خطيبه جوزى كامله رومانى مكرم
خطيبه جوزى كامله رومانى مكرم
جوزي كان قاري فاتحته على بنت خاله، وما حصلش نصيب، وبعدها اتجوزني، وهي كمان اتجوزت، بس من فترة اتطلقت
جوزي على طول مسافر، وهي عمرها ما دخلت بيتنا خالص، وكمان عاملة ليا بلوك على فيسبوك والواتس وكل حاجة، ومفيش بيني وبينها تعامل خالص
لم نزل جوزي من السفر، والدنيا كانت تمام، لحد ما حماتي كلمتني وقالت إنها جايه هى وبنت اخوها
سألتها: مين؟ قالت: بنت اخويا
قولت لجوزي، قالّي اتعاملي رسمي وخلاص.
جهزت البيت، وكلمت حماتي يطلعوا، لقيت البنت جاية
واكتشفت حماتى عاوزه تجوزه بنت اخوها
البدايه
خرجتُ من المطبخ وأنا أضع آخر لمسات الصينية التي أعددتها لاستقبال حماتي. البيت هادئ، وروحه معطرة برائحة العود. زوجي يعود من سفره الطويل كل عدة أشهر، وحين يأتي تكون هذه الأيام بالنسبة لي بمثابة العيد الذي انتظرتُه طويلاً.
كانت الأجواء بيننا هادئة، والتفاهم يسود كل لحظة، حتى رنّ هاتفي.
كانت حماتي على الطرف الآخر. صوتها يحمل نبرة اقتضاب لم أعتدها منذ فترة.
– “أنا جاية لك يا ندى.. ومعايا بنت أخويا.”
شعرتُ ببرودة مفاجئة تسري في جسدي. سألتها مستوضحة:
– “مين يا ماما؟ بنت أخوكي مين؟”
ردت بجفاء واضح:
– “بنت أخويا يا ندى.. زي ما سمعتي.”
أغلقت الخط. جلستُ على أقرب كرسي وأنا أحاول استيعاب ما حدث. بنت خال زوجي.. الفتاة التي كان قد قرأ فاتحته عليها منذ سنوات طويلة قبل أن أعرفه، ولم يحدث بينهما نصيب. لاحقاً تزوجت هي الأخرى، لكنها انفصلت مؤخراً.
خلال سنوات زواجي، لم تطأ قدمها بيتنا قط. كانت تطوقني دائماً بجدار من التجاهل، وحظرتني على فيسبوك وواتساب وكل وسائل التواصل. لم يكن بيننا حتى سلام عابر. فلماذا تأتي الآن؟ وفي هذا التوقيت بالذات بعد طلاقها وعودة زوجي من السفر؟
توجهتُ إلى غرفتنا، كان زوجي يرتدي ساعته أمام المرآة. ألقيتُ عليه الخبر ونظراتي تتفحص ردة فعله:
– “أمك اتصلت.. جاية ومعاها بنت خالك.”
توقف زوجي عن ضبط ساعته للحظة، لم تظهر على وجهه مفاجأة كبيرة، لكنه قال ببرود يثير الريبة:
– “خلاص يا ندى.. اتعاملي رسمي وخلاص، كأنها ضيفة عادية.”
كلماته لم تطمئنني، بل زادت من شكوكي. هل كان يعلم؟ لماذا لم يعترض؟
سمعتُ صوت المصعد يتوقف في أدوار العمارة. نزلتُ إلى السلم وكلمت حماتي ليصعدوا. فتحتُ باب الشقة، ولحظة دخولهم كانت كأنها مشهد سينمائي بطيء. دخلت حماتي وتليها هي.. كانت ترتدي أجمل ما عندها، كامل زينتها، ونظراتها تطوف بأركان الشقة بكبرياء وتفحص، كأنها لا تدخل بيت امرأة أخرى، بل تستكشف ممتلكات قديمة تعود إليها.
قضيتُ الساعة الأولى وأنا أتحرك كالألية. أقدم الضيافة وأتلقى نظرات حماتي الباردة، وابتسامات بنت أخيها الغامضة التي تعمدت ألا توجه لي حديثاً مباشراً، بل كان كل تركيزها ونظراتها الملتفة تتجه صوب زوجي كلما دخل أو خرج من الصالة.
انسحبتُ بذكاء نحو المطبخ بحجة إعداد القهوة، وكتلة من النار تشتعل في صدري. كان صوت الحديث في الصالة منخفضاً، لكن الممر المؤدي للمطبخ يمر خلف الجدار الخلفي للصالون.
وقفتُ أضع السكر في الفناجين، وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف يدي، حتى سمعتُ همس حماتي الحاد موهةً صوتها وهي تتحدث مع بنت أخيها بكل حماس وثقة:
– “سيبك من ندى خالص يا حبيبتي.. أسبوع واحد بس والبيت ده هيكون بيتك، أنا مرتبة كل حاجة عشان أجوزك ابني، والمرة دي مفيش حاجة هتوقفنا…”
فيا ترى، هل سينفذ زوجي مخطط أمه ويخون عهدنا، أم أن لندى رأياً آخر ستنقلب به كل الموازين؟
خرجتُ من المطبخ وأنا أحمل صينية القهوة، ويداي تستقران عليها بثباتٍ حديدي أخفى تحته بركاناً يغلي. زجاج الفناجين لم يرتجف، ونظراتي لم تعد تلك النظرات الحائرة التي دخلت بها المطبخ قبل دقائق. لقد تبدلت الندى؛ فالصدمة حين تبلغ ذروتها تتحول إلى يقظة حادة، والكلمات التي التقطتها أذني خلف الجدار لم تكسرني، بل رسمت أمامي الخريطة كاملة.
دخلتُ الصالون بابتسامة هادئة ومتقنة، ابتسامة لا تحمل غضباً ولا قلقاً، بل ثقة مريبة أربكت حماتي فوراً. وضعتُ الصينية على الطاولة الزجاجية، ونظرتُ إلى بنت خال زوجي التي كانت تجلس بميلاسٍ متعمد، تُظهر كعوب حذائها الأنيق وتوزع نظراتها بين زوايا البيت وساعة زوجي المعلقة على الحائط.
– “القهوة مظبوطة زي ما بتحبيها يا ماما.. وبنت خالك كمان قهوتها سكر خفيف، مظنون مش كده؟”
تأمتلأت عينا حماتي بالدهشة، بينما ارتبكت الفتاة للحظة وقالت بصوت متمهل تحاول فيه إظهار الترف:
– “أه.. مرسي يا ندى.”
جلس زوجي في الطرف المقابل، كان يفرك كفيه ببعضهما، ونظراته تزيغ بيني وبين أمه. لم يتكلم، وكأنه يمارس الحياد السلبي الذي أتقنه منذ لحظة وصولهما. رفعتُ رأسي ونظرتُ له مباشرة، ابتسمتُ له بنفس الهدوء وقسوتُ بصوتي في نبرة نعومة ظاهرة:
– “عارف يا حبيبي.. ماما كانت بتبص على الصالون وعلى ديكور البيت من شوية، وحسيت إنها مهتمة أوي بتفاصيل المكان.. كأنها بتفكر تعيد ترتيب حسابات قديمة.”
اتسعت عينا حماتي، وسعلت بصوت عالٍ وهي تضع فنجان القهوة على الطاولة بحدة:
– “جرى إيه يا ندى؟ إحنا جايين نبارك لرجوع جوزك من السفر ونطمن عليه، ولا إنتِ بقيتي تحسبي خطواتنا ونظراتنا؟”
– “أبداً يا ماما..”رددتُ وأنا أجلس بجوار زوجي مباشرة، وأضع يدي بثبات فوق يده التي كانت ترتجف خفية، “أنا بس بتعلم منك الأصول.. وبقدر أوي لما حد يجتهد ويخطط عشان يوصل لحاجة ضاعت منه زمان.. بس المشكلة إن الزمن غير الزمن، واللي كان متاح زمان، النهارده بيبقى حلم بعيد المدى.”
كانت الكلمات تنزل كالصواعق على رأس بنت الخال التي تغير لون وجهها، وانكمشت في جلستها وهي تنظر إلى عمتها مستنجدة. أما زوجي، فانسحب يده ببطء من تحت يدي، ونظر إليّ بذهول وكأنه يكتشف امرأة جديدة لم يعرفها خلال سنوات زواجنا.
قامت حماتي واقفة، وعلامات الغضب الساطع تكسو وجهها:
– “ظاهر إن الزيارة دي مش في وقتها يا ندى.. وإنتِ ناطقة بكلام أكبر منك.. يلا يا حبيبتي نمرشي، الباشا ابن المحظوظة باين عليه نسى منين ابتدى ومنين أصله.”
وقفتُ بكل ثبات، ولم أحاول مطلقاً تهدئتها أو الرجاء كما كانت تتوقع. فتحتُ باب الشقة بنفسي، وقفتُ على العتبة وأنا أقول بنبرة واثقة هزت أركان الصالة:
– “تنوروا في أي وقت يا ماما.. الباب مفتوح للضيوف، بس بيت الندى مش للبيع ولا للمواكبات.. واللي تفكر تدخل البيت ده تاني، لازم تعرف إن صواحبة البيت صاحية أوي ومش بتسيب حقها.”
خرجت حماتي وهي تتفجر غضباً، وتتبعها بنت أخيها بخطوات متسارعة ووجه يشتعل خجلاً وهزيمة. أغلقتُ الباب بأقصى هدوء، واستدرتُ لأجد زوجي واقفاً في منتصف الصالة، عيناه تتسع بالصدمة، وصوته يخرج مبحوحاً:
– “إنتِ جنيتي يا ندى؟ إزاي تتكلمي مع أمي والبنت بالطريقة دي؟ إنتِ سمعتي حاجة؟”
اقتربتُ منه بخطوات بطيئة حاسمة، وقفتُ أمامه مباشرة، ونظرتُ في عينيه بثبات يزلزل الأرض تحت قدميه:
– “سمعت كل كلمة يا ابن أصولك.. سمعت خطة أسبوع العسل الجديد اللي أمك بترتبهولك.. والدور عليك دلوقتي يا بطل.. تقولي موقفك إيه بالظبط، لأن الكارت اللي هلعبه الجاي مش هيعجب حد فيكم!”
خطيبه جوزى ٢
رومانى مكرم
ساد الصمت في الصالة لثوانٍ معدودة كانت أثقل من الجبال. كان زوجي ينظر إليّ وكأنه يرى وجهي لأول مرة، ملامح الذهول والارتباك تتصارع على وجهه، بينما كانت يداه ترتجفان وهو يحاول البحث عن كلمات يُداري بها موقفه.
– “ندى.. إنتِ فهمتي غلط، أمي كلامها دايماً دبش وإنتِ عارفة…”
قطعتُ كلامه برفعة يد واحدة ونظرة صلبة لم يعتدها مني طوال سنوات زواجنا:
– “متحاولش تُخرج المشهد بشكل ضعيف يا أحمد. الصوت كان واضح، والنوايا كانت مكشوفة من لحظة ما دخلت هي بيتي وهي بتبص في الأركان كأنها بتستلم التركة. السؤال السريع والواضح اللي لازم تجاوب عليه دلوقتي.. إنت كنت عارف؟”
سكت، وتردد في الإجابة، وزوغانه بعينيه كان هو الاعتراف الصريح الذي لم ينطق به لسانه. تراجع خطوة للخلف وهو يحاول امتصاص غضبي بنبرة هادئة:
– “أمي ألمحت لي من يومين.. وقالت لي بنت خالك اتطلقت وحالها يصعب على الكافر، وإنها كانت الأولى بيك من الأول.. أنا قاطعتها وقلت لها إن عندي بيت وزوجة، بس هي أصرت تيجي وتجيبها معاها عشان تتصالحوا وتفتحي صفحة جديدة!”
ضحكتُ بصوت متقطع تحمل نبراته كل معاني السخرية والألم:
– “تتصالح معايا؟ هي اللي عاملة لي بلوك في كل حتة وعمرها ما سلمت عليّ، جاية تتصالح معايا في بيتي وفي غيابك؟ ولا جاية تقيس مساحة الشقة اللي أمك وعدتها بيها بعد أسبوع؟”
اقتربتُ منه حتى أصبحت على بعد خطوات قليلة، ونظرتُ في عينيه مباشرة:
– “إنت سبتها تدخل، وسبت أمك تلمح، وقلت لي اتعاملي رسمي وخلاص.. لأن جواك جزء ضعيف كان مستني يشوف الموقف هيوصل لإيه.. كان عاجبك إن في واحدة جاية تتنافس عليك في بيتك، وسكوتك كان موافقة مبدئية على الخطة.”
– “ندى.. كبري عقلك، أنا مبعتش بيتي ومخنتش عهدك!” قالها بصوت مرتفع يحاول فيه الدفاع عن نفسه.
– “الخيانة مش بس سرير وفلوس يا أحمد.. الخيانة إنك تسمح لحد يدخل بيتي يهد استقراري وإنت واقف تتفرج وتقول لي اتعاملي رسمي! بس أنا مش هكون الضحية المكسورة اللي تقعد تبكي في الأوضة وتستنى قرارات أمك.”
توجهتُ بخطوات حاسمة نحو غرفة النوم، فتجلعني بصدمة وهو يصيح:
– “إنتِ رايحة فين؟ هتعملي إيه؟”
فتحتُ الخزانة، وسحبتُ حقيبة سفري الصغيرة، وبدأتُ أضع فيها أوراقي الخاصة وشيئي المهمة فقط، دون أن ألمس ملابسي. تبعني إلى الغرفة ووقف عند الباب بذهول:
– “إنتِ بتلمي هدومك ورايحة بيت أهلك؟ عشان كلمتين سمعتيهم من أمي؟”
التفتُ إليه وبابتسامة باردة جعلت جسده يقشعر:
– “أسيب البيت؟ إنت تجننت؟ ده بيتي ومملكتي، ومفيش مخلوق على وش الأرض يقدر يخرجني منه. شنطتي دي فيها أوراقي ودهبي.. أما إنت، فالشنطة الكبيرة هناك هي اللي هتتلم فيها هدومك.”
اتسعت عيناه بصدمة لم يتوقعها:
– “إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ بتطرديني من بيتي؟”
– “أنا مش بطردك.. أنا بديك فرصة تروح تقعد مع أمك أسبوع، الأسبوع اللي هي خططت له عشان تجوزك فيه.. تروح هناك وتفكر كويس أوي، هل إنت راجل صاحب بيت وعندك كلمة تحمي بيها مراتك وكرامتها، ولا إنت لسه ابن أمك اللي بتدير حياته وبتحرك عرائس الماريونيت؟”
أشار بيده بغضب:
– “أنا مش هسيب بيتي يا ندى! ومش هسمح لك تمشي كلامك عليّ!”
أخرجتُ هاتفي من جيبي، وضغطتُ على زر التشغيل، ليعلو صوت حماتي الواضح والحاد من سماعة الهاتف وهي تقول: (سيبك من ندى خالص يا حبيبتي.. أسبوع واحد بس والبيت ده هيكون بيتك، أنا مرتبة كل حاجة عشان أجوزك ابني…)
سقطت يداه إلى جواره، وتغير لون وجهه إلى الأصفار وهو يستمع إلى التسجيل الذي سجلته بدهاء وأنا واقفة في الممر خلف المطبخ.
رفعتُ رأسي وقلتُ بنبرة أخيرة لا تقبل النقاش:
– “التسجيل ده لو وصل لعيلتك ولعيلتها، هيعرفوا مين اللي جاية تخرب البيوت ومين اللي بتلعب من ورا الضهر.. قدامك عشر دقائق تلم هدومك وتخرج، يا إما التسجيل ده هيكون على جروب العيلة قبل ما تنزل من باب العمارة!”
ساد الذهول وجه أحمد، وسقطت كبرياؤه أمام صوت أمه المنبعث من الهاتف. كان التسجيل واضحاً كالشمس، لا يقبل التشكيك ولا يتحمل التأويل. نظر إليّ والتردد يعتصر ملامحه، كأنه يحاول التوفيق بين هيبة رجولته أمام زوجته وبين الخزي الذي تملكه وهو يرى مخطط عائلته منشوفاً بالكامل.
– “ندى.. إنتِ بتسجلي لأمي؟ إنتِ وصلتي للمرحلة دي؟” قالها بصوت خافت تائه، خالي من أي نبرة هجوم.
رددتُ بثبات أشد من الحديد، وأنا أضع الهاتف في جيبي:
– “لما أكتشف إن في مؤامرة بتترتب في ظلي عشان تسلبني بيتي وحياتي، يبقى الذكاء حماية مش جرم. التسجيل ده مش س\لاح للتهديد، ده وثيقة دفاع عن كرسي وكرامة اتعمل حساب لإهانتهم في غيابك وفي حضورك. قدامك حل من اتنين يا أحمد.. مالهمش ثالث.”
اقترب مني خطوة، وكانت عيناه تتوسلان مهلة للتفكير:
– “حلول إيه يا ندى؟ إحنا بنينا البيت ده مع بعض، ومفيش حد يقدر يتدخل بينا…”
– “الحل الأول،” قطعتُ حديثه بنبرة حاسمة: “إنك تلم أمتعتك فوراً وتخرج، تروح لأمك وتعيش الأسبوع اللي خططت له، وفي خلال الأسبوع ده تقرر.. يا إما ترجعلي راجل صاحب قرار بيحمي مراته وبيحط حدود قاطعة لأي حد يفكر يمس كرامتها، يا إما التسجيل ده يوصل للكل ورسالة طلاقي تجيلي لحد عندي.”
بلع ريقه بصعوبة وسأل بصوت مبحوح:
– “والحل الثاني؟”
– “الحل الثاني إنك تقعد هنا.. بس بشرط، ترتدي هدومك حالا، وتنزلي معايا لعند أمك في شقتها، وقدام بنت خالك وعيلتها كلها، تعتذر لي عن المهزلة اللي حصلت، وتعلن قدامهم كلهم إن ندى هي صاحبة البيت الأول والأخير، وإن اللي تفكر تتخطى حدودها مش هتشوف منك غير الصد والهوان. تختار إيه؟”
وقف أحمد مشلول التفكير. كان يعلم تماماً أن الذهاب لأمه ومواجهتها يعني إعلان الحرب عليها، وأن خروجه من الشقة يعني اعترافاً ضمنياً بضعفه وهزيمته أمامي. تخبطت أفكاره لدقائق، والنظر بين عينيّ الصارمتين وبين باب الشقة.
وفجأة، تحرك نحو الخزانة، وأمسك بمقبضها، وسحب مقبض الحقيبة الكبيرة. ساد ظني للحظة أنه اختار الهرب والخروج، لكنه ألتفت إليّ ونظر في عينيّ بنبرة جديدة، نبرة رجل أدرك أخير خطورة ما كان سيخسره:
– “أنا مش هسيب بيتي يا ندى.. ومش هسيبك تمشي من حياتي ولا هسمح لحد يهد اللي بنيناه. غيري هدومك.. إحنا نازلين لأمي حالا.”
تنفستُ الصعداء في سري دون أن أظهر على وجهي أي أثر للتراجع. ارتديتُ عباءتي الأنيقة، ووقفتُ أمام المرآة أظبط حجابي بكل ثقة. لم تكن هذه مجرد مواجهة مع حماتي وبنت أخيها، بل كانت المعركة الفاصلة التي ستحدد مستقبلي في هذا البيت.
نزلنا درجات السلم بخطوات متزنة. كان أحمد يمشي بجواري، لكن ملامحه كانت مشدودة كأوتار القيثارة. وقفنا أمام باب شقة حماتي. أخذ أحمد نفساً عميقاً، ثم رفع يده وطرق الباب بقوة.
فتحت حماتي الباب وعلى وجهها ابتسامة نصر زنيفة ظناً منها أننا جئنا لنسترضيها، وكانت بنت أخيها تجلس في الصالة تتابع المشهد بفضول واثق. لكن الابتسامة سرعان ما تجمدت على شفتي حماتي عندما رأت نظرات ابنها الحادة ووقفتي الصلبة بجانبه.
دخل أحمد الصالة بخطوات واسعة، واستدار ليواجه أمه وبنت خالته، ثم قال بصوت هز أرجاء الشقة:
– “أمي.. إحنا جايين نحط نقط على الحروف، عشان الكلام اللي اتقال في بيتي النهاردة مش هيعدي بالساهل!”
صمتت الصالة تماماً، واستقرت جميع العيون على أحمد الذي كان يقف بصلابة لم تعتدها أمه منه قط. اتسعت عينا حماتي من الصدمة، وقامت بنت خالته واقفة من مكانها والارتباك يعتصر ملامحها، بعدما أدركتا أن المشهد لم يسِر وفق الخطة التي رُسمت في الخفاء.
تداركت حماتي موقفها محاولةً استعادة السيطرة، وصاحت بصوت مرتفع:
– “جرى إيه يا أحمد؟ جاي لبيتك وبيت أمك تعمل زفة؟ هي الهانم لحقت تعبي راسك في كلمتين؟”
تقدم أحمد خطوة إلى الأمام، وجاء صوته حاسماً وقاطعاً لا يحمل أي مجال للتردد:
– “محدش عبى راسي يا أمي.. ندى مراتي، وبيتي خط أحمر. الكلام اللي سمعته ندى بخصوص الأسبوع وخطة الترتيبات اللي اتكلمتم فيها في صالون بيتي، ده إهانة ليا قبل ما يكون إهانة ليها.”
شحب وجه بنت الخال ونظرت إلى الأرض بعجز، بينما حاولت حماتي الإنكار بصوت متلعثم:
– “كلام إيه؟ هي البنت دي بتتبلى علينا ولا إيه؟ إنت بتصدق كلام…”
أخرجتُ هاتف المحمول من حقيبتي بكل هدوء، وبلمسة واحدة على الشاشة، انطلق صوت حماتي الحاد والواضح يسري في أرجاء المكان: (سيبك من ندى خالص يا حبيبتي.. أسبوع واحد بس والبيت ده هيكون بيتك، أنا مرتبة كل حاجة عشان أجوزك ابني…)
ساد صمت أثقل من الصخر. تجمدت حماتي في مكانها، ولم تستطع أن تنطق بحرف واحد، بينما انسحبت بنت أخيها ببطء واعتذرت بخجل شديد لتلم أمتعتها وتغادر الشقة فوراً دون أن تنبس بكلمة.
التفت أحمد إلى أمه ونظر إليها بنظرة ملأها الأسى والصرامة في آنٍ واحد وقال:
– “أنا بحبك وبحترمك لأنك أمي، والبر بيكي واجب عليّ.. بس بيتي وحياتي مع ندى مش لعبة في إيد حد. ندى هي صاحبة البيت ده، واللي يفكر يمس كرامتها أو يهد استقرارنا مش هيكون ليه مكان في حياتنا.”
ثم التفت إليّ، وأمسك بيدي أمام أمه بثبات وتأكيد، وقال:
– “يلا يا ندى.. نرجع بيتنا.”
خرجنا من شقة حماتي بخطوات واثقة ومرفوعة الرأس. صعدنا إلى شقتنا، وأغلقتُ الباب خلفنا، لنشعر لأول مرة منذ عودته بسلام حقيقي يغمر المكان. نظر إليّ أحمد وقال بنبرة صادقة تحمل كل معاني الاعتذار والتقدير:
– “سامحيني يا ندى.. اتعلمت الدرس، وعرفت إن القوية اللي تدافع عن بيتها بذكاء وحكمة هي الوحيدة اللي تستاهل تكون شريكة العمر.”
ابتسمتُ له وأنا أشعر أن الموازين قد انقلبت بالفعل، وأنني لم أحافظ على بيتي وكرامتي فحسب، بل أعدتُ تشكيل حياتي الزوجية على قواعد صلبة لا يمكن لأي مؤامرة أن تهزها بعد اليوم.


تعليقات
إرسال تعليق