميصه:
“الحساب بيننا مش هيخلص هنا يا شريف! الحقوق اللي أكلتها علينا بالباطل دي هترجع، والبيت ده مش هيعدي بالساهل!”
انسحبوا من البيت وهم بيصرخوا فيه وبيهددوه بالمحاكم والفضيحة في العيلة.
الباب اتقفل وراهم بهبدة هزت الأركان.
البيت رجع فاضي تاني.. بس المرة دي، شريف كان واقف في نص الصالة، مكسور، متعرّي من كل أكاذيبه، عينيه كانت مليانة غل وخوف وترقب.
قرب مني بخطوات ثقيلة، وصوته كان طالع بالعافية، زي طالع من بير مهجور:
“خربتي البيوت؟ ارتحتي دلوقتي؟ فضحتيني قدام إخواتي ودمرتي علاقتي بيهم؟”
قربت منه، وبصلته بثبات عين في عين، وقلتله بنبرة أبرد من الموت:
“أنت اللي خربت، وأنت اللي سرقت، وأنت اللي فضحت نفسك بأطماعك يا شريف.. العاصفة اللي أكلت عيلتك دي مجرد بداية.. المحكمة جايالك في السكة، ويا إما ترجعلي كل مليم أخدته مني بالفوائد وتكتبلي نص الشقة دي باسمي.. يا إما هتشوف وش المحاكم والنيابة اللي عمرك ما تخيلت إنك تشوفه من مراتك!”
سكت تماماً، وإيده نزلت جنبه بعجز. في اللحظة دي، تلفونه رن.. كان اسم مديره في الشركة على الشاشة!
شريف بص للتليفون برعب.. لأنه عارف إن المحامي بتاعي أرسل إنذار رسمي على عنوان شغله النهاردة بالحجز التحفظي على مرتبه!
رفع عينه فيّ وهو بيرتعش، وعينيه فيها رجاء مكسور لأول مرة في حياته.
مسك شريف التليفون وإيده بترتعش كأن الجهاز بقى قطعة جمر. بص للشاشة وبصلي، وكان وش مسلوب منه كل مظاهر القوة والسيطرة اللي مارسها عليا طوال 12 سنة.
رد على مديره بصوت مخنوق ومتردد:
“أيوة يا فندم.. أيوة يا باشا.. إنذار؟ قض\ية نفقة وحجز؟ لا يا فندم دي مسألة عائلية وبحلها.. حاضر.. حاضر بكرة هكون عند حضرتك في المكتب.”
قفل الخط، والتليفون كاد يقع من إيده. بصلي بذهول وغضب عارم، ونطق بصوت شبيه بالفحيح:
“وصلت بيكي الدناءة إنك تبعتي إنذار للشركة؟ عايزة تقطعي عيشي؟ عايزة تفضحيني قدام زمايلي ومديري؟ أنتِ إيه؟ معندكيش قلب؟”
رديت عليه بابتسامة سخرية متألمة، وقعدت على الكرسي بكل هدوء:
“قلبي؟ أنت اللي موتّه يا شريف يوم ما قررت تستغفلني 8 سنين وتخليني أدفع إيجار شقتك الملك. اللي بينزف من غير ما حد يحس بيه هو صحتي وشقايا اللي استنزفتهم. أنت كنت بتستقطع من قوت عيالك ومن صحتي عشان تحوش في حسابك وتكبر ملكك. فالشركة دي مجرد بداية.. والإنذار ده كارت أصفر.”
قرب مني خطوتين، وعينيه زادت جشع وغيظ:
“أنتِ فاكرة إنك كده هتاخدي مني جنيه؟ ولا فاكرة إنك بتهديدك ده هتخليني أتنازل عن شقتي؟ الشقة دي مسجلة باسمي وفي الشهر العقاري ومحدش يقدر يلمس منها طوبة واحدة! أعلى ما في خيلك اركبيه يا نهى!”
وقفت وصادمت نظراته بنظرة أصلب:
“المحكمة هي اللي هتقول كلمتها يا شريف. المحامي جهّز ق\ضية رد غير المستحق وق\ضية خيانة أمانة ونصب، وإثباتات التحويلات البنكية اللي كاتب فيها بنفسك ‘إيجار شقة’ وأنت المالك، كفيلة تلبسك ق\ضية جنائية مش بس مدنية. ده غير إن إخواتك مش هيسيبوك بعد ما اكتشفوا إنك خدعتهم واشتريت نصيبهم بتراب الفلوس بحجة إن الشقة متأجرة إيجار قديم. أنت بقيت محاصر من كل جهة.”
الكلمات نزلت عليه زي المطرق. بدأ يدرك إن الحصار اللي ضربته حوليه أثقل من قدرته على المناورة. إخواته ب يهددوه بقضايا بطلان بيع للورث، والشركة عرفت بمشاكله القضائية، وأنا قافلة كل منافذ المساعدة والتمويل للبيت.
في اليوم التالي، صحيت الصبح بدري، لميت كل شغلي ومعدات الصابون والمشغولات اليدوية، وحطيتهم في شنط كبيرة. شريف خرج من أوضته وشايفني بفرّغ الورشة الصغيرة.
بصلي بريبة وقال:
“أنتِ رايحة فين بالحاجات دي؟ بتخلعي من البيت؟”
رديت وأنا بقفل سستة الشنطة:
“أنا مش هسيب البيت يا شريف.. أنا قاعدة على قلبك في الشقة دي بقوة القانون والتمكين اللي المحامي بيرفعها دلوقتي. بس شغلي ومصادري المالية مش هتقعد تحت سقفك عشان تستغلها تاني. أنا أجرّت ورشة صغيرة برة، وفلوسي وشقايا هيكونوا بعيد عن عينيك تماماً.”
سكت وهو بيمصمض شفايفه بغل، ومشي راح شغله وهو حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجليه.
مرت أيام، وكان البيت عبارة عن ساحة حرب باردة. شريف يحاول يضغط عليا بالعيال، يجي قدامهم ويعمل دور الأب الحنون المظلوم، ويقولهم بصوت عالي: “معلش يا ولاد، أمكم عايشة في دور الضحية وعايزة تخرب بيتنا وتضيع مستقبلكم.”
بس أنا مكنتش بخليهم أداة في إيده. قعدت مع عيالي ووضحتلهم الأمور ببساطة تناسب سنهم، فهمتهم إن بابا أخد حقوق ماما بالباطل وماما بتسترجع حقها عشان تأمنلهم حياتهم، والولاد كانوا شايفين تعبي وقعدتي بالساعات أشتغل بالليل، فكانوا فاهمين الحقيقة ومشاعره المصنوعة مأثرتش فيهم.
وبعد أسبوعين، جه الميعاد اللي هز شريف من جذوره.
طلبني المحامي الأستاذ فريد ورجعت الشقة ومعايا أوراق جديدة. شريف كان قاعد في الصالة وشكله شاحب، خس كذا كيلو وشعره مطفي، التوتر كان أكل جسمه من التفكير في قضايا إخواته ومشاكل شغله.
حطيت قدامه ملف أزرق على الترابيزة.
بص للملف ورجع بصلي برعب:
“إيه ده كمان؟ ق\ضية جديدة؟”
رديت بثبات:
“ده عرض تسوية قبل ما الجلسة الأولى تتحدد في المحكمة. التسوية دي بتنص على الآتي: تتنازل لي عن نصف الشقة دي رسمياً بعقد بيع وشراء مكتمل الأركان ومسجل، وتردلي نصف المبالغ اللي أخدتها مني طوال الـ 8 سنين على أقساط شهرية خصماً من مرتبك.. وفي مقابل ده، أنا هتنازل عن القضايا الجنائية وق\ضية الحجز التحفظي في شركتك.”
قام وقف بغضب وصلي بصوت مبحوح:
“أنتِ حالمة! أتنازلك عن نص الشقة؟ أكتبلك ملكي اللي شريته بعرقي؟ ده على جثتي يا نهى!”
قربت منه بكل هدوء وقسوة أكتسبتها من الوجع:
“جثتك دي أنت اللي اخترتها بأطماعك يا شريف. لو ما وقّعتش على الورق ده خلال 48 ساعة، الجلسة الأولى هتبدأ، وإخواتك هيضموا قضاياهم لقضيتي، وشغلك هيعمل معاك تحقيق رسمي بسبب الشكاوى الحازمة ضدك. وقتها مش هتخسر نص الشقة بس.. أنت هتخسر الشقة كلها، وشغلك، وسمعتك، وهتقضي بقية حياتك بتدفع في ديون وقضايا!”
بص للورق وبصلي.. عينه كانت بتتنقل بين نص التسوية وبين حقيقة إنه خلاص مابقاش عنده أي كارت يلعب بيه. المسرحية اللي أخرجها طوال 8 سنين انتهت، والديكور كله وقع على دماغه.
إيده قربت ببطء من الملف، وأصابعه كانت بترتعش وهو بيمسك القلم..
انا متجوزه ج3
حكايات روماني مكرم
وقف الزمن لحظات في الصالة. عينين شريف كانت زي التائهة بين ورقة التسوية وبين القلم اللي في إيده. صوابعه اترعشت، وشه اعصر من كتمة الغيظ والعجز، وفجأة… حدف القلم بعنف في الحيطة!
القلم اتركب واكتسر نصين، وشريف صرخ بصوت هيستيري هز حوائط الشقة:
“مش هوقّع! مش هسيبلك شقايا يا نهى! فاكرة إنك لويتِ دراعي؟ فاكرة إن شوية ورق وهدد من المحامي هيخلوني أسلم وأرمي الراية؟ الشقة دي باسمي أنا، والقانون مبيحميش المغفلين اللي بيدفعوا من غير ما يكتبوا عقود! وريني المحكمة هتعملك إيه لما أقول إن الفلوس دي كانت مساهمة منك في مصاريف العيشة والعيال!”
ابتسمتله بنبرة حادة وباردة جداً:
“مساهمة؟ التحويلات البنكية اللي مكتوب في خانة السرد بتاعها بخط إيدك وعلى الأبليكشن ‘قسط إيجار الشقة الشهري’ دي نسميها إيه يا شريف؟ الرسائل والصوتيات اللي بتبعتهالي كل يوم 1 في الشهر وتقولي فيها ‘الراجل عاوز الإيجار بالزيادة وإلا هيطردنا’ نسميها إيه؟ المحكمة مش غبية، والقاضي مش هيعدي عليه التمثيل ده. أنت وقعت نفسك بلسانك وبإيدك.”
سكت وشفايفه بصلت للحيطة، وشه بقا شاحب كأنه ج\ثة، بس كبرياء الجشع جواها كان لسه بيقاوم.
سابني ودخل الأوضة وهبد الباب وراه بغل.
أنا متهزتش. أخدت ملف التسوية، حطيته في شنطتي بكل هدوء، وطلعت تليفوني ورنيت على الأستاذ فريد:
“مساء الخير يا متر.. شريف رفض التسوية. حرك القضايا فوراً، وابدأ في إجراءات إعلان الشركة وإعلان إخواته رسمياً بالمستندات.”
الأستاذ فريد رد بثبات:
“تمام يا مدام نهى.. بكره الصبح الإنذار القضائي هيكون في مكتب رئيس مجلس إدارة شركتك، وإخواته هيتوصلهم ملف الق\ضية الجنائية. خليه يستحمل اللي جاي.”
مرت 48 ساعة…
في اليوم الثالث، شريف نزل شغله الصبح وهو فاكر إنه بيخوفني بتجاهله. لكن السحر انقلب على الساحر.
الساعة كانت 2 الضهر، وتليفوني رن. كان رقم شريف.
رديت بكل برود:
“أيوة يا شريف.”
صوته المرة دي مكنش عالي، مكنش فيه أي نبرة تحدي.. صوته كان مرعوب، متقطع، وورا صوت زي زحمة وشوش وناس بتتكلم في شركته.
“نهى… أنتِ عملتِ إيه؟ الشئون القانونية في الشركة استدعتني.. رئيس مجلس الإدارة بنفسه أخد صورة من إنذار المحكمة والشكوى المقدمة بالنصب وخيانة الأمانة! قالولي دي سمعة شركة ومينفعش موظف عندنا يكون معروض لقضايا جنائية ومطلوب للحجز التحفظي! وقفوني عن العمل لحين الفصل في قضاياكِ يا نهى! يخرب بيتك ضيعتيني!”
رديت عليه بجمود:
“أنت اللي ضيعت نفسك يوم ما أكلت حقي وضحكت عليا 8 سنين. أنا حذرتك يا شريف، وعرضت عليك أرحمك بالتسوية، بس أنت كبرك وغرورك عموك.”
صرخ في التليفون:
“أنا جاي البيت دلوقتي! أقفي المهازل دي.. اقفلي القضايا دي بكرة!”
قفل الخط، وبعد نص ساعة كان الباب بيتفتح بهبدة. دخل شريف ووشه جايب ألوان، عرقان وهدومه مبهدلة كأنه طالع من خناقة شارع.
وقف قدامي وهو بيلهث:
“إخواتي رفعوا عليا دعوى بطلان بيع وإعادة توزيع ورث بتهمة التدليس والتزوير! شركتي وقفتني عن العمل وخصمت نص مرتب لحين البت في قضاياكِ! الناس في الشارع وبواب العمارة بقوا يبصولي بنظرات غريبة كأني نصاب! ارتحتِ؟ هدمتِ السقف فوق راسي وراسك؟”
قعدت على الكرسي وركبت رجل على رجل، وبصلته بثبات:
“أنا مهددمتش السقف يا شريف.. أنا بس شيلت الستارة اللي كنت مخبي وراها الخديعة. السقف وقع على دماغك أنت لوحدك لأنك أنت اللي بنيته على باطل.”
قرب مني وشكل إيده كأنه هيترجاني، النظرة اللي في عينيه اتغيرت 180 درجة.. الخوف كسره تماماً:
“عايزة إيه يا نهى؟ قوليلي عايزة إيه عشان تنهي المهزلة دي؟ عايزة الشقة؟ هكتبهالك! عايزة الفلوس؟ هكتبلك شيكات باللي أخدته كله! بس اسحبي الشكاوى من الشركة ومن المحكمة قبل ما أترفد رسمياً وأتسجن!”
مسكت القلم الجديد من على الترابيزة، وطلعت نسخة ثانية من عقد التسوية، وحطيتها قدامه:
“شروط التسوية اتغيرت يا شريف.. المرة دي مش نص الشقة بس.
المرة دي: الشقة دي بالكامل تتكتب باسمي واسم العيال تمكين وملك نهائي!
والفلوس اللي أخدتها طوال 8 سنين ترجعلي كاش أو بشيك مقبول الدفع فوراً!
وتكتب إقرار رسمي قدام المحامي بإعادة حق إخواتك في الورث عشان تسحب دعواهم!”
بصلي بذهول، عيونه كانت هتخرج من مكانها:
“الشقة كلها؟ وإخواتي؟ أنتِ كده بتمحيني يا نهى! مابتسيبيليش حاجة!”
رديت عليه ونبرة صوتي اتقطعت من القسوة:
“زي ما أنت ما سبتليش صحة ولا شباب ولا ثقة طوال 12 سنة.. قدامك ساعتين يا شريف، توقّع وتنفذ الشروط، يا إما بكرة الصبح هيكون أول يوم لك في تحقيقات النيابة العامة!”
وقفت وسابته في نص الصالة، وهو باصص للورق وباصص للقلم، وجسمه كله بيرتعش من شدة الصدمة!
مسك شريف القلم وإيده بتترعش زي السعفة في مهب الريح. عينيه كانت رايحة جاية بين بنود التسوية الشديدة، وبين الفراغ اللي حاسس إنه بيتسحب فيه. كان قدامه خيارين أعرج من بعض: يا إما يوقع ويتنازل عن كل حاجة ويطلع من اللعبة دي عريان، يا إما يدخل النيابة بكرة وتضيع شغلته وسمعته ويتقبض عليه بتهمة النصب وخيانة الأمانة.
انحنى على الترابيزة، ونزل رأس لتحت، وصوت نفسه كان طالع بصهيل مكتوم زي المذبوح. حط القلم على الورقة، وبدأ يوقع.. توقيع ورا توقيع، على كل صفحة وعلى كل بند، وإيده بتسيب أثر عرق مبلول على الناحية السفلى من العقود.
خلص التوقيع، ورزق القلم على الترابيزة، ورفع رأسه يبصلي بنظرة مكسورة مليانة غل وحقد:
“وقعت.. ارتحتي؟ أخدتي الشقة، وأخدتي الفلوس، ودمرتي هيبتي قدام نفسي وقدام الناس. إيه فاضل تاني تعكّر بيه عيشتي؟”
سحبت الورق ببطء، راجعت التوقيعات والبصمات بعناية، وحطيتهم في الملف الشفاف. رديت عليه بنبرة هادية بس فيها جبل من الثبات:
“اللي فاضل يا شريف إننا ننزل دلوقتي حالا للأستاذ فريد المحامي، ونطلع على الشهر العقاري عشان تنازل الشقة يتدبس بشكل رسمي ومحكم، وتكتب إقرار حقوق إخواتك اللي غشتهم. وموضوع الشيك مقبول الدفع يتحول لحسابي بكرة الصبح أول ما البنوك تفتح.”
قام وقف بالعافية، كأنه كبر عشر سنين في اللحظة دي:
“وبعد ما أعمل كل ده؟ هتعملي إيه في الشكوى بتاعة الشغل وقضايا المحكمة؟”
“أول ما التنازل يتقيد في الشهر العقاري والفلوس تدخل حسابي، الأستاذ فريد هيقدم تنازل رسمي عن الشكوى الجنائية وحجز المرتب، وهتستلم إقرار بالتصالح تبعته لشركتك.. أما إخواتك، فإنت اللي هتقعد معاهم وتسلمهم حقهم بإيدك لو عايز تبرئ ذمتك قدام ربنا والناس.”
اليوم ده كان أطول يوم في حياتي. لفينا فيه بين مكتب المحامي والشهر العقاري. شريف كان ماشي جنبي زي الخيال، مسلوب الإرادة، بيوقع وينفذ كل طلب بيطلب منه من غير ما ينطق بحرف واحد. الناس في الشهر العقاري كانوا شايفين راجل بيتنازل عن ملكه بجمود تام، وأنا واقفة جنبه باستحقاق ست استردت حقها بعد سنين من الاستغفال والتعب.
على الساعة 6 بالليل، كانت كل الأوراق الرسمية في إيدي. عقد الشقة الجديد باسمي واسم عيالي، وإشعار التحويل البنكي بوفاء الدين والفلوس اللي استنزفها مني طوال 8 سنين.
رجعنا الشقة. الصالة كانت فاضية، وصوت عقارب الساعة (تك.. تك.. تك) كان لسه بيخرم السكون، بس المرة دي الصوت مكنش بيوترني ولا بيخوفني.. كان زي دقات النصر.
شريف دخل لقط شنطته القديمة من جنب الدولاب، وبدأ يرمي فيها هدومه وعايش حالة طوارئ.
بصلته وأنا واقفة عند باب الأوضة:
“بتعمل إيه يا شريف؟”
رد بصوت جاف ومخنوع وهو بمهد الهدوم في الشنطة:
“أنا ماشي.. مش هقدر أقعد في مكان بقيت فيه غريب ومكسور. أنتِ أخدتي كل حاجة، والشقة بقت ملكك.. ماليش مكان هنا خلاص.”
وقف وحمل الشنطة على كتفه، ومشي ناحية باب الشقة. مسك مقبض الباب، والتفت بصلي لأخر مرة.. عينيه كانت مليانة حسرة على كل اللي بناه على باطل وضاع في لحظة.
فتح الباب وكان هيخرج، بس أنا وقفته بصوت عالي وثابت:
“استنى يا شريف!”
وقف مكانه وتخشب، والتفتلي بشرارة أمل صغيرة إن ممكن أكون حنيت أو هترجاه يقعد:
“إيه؟ عايزة إيه تاني؟”
قربت منه خطوتين، وبصلته بثبات، وقلتله الكلمة اللي هتحدد شكل النهاية…
قربت منه خطوتين، وبصلته بثبات، وقلتله بنبرة أبرد من التلج:
“اللي بيننا مكنش مجرد شقة وفلوس يا شريف.. اللي بيننا كان عمر وثقة، وأنت حرقت الاثنين. ورقة تنازلك عن الشقة ورجوع فلوسي دي حق شقايا وجرحي.. أما ورقتك أنت معي، فدي نهايتها بكرة الصبح عند المأذون.”
الشرارة الصغيرة اللي كانت في عينيه انطفت في لحظة، وحل مكانها ذهول أخير. شفايفه اترعشت وكان عايز يتكلم، بس الكلمات اتخنقت في زوره. فهم إن ‘نهى’ اللي عاشت معاه 12 سنة مسالمة وبتضحي، ماتت للأبد، والست اللي واقفة قدامه دلوقتي مش هتقبل تعيش يوم واحد مع راجل استغفلها واستحل شقاها.
شد الشنطة على كتفه، ونزل رأسه في الأرض، وخرج من باب الشقة. صوت هبدة الباب وراه كان أعلاناً رسمياً لنهاية عصر الخديعة، وبداية حياة جديدة.
في اليوم التالي..
قفت قدام باب المأذون، وفي إيدي الورقة الأخيرة. شريف حضر وهو مكسور تماماً، طأطأ رأسه ووقّع على ورقة الطلاق من غير ما يرفع عينيه فيّ. خرجت من هناك وأنا حاسة إن جبل ثقيل كان كاتم على نفسي وانسحب فجأة.
رجعت الشقة.. شقتي أنا وعيالي.
دخلت الصالة، الباب اتقفل ورايا، والشمس كانت طالعة من شباك البلكونة بتفرش غزلها الذهبي على الأرض. بصيت لدفتر الحسابات القديم اللي كان على السفيرة، مسكته وحطيته في الدرج وقفلت عليه.. نهاية صفحة سوداء، وبداية كتاب جديد.
فتحت مشروع الصابون والمشغولات اليدوية بشكل رسمي، وبقى عندي ورشتي الخاصة برة البيت اللي بيكبر اسمها كل يوم. عيالي كبروا قدام عيني في بيتنا اللي مفيش فيه تهديد بالطرد ولا كذب، وفي مكان مفيش فيه “صاحب ملك وهمي” يشفط دم قلبي أول كل شهر.
تعلمت إن التضحية لما تتقدم لغير أهلها بتبقى استغفال، وإن الست لما تقرر تجيب حقها بتبقى أقوى من أي كذب وتدليس..
صوت عقارب الساعة في الصالة لسه شغال (تك.. تك.. تك)، بس المرة دي.. كان بيحسب أيام نصر، وراحة بال، وحياة اتأست صح على نظافة واستحقاق.
تمت.

تعليقات
إرسال تعليق