كنت فى الطيارة
كنت فى الطيارة
بعد نص ساعة من إقلاع الطيارة... المذيع الداخلي قطع نومي فجأة وقال
نعتذر عن الإزعاج... فيه سيدة حامل في آخر الطائرة حالتها تعبانة جدًا. لو فيه أي دكتور أو دكتورة على متن الطائرة، ياريت يتوجه فورًا للمساعدة.
أنا دكتورة...
وبمجرد ما سمعت النداء، جسمي كله اتحرك تلقائيًا. كنت هضغط زر استدعاء المضيفة وأقوم...
لكن في نفس اللحظة...
ظهرت قدام عيني كلمات غريبة كأنها تعليقات بتجري في الهوا.
إوعي تقربي منها.
الجنين اللي في بطنها مات من تلات أيام أصلًا.
جوزها عليه ديون قمار بأكتر من تلاتميت ألف جنيه، واختاروك إنتِ بالذات عشان توقعوكي.
أول ما تلمسيها... هيقولوا إنك السبب في الإجهاض، وهيطالبوكي بتعويض بمليونين جنيه.
فضلت باصة للكلمات...
كل كلمة كانت أبرد من اللي قبلها.
وفي نفس الوقت، من آخر الطيارة، سمعت راجل بيصرخ بكل قوته
فيه دكتور؟ بالله عليكم حد ينقذ مراتي وابني!
الجزء الأول
بعد النداء التالت...
آخر الطيارة بقى كله فوضى.
ناس قامت تبص.
وناس بدأت تتمتم
معقول مفيش دكتور وسط كل الركاب دول؟
هو الدكاترة بقوا قلوبهم حجر كده؟
دي ست حامل... لو حصلها حاجة يبقى روحين راحوا.
قفلت عيني...
وإيدي كلها عرق.
بعد ثواني...
الستارة اللي بين درجة رجال الأعمال والدرجة الاقتصادية اتفتحت.
وجات مضيفة كبيرة.
الاسم المكتوب على البادج بتاعها...
دينا.
ابتسمتلي بابتسامة متوترة وقالت
يا دكتورة ليلى... محتاجين مساعدتك.
بصيتلها.
قالت بسرعة
النظام عندنا مسجل إن حضرتك طبيبة... السيدة اللي ورا عندها ألم شديد جدًا... ممكن تتفضلي تبصي عليها؟
في اللحظة دي...
الناس كلها في درجة رجال الأعمال سكتت.
كل العيون بقت عليا.
قبل حتى ما أرد...
خرج راجل من ورا المضيفة.
كان عنده حوالي خمسة وتلاتين سنة.
عينه حمرا من العياط.
وفجأة...
ركع قدامي في ممر الطيارة.
وقال وهو بيبكي
يا دكتورة... بالله عليكي أنقذي مراتي.
ومد إيده ناحيتي.
هي هتموت من الوجع... وابني مينفعش يجراله حاجة... ده أول طفل ليا... أنا اسمي شريف.
الركاب شهقوا.
وفي ناس طلعت
موبايلها تصور.
ولما لقى إني لسه قاعدة...
زحف على ركبته لحد ما قرب مني أكتر.
لو عايزة فلوس هديكي... هبوس رجلك... بس أنقذيها.
وبعدين صرخ
هو الدكتور ينفع يشوف واحد بيموت ويسيبه؟ دي مسؤوليتكم!
بصيت في وشه.
كان بيمثل بإتقان مرعب.
أي حد يشوفه...
هيصدق إنه زوج بيحارب عشان ينقذ مراته.
لكن التعليقات فوق راسه كانت بتجري.
كل الكاميرات متوجهة ناحيتك.
هو مستني كلمة موافقة منك.
حطيت إيدي على مسند الكرسي...
وقلت بهدوء
أقدر أساعد في التواصل مع دكتور الطوارئ الأرضي.
الراجل رفع راسه فجأة.
والنظرة اللي في عينه اتغيرت.
يعني إيه؟
قلت
لازم قائد الطائرة يكلم الطبيب المختص على الأرض، ويقيموا إذا كان لازم نهبط اضطراري.
وبعدين بصيت للمضيفة.
الطائرة مفيهاش أجهزة فحص... وأنا مش دكتورة نسا وتوليد... ومينفعش أعمل أي إجراء طبي من غير تشخيص.
فجأة...
شريف انفجر.
إنتِ دكتورة وبتقولي مش هتعملي حاجة؟
ولف ناحية الركاب وصرخ
سمعتوا؟ الدكتورة رافضة تساعد!
وفجأة...
الدرجة الاقتصادية كلها قامت.
معقول!
هو الدكاترة بقوا بيخافوا من المسؤولية بالشكل ده؟
دي حالة إنقاذ... هو فيه تخصص وقت الموت؟
أصلها قاعدة في بيزنس كلاس... شايفة نفسنا أقل منها.
كل كلمة...
كانت زي حجر بيتحدف في وشي.
لكن أنا مردتش.
قلت للمضيفة
لو سمحتي... بلغوا الكابتن فورًا يتواصل مع الطبيب الأرضي... ولو الألم شديد يبقى نهبط اضطراري.
شريف فضل يبصلي.
وقال
يعني هتفضلي واقفة كده؟
رديت بمنتهى الوضوح
أنا مش هلمسها.
الجملة دي...
خلت الطيارة كلها تسكت.
وبعدها بثانية...
الشتايم زادت أكتر.
اسمعوا... حتى الكشف مش عايزة تعمله.
أول مرة أشوف دكتور بالشكل ده.
لو مراتي مكانها كنت ضربتها.
شريف بدأ يعيط بصوت عالي.
يا دكتورة ليلى... قلبك قاسي للدرجة دي؟ هتضيعي مراتي وابني؟
بصيت على دموعه...
وحسيت ببرودة في قلبي.
هو مش بيطلب مني أنقذ حد...
هو بيطلب مني أدخل الفخ برجليا.
الجزء الثاني
المضيفة دينا مكانش قدامها حل...
فرجعت بسرعة للسيدة الحامل.
وأنا قمت من مكاني...
لكن ما روحتش
عندها.
وقفت عند الستارة اللي بين الدرجتين.
مكان يخليني أسمع كل حاجة...
وفي نفس الوقت كل الناس تشوف إني ما قربتش منها.
السيدة الحامل...
واسمها سماح...
كانت نايمة نص نايمة على الكرسي.
وشها أصفر.
وشعرها مبهدل.
وإيدها ماسكة بطنها.
وكانت بتعيط.
بطني... ابني... أكيد جراله حاجة...
شريف بصلي وصرخ
سمعتي؟ هي بتنادي على ابنها!
قلت للمضيفة
الكابتن كلم الطبيب الأرضي؟
قالت وهي حاطة السماعة
جاري التواصل.
قلت
استعجلوا لو سمحتم.
وبعدين كملت
ابعدوا الناس عنها... حطولها أكسجين... واستعدوا للهبوط الاضطراري.
الناس رجعت تهمس.
بتنظّر بس.
بتعالج بالكلام.
هي دي الدكاترة؟
واحد لابس نضارة رفع موبايله في وشي.
وقال
يا دكتورة ليلى... قولي قدام الكاميرا إنك رافضة تنقذيها.
بصيتله.
وقلت
أنا بقول إني مش هعمل أي تدخل طبي من غير تشخيص واضح وعلى طائرة بدون تجهيزات مناسبة.
رد بسرعة
يعني مش هتنقذيها.
وقال بسخرية
أنتم الدكاترة شاطرين في الكلام.
شريف دخل في الكلام فورًا.
دي خايفة على نفسها... مش فارق معاها حياة مراتي.
وفجأة...
سماح رفعت راسها.
وبصتلي بعين كلها دموع.
وقالت بصوت واطي...
لكن كل الناس سمعته.
يا دكتورة... بالله عليكي ساعديني... ده ابني...
الجملة دي...
خلت نظرات الركاب كلها تتغير.
من غضب...
لكراهية.
ست كبيرة قامت وقالت
إنتِ ست زيها... إزاي قلبك مستحمل؟
وراجل قال
روحي شوفيها... هو هيجرالك إيه؟
هي بتترجاكي.
بعد كده مين هيثق في الدكاترة؟
الأصوات كلها كانت فوق بعضها.
وفي لحظة...
حسيت إني عايزة أروح.
مش عشان أساعد بس...
عشان أثبت إني مش إنسانة وحشة.
لكن التعليقات رجعت تظهر.
هي بتحاول تحملك المسؤولية.
الجنين ميت من قبل ما الطيارة تطلع.
إوعي تدفعي تمن إنك عايزة الناس تشوفك طيبة.
قفلت إيدي بقوة.
وقلت للمضيفة
أول ما الطبيب الأرضي يرد... خليه يتكلم مباشرة مع طاقم الطائرة... وأنا هسمع التعليمات... لكن مش هلمس المريضة.
فجأة...
شريف وقف.
وبصلي بنظرة مرعبة.
وقال
يا دكتورة ليلى عبد الرحمن... افتكري كويس الكلام اللي
قلتيه النهارده.
اتجمدت مكاني.
هو نادى اسمي كامل.
وده معناه...
إن كل اللي بيحصل مش صدفة.
التعليقات كانت صح.
دي خطة معمولة عشاني.
بصيتله وسألته
إنت عرفت اسمي الكامل منين؟
وشه اتجمد لحظة.
لكن بسرعة رجع يمثل.
وقال وهو بيصرخ
مراتي بتموت... وإنتِ بتسأليني عرفت اسمك إزاي؟
وفورًا...
الركاب اتكلموا.
هو ده وقته؟
بتدور على أي حجة.
مش عايزة تساعد.
في اللحظة دي...
فهمت إن الحقيقة على الطيارة دي...
مش هتكسب.
اللي صوته أعلى...
هو اللي الناس هتصدقه.
وشريف كان فاهم اللعبة دي كويس جدًا.
الجزء الثالث
أخيرًا...
تم توصيل قائد الطائرة بالطبيب الموجود على الأرض.
وصوت الكابتن خرج في السماعات.
تم التواصل مع الطبيب المختص... برجاء وصف الحالة.
المضيفة بدأت تبلغ الطبيب بكل التفاصيل.
وأنا واقفة جنبها.
ماخدتش السماعة.
كل اللي قلته
اسألوه إذا كان لازم نهبط اضطراري.
بعد دقيقة...
وش المضيفة اتشد.
وقالت
تمام... هنراقب الحالة... ونستعد للهبوط الاضطراري.
أول ما شريف سمع كلمة هبوط اضطراري...
الغريب إنه ما ارتاحش.
بالعكس...
بقى متوتر أكتر.
قال
طب الهبوط هيستغرق وقت قد إيه؟ مراتي بتموت دلوقتي!
وفجأة...
جرى عليا.
إنتِ دكتورة... واقفة بتتفرجي ليه؟
رجعت خطوة لورا.
وقلت
ابعد.
لكنه مد إيده يمسكني.
أنا بعدت.
راح ماسك الهوا.
وشه اتقلب.
وبدأ الركاب يقنعوني.
روحي معاهم.
كل الناس شايفة... محدش هيقدر يلفقلك حاجة.
رفضك هو اللي مريب.
ضحكت من جوايا.
كل الناس شايفة...
لكن محدش لاحظ إنه عارف اسمي كامل.
ولا حد سأل نفسه إزاي عرفه.
في اللحظة دي...
الطيارة اهتزت هزة بسيطة.
وفجأة...
واحدة صرخت.
بصينا ناحية سماح.
وكان فيه بقعة دم غامقة صغيرة ظهرت تحت الكرسي.
مش كبيرة...
لكن منظرها كان كفاية يخلي الكل يتجمد.
شريف صرخ بجنون.
الدم نزل! مراتي بتنزف!
واندفع ناحيتي.
ومسك دراعي بكل قوته.
لدرجة حسيت إن عظمي هيتكسر.
وقال
النهارده غصب عنك هتنقذيها!
وبدأ يجرني ناحية مراته.
أنا مسكت ضهر الكرسي...
وصوتي علي
يا جماعة... شوفوا كويس... هو اللي بيجبرني أروح... وأنا لحد دلوقتي ملمستش المريضة.
لكن هو كان بيزعق أكتر.
لو منقذتيهاش يبقى إنتِ اللي قتلتيها!
وسط الشد والجذب...
شنطة الإسعافات وقعت على الأرض.
وكوباية مية اتكبت.
والركاب كلهم رفعوا الموبايلات.
وفجأة...
شريف ساب إيدي.
وقع على الأرض بنفسه.
ومسك دراعه وصرخ
شفتوا؟ الدكتورة زقتني! وقعت شنطة الإسعافات! هي السبب!
المضيفة دينا جريت بينهم.
وقالت
يا فندم اهدى لو سمحت.
لكنه أشار عليا.
وقال بصوت عالي
هي لمست مراتي! وبعد ما لمستها الدم نزل!
دراعي كان بيوجعني جدًا.
لكن ما فركتوش.
بس رفعت إيدي قدام الناس.
وكانت علامات صوابعه الحمرا واضحة جدًا على جلدي.
وقلت بمنتهى الهدوء
أنا ملمستش سماح.
وأنا مفتحتش شنطة الإسعافات.
ومعملتش أي تدخل طبي.
ومن أول دقيقة... كل اللي طلبته هو التواصل مع الطبيب الأرضي والاستعداد للهبوط الاضطراري.
كنت بتكلم بهدوء...
لكن كل كلمة كانت واضحة.
ورغم كده...
الركاب ما صدقونيش.
دلوقتي طبعًا هتنكر.
أكيد الفيديو مصور كل حاجة.
إحنا شفناها راحت هناك.
باردة ومش بتحس.
واحد قرب الموبايل من وشي وقال
يا دكتورة ليلى... لو الطفل مات... هتقدري تعيشي مع ضميرك؟
بصيت في عدسة الكاميرا.
وقلت بثبات
حتى لو حصل... مش أنا السبب.
الجملة دي...
فجرت الطيارة كلها.
سمعتوا؟ لسه بتغسل إيدها!
دي متستحقش تكون دكتورة.
عيب يبقى فيه دكاترة بالشكل ده.
أما شريف...
فقعد على الأرض يصرخ وهو بيعيط
صوروا! صوروا كل حاجة! خلوا المستشفى اللي شغالة فيها تشوف حقيقتها!
وسماح كانت قاعدة واطية راسها...
بتعيط في صمت.
ماكنتش حتى بتبصلي.
وفي اللحظة دي...
حسيت بغثيان شديد.
مش بسبب الدم...
لكن لأن كل اللي على الطيارة...
بقوا ممثلين في المسرحية اللي هما ألفوها.
وأنا...
واقفة في النص...
كأني اتحكم عليا بالإدانة قبل ما حد يعرف الحقيقة.
الجزء الرابع
الطيارة بدأت تنزل تدريجيًا.
ورغم إن قائد الطائرة أعلن إن الهبوط الاضطراري هيتم خلال دقائق...
إلا إن شريف كان كل شوية يبص على الساعة.
وكأنه مستني لحظة معينة.
وقتها...
التعليقات الغريبة ظهرت قدام عيني تاني.
بص على الساعة... هو مستني الإسعاف يطلع للطائرة قبل أي حد.
أول ناس هيتكلم معاهم هيكونوا الشرطة، وهيتهمك قدام الكل.
متنزليش من الطائرة قبل ما كل حاجة تتوثق.
اتنفست ببطء...
وبدأت أربط الأحداث ببعض.
هو عرف اسمي بالكامل.
عرف تخصصي.
وعرف رقم مقعدي.
يعني حد كان مراقبني من قبل الرحلة.
وفجأة.
..
نور في دماغي.
بصيت للمضيفة دينا وسألتها بهدوء
معلش... بيانات الركاب بيكون مين اللي يقدر يشوفها؟
استغربت السؤال.
وقالت
شركة الطيران فقط... وطاقم الطائرة.
هزيت راسي.
وقلت
محدش غيركم يعرف اسمي بالكامل أو إني دكتورة... صح؟
دينا اتجمدت مكانها.
وبصتلي باستغراب.
قبل ما ترد...
الطيارة لمست أرض المطار.
دقائق...
وكانت متوقفة في مكان بعيد عن الصالات.
صوت الكابتن أعلن
برجاء جميع الركاب الجلوس في أماكنهم... سيتم صعود الفريق الطبي أولًا.
لكن أول ما باب الطائرة اتفتح...
شريف بدأ يصرخ قبل حتى ما الأطباء يطلعوا.
الحقونا... الدكتورة قتلت ابني!
الكلمة نزلت على الطيارة كلها كالصاعقة.
وفجأة...
طلع اتنين مسعفين ومعاهم طبيبة نسا.
جريوا ناحية سماح.
وأنا فضلت قاعدة في مكاني.
ما اتحركتش.
الطبيبة كشفت عليها بسرعة.
وبعدين طلبت جهاز الدوبلر.
ثواني...
ثم طلبت جهاز سونار محمول.
الطيارة كلها ساكتة.
شريف بيعيط.
وسماح مغمضة عينيها.
وفجأة...
الطبيبة رفعت راسها.
وقالت بصوت واضح
مفيش نبض للجنين.
شريف وقع على الأرض وهو بيصرخ.
بسببها... بسبب الدكتورة دي!
لكن الطبيبة مردتش عليه.
فضلت تكشف تاني...
وبعدين بصت للمسعف وقالت
من فضلك صور شاشة السونار.
المسعف نفذ.
وبعدها قالت الجملة اللي غيرت كل حاجة.
حجم الجنين... والتغيرات الموجودة... بتأكد إن الوفاة حصلت من أكتر من يومين... يمكن تلاتة.
سكتت الطيارة كلها.
حتى الناس اللي كانت بتصور...
نزّلت الموبايلات.
شريف اتلعثم.
إ... إزاي؟
الطبيبة بصتله باستغراب.
يعني إنتوا متابعين حملها فين؟
مردش.
قالت وهي بتبص في التقرير
مفيش أي احتمال إن وفاة الجنين حصلت النهارده.
ولا حتى أثناء الرحلة.
الجنين متوفى من قبل السفر بمدة.
بصيت على شريف.
ولأول مرة...
الخوف الحقيقي ظهر في عينيه.
لكن الكارثة لسه ما خلصتش.
أحد المسعفين قال
يا دكتورة... لقيت شنطة الكشف دي تحت رجل السيدة.
الطبيبة فتحتها.
جواها...
تقارير مستشفى.
وأشعة.
وأدوية.
وتقرير سونار.
قلبت أول ورقة...
وبعدين بصت لشريف.
التقرير ده بتاريخ من تلات أيام.
ومكتوب فيه بوضوح...
وفاة الجنين
داخل الرحم.
ركاب الطائرة بدأوا يبصوا لبعض.
واحدة من السيدات قالت بصوت مرتعش
يعني... كانوا عارفين؟
الطبيبة ردت وهي لسه ماسكة الورقة
واضح جدًا.
وساعتها...
لقيت شريف بيحاول يهرب ناحية باب الطائرة.
لكن اتنين من أفراد أمن المطار كانوا لسه طالعين.
وقفوه في لحظة.
وفي نفس الوقت...
سماح فتحت عينيها.
ولأول مرة من بداية الرحلة...
بطلت تمثل.
بصت لجوزها وقالت بعصبية
اجري يا شريف!
الجملة دي...
كانت كافية.
أفراد الأمن مسكوه.
وفي أقل من دقيقة...
بدأوا يفتشوا شنطته.
طلع منها ملف بلاستيك أسود.
جواه...
نسخة مطبوعة من بيانات رحلتي.
اسمي بالكامل.
رقم بطاقتي الطبية.
مكان شغلي.
ورقم مقعدي.
وصور لصفحتي على مواقع التواصل.
حتى صورة تخرجي كانت موجودة.
الضابط بصلي وقال
حضرتك تعرفيه؟
هزيت راسي بالنفي.
قال
واضح إن الموضوع أكبر من مجرد صدفة.
بعد أقل من ساعة...
وأنا قاعدة في غرفة بالمطار بأكتب أقوالي...
دخل ضابط المباحث.
وقال
إحنا راجعنا كاميرات المطار.
الزوج والزوجة كانوا قاعدين طبيعي جدًا قبل الطلوع للطائرة.
ولا كان فيه أي علامات تعب.
وبعد مراجعة موبايل شريف...
اكتشفنا رسائل بينه وبين شخص تالت.
إحداها كانت مكتوبة قبل الإقلاع بعشر دقائق فقط.
أول ما الدكتورة تلمسها... ابدأ الصريخ. والباقي سيبه علينا.
قفلت عيني.
وشعرت بقشعريرة سرت في جسمي كله.
لو كنت قمت من مكاني...
ولمست إيد سماح بس...
كان زماني دلوقتي متهمة بقتل طفل...
والناس كلها مصدقة إن أنا المذنبة.
أما الركاب...
فالكتير منهم رجعوا يعتذروا.
الست الكبيرة اللي كانت بتهاجمني قربت مني وهي بتعيط.
وقالت
سامحيني يا بنتي... إحنا ظلمناكي.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقلت بهدوء
المشكلة مش إنكم صدقتوا الكذب...
المشكلة إنكم حكمتوا قبل ما تسمعوا الحقيقة.
وساعتها...
افتكرت أول تعليق ظهر قدام عيني.
إوعي تنقذيها... لأن اللي محتاج إنقاذ النهارده... هو إنتِ.
الجزء الخامس
كنت فاكرة إن الكابوس خلص...
لكن الحقيقة...
كان لسه بيبدأ.
بعد حوالي ساعتين من التحقيقات، الضابط رجع وقعد قدامي.
كان ماسك ملف سميك.
بصلي وقال
يا دكتورة ليلى.
.. في حاجة غريبة جدًا.
قلت بهدوء
إيه هي؟
فتح الملف.
وأخرج ورقة عليها كشف بديون بنكية.
وقال
شريف فعلًا عليه ديون قمار بأكتر من تلاتميت ألف جنيه... لكن الغريب إن ده مش أول مرة يعمل الحركة دي.
رفعت عيني بسرعة.
يعني إيه؟
قال
من سنة تقريبًا... حصلت واقعة شبه دي في مستشفى خاص.
مراته ادعت إن الدكتور تسبب في مضاعفات للجنين.
ورفعوا قضية تعويض.
لكن القضية اترفضت بسبب نقص الأدلة.
سكت لحظة...
وبعدين أخرج صورة.
لما بصيت فيها...
اتجمد الدم في عروقي.
كانت صورة لشريف...
واقف جنب دكتور كبير في السن.
والدكتور ده...
أنا كنت أعرفه.
الدكتور حسام فوزي.
أستاذي في سنة الامتياز.
الضابط لاحظ ملامحي.
تعرفيه؟
قلت بصوت واطي
أيوه...
ده أستاذي.
قال
الدكتور ده استقال بعدها بست شهور.
باع عيادته.
وسافر برا مصر.
سألته
ليه؟
رد وهو بيقلب الملف
لأنه رغم إنه كسب القضية...
سمعته اتدمرت.
الناس فضلت تقول إنه قتل جنين.
والسوشيال ميديا حكمت عليه قبل المحكمة.
سكتنا إحنا الاتنين.
وفجأة...
حسيت إن بطني اتقبضت.
لو التعليقات اللي شفتها ما ظهرتش...
كنت أنا اللي هبقى مكان الدكتور حسام.
خرجت من غرفة التحقيق.
وكان الموبايل رجعلي.
أول ما فتحته...
اتفاجئت بأكتر من ألف رسالة.
فيه ناس بتشتم.
وفيه ناس بتدعي عليا.
وفيه فيديوهات بعنوان
الدكتورة اللي رفضت تنقذ الحامل.
رغم إن الحقيقة ظهرت...
إلا إن الفيديوهات اللي انتشرت كانت مقطوعة.
كلها مبدأتش غير من اللحظة اللي قلت فيها
أنا مش هلمسها.
ولا فيديو واحد جاب اعتراف الطبيب إن الجنين مات من تلات أيام.
ولا فيديو جاب القبض على شريف.
اتنفست بوجع.
وقلت لنفسي
الإشاعة بتجري... لكن الحقيقة بتمشي على رجلها.
في اليوم التالي...
استدعاني مدير المستشفى.
وأول ما دخلت مكتبه...
قال
أنا مصدقك.
لكن...
السوشيال ميديا مش مصدقاكي.
كان فيه وقفة احتجاجية قدام المستشفى.
ناس رافعة لافتات.
مكتوب عليها
اسحبوا ترخيص الدكتورة.
وحاسبوا قاتلة الأطفال.
ضحكت بمرارة.
وقلت
يعني حتى بعد القبض عليهم؟
هز رأسه.
الناس بتحب أول رواية تسمعها.
أما الرواية التانية...
نادراً حد يهتم بيها.
وأنا خارجة من مكتبه...
التعليقات الغريبة ظهرت قدام عيني للمرة التالتة.
لسه فيه واحد حر.
وقفت مكاني.
العقل المدبر الحقيقي لسه ما اتقبضش عليه.
اتسعت عيني.
اللي سرب بيانات رحلتك... كان بيشتغل من جوه.
في نفس اللحظة...
رن موبايل الضابط.
وبعد أقل من دقيقة...
جري خارج المكتب وهو بيزعق
اقفلوا كل بوابات
المطار!
التفت ناحيتي وقال
المضيفة اللي كانت مسؤولة عن تسجيل بيانات الركاب...
اختفت.
واختفى معاها جهاز الكمبيوتر الخاص بالرحلة.
عرفت وقتها...
إن شريف وسماح...
ماكنوش غير واجهة.
أما الشخص اللي خطط لكل حاجة...
فلسه برا.
ولسه...
بيبدأ لعبته الحقيقية.
الجزء السادس
أول ما الضابط قال إن المضيفة اختفت...
سكت المكان كله.
أنا أول واحدة سألت
يعني هي كانت معاهم؟
هز رأسه ببطء.
وقال
لسه منعرفش... لكن المؤكد إن بيانات رحلتك خرجت من داخل شركة الطيران.
بعد ساعتين...
وصل تقرير من إدارة أمن المطار.
الكاميرات سجلت إن المضيفة دينا خرجت من باب مخصص للموظفين قبل وصول لجنة التحقيق بدقائق.
الغريب...
إنها سابت شنطتها.
وسابت موبايل الشغل.
لكن موبايلها الشخصي اختفى.
الضابط بعت فرق تبحث عنها.
وأنا رجعت بيتي.
لأول مرة من يومين...
حسيت إني محتاجة أنام.
لكن أول ما دخلت الشقة...
لقيت ظرف أبيض تحت الباب.
مكانش عليه اسم.
ولا عنوان.
فتحته بحذر.
كان جواه صورة.
صورتي أنا...
وأنا داخلة المطار قبل الرحلة.
مكتوب تحتها بخط أحمر
المرة دي نجوتي...
المرة الجاية مش هتعرفي.
إيدي بدأت ترتعش.
وفي نفس اللحظة...
ظهرت التعليقات قدام عيني من جديد.
متبلغيش الشرطة قبل ما تبصي على ظهر الصورة.
قلبت الصورة.
كان فيه رقم مكتوب بالقلم
7149
وتحته كلمة واحدة
المخزن.
في اليوم التالي...
سلمت الصورة للضابط.
أول ما شاف الرقم...
وشه اتغير.
سألته
الرقم ده
معناه إيه؟
قال
ده رقم مخزن في المنطقة الحرة بالمطار... لكنه متقفل من أكتر من خمس سنين.
استأذن وخرج بسرعة.
بعد أقل من ساعة...
اتصل بيا.
يا دكتورة... لازم تيجي فورًا.
لما وصلت...
كان المخزن مفتوح بالقوة.
وأفراد الأدلة الجنائية في كل مكان.
دخلت مع الضابط.
المكان كان مليان كراتين قديمة.
لكن في آخر المخزن...
كانت فيه غرفة صغيرة مقفولة.
لما فتحوها...
لقينا أربع ملفات.
كل ملف عليه اسم دكتور.
أول ملف...
كان باسم الدكتور حسام.
تاني ملف...
لدكتورة أطفال من إسكندرية.
تالت ملف...
لدكتور تخدير.
أما الملف الرابع...
فكان مكتوب عليه اسمي.
فتح الضابط الملف قدامي.
جواه صور ليا.
مواعيد شغلي.
عنوان بيتي.
أسماء أهلي.
وأماكن بروحها باستمرار.
وفي آخر الملف...
ورقة بعنوان
الخطة رقم 17.
بدأ الضابط يقرأ بصوت عالي
اختيار الهدف.
تشويه السمعة.
رفع دعوى تعويض.
الضغط الإعلامي.
إجبار الضحية على التسوية.
رفعت بصري إليه.
وسألته
يعني فيه ناس بتشتغل في ابتزاز الدكاترة؟
قال وهو بيقفل الملف
واضح إن دي شبكة كاملة...
مش مجرد راجل وست.
وفجأة...
دخل أحد أفراد المباحث وهو بيجري.
وقال
يا فندم... لقينا المضيفة.
وقفنا كلنا.
سأله الضابط بسرعة
فين؟
رد الضابط الشاب
في شقة إيجار بمدينة نصر...
لكن...
كانت ميتة.
سكت المكان.
وقال بصوت منخفض
مفيش أي آثار مقاومة...
لكن فيه ورقة على الترابيزة.
ناولها للضابط.
قرأها...
واتغير لون وشه.
مدها ناحيتي.
كانت مكتوب فيها جملة واحدة
اللي يعرف الحقيقة... عمره ما بيوصل لنهايتها.
وفي أسفل الورقة...
كان مرسوم نفس الرمز اللي كان على الظرف الأبيض.
عرفت وقتها...
إن اللي بيحرك كل الخيوط...
لسه ما كشفش نفسه.
وإن اللي حصل على الطيارة...
ماكنش إلا أول فصل في لعبة أكبر بكتير.
الجزء السابع والأخير
بعد أسبوع...
القضية بقت حديث البلد.
كل يوم يطلع خبر جديد.
وكل يوم الناس تكتشف إن الحقيقة كانت أبشع من الخيال.
النيابة وسعت التحقيق.
وبتفريغ موبايل شريف...
ظهر اسم بيتكرر عشرات المرات.
كان مسجل باسم
الأستاذ.
لا صورة.
ولا رقم معروف.
ولا أي بيانات.
لكن كل التعليمات كانت جاية منه.
اختاروا الهدف بعناية.
لا تلمسوا الضحية قبل ما هي تلمس المريضة.
الكاميرات أهم من الشهود.
أول فيديو ينزل... هو اللي الناس هتصدقه.
الجملة الأخيرة هزتني من جوا.
لأنها كانت الحقيقة فعلًا.
الناس صدقت أول فيديو...
قبل ما تعرف أي حاجة.
بعد أيام...
أجهزة الأمن قدرت تحدد مكان صاحب الخط.
واتعملت مداهمة في فيلا على أطراف القاهرة.
لكن...
الراجل كان هرب قبلها بدقائق.
وساب اللاب توب مفتوح.
الملفات اللي عليه كشفت كل حاجة.
أكتر من ثلاثين قضية مشابهة في محافظات مختلفة.
أطباء.
ومهندسين.
ورجال أعمال.
كلهم اتعرضوا لنفس الأسلوب.
اختيار شخص محترم.
توريطه قدام الناس.
تشويه سمعته.
ثم ابتزازه مقابل التنازل عن القضايا.
لكن المرة دي...
الخطة وقعت.
لأن الهدف الوحيد
اللي رفض يلمس الضحية...
كان أنا.
بعد شهر...
اتقبض على الأستاذ في شقة مفروشة وهو بيحاول يهرب بجواز سفر مزور.
واعترف بكل حاجة.
واعترف إنهم اختاروني لأني دكتورة شابة...
وسمعتي كويسة...
ومافيش حد معروف يقدر يدافع عني.
وكان متأكد...
إن ضغط الناس هيخليني أمد إيدي أكشف على سماح.
وساعتها...
كل شيء هيبقى ضدي.
تقارير.
فيديوهات.
وشهود.
حتى لو كنت بريئة.
بعد ستة شهور...
المحكمة أصدرت حكمها.
شريف وسماح...
اتحكم عليهم بالسجن بتهمة النصب، والبلاغ الكاذب، وتكوين تشكيل للاحتيال.
أما الأستاذ...
فصدر ضده حكم مشدد بعد ثبوت تورطه في عشرات الوقائع المشابهة.
وفي نفس اليوم...
طلعت من المحكمة.
كان فيه عدد من الصحفيين مستنيين.
واحد منهم سألني
بعد كل اللي حصل... لو رجع بيكي الزمن، هتتصرفي بنفس الطريقة؟
ابتسمت.
وبصيت للكاميرات اللي كانت زمان سبب خوفي.
وقلت
الدكتور الحقيقي واجبه ينقذ المريض...
لكن واجبه كمان يعرف إمتى يكون بيتعرض لخدعة.
الرحمة عمرها ما كانت معناها إنك تلغي عقلك.
والإنسانية عمرها ما كانت إنك تسلم نفسك للي بيستغلها.
في اللحظة دي...
افتكرت أول تعليق ظهر قدام عيني يوم الطيارة.
ابتسمت بيني وبين نفسي.
لأنني حتى الآن...
لا أعرف مين اللي أنقذني.
ولا أعرف ليه أنا وحدي كنت بشوف التعليقات دي.
لكنني متأكدة من حاجة واحدة...
أحيانًا...
النجاة لا تأتي لأنك كنت الأقوى.
ولا لأنك كنت الأذكى.
بل لأنك، في اللحظة الأصعب...
تمسكت بمبدأ واحد.
لا تتخذ قرارًا تحت ضغط الخوف... ولا تحت ضغط صراخ الناس.
ومن يومها...
كلما دخلت غرفة كشف، أو وقفت أمام مريض يحتاج مساعدتي...
أتذكر تلك الرحلة.
وأتذكر أن الحقيقة قد تتأخر...
لكنها، في النهاية...
تصل دائمًا.


تعليقات
إرسال تعليق