القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 مرات ابنى الوسطاني امانى السيد كاملة 



حكايات امانى السيد كاملة 


مرات ابنى الوسطاني كانت بتنزل كل يوم تخدمنى من تانى يوم جواز كنت دايما اشوفها قليله واحاول ابعد ابنى عنها حتى سلايفها كنت ابعدهم عنها واخليهم يكره.وها ومايتعملوش معاها كانت كل أما تحاول تقرب من واحده منهم يكسفوها عشان مايزعلونيش لما سلفتها الاصغر ولدت طلعتلها ومسحتلها الشقه وكانت شبهه الخدامه عندها تعملها الاكل وتشيلها بنتها عشان تنام وتصحى تلاقى الاكل معمول والشقه رايقه حتى أهلها لما جم هى اللى كانت بتخدمهم كانت بتخاول تقرب منها عشان ماتبقاش منب.وذه وسطينا ولما سلفتها الكبيره عملت الزايده سابت ولادها لامها وراحت قعدت معاها فى المستشفى تخدمها وقبل ما تروح من المستشفى طلعت مسحتلها الشقه وغسلتلها السجاجيد وعملتلهت اكل اسبوع كامل يمكن ترضى عنها وتتعامل معاها بس كلامى ليهم انها اقل منهم خلاهم يشوفوا إن اللى بتعمله ده واحب عليها وفرض وبقوا يطلبوا منها تطلع تنضفلهم وتمسحلهم الشقه حتى ولادها بقوا يتعاملوا اسوء معامله واولاد أعمامهم مكنوش يحبوا يلعبوا معاهم لحد ما فيوم حفيدى الكبير قال لابنها انت فاكر نفسك ايه امك دى خدامه عندنا وانت المفروض تقلد امك وتشيلنا الشنط واحنا رايحين المدرسه انت هتعمل راسك براسنا ولا ايه


ساعتها الواد جه يبكي ودموعه على خده، يجري على أمه ويقولها: “يا ماما هو أنتِ شغالة عندهم؟ هو أنا مش زي ولاد عمي؟”. هي خدته في حضنها وقعدت تطبطب عليه وهي ساكتة ومقهورة، ولا ردت ولا فتحت بقها بكلمة، بس الدموع كانت نازلة من عينها من غير صوت.


بدل ما أحس بالذنب، طلعت ساعتها وشرشحتلها وقولتلها: “ابنك بيتبلى على ابن عمه، وأنتِ اللي مطلعاه عيل نكدي زي أهله!”. ردت عليا بصوت وطي خالص وقالتلي: “ربنا يجيبلي حقي يا حجة، أنا ما قصرتش مع حد فيكم”، ونزلت خدت عيالها وقَفلت على نفسها شقتها.


 


خرجت زوجة الابن من الشقة في المساء، تدفع أمامها حقيبتين كبيرتين وتضم طفليها إليها، بعدما جمعت كل ما تملك في صمت تام لم تخرقه سوى شهقات الصغير الذي لم يفهم حتى تلك اللحظة لماذا أصبح “ابن الخادمة” في نظر أبناء عمومته. لم تلتفت خلفها، ولم تبكِ بصوت مرتفع كما كانت تفعل سابقاً حين كانت تحاول استعطاف زوجها أو استرضائي، بل كانت ملامحها جامدة كالحجر، عينان مطفأتان تماماً من شدة القهر، ونظرة أمل أخيرة كانت قد ماتت للأبد.


نزل ابن الوسطاني من عمله متأخراً في ذلك اليوم، ليجد البيت هادئاً على غير العادة. كانت شقته مظلمة، بابها مفتوح جزئياً، وصوت الريح يعزف داخل الغرف الخاوية. صعد إليّ يسأل عن زوجته وأولاده، وبدلاً من أن أقول له الحقيقة، بدأت بأكاذيبي المعتادة لتقليب قلبه عليها: “زوجتك أخذت أولادك وغادرت البيت دون إذني، كبرت رأسها وأهانتني وأهانت إخوتك ولعنت الساعة التي دخلت فيها بيتنا، وقالت إنها لن تعود إلا بشروط!”.



كنت أتوقع أن يغضب ويذهب لضربها أو إحضارها بالقوة كما كان يفعل في كل مرة نختلف فيها، لكنه هذه المرة لم يقل كلمة واحدة. جلس على الكرسي قبالتي، ينظر إليّ بنظرات غريبة لم أعهدها فيه من قبل، نظرات خالية من التعبير، ملأى بشكوك قديمة بدأت تترتب في عقله كقطع الأحجية. قم من مكانه وهبط إلى شقته، ليدخل غرفة أطفاله ويرى ألعابهم الملقاة على الأرض وملابسهم المتبقية، ثم توجه إلى شقة أخيه الأكبر.


هناك، تصادف وجود ابن أخيه الكبير – العيل الذي أهان ابنه في الصباح – وكان يتحدث بتبجح أمام أمه: “أنا لم أقل له شيئاً خاطئاً يا أمي، أليست أمه هي من تغسل لنا السجاد وتنظف أرضيتنا كل أسبوع؟ جدتي هي من قالت لنا ذلك!”. سقطت الكلمات كالصاعقة على أذن ابني الوسطاني. وقف عند الباب ووجهه يتغير لونه من الأصفر إلى الأحمر الداكن، وتجمعت في عينيه دموع قهر الرجال. استدعى ابن أخيه وسأله بصوت يرتجف من الهول: “ماذا قلت لولدك الصباح يا بني؟ أعد ما قلته!”.


خافت زوجة الأخ الأكبر وحاولت التغطية على الأمر بسرعة: “لا شيء يا أبا فلان، أطفال يلعبون مع بعضهم وتعاركوا على لعبة، لا تصدق كلام الأطفال وتكبر الموضوع!”. لكن الولد الصغير، بتلقائية طفولته وبسبب ما زرعناه فيه من غرور، قال باستعلاء: “قلت له أن أمه خدامة عندنا، وأن جدتي قالت إنها قادمة من بيت أصلهم ضعيف ولولا أن جدتي عطفت عليها لما وجدت طعاماً تأكله!”.


في تلك اللحظة، انكسر شيء ما داخل ابني الوسطاني، شيء لن يصلحه دهر كامل. تذكر كل يوم كانت تنزل فيه زوجته من شقتها في الساعة السادسة صباحاً لتطبخ وتنظف وتغسل، تذكر كيف كانت تخدم زوجة أخيه الصغير وهي نفاس، وكيف سهرت في المستشفى مع زوجة الأخ الكبير وهي تجري جراحة الزائدة، تذكر كيف كان يراها تعود ليلًا إلى شقتها وهي لا تستطيع بسط ظهرها من شدة التعب، وكان يظن – بررنا له نحن ذلك – أن هذا من طيب أصلها وحبها لأهله، ولم يكن يعلم أننا كنا نكسر نفسها ونستغل ضعفها ونستعبدها.


خرج ابني من شقة أخيه كالمدحور، صعد إليّ والدموع تسيل على خديه بغزارة، وقال بصوت حشرجته الغصة: “أمي.. هل صحيح ما قاله ابن أخي؟ هل صحيح أنكِ من صوّرتِ زوجتي للأطفال وللجميع على أنها خادمة؟ هل صحيح أنكِ كنتِ تتحدثين عنها للغريب والقريب كأنها نكرة؟”.


حاولت أن أدافع عن نفسي، صرخت فيه: “هل تبيع أمك من أجل امرأة لا أصل لها؟ هل صدقت كلام عيل صغير وجئت تحاسبني؟ أنا أردت فقط أن أعلمها الأدب حتى لا تتكبر عليك وعلى إخوتك!”.


رد عليّ بنبرة جعلت قلبي يرتجف لأول مرة: “بل أردتِ أن تكسريها يا أمي.. وأنا ساعدتكِ دون أن أدري. كنت أظن أنني أمتلك زوجة تحب أهلي وتخدمهم بطيب خاطر، فاتضح أنني أمتلك زوجة مظلومة مقهورة، كتمت غصتها في قلبها سنوات وسنوات، وكانت تخدمكم وهي تتمنى الموت من الإهانة، وأنا أعمى لا أرى!”.



غادر البيت ليلاً يبحث عنها في بيت أهلها. هناك، رفض والدها حتى أن يدخله من الباب. وقف الرجل العجوز على العتبة وقال له بلهجة حاسمة: “ابنتنا دخلت بيتكم وهي عزيزة مكرمة، تعلمت الصيانة والاحترام، وخرجت من بيتكم كسيرة القلب، ولدها يبكي ويبصق على نفسه لأنه ظن أن أمه خادمة! إن كنت رجلاً فاتركها في حالها، ليس بيننا وبينكم سوى القضاء!”.


حاول ابني أن يرتمى على قدمي والدها ليقبلهما، خلع كبرياءه كله عند الباب، بكى وتوسل أن يرى طفليه فقط أو يسمع صوت زوجته، لكن الزوجة رفضت الخروج له. أرسلت له مع والدها رسالة واحدة قصيرة: “قل له إنني سامحته على قسوته معي، لكنني لن أسامحه أبداً على الدمعة التي نزل من عين ابنه وهو يظن أن أمه خادمة.. انتهى كل شيء بيننا”.


أقام ابني ليلته أمام بيت أهل زوجته، ينام في سيارته كالشريد. وفي الصباح التالي، عادت زوجتا ابني الأكبر والأصغر للبيت، وظنتا أن الحياة ستستمر كما كانت، وأن “الخادمة” ستعود بعد يومين كالعادة لتتحمل الأوساخ والمسؤوليات. لكن الواجبات تراكمت فجأة؛ أصبحت الشقة السفلى متسخة، لا أحد يطبخ الغداء للبيت الكبير، لا أحد يغسل السجاد أو ينظف بعد الأطفال، والأولاد صاروا يتصارعون على الطعام واللعب وتصاعد الصراخ في كل مكان.


جاءتني زوجة الابن الأكبر تشتكي وتتذمر: “يا حجة، الشقة أصبحت كالمزبلة، وأولاد فلان تركوا العابهم في الصالة، من سينظف هذا القرف؟ لم نعتد على العمل في البيت وحدنا!”.


نظرت إليها بغضب وشرشحت لها: “قومي انظفي شقتك بنفسك! هل كنتِ تتوقعين أن تظل زوجة أخيكِ تخبز وتغسل لكِ طوال العمر وأنتِ جالس كالملكة؟”.


فردت عليّ بقسوة وقلة أدب لم أعتدها منها: “ولماذا تصرخين في وجهي الآن؟ ألسنا نحن من سمعنا كلامكِ من الأول؟ ألم تكوني أنتِ من تقولين لنا إنها أقل منا ولا يجوز أن نرفعها لمستوانا؟ أنتِ من جعلتها خادمة للبيت، والآن حين طفشت تتصنعين المثالية وتصرخين في وجوهنا؟”.


كانت تلك الكلمات كالصفعة على وجهي. لقد ظهرت الحقيقة البشعة: الكره والتحريض الذي زرعته في قلوبهن ضد زوجة ابني الوسطاني عاد ليتفجر في وجهي أنا. لم تكن أي منهن تحبني أو تحترمني، بل كن يتقربن مني ليتقين شري، واستغللن كرهي لزوجة الوسطاني ليركبن على ظهرها ويرتحن من أعمال البيت.


خلال أسبوع واحد، انقلب البيت إلى جهنم حمراء. ابني الوسطاني ترك عمله، ولم يعد يدخل البيت إلا وهو سكران من الهم، أو يجلس في زاوية الشقة المظلمة يبكي في الصمت. صار ينظر إليّ بنظرات ملؤها الكراهية واللائمة. كلما رآني قال لي كلمة واحدة تزن جبالاً: “دعوتها عليكِ لن تروح هباءً يا أمي.. أنتِ خربتِ بيتي ودمرتِ مستقبل أطفالي”.


أما إخوته، فبدلاً من أن يقفوا معه في أزمته، بدأوا يتشاجرون معه لأن وجوده بكآبته أصبح يزعجهم. حتى زوجاتهم بدأن يطالبن بالأكل الجاهز وبخادمات بفلوس لأن الأعمال المنزلية أصبحت ثقيلة عليهن، وانقلبت بيوتهن إلى ساحات حرب واشتباكات يومية. الأطفال الذين زرعنا فيهم الكبر والغرور بدأوا يتطاولون على أمهاتهم وعلى أنفسهم، وتفككت أسر البيت كله قطعة قطعة.



وفجأة، جرت الأحداث نحو الأسوأ. وصل إلى البيت إعلان رسمي من المحكمة: دعوى خلع مرفوعة من زوجة الابن الوسطاني، ومرفق بها ق\ضية نفقة وق\ضية تمكين من الشقة. حين قيل لابني إن الشقة التي بناها بعرقه ودمه ستصبح من حق زوجته وأطفاله بالقانون وأن عليه أن يخرج منها، لم يغضب أو يصرخ، بل تبسم ابتسامة مكسورة وقال أمام الجميع: “تستحقها.. تستحق الشقة وتستحق روحي أيضاً إن أرادت، علّ ذلك يغسل جزءاً من الخزي الذي ألبستها إياه”.


جمع ابني ملابسه في حقيبة واحدة صغيرة، ووقف أمام باب الشقة ينظر إليّ بجمود. سألته والدموع في عيني: “إلى أين أنت ذاهب يا بني؟ هل تترك أمك وبيتك؟”.


رد عليّ بصوت جاف كالصحراء: “هذا ليس بيتاً يا أمي.. هذا معتقل للنفوس، ونحن نساء ورجال ظلمنا إنسانة لم تزدنا إلا خيراً. أنا ذاهب لأستأجر غرفة صغيرة بجوار بيت أهلها، علّني ألمح أطفالي وهم ذاهبون للمدرسة، علّ ابني يراني من البعيد ويعلم أن أباه ليس نذلاً، وأن أمه لم تكن يوماً خادمة.. بل كانت السيدة الوحيدة في هذا البيت الباطل!”.


خرج ابني وإغلاق الباب خلفه ترك صداً مرعباً في العمارة كلها. خيم الصمت والثقل على الجدران، وتلفتُّ حولي فلم أجد سوى الشقق المتسخة، والقلوب المتنكرة، وزوجات الأبناء اللاتي بدأن يتآمرن عليّ وعلى بعضهن البعض. أصبحت أجلس في شقتي وحدي، أسمع صوت الفراغ، وأتذكر تلك المسكينة التي كانت تنزل في كل صباح، بابتسامتها الرقيقة ووجهها المشرق، تحمل شاي الصباح وتستقبلني بـ “صباح الخير يا حجة”، وأنا أرد عليها بالاستعلاء والجفاء.


تذكرت دموعها وهي ساكتة ومقهورة، وتذكرت كلمتها الأخيرة التي هزت أركاني: “ربنا يجيبلي حقي يا حجة، أنا ما قصرتش مع حد فيكم”. فهمت حينها أن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأن العدالة الإلهية لا تأتي دائماً بالصواعق، بل تأتي أحياناً بخراب البيوت من الداخل، وبأن يرى الظالم ثمرة ظلمه وشرور أفعاله تتهاوى أمامه شيئاً فشيئاً حتى لا يبقى له أحد.


 

حكايات امانى السيد 2


مرّت الأيام متثاقلة كأنها جبال من الفولاذ الجاثم على صدري. لم تعد جدران البيت تسعني، ولم يعد النور يدخل نوافذي. العمارة التي كانت تضج بالضحكات والأطفال، وتفوح منها روائح الطعام في كل صباح، أصبحت تشبه المقبرة المهجورة، لا تسمع في أروقتها سوى صرير الأبواب أو صياح الخلافات اليومية التي لا تنتهي بين أولادي وزوجاتهم.


سكن الابن الوسطاني في حجرة صغيرة بالإيجار في آخر الشارع الذي يقع فيه بيت أهل زوجته. كان يرفض أن يبتعد عن طفليه، يصحو في السادسة صباحاً ليرابط على رصيف الشارع المقابل، ينتظر لحظة خروج ابنه الصغير متجهاً إلى المدرسة ليلمحه من بعيد. كان الولد في الأيام الأولى يتحاشى النظر إليه، يمسك بظفر أمه ويمشي مطأطئ الرأس، فقد زرعت الإهانة في قلبه حسرة جعلته يخجل من الدنيا بأسرها. أما الابن الوسطاني، فكان يقف مسنداً ظهره إلى الشجرة، يرتدي ثياباً تجعدت من الهم، ووجهه الذي كان يشرق بالشباب أحاله الحزن إلى لوحة شاحبة ينبض فيها الندم.


في بيتي، بدأت ثمار ما زرعته تينع حسرة ومراراً. زوجة الابن الأكبر وزوجة الابن الأصغر، اللتان كنت أحرّضهما دائماً على زوجة الوسطاني وأعطيهما الحق في أن تتسلطا عليها، انقلب السحر عليهما وعليّ. حين غابت تلك المسكينة التي كانت تشيل عنهن ثقل البيت وأعماله الشاقة، ظهرت حقيقتهن العارية؛ أجساد معتادة على الراحة، وقلوب مليئة بالأنانية، ونفوس لا تعرف للجميل معنى.


بدأت المشاكل تتفجر في العمارة كل صباح على أبسط الأمور. أصبحت زوجة الأكبر ترفض تنظيف السلم، وتقول بصلف: “لستُ خادمة لأحد، من وسّخ السلم فليمسحه بنفسه!”. وزوجة الأصغر ترفض أن تطبخ لي أو تسأل عني، وتغلق بابها بالساروج، وإذا سألتها عن غدائي ردت بصوت جاف من خلف الباب: “كل إنسان يتحمل مسؤولية نفسه يا حجة، ألسنا أصحاب أصل رفيع ولا يصح أن ننزل لمستوى الخدم؟”.


كانت كلماتها تسقط على رأسي كالمطرقة، تذكرني بألفاظي التي كنت أستعلي بها على زوجة الوسطاني، وكأن الله أجرى على ألسنتهن نصوص عقابي، لأذوق من نفس الكأس التي سقيت منها تلك المسكينة.


ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد البلاء إلى أطفالهما. الأطفال الذين عودناهم على التكبر والغرور واحتقار ابن عمهم، بدأوا يمارسون نفس البشاعة على بعضهم البعض. أصبح ابن الأكبر يضرب ابن الأصغر ويقول له: “أبي هو الكبير وأنت وأمك تعيشون في خيرنا!”. فتخرج زوجة الأصغر صارخة كالمجنونة، وتبدأ شتائم السباب بين السلفتين في منتصف الممر، بكلمات أنزه لساني عن ذكرها، أمام مرأى ومسمع من الجيران الذين كانوا يحترمون بيتنا ويحسبون له ألف حساب.


في أحد الأيام، اشتد الشجار بين الابن الأكبر والابن الأصغر بسبب مصاريف البيت والكهرباء وتراكم القمامة أمام الأبواب. تشابك الأخوان بالأيدي عند درجات السلم، تعالت الأصوات وتجمهر أهالي الشارع. نزلتُ أهرول، أصرخ وأترجاهما بأعلى صوتي: “يا أبنائي.. اتقوا الله، أنتم إخوة من بطن واحدة، لا تشمتوا فينا الغريب والرخيص!”.



يلتفت إليّ الابن الأكبر، ووجهه محتقن بالدم والشر، ويصرخ في وجهي أمام الجيران بلا ذرة احترام: “اسكتي أنتِ يا أمي! أنتِ السبب في كل ما نحن فيه! أنتِ التي زرعتِ فينا الكره والغل، أنتِ التي علمتينا كيف نأكل حق بعضنا ونستعلي على غيرنا! يوم أن كانت زوجة أخينا الوسطاني تخدمنا بلقمتها ودموعها، كنتِ تضحكين وتنعينها بالضعف، والآن حصادي وحصادك خراب هذا البيت!”.


سقطتُ على الدرج من هول الكلمة. لم يتقدم أحد من ولدَيّ ليرفعني، ولا زوجة من زوجاتهما مدت يدها لتساعدني. خرج الجيران، أولئك الذين كنت أتباهى أمامهم ببيتي وأولادي، ينظرون إليّ بنظرات تجمع بين الشفقة الشديدة والتشفّي المكتوم. رفعتُ رأسي إلى السماء وأنا ملقاة على الأرض، والتراب يملأ ثيابي، وتذكرتُ زوجة ابني الوسطاني حين نزلت من نفس هذا السلم قبل أسابيع، وهي تبكي بدموع صامتة وتستعيذ بالله. عرفتُ حينها أن الدعوة سقطت على البيت كالصاعقة، وأن عقاب الظالم في الدنيا هو أن يرى بنيانه الذي بناه بالظلم ينهار على رأسه حجراً حجراً.


تدهورت حالتي الصحية سريعاً، ارتفع السكر في دمي وضغطي لم يعد يستقر، وبدأت أطراف رجلَيّ تتورمان حتى عجزتُ عن الحركة. أصبحتُ طريحة الفراش في شقتي. لا أحد يدخل عليّ. زوجات أبنائي أغلقت كل منهن بابها، وإذا دخل أحد أولادي دخل يلقي عليّ شريط الدواء أو بعض الطعام الجاف، ويغادر سريعاً ليلحق ببيته المشتعل بالخلافات.


في تلك الليالي الطويلة، كانت الوحدة تأكل قلبي. كنتُ أستلقي في الظلام، وأسمع صوت الريح، فيتراءى لي طيف زوجة ابني الوسطاني. أذكر كيف كانت تدفع الباب برفق في السابعة صباحاً، تحمل بين يديها صينية الفطور الساخن، وتعدل لي الوسادة خلف ظهري، وتبتسم في وجهي رغم جفائي، وتقول لي بكل رقة: ” صباح الخير يا حجة، هل نمتِ جيداً الليلة؟”. كنتُ أرد عليها ببرود، وأمرها بتنظيف المكان بلهجة آمرة، وكانت توميء برأسها وتنفذ دون أن تتذمر، تظن أن صبرها سيلين قلبي يوماً ما.


بكيتُ في ظلام غرفتي كما لم أبكِ في حياتي قط. بكيتُ على جهلي، على كبريائي الزائف، وعلى ظني أن الحسب والنسب يعطيان الإنسان الحق في استعباد خلق الله. أردتُ أن أراها، أردتُ أن أقبل رأسها وقدميها، أن أترجاها كي تسامحني قبل أن ألقى الله، لكن الأبواب كانت قد أُغلقت، والقلوب قد تحجرت.


بعد مرور شهرين، اشتدت الأزمة على الابن الوسطاني. صدر حكم المحكمة النهائي بتمكين الزوجة من الشقة مع طفليها، وأصبح يقع على عاتقه دفع نفقة شهريّة كبيرة ومؤخر صداق. حاول إخوته أن يمنعوه من تنفيذ الحكم، وقالوا له: “لا تدعها تأخذ الشقة، احرق الشقة ولا تتركها لها ولأهلها!”.


لكن ابني الوسطاني وقف في منتصف الصالة، وكان قد فقد نصف وزنه، ونظر إليهم بنظرة كره لم أضعها في الحسبان، وقال بصوت هز جدران البيت: “من يحرق شقته هو النذل! أنا ظلمتها، وأمي ظلمتها، وأنتم أكلتم عرقها وخدمتها سنوات. الشقة حقها وحق أطفالي الذين أهناهم وأخرجناهم من هنا كالكلاب. لو أردتم أن تحاربوا فاحاربوا أنفسكم، أما أنا فقد بعت كل شيء.. بعت الدنيا ولن أبيع آخرتي أكثر من ذلك!”.



في اليوم المحدد لتسليم الشقة، جاء محضر المحكمة ومعه زوجة الابن الوسطاني ووالدها وأخوها. كنتُ أقف خلف شيش الشباك، أسترق النظر والدموع تحرق جفنيّ.


خرجت هي من السيارة، كانت ترتدي ثوباً أسود بسيطاً، ووجهها شاحب لكنه يحمل هيبة عجيبة، هيبة الإنسان الذي انتصر بحقه دون أن يرفع سيفاً. لم تعد تلك الفتاة الضعيفة المكسورة التي كانت ترتعد من نظرة مني، بل كانت تمشي بثبات، تضع يدها في يد ابنها الصغير الذي بدا فرحاً وهو يعود إلى بيته.


وقف ابني الوسطاني عند الباب، وسلمها المفاتيح بيده. لم ينظر في عينها من الخجل، بل قال لها وهو ينكس رأسه أرضاً: “الشقة جاهزة يا أم فلان.. وكل ما فيها حقكِ. أنا أعتذر لكِ عن كل يوم قضيته في هذا البيت مظلومة، وأطلب منكِ فقط أن تتركي لي فرصة أرى فيها أطفالي، ولا تجعلي ابننا يكرهني أكثر من ذلك”.


وقفت الزوجة للحظات، نظرت إلى المفاتيح، ثم نظرت إلى زوجها السابق وإلى العمارة الكئيبة. لم تبتسم تشفياً، ولم ترفع صوتها، بل قالت بنبرة هادئة ملؤها الحزن والترفع: “أنا لم أعد أكره أحداً يا أبا فلان.. الكره يحتاج إلى قلب يحس، وأنا قلبي مات في اليوم الذي بكى فيه ابني على درجات هذا السلم وهو يظن أنه ابن خادمة. الشقة أخذتها للقانون ولأطفالي ليجدوا سقفاً يسترهم، أما حق نفسي وفرحة شبابي التي ضاعت هنا.. فقد تركتها للقاضي الذي لا يظلم عنده أحد”.


رفعت رأسها بالصدفة نحو شباك غرفتي، فرأتني أقف خلف الزجاج وأبكي وألوّح لها بيدي كالمجنونة. استقرت عينها في عيني لثوانٍ معدودات. توقعتُ أن تشيح بوجهها، أو تدعو عليّ، لكنها فقط هزت رأسها بأسى، ونظرت إليّ بنظرة رحمة وتأسف على حالي والشر الذي صنعتُه بنفسي، ثم أخذت طفلها ودخلت الشقة وإغلاظت الباب.


تلك النظرة كانت أشد عليّ من ألف سوط. علمتُ أن كرم أخلاقها هو الذي يذبحني، وأنني لو كنتُ عاملتها بربع هذا الإحسان لأصبحتُ الملكة التي تحفها بالحب والرعاية.


في المساء، أخذ الابن الوسطاني حقيبته الهزيلة. لم يدخل لوداع إخوته، بل صعد إليّ في الغرفة. ركع عند طرف السرير، مسك يدي الباردة وقبلها، ثم قال والدموع تخنق صوته: “أنا ذاهب يا أمي.. سأسافر للعمل في الصعيد، لم أعد أطيق البقاء في هذه المدينة ولا في هذا الشارع. الشقة السفلى أصبحت لزوجتي وأولادي، لا تضايقوهن، ولا تجعلوا إخوتي يتعرضون لها، كفانا ذنوباً إلى هنا”.


صرختُ وأنا أتمسك بثوبه: “تتركني يا بني؟ تترك أمك المريضة وتذهب؟ من يخدمني ومن يسأل عني؟”.


نظر إليّ بعينين مطفأتين وقال: “عندكِ زوجات إخوتي الأفاضل.. اللاتي اخترتيهن على أصلهن ورفعة شأنهن. عيشي معهن يا أمي، واشربي من الخير الذي غرسناه جميعاً”.


خرج وتاركاً إياي في الشقة الوخيمة. نزل من السلم وصوت خطاه يبتعد شيئاً فشيئاً، حتى أُغلق باب الشارع الرئيسي، وشعرتُ بأن روحي سُحبت مني وخرجت معه.



أصبحتُ الآن محبوسة في غرفتي. الابن الأكبر وزوجته يتآمرون لببيع شقتهم والهروب من العمارة بعد أن أصبحت الجدران تذكرهم بخزيهم، والابن الأصغر وزوجته في شجار دائم لا يتوقف حتى أوقات المتأخرة من الليل. أما الشقة السفلى، فكنت أسمع منها في كل صباح صوت القرآن الكريم، وصوت طفل ابني الوسطاني وهو يضحك ويلعب في الصالة، دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها أو إهانته.


أجلس على كرسيّ المتحرك عند النافذة، أنظر إلى الشارع الفارغ، وأدرك تماماً أن الفصل الأخير من حياتي قد بدأ، فصل أدفن فيه حية بين أوهام كبريائي، وأتحسر فيه على يومٍ كنتُ فيه أملك القوة فاستخدمتها في الظلم، حتى لم يبقَ لي اليوم سوى الندم، وصوت الدعوة الذي لا يزال يرن في أذني: “ربنا يجيبلي حقي يا حجة”.. وقد جلب الله حقها كاملاً غير منقوص.


لم ينتهِ الألم عند ذلك الحد، بل كان ما جرى مجرد بداية لانهيار كل سقف ظننتُ أنه يحميني، وتداعي كل جدار رفعتُه بالظلم والافتراء. بعد سفر ابني الوسطاني، أظلمت العمارة تماماً، وصار الهواء فيها ثقيلاً لا يُطاق، كأن جدرانها تشربت القهر الذي صُبَّ فيها سنوات طويلة.


في الشقة السفلى، كانت زوجة الابن الوسطاني تعيش مرفوعة الرأس مع طفليها. لم تخرج يوماً لتبدي تشفياً، ولم ترفع صوتها بكلمة واحدة ضدنا، بل عاشت في حالها تقضي حوائجها بعزة نفس. كانت في كل صباح تفتح نوافذ شقتها، فيفوح منها أريج البخور وصوت القرآن الكريم، وتخرج طفليها للمدرسة بملابس ناصيفة ووجوه ضاحكة. كان ينظر الجيران إليها باحترام شديد، فقد عرف الجميع في الشارع قصتها، وعلموا كيف صبرت على الإهانة والخدمة الشاقة حتى نصرها الله وأعاد لها كرامتها وحق أطفالها.


أما في طوابقنا العليا، فقد تحولت الحياة إلى جحيم لا يطاق. زوجة الابن الأكبر وزوجة الابن الأصغر، اللتان كنت أفضلهما عليها وأرى أنهما من “أصل رفيع”، دخلتا في حرب طاحنة لا ترحم. لم يعد هناك من ينظف لهن، أو يطهو عنهن، أو يتحمل نزقهن وأطفالهن. تراكمت الأوساخ في الطرقات، وتصاعدت المشاكل اليومية على تافه الأمور: من يضع القمامة عند السلم؟ ومن يستهلك الماء أكثر؟ ومن ينظف المدخل؟


أصبح الابن الأكبر يعود من عمله متعباً ليجد بيته مكركباً وزوجته متطلبة تصرخ في وجهه: “استأجر لي خادمة! أنا لستُ ممسحة لبيتك، ولستُ كزوجة أخيك المطرودة أتحمل قذارتك وقذارة أهلك!”.


وحين كان يحاول أن يذكرها بما كانت تفعله زوجة أخيه الوسطاني وكيف كانت تخدم الجميع دون أن تتكلم، كانت تصيح فيه بصلف: “تلك كانت خادمة ومكسورة الجناح لأنها من بيت فقير وجدتك عطفت عليها! أما أنا فبنت ناس، وإذا لم يعجبك فطلقني وخذ أطفالك!”.


ولم يكن حال الابن الأصغر بأفضل منه. انقلبت زوجته عليه كالأفعى، وأصبحت تستغل ضعف موقفه وتطالبه بكتابة الشقة باسمها أو ترك البيت، وتعايره كل ليلة: “أنت وإخوتك وأمك ظلمة، والناس في الشارع ينظرون إلينا بنظرة قرف بسبب ما فعلتموه بزوجة أخيك! أنا أستحي أن أقول إنني من هذا البيت!”.



أما أنا، فكنت أرقب هذا الخراب وأنا ملقاة على فراشي، ينهكني المرض ولا أملك من أمري شيئاً. عجزت رجلاي تماماً عن الحركة، وأصبح السكر ينخر في جسدي. كنت أسمع صراخهن وشتمهن لي في الصالة؛ فلم تعد أي منهن تحترمني أو تعمل لي حساباً. كنتُ أسمع زوجة الأكبر وهي تقول لزوجها عند باب غرفتي: “أمك هي التي خربت البيت، دعها ترقد في مرضها، أنا لن أدخل لها كوب ماء واحد، اذهب وأحضر لها خادمة تطعمها كما كانت تستعبد زوجة أخيك!”.


سقطت دموعي الحارة على الوسادة. تذكرت كيف كانت زوجة الوسطاني تمسك يدي وهي تتألم من شدة التعب، وكيف كانت تصر على أن تحمم وتغير لي ملابسي حين أضعف، وكانت تبتسم وتقول: “حقك عليّ يا حجة، أنتِ بمثابة أمي”. كنتُ أرد على عطفها بالاستعلاء والنهر، وأقول لها أمام سلايفها: “انظفي جيداً ولا تترك طعاماً يسقط، أنتِ لم تري عِزاً إلا في بيتنا!”. والآن، ها هنّ “بنات العِز” يتركنني في بول طريحي وفراشي، ويرفضن أن يلقين عليّ نظرة رحمة واحدة.


في أحد الأيام، اشتد الخلاف بين الابن الأكبر والابن الأصغر حتى وصل إلى مد الأيدي واستخدام الآلات الحادة في منتصف النهار. علت الأصوات وانكسر زجاج الأبواب، وخرجت زوجة الأصغر تصرخ وتستغيث بالجيران، بينما كان الأطفال يبكون من الخوف.


تجمهر أهل الشارع، ونزل شقيق زوجة الوسطاني – وكان رجلاً عاقلاً محترماً – ليحول بين الأخوين حتى لا يقتلا بعضهما. وقف في منتصف الشارع، وقال للأخوين بصوت هز أركان المنطقة: “اتقيا الله في أنفسكما! تخسران بعضكما وتهدمان بيتكما بعدما ظلمتم أختي وأخرجتموها من بينكم؟ انظرا إلى حالكما، منذ أن خرجت تلك المسكينة ودعوتها في السماء، والشر لا يغادر عتبتكم!”.


نكس الابن الأكبر رأسه خجلاً، بينما صرخ الابن الأصغر وجلس على درجات السلم يبكي بكاء مريراً وهو يضرب رأسه بالجدار. لقد استوعب الجميع متأخرين جداً أن بركة البيت، وأمانه، ونظافته، وسكينته كانت كلها بفضل دعاء وتعب تلك المرأة الصابرة التي كنا نطأ كرامتها بأقدامنا.


وفجأة، جاءت الصدمة التي هزت ما تبقى من ركائز البيت. تلقى الابن الأكبر خبراً من عمله بإنهاء خدمته بسبب اختلاسات وأخطاء تراكمت عليه نتيجة تشتت عقله وهمومه المنزلية. أظلمت الدنيا في وجهه، وصار عاطلاً عن العمل، فما كان من زوجته إلا أن جمعت ذهبها وأثاثها، وأخذت أطفالها وغادرت البيت إلى غير رجعة، مرفوقة بقض\ية طلاق ونفقة تهدد بحبسه.


أما الابن الأصغر، فبسبب الديون والنزاعات المستمرة مع زوجته، اضطر إلى بيع أثاث شقته ورهن رواتبه للبنك، وانتهى به الأمر بالطلاق هو الآخر، ليتفرق أولاده بين بيت أهل أمهاتهم، وتبقى الشقق العليا خاوية إلا من الأشباح والذكريات البشعة.


خلال ستة أشهر فقط، تشتتت العائلة التي كنت أتبجح بها. ثلاثة أبناء: الأول سافر غريباً في أقصى البلاد يهرب من ذنبه، والثاني أصبح عاطلاً وملاحقاً بالأحكام القضائية، والثالث تطلّق وتدمرت حياته. أما الزوجات اللاتي كنت أتقرب منهن وأظن أنهن الواجهة الناصعة، فخرجت كل منهن تأخذ جزءاً من لحمنا وتلعن الساعة التي دخلت فيها بيتنا.



بقيتُ وحدي في شقتي المهجورة، لا يزورني سوى ابني الأكبر ليلقي عليّ بعض الخبز والمياه قبل أن يخرج ليتوارى عن أنظار الدائنين. كنتُ أستلقي في سريري، أسمع خطوات زوجة الابن الوسطاني في الشقة السفلى وهي تذهب بابنها إلى المدرسة وترجعه.


في إحدى الأمسيات، اشتد عليّ المرض وضيق التنفس، وشعرتُ بأن أنفاسي تتقطع وأن ملك الموت يقف عند رأسي. لم يكن في الشقة أحد، وكان ابني الأكبر غائباً. أخذتُ أصرخ بصوت خافت مجهد: “يا رب.. يا رب سامحني.. يا بني.. يا فلانة..”.


لم يستجب أحد، لكن الباب الخارجي للغرفة فُتح برفق. كانت هي.. زوجة الابن الوسطاني. كانت قد سمعت أنيني وحشرجة صدمتي من خلال منور العمارة.


دخلت بخطوات بطيئة، كانت ترتدي ثوبها الأسود ونقابها. لم تقل كلمة، ولم تنظر إليّ بشماتة، بل تقدمت نحو السرير بسرعة لما رأت حالتي. رفعت رأسي، وسقتني قطرات من الماء، ومسحت عرق جبيني بقطعة قماش بللتها بالماء البارد، ثم أخذت تدلك يدي الباردة وتدعو لي بالشفاء بصوت خفيض.


بكيتُ بحرقة حتى كادت روحي تخرج، وأمسكتُ بطرف ثوبها بكل ما بقي فيّ من قوة، وقلتُ بصوت يرتجف ويتوسل: ” سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا فلانة.. أنا التي ظلمتك، أنا التي كسرت نفسك وأخرجتك من بيتك، أنا التي جعلت ابنك يظن أنكِ خادمة.. سامحيني كي لا يطردني الله من رحمته!”.


نظرت إليّ بعينين دافقتين بالدموع، وعينها تحمل مزيجاً غريباً من الآلام القديمة والشفقة على حالي الهزيل، وقالت بنبرة قطعت شغاف قلبي: ” سامحتكِ لله يا حجة.. سامحتكِ لأنني لا أريد أن أقف أمام الله وأنا أحمل حسكِ في رقبتي، ولكني لم أستطع أن أنسى، ولن ينسى ابني الجرح الذي دخل قلبه. أنا سامحتكِ لتستريحي في مرضكِ، أما ما جرى في هذا البيت.. فكان عدل الله الذي لا مفر منه”.


أعادت رأسي إلى الوسادة برفق، ووعدتني بأن تبعث لي طعاماً ونظيفاً كل يوم مع ابنها الصغير ليطمئن عليّ، ثم استأذنت وخرجت بوقارها وصمتها النبيل.


تركتني أصطلي بنار خجلي. عرفتُ أن العفو الذي منحته لي كان أشد في عقابه من الانتقام؛ فقد أثبتت لي بالدليل القاطع كم كانت سيدة جليلة، وكم كنتُ أنا امرأة ضئيلة النفس، سجنها كبرياؤها وجاهليتها حتى أوردتها المهالك ودمرت بيتها بيديها.


حكايات امانى السيد 2


مرّت أشهر الشتاء ثقيلة كئيبة، وشخصت عيناي نحو السقف الأبيض المتهالك في غرفتي. أصبح ذلك السقف هو كل عالمي، أراقب تشققاته التي تشبه تماماً التشققات التي أصابت هذه العائلة وتسببت في اندحارها. لم يبقَ من جلال العز القديم سوى الصدى، وشبح الذكريات التي تطاردني في كل لحظة أغمض فيها جفنيّ.


صار ابني الأكبر يتردد على البيت كاللص المذعور، يتسلل في منتصف الليل، يفتح الباب بهدوء حذر، يطمئن أن أحداً من الدائنين أو رجال الشرطة لا ينتظره على السلم، ينظر إليّ بنظرات ملؤها الانكسار والضياع، يأكل كسرة خبز يابسة، ثم ينام على الأرض بجوار سريري دون أن ينبس بكلمة. أما ابني الأصغر، فقد هجر الشقة كلياً وانتقل للعيش في غرفة ملحقة بورشة صغيرة يعمل فيها براتب زهيد، بعدما استولت مطلقته على معظم دخله كنفقة لأطفاله، وصار يستحي حتى من المرور بالشارع الذي يقع فيه بيتنا.


في الطابق السفلي، كان الوضع مختلفاً تماماً. كانت زوجة الابن الوسطاني تعيش في هدوء وس\كينة، تحيط طفليها برعاية لا مثيل لها. لم تستغل الشقة التي أخذتها بالقانون لتستعرض أو تنتقم، بل حافظت على نضارتها ونظافتها كما كانت تفعل دائماً. كان ابنها الصغير، الذي كان يبكي يوماً مظلوماً ومكسور الخاطر، قد استعاد عافيته ونشاطه، وصار يذهب إلى مدرسته كل صباح وهو يحمل حقيبته بكرامة ومرفوع الرأس، بعدما زال عن عقله الصغير وهم أنه “ابن الخادمة”.


كان ذلك الصغير ينزل السلم كل يوم في الساعة الثانية ظهراً، يحمل بين يديه طبقاً ساخناً أعدته أمه خصيصاً لي. يدخل الغرفة بخطوات متريثة، يضع الطبق على الطاولة المجاورة لسريري، ويجلس على الكرسي الخشبي ليطمئن عليّ.


في الأيام الأولى، كنتُ خجلة من النظر في عينيه. كنتُ أرى فيه وجه أبيه، وأرى فيه آثار الجرح الذي تسببتُ فيه بكبريائي وحماقتي. قلتُ له بصوت خفيض ونبرة متحشرجة في أحد الأيام: “هل ما زلتَ زعلان مني يا بني؟ هل ما زلتَ تظن أن أمك…”.


قطع الولد كلامي بهدوء لم أعهده في أطفال عائلتنا، وقال بنبرة تتعدى سنين عمره الصغير: “أمي قالت لي ألا أزعل منكِ يا جدتي. قالت لي إنكِ مريضة وكبيرة في السن، وإن الله يسامح من يستغفر. وأمي ليست خادمة، أمي هي السيدة التي تنظف بيتنا وتصلي وتدعونا لنكون محترمين. أنا لا أكرهكِ يا جدتي، لكنني لا أريد أن أعود إلى الشقة العليا أبداً”.


سقطت دموعي على الملاءة الباردة. لقد علمته أمه العفو والأنفة في آن واحد، زرعت فيه الكرامة دون أن تسقيه أحقادنا وأمراضنا النفسية. كانت تلك الكلمات تزيد من إحساسي بالخزي، وتجعلني أدرك كيف حرمتُ نفسي وأولادي من طهارة هذه النسبة وأصل هذه المرأة الذي كنتُ أزعم أنه ضعيف وزهيد.


وفي أواخر ذلك الشهر، وردت إلينا أخبار من الصعيد تخص ابني الوسطاني. كان يعيش هناك في بلدة بعيدة، يعمل في أحد مصانع الطوب براتب ضئيل جداً، ينام في مكان ملحق بالمصنع، ويقتطع أكثر من نصف أجره ليرسله شهرياً بحوالة بريدية باسم زوجته السابقة لتنفق منها على أطفالهما. لم يكن يرسل لنفسه شيئاً، ولم يكن يحتفظ سوى بما يقيم أوده من طعام يابس ثمنه قروش معدودة.



علمنا من أحد معارفنا الذي زاره هناك أنه أصبح رجلاً آخر؛ انحنى ظهره، وشاب شعره بالكامل رغم أنه لم يتجاوز أواسط الأربعينيات من عمره، ولا يتحدث مع أحد على الإطلاق. يقضي يومه بين النار والتراب في المصنع، وفي الليل يكتفي بالجلوس على مصلى صغير يبكي ويدعو الله أن يغفر له تقصيره في حق زوجته وولده.


حين سمعتُ ذلك، شعرتُ وكأن س\كينة حامية تغرس في قلبي. أنا من صنعتُ هذا المصير بيدي! أنا من دمرتُ حياة هذا الابن الذي كان أكثر أولادي برّاً بي وأكثرهم طيبة وحياءً. استغليتُ طاعته وحياءه لتسخير زوجته وجعلها جارية تحت أقدام سلايفها، حتى دفعته في النهاية ليخسر بيته وزوجته ونفسه.


استجمعتُ ما بقي فيّ من قوة، وطلبتُ من ابن الأكبر حين دخل عليّ ليلًا أن يحضر لي هاتفه القديم المتهالك. أردتُ أن أسمع صوت ابني الوسطاني، أردتُ أن أترجاه ليعود، علّ وجوده يرمم ما تبقى من هذا البيت المنهار.


اتصلنا بالرقم الذي أخذناه من صاحبه في الصعيد. أتاك الصوت من الطرف الآخر بعيداً، خافتاً، ومصحوباً بسعال حاد يمزق الصدر.


“أهلاً يا بني… كيف حالك يا حبيبي؟” قلتها وأنا أبكي بصوت مسموع.


سكت لثوانٍ، ثم قال بنبرة جافة خالية من الأمل: “أنا بخير يا أمي… كيف حال صحتكِ أنتِ؟ هل ينقصكِ شيء؟”.


قلتُ له والتوسل يحرق لساني: “ارجع يا بني… ارجع إلى بيتك وأمك. أنا مريضة ولا أعلم كم بقي لي من العمر. تعالَ ورمم بيتك، زوجتك سامحتني، وابنك يزورني كل يوم. تعالَ واطلب منها أن تعود إليك، علّ الله يجمع شملكم من جديد وتعود البركة لهذا البيت المفجوع!”.


تنهد ابني الوسطاني تنهيدة طويلة شعرتُ بلهيبها عبر الهاتف، ثم قال بكلمات كانت أشد قسوة من كل الحجارة التي يحملها في عمله: “لا أستطيع العودة يا أمي… أنا لا أستحق تلك المرأة، ولا أستحق أن أكون أباً لهذا الولد الصغير الذي وقف ينظر إليّ وأنا عاجز عن حمايته. المكان الذي دمرتُ فيه كرامة زوجتي لا أستطيع أن أطأه بقدمي مرة أخرى. عيشي أنتِ فيما تبقى لكِ من أيام، وادعي لي أن يسامحني الله، أما بيتي القديم فقد مات يوم أن تركنا زوجتي تبكي في الصمت وتغسل أوساخ الجميع كي ترضى عنها العائلة”.


ثم أغلقت المكالمة. كان كلامه بمثابة الستار الذي أُسدل على أي أمل في إصلاح ما انكسر. لقد جفت المياه في مجاريها، وتحجرت القلوب، ولم يعد للندم قدرة على إعادة الزمان إلى الوراء.


في الأسابيع التالية، أصبحت العمارة مهجورة كلياً إلا مني ومن زوجة الابن الوسطاني وطفليها. الشقق الأخرى أُغلقت أبوابها بالسلاسل، وتراكمت على أعتابها الأتربة وخيوط العنكبوت، كأنها شواهد قبور تشهد على كبرياء زائف ودناءة نفس أوردت أصحابها المجهول.


وفي أحد أيام الجمعة، اشتدت عليّ آلام الموت. كنتُ أشعر ببرودة تسري من أطراف قدمي ونحو صدري. لم يكن بجانبي أحد من أبنائي؛ فالأكبر كان يختبئ من الشرطة، والأصغر كان ينام في ورشته، والوسطاني بعيد في غربته الكئيبة.



رن صوت أذان الجمعة من المسجد المباشر للشارع. وفي تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة برفق. دخلت زوجة الابن الوسطاني، وكانت تحمل مطهرة ومجموعة من الأغطية النظيفة. تقدمت مني دون أن تتكلم، بلست وجهي بالماء، وأخذت تلقنني الشهادة بصوت ناعم خاشع.


نظرتُ إليها وأنا أصارع الرمق الأخير. كانت دموعها تنزل على خدها، ليست دموع حزن على أم زوج ظالمة، بل دموع رحمة وإنسانية على امرأة تموت وحدها دون أن تجد أحداً من أولادها الذين فضلتهم عليها وظلمت الخلق لأجلهم.


أردتُ أن أتكلم، أردتُ أن أقول لها كلمتي الأخيرة، أن أطلب منها أن تدعو لي بالرحمة ولا تدع ذنبي يحول بيني وبين مغفرة ربي، لكن لساني كان قد ثقل. هززتُ رأسي وأنا أقبض على يدها الدافيء، واستسلمتُ للنهاية وأنا أرى وجهها النقي وهو ينحني عليّ ليشهد على أن المرأة التي أردتُ أن أراها صغيرة وخادمة، كانت هي الوحيدة التي أكرمني الله بها لتمسح وجهي وتلقنني الشهادة في سكرات موتي.


توفيتُ وفي قلبي حسرة، وخلّفتُ وراءي دماراً شاملاً لعائلة أكلتها النعرة الكاذبة، وقصة تُحكى بين الناس عن دار كان عامرًا بالظلم، فأصبح خاوياً على عروشه بعدما استجاب الله لدعوة امرأة مظلومة.


غابت الشطب الخضراء التي كانت تكسو روح هذا البيت، وجاء الخريف البارد ليلف عمارة العز القديم برداء من الصمت الموحش. لم يكن موتي سوى القشة التي قصمت ظهر ما تبقى من روابط واهية بين أبنائي؛ إذ فتح رحيلي أبواباً جديدة من الصراع على الإرث والأنقاض، وتجلت فيه البشاعة في أبهى صورها.


أقيم سرادق العزاء في الشارع أمام الباب الرئيسي، وكان عزاءً باهتاً خالياً من الروح. أتى الابن الأكبر متخفياً في ملابس رثة، يتلفت حوله خوفاً من أن يتصيده الدائنون أو الشرطة بين المعزين، وقضى ساعات العزاء جالساً في زوايا الظلام ينكس رأسه. أما الابن الأصغر، فجاء ومعه زمرة من معارفه الجدد من أصحاب الورش، يبدو عليه الإعياء وكسرة النفس، ولم يتحدث مع أخيه الأكبر سوى بكلمات رسمية اقتضتها الموقف.


أما الابن الوسطاني، فقد وصل متأخراً في منتصف الليل بعد أن انتهى العزاء وانفض الناس. جاء يسير بخطوات ثقيلة كأنما يجر سلاسل من حديد، يرتدي جلباباً صعيدياً خشناً علق به غبار المصنع ونار الهجير. لم يدخل الشقة العليا التي احتضنت جثماني، بل جثا على ركبتيه عند الدرجة الأولى من السلم، ووضع رأسه بين يديه وأخذ يبكي بصوت خفيض يقطع شغاف القلوب. بكى ليس فقط على أم رحلت، بل على بيت انهار، وعلى شباب ضاع في أروقة الظلم والانسياق الباطل.


خرجت زوجته السابقة من الشقة السفلى حين سمعت صوت حشرجته. وقفت على العتبة تحفه بنظرة ملؤها الأسى والشفقة، ولم تتفوه بكلمة زجر أو عتاب. أخرجت له كوباً من الماء وشالاً ليتقي به برودة الليل، ووضعتهما بجواره على الدرجة ثم انسحبت في صمت نبالة النفوذ. نظر هو إلى الكوب والملفوف، وعرف أن كرمها هذا هو أشد أنواع العقاب لضميره الميت الذي استيقظ متأخراً جداً.



في اليوم التالي لدفني، بدأت ملحمة الإرث. التقاط الأنفاس لم يكن ممكناً للأخوين؛ الأكبر والأصغر. صعدا إلى شقتي المغبرة، وبدأوا يفتشون في الأدراج والخزانات بعيون جشعة، يبحثون عن أوراق الملكية، أو قطعة ذهب خبأتها، أو بعض الأموال المخزونة. اختلفا فوراً عند دولاب ملابسي؛ الأكبر يطالب ببيع الشقة العليا فوراً لتسديد ديونه وسداد القضايا المرفوعة عليه من زوجته المطلقة، والأصغر يرفض ويصر على أن الشقة من حقه لأنه لا يملك مأوى بعدما طردته مطلقته من كل شيء.


تصاعد الشجار بينهما حتى سمع أهالي الشارع الأصوات. خرج الابن الوسطاني من غرفته السفلى، ووقف عند منتصف السلم ينظر إليهما بجمود مقيت. صرخ فيهما بصوت جاف كالصحراء: “ألم تجفا دماء أمكما بعد؟ ألم تتعظا مما حل بنا؟ البيت انخرب، والعائلة تشتتت، وأولادنا صاروا أيتاماً وأمهاتهم تشردت، وأنتم تتصارعون على جدران أسمنتية بناها أبي بعرقه ودمرناها بظلمنا؟”.


رد عليه الابن الأكبر بوقاحة وقسوة: “اسكت أنت يا من بعت بيتك وشقتك للمرأة التي أخذت أطفالك! أنت خارج هذه الحسبة، لست رجلاً لنأخذ برأيك، اذهب وعد إلى مصنع الطوب وأتركنا لنحل مشاكلنا!”.


لم يغضب الابن الوسطاني، ولم يرفع يده ليدافع عن نفسه، بل هز رأسه بابتسامة مكسورة وقال: “نعم.. أنا لست رجلاً لأنني تركتكم تظلمون زوجتي وأبنائي وأنا صامت، ولأنني نسيت الله فأنساني نفسي. لكنني لن أسمح لكم ببيع هذا السقف أو المساس بالشقة السفلى التي تقيم فيها زوجتي وأولادي. هذا البيت سيبقى كما هو، شواهد على خزينا حتى نلقى الله”.


لكن الشغف بالمال والهروب من العقاب جعل الأخوين يتعاونان ضده. رفعت زوجة الابن الأكبر دعاوى قضائية جديدة للحجز على ممتلكات البيت، بينما بدأ الابن الأصغر يجلب تجار العقارات لمعاينة العمارة لبيعها بأسعار بخسة كـ”بيت ورثة متنازع عليه”.


خلال أسابيع قليلة، أصبح بيتنا العالي محط أطماع السماسرة والغرباء. يتناوب التجار على دخول الممر، يقيسون الجدران بوقاحة، وينظرون إلى الشقق المظلمة بعيون مشتهاة. وكان أشد ما يمزق القلب هو دخولهم للتحقيق في موقف الشقة السفلى، محاولين المساومة على إخراج زوجة الابن الوسطاني وأطفالها بحجة أن عقد التمكين الصادر لها يمكن طعنه أو إبطاله بعد وفاة الجدة صاحبة العقار.


وهنا، تجلت أصالة المرأة التي أطلقتُ عليها يوماً لقب “الخادمة”. لم تتنصل من حماية بيتها وكرامة أطفالها. جمعت كل أوراقها الرسمية، واستعانت بأخيها الذي وقف كالسد المنيع أمام السماسرة والأخوة الجشعين. رفضت أي مساومة مالية للخروج من الشقة، وقالت أمام الجميع وفي قلب الشارع: “هذه الشقة ليست مجرد جدران أو حجر، هذه الشقة هي المكان الذي أهنتُ فيه سنوات، وهي المكان الذي رد الله لي فيه كرامتي وكرامة ولدي بالقانون والعدل. لن أتركها لتباع في مزاد الظلم، ولن أسمح لأحد بأن يشرّد أولادي مرة أخرى!”.



أمام ثباتها وقوة موقفها القانوني، فشلت كل محاولات الأخوين لبيع العمارة أو الاستفادة منها. زادت الضغوط المالية على الابن الأكبر حتى صدر ضد حكم نهائي بالحبس في إحدى قضايا التبديد، واضطر للفرار خارج المحافظة كلياً، ليعيش طريداً بلا اسم ولا هوية في إحدى المناطق العشوائية النائية، يعمل في أعمال شاقة يومية ليعود في المساء إلى حجرة مظلمة يستأجرها باليومية، أثقلته الديون وطاردته الكوابيس.


أما الابن الأصغر، فقد انتهى به المطاف ببيع كل ما يملك من منقولات شخصية لسداد بعض ديونه، وترك العمل في الورشة بعدما تخاصم مع صاحبها، وصار يتردد على المقاهي والمفارش في الطرقات، يتكفف الناس أحياناً ويسألهم المعونة، بعد أن كان يتباهى بأصله الرفيع وزوجته ذات النسب والعز.


ولم يبقَ في العمارة العتيقة برمتها سوى الابن الوسطاني، وزوجته السابقة، وطفليهما.


لم يعودا لبعضهما كزوج وزوجة؛ فالشرخ الذي أحدثته في قلوبهم سنوات الظلم والإهانة كان أعمق من أن ترممه الأيام. لكنهما عاشا في جو من الاحترام المتبادل الغريب. كان هو يسكن في الغرفة الصغيرة السفلى الملحقة بالبيت، يخرج في الصباح الباكر ليعمل في ورشة نجارة قريبة، ويعود في المساء ليضع كل ما يكسبه تحت باب شقة زوجته لتنفق منه على البيت والأطفال، دون أن يطلب الامتيازات أو يفرض وجوده.


كان يتناول طعامه وحده على درج السلم، نفس الدرج الذي كانت زوجته تمسحه يوماً وهي تبكي. كان يجلس هناك في الظلام، ينظر إلى الباب المغلق، ويستمع إلى صوت ابنه وهو يقرأ دروسه في الصالة، فيبتسم ابتسامة باهتة ويقول لنفسه: “الحمد لله الذي جعلهم في أمان.. والحمد لله الذي أخذ حقهم منا في الدنيا قبل الآخرة”.


وفي أحد أيام الربيع، مررتُ طيفاً بذاكرة الشارع الذي كان يضج بذكراي. كانت الشقق العليا (شقتي وشقة الأكبر وشقة الأصغر) مظلمة تماماً، علاها الغبار وشُمعت أبوابها من قبل المحاكم والمرتهنين، وصارت تسكنها البوم والأشباح. بينما كانت الشقة السفلى تشرق في كل صباح بضوء الشمس، وتخرج منها روائح الطعام الزكية، وينطلق منها طفل الابن الوسطاني متجهاً إلى مدرسته بخطى واثقة، تحفه دعوات أمه النبال.


لقد انهدم البناء الكاذب الذي أقمتُه بالقسوة والكبرياء، وسقطت الأقنعة المزيفة عن العائلات التي ظننتها رفيعة الشأن، ولم يصح في النهاية إلا الصحيح. بقيت المرأة المظلومة هي السيدة المرفوعة الرأس في قلب الدار، وبقي أبنائي هائمين في الأرض، يدفعون ثمن كل دمعة أُريقت في هذا البيت باطلاً.


 

حكايات امانى السيد 4

مرّت السنون متثاقلة كأنها دهور دهرية، وتغيرت ملامح الشارع والحي بأكمله، إلا تلك العمارة التي بقيت واقفة كشاهد أثري على سقوط كبرياء زائف ونهوض حق مهدور. تحولت الطوابق العليا الخاوية إلى بيوت للحمام ومأوى للغبار؛ فالأبواب التي كانت يوماً تُغلق بصلف في وجه الفتاة المظلومة، أصبحت أخشابها متآكلة، وسلاسلها الحديدية يعلوها الصدأ، تصفر الريح بين جنباتها كأنها تزفر حسرة الأيام الخوالي.


أما الشقة السفلى، فكانت البقعة الوحيدة التي تنبض بالحياة في ذلك العقار الموحش. كبر الطفل الكبير – ذلك الصغير الذي بكى يوماً على درجات السلم حين اتُهمت أمه بالخدمة – وأصبح شاباً يفيض نبلًا وشهامة. كان يدرس في كلية الهندسة بشغف وإصرار، ينظر إلى أمه بنظرات تقديس وإجلال، يعلم تماماً كم ضحت من أجله، وكيف وقفت كالجبل الأشم أمام العواصف لكي تجنبه ويلات الضياع والهوان.


في كل صباح، كان يخرج ذلك الشاب من باب الشقة، يرتدي ثياباً أنيقة ونظيفة، يحمل كتبه بكل فخر. لم ينسَ يوماً تلك اللحظة التي مسحت فيها أمه دموعه بظهر كفها وهي صامتة ومقهورة، بل جعل من تلك الدمعة وقوداً لنجاحه. كان يمر على أبيه – الابن الوسطاني – القابع في غرفته الصغيرة الملحقة بالبيت، فيسلّم عليه ببرٍّ واحترام، ويقبل يده التي تشققت من العمل الشاق في ورشة النجارة.


لم يكن الابن الوسطاني يتجرأ على النظر المباشر في عيني ابنه الشاب؛ فالحياء والندم كانا يقيدان عينيه كلما رآه يرتدي زي الجامعة. كان يقول له بنبرة منكسرة: “يا بني.. أنت فخري وفخر أمك، لا تتنازل عن حقك، ولا تكن ظالماً لأحد كما كان أباك وأهله”.


وكان الشاب يرد عليه بوقار: “الله يسامح ما سلف يا أبي.. المهم أننا تعلمنا الدرس، وأمي أعطتني حقي وزيادة، ودعاؤها هو الذي يفتح لي الأبواب المغلقة”.


وفي أحد الأيام الكئيبة، ورد خبر إلى الشارع هز ما تبقى من قلوب العائلة المشتتة. أُصيب الابن الأكبر – الذي كان يهرب من الأحكام القضائية والديون في إحدى المناطق النائية – بمرض عضال في الرئة نتيجة العمل في بيئات ملوثة وعيشه في غرف رطبة تحت الأرض. أُحضر إلى العاصمة على نقالة متهالكة، لا يملك ثمن العلاج ولا ثمن الدواء، ولا يجد مكاناً يلتجئ إليه سوى عتبة العمارة التي طرد منها الجميع.


وقفت سيارة الإسعاف أمام البيت، ونزل منها رجال يطلبون أحداً من أهله ليتسلمه أو يدفع مصاريف مستشفى الفوائد. خرجت زوجة الابن الوسطاني من شقتها، ورأت سليفتها القديمة – زوجة الأكبر التي كانت تتسلط عليها وتأمرها بتنظيف السلم بصلف – تقف بعيداً في أول الشارع، تمسك بيد طفلها المراهق وتنظر إلى زوجها المريض بشماتة وجفاء، رافضة حتى الاقتراب منه أو دفع جنيه واحد لعلاجه، وقالت بصوت سمع الجميع: “ليس لي علاقة به، يذهب للشرطة أو يمت في الشارع، أنا طلقته وأخذت حقي منه!”.



في تلك اللحظة الحرجة، خرج الابن الوسطاني من ورشته، ووقف يتأمل أخاه الأكبر الملقى على النقالة كالج\ثة الهامشية؛ رجل بائس، غائر العينين، يرتجف من البرد والمرض. أجهش الابن الوسطاني بالبكاء، وركع على ركبتيه بجوار أخيه الأكبر، يمسك يده المرتجفة ويقول: “ماذا حل بنا يا أخي؟ أين عزنا؟ أين بيوتنا؟ أين كبرياؤنا الذي كنا نتباهى به؟”.


أشاح الأخ الأكبر بوجهه خجلاً، والدموع تسيل من عينيه الشاحبتين، ولم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة، فصوته تكسر في صدره المريض.


وهنا، ظهر معدن الأصالة الذي لا يصدأ. لم تقف زوجة الابن الوسطاني موقف المتفرجة أو الشامتة. رغم كل ما ألحقه بها هذا الرجل وزوجته من إهانات واستبداد، ورغم سنوات السخرية التي تجرعتها منهما، دخلت شقتها وسحبت صرة صغيرة كانت تدخر فيها بعض المال من عملها البسيط في حياكة الملابس وتجهيز وجبات البيت للجارات.


خرجت بالمال، وقدمته لأخيها ورجال الإسعاف، وقالت بنبرة قطعت أنفاس الجميع: “انقلوه إلى المستشفى، وسأتدبر باقي المصاريف كل أسبوع. هذا رجل كان يوماً ما عم ولدي، وأنا لا أستطيع أن أراه يمت على العتبة كالكلاب الشاردة”.


سقطت الكلمات كالصاعقة على رؤوس أهل الشارع الذين كانوا يراقبون المشهد. بكى الأخ الأكبر بكاء مرامياً، وأخذ يضرب رأسه بجانب النقالة وهو يصرخ: “سامحيني يا فلانة.. سامحيني يا أختي! أنا الظالم وأنا النذل.. كنتُ أراكِ خادمة وأنتِ اليوم سيدة البيت والأصل كله!”.


دخل الأخ الأكبر المستشفى، وكانت زوجة الابن الوسطاني وولدها المهندس يترددان عليه بالدواء والأكل الساخن يومياً، بينما اختفت زوجته الأنيقة “ذات الأصل الرفيع” ولم تسأل عنه حتى قضى نحبه بعد أسابيع قليلة، ليُدفن في صمت رهيب دون أن يمشي في جنازته سوى أخوه الوسطاني وولد أخيه المظلوم.


أما الابن الأصغر، فقد صار شبه مهبول يتجول في أزقة الحي، يرثي حاله، ويقتنص حسنات المحسنين، ويردد أمام الناس كلمات غير مفهومة عن الشرف والعز والنسب، وكأن عقله لم يحتمل الصدمة الناتجة عن سقوطه المدوي من برج غروره إلى القاع.


أصبح البناء القديم حكاية يتداولها أهالي الحي في مجالسهم؛ كيف تحولت العمارة التي كانت تضج بالتكبر والافتراء إلى خراب يثير الرحمة، وكيف صارت الفتاة التي داس الجميع كرامتها هي السند الوحيد، واليد الرحيمة التي مسحت آلام هذه العائلة في أواخر أيامها.


وقفت زوجة الابن الوسطاني في المساء عند نافذة شقتها السفلى، تنظر إلى الشارع الهادئ. لم يكن في وجهها أي أثر للغرور أو الشماتة، بل كان يحمل هدوء القناعة والرضا. لقد دارت الدائرة كاملة، ورأى الجميع كيف يمهل الله الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وكيف يجعل من المستضعفين أئمة ويجعلهم الوارثين.


تطلع الشاب المهندس إلى أمه، ووضع يده على كتفها بحب وقبل رأسها، ثم قال لها: “يا أمي.. أخيرًا انتهى الكابوس، وأصبح الجميع يعلم من هي الخادمة ومن هي السيدة”.



ابتسمت الأم ابتسامة هادئة، ونظرت إلى السماء وقالت بصوت واثق: “أنا لم أكن يوماً خادمة يا بني.. أنا كنتُ صابرة، والصبر لا يضيع عند الله أبداً”.


مرّت السنون متتابعة كأضغاث أحلام، واستقرت العمارة القديمة في ثوبها الأخير؛ هيكلاً أسمنتياً يجمع بين أطلال الماضي الداكن وشعاع الضوء الوحيد المنبعث من طابقها السفلي. كبرت الفتاة الصغيرة — الابنة الصغرى لزوجة الابن الوسطاني — وصارت في سنتها الأخيرة بكلية الطب، تسير على خطى أخيها المهندس، لتتوج صمود هذه الأم بتخرج ولد وبنت أثبتا للجميع أن الأصل الحقيقي يُبنى بالتربية والصبر، لا بالشعارات الزائفة ولا بالحسب والنسب الفارغ.


أما الابن الأصغر، الذي انتهى به المطاف مشرد النفس والجسد، فقد ساءت حالته الذهنية والصحية حتى عُثر عليه مغشياً عليه في أحد أزقة الحي في ليلة مطيرة. لم يجد أحداً يلمس جراحه أو يحمله سوى ابن أخيه المهندس الشاب. حمله الشاب على ظهريه، بنفس الجسد الذي زرعت فيه أمه القوة والأنفة، وأدخله غرفته الصغيرة الملحقة بالعمارة. هناك، كانت زوجة الوسطاني تضع له المشروبات الدافئة وتضماد جراحه، دون أن تفكر لثانية واحدة في كل الإهانات التي وجهها إليها يوماً مع زوجته المطلقة.


جلس الابن الأصغر على السرير، يرتجف ودموعه تخالط المخاط على وجهه الشاحب، ونظر إلى زوجة أخيه الوسطاني متوسلاً: “لماذا تفعلين هذا معي يا فلانة؟ بعد كل ما فعلناه بكِ؟ بعد أن تآمرنا عليكِ وجعلناكِ تغسلين أرضياتنا وتتحملين أوساخنا؟ لماذا لم تتركيني أموت في الشارع؟”.


نظرت إليه برفق، وأجابته بكلمات كانت كالبلسم والجمر في آن واحد: “لأنني لم أكن أعمل لأجلكم يا أبا فلان.. كنتُ أعمل لأجل الله، ولأجل أطفالي كي يكبُروا في بيئة طاهرة لا تحقد ولا تنتقم. أنا لا أرد لكم الإساءة بمثلها، بل أردها بالخير الذي علمني إياه بيتي وأهلي الذين كنتم تصفونهم بالضعف”.


انخرط الابن الأصغر في بكاء هستيري، وظل يكرر طلب العفو منها حتى غلبه النوم من شدة الإجهاد. ولم يلبث سوى أسابيع قليلة في تلك الغرفة، يلقى عناية أكل ودواء من يد تلك المرأة وابنتها الطبيبة الصغرى، حتى فاضت روحه إلى بارئها بسلام، ليلحق بأخيه الأكبر وأمه، متخففاً من أوزار الدنيا بعد أن نال صفح المرأة التي ظلموها جميعاً.


وبذلك، لم يبقَ من شجرة العائلة القديمة سوى الابن الوسطاني وزوجته السابقة وأبنائهما.


تحول الابن الوسطاني في أواخر أيامه إلى رجل زاهد، يقضي معظم وقته بين ورشته وصلاة المسجد، لا يبتسم إلا حين يرى ابنه المهندس يرتدي بدلته الرسمية متجهاً لشغله، أو ابنتها الطبيبة وهي ترتدي معطفها الأبيض. كان يتجنب الحديث في الماضي، لكنه كان يحرص كل ليلة على الجلوس أمام شقة زوجته السابقة، يضع بين يدي ابنه ما يتوفر معه من مال قليل، ويقول له: “هذا لبنيان بيتكم.. وأنا لا أطلب من أمك سوى أن تدعو لي بظهر الغيب أن يغفر الله لي يوم ألقاه”.



في إحدى الليالي، جمع الابن المهندس والدته وأبيه في صالة الشقة السفلى — وهي المرة الأولى التي يجتمع فيها الزوجان الساباقان في مكان واحد منذ ليلة الخروج الأليمة. جلس الشاب بينهما، وقال بصوت مليء بالرجاء والتقدير: “يا أمي.. يا أبي.. لقد مرت سنوات طويلة على تلك الحرب القديمة. مات كل من ظلم، وانهدمت العمارة على أوهامها، ولم يبقَ إلا نحن. أنا وأختي نجحنا بفضل الله ثم بفضل صبر أمي، وتعب أبي في ورشته. ألم يأنِ للشرخ أن يلتئم؟ ألا تستحق هذه العائلة أن تنغلق جراحها قبل أن ينتهي العمر؟”.


نظرت الأم إلى طفلها الذي أصبح رجلاً يملأ العين، ثم التفتت إلى زوجها السابق الذي بدا عليه الهرم والانكسار، وانطفأت في عينيه كل شرارات الكبرياء القديمة. لم تكن تحقد عليه، لكنها قالت بصوت هادئ يحمل عمق السنين: “يا بني.. السير في طريق الله يقتضي العفو، وأنا عفوت عن أبيك منذ زمن بعيد ووهبتُ حق نفسي لله. لكن بعض الجراح حين تلتئم ترك علامات لا تزول، والعيش تحت سقف واحد لن يعيد الشغف الذي قتله الظلم. يكفينا أننا نعيش في سلام، وأن أباك يرعاكم ببره، وأنني أراكم أمامي أعز الناس وأرفعهم شأناً”.


دمعت عين الابن الوسطاني، ونكس رأسه رضاً وقناعة، وقال: “يكفيني هذا يا أمي.. يكفيني أنكِ لا تحملين في قلبكِ كرهًا لي، ويكفيني أن أرى ثمرة صبركِ في أبنائي. أنا أخذتُ عقابي في الدنيا، ورأيتُ بعيني كيف أذل الله الكبرياء ورفع الصابرين”.


ومع نهاية تلك الليلة، كان القرار قد اُتخذ؛ حيث اتفق الابن المهندس وأخته الطبيبة على البدء في هدم العمارة القديمة بالكامل بأوراق رسمية، لإعادة بنائها من جديد على أحدث طراز، لتكون برجاً سكنياً حديثاً يمحو كل الآثار المادية لسنوات القهر والظلم، ويبني مكانه سقفا جديداً قائماً على الكرامة والمحبة والتسامح.


وقف الجميع في الصباح التالي أمام العمارة المتهالكة، يراقبون رجال البناء وهم يضعون أولى أدوات الهدم في الجدران العليا التي شهدت يوماً صراخ الظلم، بينما كانت الأم تقف مرفوعة الرأس، يحيط بها ولدها وبنتها، وزوجها السابق يقف خلفهم بحياء، منتظرين ميلاد الفصل الأخير والنهائي لهذه الحكاية.


تابعو صفحه رومانى مكرم ليصلك القصص كامله


بدأت ضربات الفأس وآلات الهدم تدوي في أرجاء العمارة القديمة، وتساقطت حجارة الطوابق العليا حجراً تلو الآخر، تناثر الغبار الساكن منذ سنوات، ومعه تهاوت كل الذكريات المؤلمة التي شهدتها تلك الجدران. كان أهالي الشارع يقفون على الجانبين يراقبون المشهد في صمت وخشوع، ينظرون إلى الطابق الذي شهد قهر المرأة المسكينة وهو يتحول إلى ركام، وكأن الأرض تطهر نفسها بنفسها من آثار الظلم والكبرياء الزائف.


خلال عام كامل، ارتفع مكان العقار المتهالك برج سكني حديث، ناصع البيض، تملؤه النوافذ الواسعة التي يدخلها أريج الشمس والهواء العليل من كل جانب. أصرّ الابن المهندس وأخته الطبيبة على أن يكتبا ملكية العقار الجديد بالكامل باسم أمهما، لتصبح هي المالكة الفعلية والشرعية لكل شبر فيه، تتويجاً لصبرها وتضحيتها، وردّاً لاعتبارها أمام الشارع والحي بأكمله.



في يوم الافتتاح واستلام الشقق، اجتمع أهالي المنطقة والأقارب الجدد. صعدت الأم إلى طابقها الجديد، تُرافقها ابنتها الطبيبة برداءها الأبيض وولدها المهندس. كانت تمشي بثبات وهيبة، ترتدي ثوباً بسيطاً أنيقاً، وعلى وجهها ابتسامة رضا صافية لا تشوبها ذرة من الشماتة أو الخيلاء.


خصص الأبناء لوالدهم — الابن الوسطاني — شقة هادئة ومريحة في الطابق الأول، ليقضي فيها ما بقي له من عمر بالقرب من أطفاله، بعيداً عن عناء الغرف المظلمة وورش النجارة الشاقة. عاش الرجل سنواته الأخيرة زاهداً، مداوماً على الصلاة في المسجد، يلهث لسانه بالدعاء لزوجته السابقة التي أقالته من عثرته ولم تتركه للضياع، وكان يفخر بابنه المهندس وببنته الطبيبة أمام كل من يقابله، ويردد بدموع الندم: “هؤلاء ثمرة صبر أمهم التي كنا نظنها ضعيفة وخادمة”.


أما سلايفها السابقات وأولادهن الذين زرعوا الكبرياء واحتقار الناس، فقد تفرقوا في العشوائيات والديون؛ عاشوا ذليلي النفوس، طاردتهم دعوات المظلوم وآثار القسوة، يذوقون في حياتهم اليومية من نفس الكأس التي أذاقوا منها تلك المسكينة، ليثبت الدهر أن بناء الإنسان على الظلم والافتراء لا يحصد في النهاية إلا الخراب والدماء المهدورة.


وفي مساء ليلة هادئة، جلست الأم في بلفونتها المطلة على الشارع، يلتف حولها ولدها وبنتها وأحفادها الصغار. أخذت تطعم الأحفاد بيديها الرقيقتين، وتنظر إلى السماء بنظرة امتنان وشكر لله الذي لم يضيع أجر صبرها.


الحكمة من القصة:


* عدالة السماء لا تغفل: دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ومهما طال أمد الظلم واستعلى الظالم بقوته أو نسبه، فإن الدائرة تدور، ولا يصح في النهاية إلا الصحيح.


* الأصل الحقيقي في الأخلاق لا في النسب: ليس العز والحسب بالألفاظ الفارغة ولا بالاستعلاء على خلق الله، بل بالعفة، وطهارة اليد، وحسن التربية والصبر على البلاء.


* الخدمة والتواضع كرامة لا إهانة: من يتواضع لله ويرضى بخدمة أهله برضا نفس لا يكسره الظلم، بل يرفعه الله في الدنيا والآخرة، بينما يُذل الله كل متكبر جبار.


* ثمار الظلم خراب البيوت: الكبر والتحريض والغل لا تبني بيوتاً ولا تحفظ عائلات، بل تأكل الأخضر واليابس وتورث الندم والشتات للأبناء والأحفاد.




تعليقات

التنقل السريع
    close