حماتي كانت بتدي ضرتي حكايات بسمة
حماتي كانت بتدي ضرتي حكايات بسمة
حماتي كانت كل ما تقسم اللحمة، تحط أحسن القطع في طبق ضرتي… ولما أوصل تقوللي: “إنتِ كلي من الشوربة.”… كنت بقول يمكن صدفة، لحد اليوم اللي واحدة من الضيوف سألت سؤال قلب السفرة كلها، وخلّى حماتي متعرفش ترد.
من أول يوم دخلت بيت حماتي، وأنا ملاحظة إنها بتفرق في المعاملة بيني وبين ضرتي.
كنت أقنع نفسي إنها مجرد تهيؤات.
لكن مع كل عزومة، كنت أكتشف إن اللي بيحصل أكبر من مجرد إحساس.
أول ما الأكل يتحط على السفرة، كانت تمسك طبق اللحمة وتقسمه بإيديها.
أحسن القطع…
الريش، والفخدة، واللحمة اللي فيها عضم خفيف…
كلها
تروح في طبق ضرتي.
ولو جوزها كان موجود، تزوده كمان قطعة وهي تقول:
“الناس دي بتحب اللحمة.”
أما أنا…
أول ما أقرب من الطبق، تقول وهي مبتسمة:
“إنتِ كلي من الشوربة الأول… دي مفيدة.”
أو:
“إنتِ بتحبي الرز أكتر أصلًا.”
وأوقات كانت تشيل طبق اللحمة كله قبل حتى ما أعرف آخد منه قطعة.
وجوزي؟
كان يقعد ساكت.
ولما أبصله، يهمسلي:
“كبري دماغك… دي أمي.”
كبرت دماغي.
مرة واتنين وعشرة.
لحد ما بقيت آكل قبل ما أروح عندها، عشان مبقاش قاعدة جعانة وأنا بتفرج على الناس.
وفي مرة، كنت حامل، والدكتور موصيني آكل بروتين
عشان نسبة الحديد عندي كانت نازلة.
رغم كده…
أول ما مديت إيدي على قطعة لحمة، حماتي قالت بسرعة:
“سيبيها لضرتك… هي بترضع واللحمة أولى بيها.”
رجعت إيدي وأنا ساكتة.
مع إن ضرتي كانت بطلت رضاعة من شهور.
لكن محدش اتكلم.
عدت الأيام، وكل عزومة بنفس الطريقة.
لحد ما في عيد كبير، عزمت العيلة كلها، وكان فيه قرايب عمرهم ما حضروا معانا قبل كده.
وأثناء الغدا، واحدة من قرايب جوزي كانت قاعدة بتراقب من بعيد.
وفجأة قالت لحماتي وهي بتضحك:
“هو إنتِ بتوزعي اللحمة على حسب السن ولا على حسب الدور؟”
حماتي استغربت.
وقالت:
“ليه
بتقولي كده؟”
ردت الست بكل هدوء:
“لأني من أول ما قعدنا، ملاحظاك بتحطي أحسن القطع في طبق مرات ابنك الكبير… أما مرات ابنك التاني، كل شوية تقوليلها تاكل شوربة.”
السفرة كلها سكتت.
حماتي حاولت تضحك وقالت:
“دي بتحب الشوربة.”
الست بصتلي وقالت:
“إنتِ فعلًا بتحبيها؟”
ابتسمت لأول مرة من سنين.
وقلت:
“بصراحة… لا.”
جوزي بصلي بدهشة.
وقال:
“يعني إيه؟”
قلت وأنا محافظة على هدوئي:
“بقالي خمس سنين كل عزومة باكل شوربة ورز… مش لأني بحبهم، لكن لأن مامتك كانت كل مرة تمنعني آخد من اللحمة.”
وش حماتي اتغير.
وقالت
بسرعة:
“إنتِ بتكبري المواضيع.”
لكن الست اللي سألت السؤال كانت لسه بتبص في طبق ضرتي.
وقالت:
“غريبة… أصل أنا كنت فاكرة الصدفة بتيجي مرة، مش في كل عزومة.”
في اللحظة دي، جوزي مد إيده ناحية طبق ضرتي، وبص لأمه وقال:
“هو فعلًا… ليه كل أحسن القطع هنا؟”
حماتي اتلخبطت.
وقالت:
“ماخدتش بالي.”
لكن جوزي قام من مكانه، ومسك حلة اللحمة بنفسه.
وبدأ يقلب فيها.
وفجأة وقف وهو ماسك معلقة التقديم، وبص لأمه وقال:
“هو إيه الورقة دي اللي تحت الحلة؟”
لون وشها اتقلب في ثانية.
لأن الورقة مكانتش قائمة أكل…
كانت قائمة مكتوب فيها بخط إيدها:
…..
حكايات بسمة
وقفت الكلمات في حلق الجميع، وساد الصالة صمتٌ مرعب وحاد، كأن المكان كله اتفرّغ من الهواء في لحظة واحدة. المعالق اتعلقت في الإيدين، والضحكات والمجاملات الدافية اللي كانت مالية البيت في العيد الكبير اتخرست تماماً. عيون الضيوف كلهم — القرايب والجيران والجيران القدامى — اتسمرت على جوزي "أحمد"، وعلى الحلة الكبيرة، وعلى الورقة الصغيرة المطوية اللي طلعت من تحت الحلة وكان عليها بقع زيت خفيفة.
حماتي كان وشها بيتنقل بين درجات الأصفر والأحمر والأسود، عينيها بتدور في الصالة زي المحبوس اللي اتقفلت عليه أبواب القفص بحديد ومفيش أي مخرج. كانت بتتنفس بصعوبة، وإيديها المترعشة حطتها على حرف الترابيزة وهي بتحاول تسحب الورقة من إيد أحمد أو تفبرك كذبة من كذباتها المعتادة.
أحمد كان واقف زي الصنم في نص السفرة، مسك الورقة وفتحها ببطء قدام الكل، وعيونه وسعت بذهول وصدمة مش قادر يستوعبها. وشه فقد لونه بالكامل، وبص لأمه بنظرة مليانة كسرة وقرف، وبعدين بدأ يقرأ المكتوب في الورقة بصوت جهوري يرن في الصالة بعلو المكان:
> "قائمة التوزيع المعتادة لكل عزومة:"
> * قطعة
الريش والفخدة الممتازة: لـ "هبة" (ضرتي) أولاً، مع زيادة قطعة إضافية عشان تبان غالية ومتقدرة قدام أهلها.
> * قطع اللحمة بالعضم والشوربة الصافية: لـ "منى" (أنا)، ويتألّها قدام الناس إنها بتحب الشوربة والرز أو إن اللحمة تقيلة على معدتها.
> * التأكيد على إحراج منى: لو مادت إيدها على اللحمة، يفكرها الجميع بضعف صحتها أو يتقال إن هبة محتاجة للغذا أكتر عشان تكسر عينها وتبقى دايمًا في المرتبة التانية.
>
الصالة كلها اتدشت بالصدمة!
الست القريبة اللي سألت في الأول حطت إيدها على بؤها وصرخت بصوت واطي:
— "يا ساتر يا رب! ده إيه الغل والتخطيط ده؟! دي كاتبة القائمة بخط إيدها ومخططة للتفرقة والإهانة بالتفصيل كأنها خطة حرب?!"
وقريب تاني قال بذهول وازدرار:
— "يا خبر أسود! يعني كل السنين دي والتفرقة دي مش صدفة ولا كرم؟! دي مؤامرة معمول حسابها بالورقة والقلم عشان تصغر مرات ابنها وتكسر كرامتها قدام العيلة?!"
حماتي لما لقيت الورقة اتكشفت بخط إيدها وما فيهوش أي مجال للإنكار، وقفت فجأة على حيلها وصوتها طلع بهيستيريا وصرخ:
— "كذابة! الورقة دي مش بتاعتي! البت دي هي اللي زقتها تحت الحلة عشان تسود وشي قدام العيلة وتخرب بيتي وتكره ابني فيا!"
أنا ما اترددتش ثانية. وقفت بطولي في نص الصالة، وبصيت لها بمنتهى الثبات والهدوء وقلت لها بصوت حاد هز الصالة:
— "أزقها تحت الحلة إزاي يا طنط وأنا أصلاً ما قربتش من المطبخ ولا مسكت حلة من بداية اليوم؟! هو الخط ده مش خط إيد حضرتك اللي بنستلم بيه كروت المناسبات وقوائم المصاريف؟! هي النية الخبيثة لما تتمكن من بني آدم بتخليه يكتب كرهه وتفرقتة على الورق عشان ما ينساش
يظلم?!"
أحمد قرب من أمه بخطوات ثقيلة كأنه شايل جبل على كتفه. مسك الورقة وضغط عليها في كفه وصوته خرج بصراخ مكتوم هز أركان البيت:
— "ليه يا ماما؟! ليه تعملي كده؟! خمس سنين! خمس سنين ومراتي ساكتة ومتحملة صابرة، وبتقوليلي معلش دي أمك وكبري دماغك، وأنا أقولها معلش أصل أمي بتحب العدل وتصرفاتها بعفوية! تطلع تصرفاتك متخططة بالورقة والقلم عشان تكسري عينها وتخليها تأكل شوربة ورز وتمنعي عنها اللحمة وهي حامل وفي أشد الحاجة للبروتين?!"
حماتي بدأت تصرخ وتتلوى وتحاول تمثل دور المريضة والمظلومة وتضرب على صدرها:
— "أنا كنت عايزة أعلمها التواضع! أنا شايفاها جاية من بيت عز وشايفة نفسها، وكنت عايزة أأدبها وأعرفها إن هبة هي الأقرب لقلبي! أنت بتبدي مرتك عليا يا أحمد؟! أنا أمك اللي ربيتك!"
صرخ فيها أحمد بمنتهى القسوة والصلابة لأول مرة في حياته:
— "تأديب وتعليم تواضع بالحقد والافتراء وتصفية الحسابات في اللقمة؟! تكسري عين مراتي وتهيني كرامتها في أبسط حقوقها وتعمليها وجبة شوربة وهي صايشة بيتي وولادي عشان ترضي أنانيتك وتتحكمي فينا؟! ده مش بر... ده افتراء وظلم ربنا ما يرضاش بيه أبداً!"
ضرتي "هبة" اللي كانت قاعدة وشها أحمر من الخزي والإحراج، قامت وقفت وحاولت تتلجلج وتتبرأ من الموقف:
— "يا أحمد والله العظيم أنا مكنتش اعرف إن طنط كاتبة ورقة ولا بتخطط للدرجة دي..."
قاطعها أحمد بنبرة قاسية وهو بيبص لها ولأمه:
— "لا يا هبة، أنتِ كنتِ عارفة وشايفة إنك بتاخدي أحسن القطع ومميزة كل عزومة على حساب كرامة مراتي، وكنتِ بتسكتي وتتبسمي لأن الموقف كان عاجبك! لكن من النهاردة كل حاجة هترجع لأصلها."
أنا بصيت لحماتي بثبات تام، وقلت لها بمنتهى
الهدوء والكرامة:
— "طول السنين اللي فاتت، كنت بكتلم وأسكت وأقول معلش دي ست كبيرة ومقامها من مقام أمي... لكن لما الموضوع يوصل إنك تخططي لإهانتي في اللقمة والأكل، وتكتبيها بالورقة والقلم عشان تصغري قمتي قدام أهل جوزي وضيوفي... يبقى خط أحمر. من النهاردة أنا عزوماتي هتبقى في بيتي ومع اللي يحترمني ويقدرني، وبيتك ده مش هدخله غير ضيفة بزوق واحترام، وكرامتي تعلو فوق أي عزومة!"
الضيوف كلهم بدأوا ينسحبوا بإحراج شديد وهما بيبصوا لحماتي بنظرات قرف وازدرار، وأخت جوزي أخدت أمها من إيدها ودخلتها الأوضة وهي بتعيط وتلطم بعد ما انفضحت فضيحة العمر قدام القرايب والجيران كلهم.
النهاية:
من اليوم ده... تغيرت حياتي تماماً وانسحبت كل الغيوم اللي كانت مخيمة على بيتي.
أحمد جوزي اتغير 180 درجة. عرف إن السكوت على ظلم أمه ومحاولاته الدائمة لتبرير أفعالها بـ "كبري دماغك" كان مشاركة غير مباشرة في إهانتي. اعتذرلي بحرقة قدام أبنائنا وقرايبنا، وحط حدود صارمة ومقفولة تماماً بين حياتنا الشخصية والعائلية وبين أمه.
حماتي قعدت فترة طويلة محبوسة في بيتها، مش قادرة ترفع عينها في عين حد من القرايب أو الجيران اللي شهدوا فضيحة "قائمة اللحمة". ما بقتش تقدر تتكلم عني ولا تتدخل في عزوماتي ولا تنطق كلمة واحدة تقليل من شأني.
أنا رجعت أعيش حياتي بكامل الكرامة والاستقرار، وأكلي وبيتي بقوا في قمة الدفء، ورأسي مرفوعة فوق للسماء... اتعلمت الدرس الأهم في حياتي: إن النية الصافية والست الصابرة الواثقة في نفسها ربنا بيبين حقها وبيكشف كل خبيث ومفتري ولو بعد حين، وأن الحق دايماً أبلج والباطل لابد أن يزهق.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية 🦋🦋🦋


تعليقات
إرسال تعليق