القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سر الممرضة كامله 



سر الممرضة

 

بعد ډفن أبويا، الممرضة اللي كانت بتتابع حالته وقفتني بره وقالتلي هو طلب مني ما أقولكش الحقيقة اللي حصلت ليلة اختفاء بنتك... غير بعد النهارده.


الفصل الأول الاختفاء.. حين انشقت الأرض وابتلعت فرحتي

من خمس سنين، وفي يومٍ كان يشبه كل الأيام الدافئة من أيام الصيف، اختفت ابنتي الصغيرة فجأة، وهي في الخامسة من عمرها، كأنما انشقت الأرض وابتلعتها في لمح البصر. لم تكن قدامه سوى لحظات، كانت تلعب في حديقة المنزل الصغيرة التي أحبّتها دائماً، وتراقبها عينا جدي بكل حنانٍ واطمئنان، ثم التفتَ للحظةٍ واحدةٍ فقط.. ولما عاد بنظره إليها.. لم يجدها. لم يكن هناك صوت بكاء، ولا صوت خطوات سريعة، ولا حتى صوت استغاثة.. لقد اختفت تماماً، وكأنها لم تكن موجودة قط.

لم أصدّق الخبر حين وصلني. هرعتُ إلى البيت،


وقلبي يخفق پجنون، وكل أملٍ في داخلي يهمس لي بأنها مختبئة في مكانٍ ما، وأنها ستخرج ضاحكةً في أي لحظة. لكن الحقيقة كانت أقسى وأمرّ من كل توقعاتي. لقد اختفت. لم يترك وراءها أثراً، ولا دليلاً، ولا حتى خيطاً ضئيلاً يُرشدنا إلى أين ذهبت.

انقلبت الدنيا رأساً على عقب. هرعت الشرطة، وفتّشوا كل شبرٍ في الحديقة، وفي البيت، وفي الشوارع المجاورة. جاء المتطوعون، وفتّشوا الأراضي والحقول المحيطة، وقلبوا الترعة القريبة من رأسها إلى أخمصها، بحثاً عن أثرٍ أو ملابس أو أي إشارةٍ تقودنا إليها. لكن كل ذلك لم يُجدِ نفعاً. لم يوجد شيء. لا شاهد رآها، ولا صوت سمعه أحد، ولا دليلٍ واحدٍ يُبني عليه أملاً أو بحثاً.

مرّت الأشهر، ثم السنون، والقضية رسمياً أُغلقت لعدم وجود أدلة، لكن في قلبي لم تُغلق أبداً. ظلّ

الباب مفتوحاً على أملٍ لا يُرجى، وعلى ألمٍ لا يبرح مكانه. كل ليلة أخلدُ إلى نومي وأنا أتساءل أين هي؟ هل هي بخير؟ هل هي جائعة؟ هل تبكي وتناديني؟ أم أنها.. لا أجرؤ على إكمال الفكرة.

وحمل أبي وزر الحاډثة كلّه فوق كتفيه، وكأن ذنباً اقترفه هو. لم يكن يوماً يمرّ دون أن يردّد الكلمات نفسها، بصوتٍ مُثقَلٍ بالندم والحسړة لو لم ألتفت.. لو بقيتُ أنظر إليها.. لما ضاعت منّي.. كانت لحظة.. وكانت كافية لتضيع منّي للأبد. حاولتُ طويلاً أن أُخفّف عنه، وقلت له مراتٍ لا تُحصى يا أبي، لم تقصد شيئاً، وما حدث قد يحدث لأيّ إنسان، وأنتَ جدّها الذي أحبّها بكل قلبه.. فلا تُعاقب نفسك بما لم تقترفه. لكنه لم يسامح نفسه قط. بقي يحمل ذنباً لم يكن ذنبه، حتى أنهكته السنون وأوهنته الحسړة.


الفصل الثاني رحيله.. وسرّ

أوصى بكتمانه حتى يُدفن

في الأشهر الستة الأخيرة من حياته، كنتُ أزوره يومياً تقريباً. كلما ازداد مرضه، ازداد تعلّقاً بي. حتى حين أخذته العلّة فلم يعد يقوى على الكلام، كان أوّل ما يفعله حين يراني هو أن يمدّ يده المرتعشة فيمسك بيدي، ويبقى ناظراً إليّ بعينين دامعتين، وكأنه يودّ أن يقول شيئاً لا تستطيع شفتاه نطقه. كنتُ أشعر بثقلٍ في صدره، وبكلامٍ يختنق في حلقه، وبحزنٍ عميقٍ يفوق حزني عليه. لم أدرِ حينها أنه يحتفظ بسرٍّ ضخمٍ قد رأى أن كتمانه شرطٌ لا بدّ منه، وأن إفشاؤه قد يؤذيني أو يؤذي غيري.

وافته المنية بعد صراعٍ طويلٍ مع المړض، وبعد أن أنهكته الحسړة والندم قبل أن يُنهكه المړض. دفنّاه، وبكيتُه طويلاً، ليس فقط كأبٍ رحل، بل كشريكٍ لي في الحزن والألم، كمن حمل معي عبء اختفاء ابنتي خمس

سنواتٍ كاملة.

 

انتهت مراسم العزاء، وبدأ الناس يغادرون المقپرة واحداً تلو الآخر، وبقيتُ وحدي للحظاتٍ أحاول أن أستجمع قوتي، وأن أُسلّم قلبي لربّ القلوب، وأقول اللهم أجرني في مصېبتي وأخلف لي خيراً منها.

وفجأة.. سمعتُ خطواتٍ سريعةً تقترب مني. التفتُّ فإذا بالممرضة التي كانت تتابع حالته في المستشفى في أيامه الأخيرة. كانت تتنفس بقلقٍ، وتنظر حولها بحرصٍ شديد، وتتحقّق من أن لا أحد يسمعنا أو يرانا. ثم اقتربت مني، ونظرت إليّ بجديةٍ لم أعهدها عليها من قبل، وقالت بصوتٍ خافتٍ لا يكاد يُسمع

أبوك.. أوصاني بشيءٍ قبل ۏفاته.. طلب مني أستنى لحد ما يُدفن.. ولما يخلّص كل الناس يمشوا.. وأقولكِ الحقيقة الكاملة عن اللي حصل ليلة اختفاء بنتك.. قال لي لا تُخبريها قبل أن أموت.. فإني أخاف عليها من الصدمة.. وأخاف أن يُقال كلامٌ لا يُرضيني.. فإذا ما دُفنتُ، فأخبرّيها حينها.

. فما عاد يمنع شيءٌ من الحقيقة.

جمدتُ في مكاني. لم أصدّق ما سمعته. الحقيقة؟ أي حقيقة؟ أكان أبي يعرف شيئاً ويخفيه عنّي طوال هذه السنين؟ خمس سنواتٍ من العڈاب والبحث والبكاء.. وكان يعرف؟ وآثر الصمت؟


الفصل الثالث السرّ.. حين تكلّم المۏتى بأفواه الصادقين

قلبي خفق پجنون، وسألتها بصوتٍ مرتعشٍ تكلّمي.. أرجوكِ.. لا تُؤخّري.. ماذا قال؟ وأي حقيقة هذه؟

تنهدت الممرضة بعمقٍ، وكأنها تُحاول أن تُخفّف وطأة الكلام الذي ستقوله، ثم بدأت تروي لي ما سمعته منه في ليلته الأخيرة، حين ظنّ أن المۏت قد اقترب، فدعاها إليه وأوصاها قائلاً

يا بنيتي.. إني كاتمٌ سرّاً خمس سنين.. وكلّما هممتُ أن أُفشيه تذكّرتُ عهداً قطعتهُ على نفسي، وخوفاً على ابنتي من أن تُعرف الحقيقة فتتألم أكثر ممّا هي مټألمة.. لكني والله ما استطعتُ أن أموت وأظلّمها.. ولا أظلّم الطفلة المسكينة.

. ولا أظلّم من ظُلم بغير ذنب.. فاسمعي ما سأقول، واحفظيه، وأدّيه لأمّ الأمانة حين أموت..

وسكتت الممرضة قليلاً، ثم نظرت إليّ بعينين دامعتين وأكملت

قال لي في تلك الليلة.. حين التفتُّ عنها للحظة.. لم تختفِ بقدرةِ غيبٍ ولا بسحرٍ.. بل رأيتُ رجلاً أخذها.. رأيته بعينيّ.. كان قريباً من البيت.. عرفته.. إنه كان قريباً منّا.. وكاد أن يفلت بها.. لولا أنني صرختُ وهرعتُ خلفه.. فخاف وارتد.. وحين أدركته.. تشاجرنا.. وسقطت الطفلة من يده.. وضړبت رأسها بحجرٍ.. وفقدت وعيها..

هنا توقفت الممرضة عن الكلام، وبكت بصوتٍ خافتٍ، وأنا كنتُ أستمع وكأنّ السكاكين تُقلب في أحشائي. سألتها بصوتٍ مُنقطع ثم.. ثم ماذا؟ أين هي؟ هل.. هل ماټت؟

هزّت رأسها ببطءٍ وقالت لا.. لم تمت.. لكنّ المصېبة كانت فيمن أخذها.. قال أبوك حين سقطت وفقدت وعيها، توقف الرجل وارتدّ خوفاً وذهولاً.

. وحين رآني أتقدّم نحوه.. عرفتُه.. ولم يكن غريباً.. بل كان ابن عمّكِ.. الذي كان يُقيم معكم فترة.. وكان الجميع يثق به.. وهو الذي..


الفصل الرابع المفاجأة.. الخائڼ كان من أهل البيت

شعرتُ وكأنّ صاعقةً نزلت عليّ. ابن عمّي؟ ذلك الشابّ الذي كنتُ أعتبره أخاً لي؟ الذي كان يلعب مع ابنتي ويحملها ويضحكها؟ كيف؟ ولماذا؟ وأيّ سببٍ يدفع إنساناً نعرفه ونثق به ليخطف طفلةً بريئةً لا ذنب لها؟

أكملت الممرضة الكلام بصوتٍ ثقيلٍ مُتعبٍ

قال أبوكِ حين عرفتُه وقفتُ مذهولاً.. قلت له ما هذا الذي تفعله؟ أجننت؟ فقال لي بصوتٍ مُضطربٍ إني مديونٌ بمالٍ كثير.. وهدّدوني باختطافها لأبتزّكِ أنتِ وأباها.. فلم أجد وسيلةً غيرها.. لم أردُ لها سوى الخير.. وإنما أردتُ أن أطلب الفدية وأردّها فوراً.. لولا أنكَ ظهرتَ وعطّلتَ خطتي..

وحين رأى الطفلة سقطت وفقدت وعيها، خاف خوفاً

شديداً.. قال

 

لي لو ماټت سأُقتل قصاصاً.. سأسلم نفسي للإعدام.. فماذا نفعل الآن؟

قال أبوكِ نقلناها إلى غرفةٍ بعيدةٍ في طرف البيت القديم المهجور.. فحصناها.. وجدناها بخيرٍ.. لكنّها فقدت الذاكرة.. لم تتعرف علينا.. ولم تتذكّر شيئاً.. لا اسمها.. ولا من هي.. ولا أمّها..

بكتُ بصوتٍ مرتفعٍ، وسقطتُ على ركبتيّ لا أقوى على الوقوف. ابنتي حيّة! لكنها فقدت ذاكرتها؟ ولا تعرفني؟ ولماذا لم يُعِدْها أبي؟ ولماذا أخفى كلّ هذا خمس سنوات؟

سألتُ الممرضة بلهفةٍ ودموعٍ تفيضان ولماذا؟ لماذا لم يُخبرني؟ لماذا لم يُعِدْها إليّ؟ أهي حيّة؟ أين هي الآن؟ أرجوكِ تكلّمي لا تُبقيني في جحيمٍ لا يُطاق!


الفصل الخامس العهد.. الصمت الذي دام خمس سنوات

مسحت الممرضة دموعها، وأكملت بصوتٍ حزينٍ عميق

قال أبوكِ لما رأيناها فقدت ذاكرتها، وخاف الرجل أن تُعاد إليكِ فتتذكّر شيئاً فتُدينه، فقال

لي إن عادت إليكِ فقد تُعرفني يوماً.. وسوف تُدمّر حياتي وحياة أسرتي.. فالرجاء منكَ.. ابقَ هذا سرّاً.. وسوف أتكفّل بعلاجها ورعايتها.. وسأعيش في مكانٍ بعيدٍ وأعتني بها.. وكلّما استعادت ذاكرتها سأُعيدها فوراً.. وأنا أقسمُ لكَ بكلّ ما هو مقدّس إنني لن أُؤذيها ولن أُفرّط فيها أبداً.. وإنني سأعاملها كابنتي طوال الوقت..

قال أبوكِ ووقفتُ حائراً.. بين عاطفة الجدّ التي تُريد أن ترى حفيدتها في بيتها وأمانها.. وبين الخۏف عليها من أن تُعاد وهي لا تعرف أحداً فتُصاب بصدمةٍ قد تُزهق روحها.. وبين العهد الذي قطعه الرجل لي.. وبين أنني لو أعلنتُ الأمر لاتُهمتُ أنا بالتواطؤ.. ولربما حُبستُ.. وضاعت الطفلةُ بين السجون والتحقيقات.. وربما تضرّرت أكثر ممّا هي متضررة.. فآثرتُ الصمت.. واتخذتُ القرار الأصعب في حياتي..

سكتت الممرضة لحظة، ثم قالت فوّض الأمر لله.

. وتركها معه على عهدٍ وثيقٍ ويمينٍ غليظٍ بأن يُبقيها في أمانٍ ورعايةٍ تامّة، وأن يُعالجها عند الأطباء، وأن يُخبره فوراً إن استعادت ذاكرتها.. وكلّما كان يزوره أبوكِ ليطمئنّ عليها، كان يعود ويقول لي هي بخير.. تنمو وتكبر.. وتنسى وتعيش.. ولا تذكر شيئاً من ماضيها.. فازداد خوفه من إعادتها إليكِ خشية الصدمة.. وآثر أن يُؤجّل الأمر.. حتى اشتدّ به المړض.. وعرف أنّ أجله قد اقترب.. فدعاني وأوصاني أن أُخبركِ بالحقيقة بعد ۏفاته.. وأن أُعطيكِ العنوان الذي يقيم فيه معها..


الفصل السادس العنوان.. الأمل الذي عاد بعد اليأس

ناولتني الممرضة ورقةً مطويّةً كانت تُخفيها في ثوبها، وقالت هذا هو العنوان.. قال أبوكِ أوصِلها إليها.. وأخبريها أني سامحته على ما فعل.. وأرجوها أن تكون رحيمةً به حين تلقاه.. فهو لم يكن يقصد سوى الخروج من ورطةٍ ألمّت به.. وإنما أخطأ

في الطريق.. والله غفورٌ رحيم.. وأخبريها أنني ما صمتتُ خمس سنواتٍ إلا خوفاً عليها.. ولو كان هناك طريقٌ آخر لما صمتّ يوماً واحداً.. وأخبريها أني طوال هذه السنين لم أذق طعم الراحة.. وكنتُ أُصلي كل ليلةٍ أن تُعيد الله إليها ذاكرتها فتعود إليها.. وأني لقيتُ ربّي وأنا حاملٌ همّها.. فسامحيني إن كنتُ قد ظلمتُكِ بصمتي..

أخذتُ الورقة وأنا أرتجف من كلّ جوارحي. خمس سنواتٍ من العڈاب والبكاء واليأس.. وابنتي حيّة.. في مكانٍ ما.. تنتظرني.. ولم تبتعد سوى بضع ساعاتٍ عنّي.. خمس سنواتٍ وأنا أظنّها في عداد المفقودين أو الأموات.. وهي على قيد الحياة.. تكبر وتلعب وتأكل وتنام.. وربما تنظر إلى صورتي وتتساءل من تكون تلك المرأة.. التي لا تعرف أنها أمّها..

لم أدرِ أبكي فرحاً أم حزناً أم ندماً.. لم أدرِ هل أشكر أبي على صمته الذي ظنّه حكمةً.. أم ألومه على قرارٍ

اتخذه بدلاً منّا

 

وخمس سنواتٍ تمضي دون أن أعرف شيئاً.. لكنّه كان أبى.. وكان يحبّها.. وكان يحبّني.. وما فعله إلا ظنّاً منه أنّ ذلك هو الصواب.. فسامحته من أعماق قلبي.. وقبلتُ عذره.. وقلت في نفسي اللهمّ لا تُعاقبه على اجتهاده.. بل اغفر له وارحمه كما رحمنا برحمته..


الفصل السابع الرحلة.. إلى حيث تنتظرني روحي

لم أضيع دقيقةٍ واحدة. انطلقتُ في نفس الساعة، متجهةً إلى العنوان المكتوب في الورقة، في منطقةٍ بعيدةٍ على أطراف المحافظة، في بيتٍ صغيرٍ هادئٍ تحيط به الأشجار. كلّما اقتربتُ ازداد خفقات قلبي، وكاد أن يقفز من بين ضلوعي. كنتُ أتساءل كيف ستبدو الآن؟ لقد كبرت خمس سنواتٍ.. هل ستعرفني؟ هل ستبدو ملامحي مألوفةً لها؟ أم ستنظر إليّ بوجهٍ خالٍ من أيّ تعرّفٍ فأتحطّم؟

وصلتُ. توقفتُ أمام البيت. قلبى يكاد ينفجر. تقدّمتُ نحو الباب، وطرقتُ برفق. فتحت لي البابَ عينان واسعتان.. عرفتُهما

فوراً.. هما عينا ابنتي.. نفس العينين.. ونفس اللمعان.. ونفس النظرة التي أحفظها في قلبي.. لكنّها كبرت.. وازدادت طولاً.. وملامحها تغيّرت قليلاً.. لكنّها ابنتي.. قطعةٌ من روحي.. وقفتُ أنظر إليها مشدوهةً لا أقوى على الكلام.

نظرت إليّ بدهشةٍ وتساؤلٍ، ثم سمعتُ صوتاً رجولياً يقترب من الطارق؟ التفتُّ فإذا بابن عمّي.. شاحبَ الوجه حين رآني.. وتغيّرت ملامحه تماماً. قال بصوتٍ خافتٍ متعثّر أنتِ.. كيف عرفتِ المكان؟

لم أُجبه. لم أستطع. بل مددتُ يدي نحو الطفلة التي تقف أمامي، وقلت بصوتٍ بالكاد يخرج حبيبتي.. تعالي إليّ.. أرجوكِ..

نظرت إليّ بقلقٍ وتردّدٍ.. ثم خطت خطوةً.. وتوقّفت.. ثم خطت أخرى.. وبدأتْ تتقدّم نحوي ببطءٍ.. وعيناها تُحدّقان في وجهي وكأنّ شيئاً بدأ يتحرّك في أعماقها.. وكأنّ صدىً بعيداً يعود إليها.. وكأنّ ذاكرةً كانت نائمةً بدأت تستيقظ..


الفصل الثامن

اللقاء.. حين عاد الروح إلى الجسد

اقتربت الطفلة حتى وقفتَ أمامي مباشرةً. رفعتْ يديها الصغيرتان ولمستا وجهي ببطءٍ، وقالت بصوتٍ خافتٍ مُتعجّبٍ أعرفكِ.. أعرف وجهكِ.. أحلم بكِ دائماً.. أنتِ.. أنتِ من كنتِ تأتين في منامي وتحتضنينني.. أنتِ.. أمي؟

لم أتمالك نفسي فانحنيتُ وضممتُها إلى صدري بكلّ ما أملك من قوةٍ وكأنّني أريد أن أعانق السنين الخمس التي فاتتنا جميعاً في عناقٍ واحد. بكيتُ وبكتْ، وضمتّني هي الأخرى بقوّةٍ وكأنّها وجدتْ شيئاً ظلّ يُنقصها طوال عمرها ولم تدرِ ما هو.

بينما نحن كذلك، اقترب الرجل منّا، وبكى بصوتٍ مرتفعٍ وقال سامحيني.. سامحيني.. ما قصدتُ يوماً إيذاءها أو إيذاءكِ.. لقد كنتُ في ورطةٍ ماليةٍ مُدقعةٍ.. وهدّدوني.. فأخطأتُ واخترتُ الطريق الخطأ.. وحين سقطت وفقدت ذاكرتها خفتُ من العواقب.. فآثرتُ أن أبقيها معي وأُعالجها وأنتظر حتى تتذكّر.. فأكون

بذلك قد أصلحتُ خطئي.. ولم أتجرّأ على إخباركِ خوفاً منكِ ومن العقاپ.. ولو علمتُ أن أباكِ سيُخبركِ لما بقيتُ يوماً واحداً دون أن أتوسّل إليكِ سامحاً..

نظرتُ إليه.. ذلك الرجل الذي أخطأ خطأً جسيماً.. لكنّه حفظ الأمانة خمس سنواتٍ.. ولم يُفرّط فيها.. ولم يُؤذِها.. بل رعاها وعلاجها وبقى بجانبها.. وها هي ذا ابنتي حيّةٌ سليمةٌ.. لم يُمسّها سوء.. فقلت له بصوتٍ مُثقَلٍ بالبكاء لكنّه حازم لقد أخطأتَ خطأً كبيراً.. ولو شئتِ لكان بيننا وبينكَ ما لا يُحمد عقباه.. لكنّكَ حفظتَ أمانةً أودعكَ إياها أبي.. ولم تُخنها.. وأعطيتَها ما استطعتَ من رعايةٍ وعلاجٍ.. فالله يغفر لكَ.. وأنا أسامحكِ.. لأنكَ أعدتَ لي روحي.. ولأنّ ابنتي عادت إليّ سالمةً معافاة..


الفصل التاسع العودة.. حين اجتمعت الشمل بعد طول فراق

عدتُ بابنتي إلى بيتي. لم تذهب معي إلى بيتٍ غريبٍ.. بل عادت إلى بيتها

الحقيقي.. بيت

 

أمّها.. بيت الجدّ الذي دفع ثمن الصمت خمس سنواتٍ بحياته. وفي الأيام التالية، بدأتْ ذاكرتها تعود شيئاً فشيئاً. كانت ترى الصور القديمة فتتذكّر.. وتسمع الأسماء فتعرف.. وتجلس في الحديقة نفسها التي كانت تلعبُ فيها فتبدو عليها علامات التعرّف.. حتى استعادتْ ذاكرتها بالكامل.. وذات يومٍ نظرتْ إليّ وقالت بكلّ ثقةٍ وابتسامةٍ ملأتْ قلبي سعادةً أمي.. أتذكّر كلّ شيءٍ الآن.. أتذكّر الجدّ.. وأتذكّر الحديقة.. وأتذكّر كيف ضعتُ.. وكيف كنتِ تبحثين عني..

ضممتُها إلىّ وبكيتُ فرحاً.. وقلتُ لها الحمد لله الذي ردّكِ إليّ.. الحمد لله الذي لم يُنسِكِ

شيئاً.. الحمد لله الذي بجانبنا دائماً..

زرتُ قبر أبي في اليوم التالي. وقفتُ فوقه وبكيتُ طويلاً، وقلت له يا أبي.. لقد عادت حفيدتكِ.. عادت بفضلكِ وصمتكِ واجتهادكِ.. لقد كنتَ تُحسن الظنّ وتُخطّئ في الطريق.. لكنّ نيتكَ كانت صالحةً.. والله قد تقبّل منكِ وأعاد إليّ روحي بسببه.. فسامحكَ الله كما سامحتُكِ.. ورحمكَ كما رحمتنا برأفتكِ.. ونم بسلامٍ.. لقد أدّيتَ الأمانةَ على أكمل وجهٍ.. وإن طال الزمن.. وإن كان الثمن باهظاً..


الفصل العاشر العبرة.. وما بقي بعد كل شيء

مرّت الأيام واستقرّت بنا الحال. عادت ابنتي لتملأ الدنيا ضحكاً وفرحاً

كما كانت من قبل. وكلّما نظرتُ إليها تذكّرتُ الخمس سنواتٍ التي مضت، وتذكّرتُ صمتَ أبي، وقلقَ الرجل، وصدقَ الممرضة، وقدرةَ الله التي لا تُعجِزُها شيء.

تعلّمتُ من قصتي دروساً لن أنساها ما حييت

أنّ لله في كلّ تأخيرةٍ حكمةً لا نعرفها، وأنّ ما نظنّه نهاية العالم قد يكون بدايةً لفرجٍ قريبٍ.

أنّ الصمت قد يكون في بعض الأحيان قراراً أصعب من الكلام، وأنّ النيّة الصادقة وإن خالطها خطأ فإنّ الله يُتمّها بخير.

أنّ الأمانة لا تُشترى ولا تُباع، وأنّ من يحفظ الأمانة يُعوّضه الله خيراً منها وإن طال الزمن.

وأنّ قلب الأمّ لا يُخطئ طريقَ ابنتها

أبداً، ولو طال الفراق وبعدت المسافات.

وأخيراً.. تعلّمتُ أنّ المۏتى لا يرحلون حقّاً طالما بقيتْ أسرارهم وأوصاؤهم تُقام وتُحترم، وأنّ أبي وهو يُدلى بوصيّته الأخيرة كان يعلم أنّ الحقيقة ستظهر يوماً، وأنّ ابنتي ستعود إليّ، وأنّ الله سيجمع الشمل بعد طول فراق.

وهكذا انتهت قصّتي.. قصّة اختفاءٍ وظنّاً ويأسٍ.. تحوّل بقدرة الله إلى لقاءٍ وشفاءٍ واجتماعٍ.. وصدق الله العظيم ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّكُم بَعْدَ خَوْفٍ أَمَانًا﴾.. وإنّ فرج الله قريبٌ.. وإنّ الحقّ سيعود مهما طال الزمان.. وإنّ القلوبَ التي اتّصلتْ بحبل الله لن تضيع أبداً.

تمت بحمد

الله..

 

تعليقات

التنقل السريع
    close