بنتي اتجوزت راجل أكبر منها
بنتي اتجوزت راجل أكبر منها
بنتي بطلت تكلمني شهور وهي في كلية التمريض... ولما اتصلت بيا أخيرًا اعترفت إنها اتجوزت راجل أكبر منها بأكتر من 30 سنة.
الفصل الأول الغربة والصمت الذي بدأ ېقتلني
بعتُ عربيتي التي كنتُ أورثها عن أبي، واشتغلتُ نوباتٍ إضافيةٍ طوال سنتين كاملتين، لم أعرف فيهما طعم الراحة، ولا عرفتُ معنى الليل الهادئ. كل قرشٍ جمعته وكل جهدٍ بذلته كان من أجلها.. من أجل ابنتي التي كانت كل حياتي، وكل ما أملك في هذه الدنيا. حلمتُ أن أُوفّر لها ما لم أملكه أنا.. أن تدرس التمريض في لندن.. أن تُكمل تعليمها في الخارج.. أن تُبني مستقبلاً مشرقاً لا يُشبه ما مررتُ به أنا. لم يكن ذلك مجرد دراسة.. كان أملاً كنتُ أُبنيه حجراً حجراً بدمعي وعرقي.
في الأشهر الأولى، كانت تكلمني كل ليلة دون انقطاع. صوتها كان يملأ عليّ البيت ويُنسيني تعب السنين. كانت تبكي وتقول
بصوتٍ مكسورٍ من الحنين يا ماما.. أنا مش طايقة الغربة.. وحشتيني أوي.. وحاسة إن قلبي بيوجعني من البعد... كنتُ أُواسيها وأُخفّف عنها، وأظلّ معها ساعاتٍ طويلة حتى الساعة الثانية أو الثالثة فجراً، لا أملّ ولا أكلّ، طالما أن صوتها يطمئنني وهي وحدها في بلدٍ غريبٍ لا تعرف فيه أحداً. كنتُ أُفكّر يكفيني أنها بخير.. يكفيني أنها تتكلّم معي.. وسوف تمرّ الأيام وتعود إليّ حاملةً شهادتها ومستقبلها.
لكن.. بعد خمسة أشهر تقريباً، تغيّر كل شيء فجأة. المكالمات التي كانت تستمرّ ساعاتٍ أصبحت عشر دقائق فقط.. ثم خمس دقائق.. ثم أقلّ. كانت تُسرع في الكلام وتختتمه بعبارةٍ واحدةٍ تتكرّر معلش يا ماما.. لازم أغلق دلوقتي... كلّما سألتها هل تعرّفتِ على أحد؟ هل هناك صديق؟ كانت تضحك بسرعةٍ وتُغيّر الموضوع فوراً، وتقول مشغولة يا ماما.. هكلّمك بعدين...
صوتها لم يعد يحمل ذلك الحنين القديم.. بدا وكأن شيئاً قد استولى على قلبها ووقتها، ولم تُخبرني به.
مرّت الشهور وأنا أتألّم بصمت. كنتُ أُحاول ألا أضغط عليها، أُعطيها مساحتها، وأقول لنفسي طبيعي.. ستتعرّف على ناسٍ جدد.. ستكون صداقات.. وسوف تعود كما كانت. لكنّ القلق كان يأكلني من الداخل.. شيءٌ في قلبي كان يُخبرني بأنّ هناك شيئاً خطأً.. شيئاً تخفيه عنّي.
الفصل الثاني الصورة التي هزّت كياني
بعد فترةٍ طويلةٍ، أخبرتني بأنّها قادمةٌ إلى مصر لزيارتي. فرحتُ بذلك جداً، وطلبتُ منها أن ترسل لي صوراً من حياتها هناك.. شقتها.. كليّتها.. أصدقاءها.. أيّ شيءٍ يُقرّبني من عالمها الذي ابتعدتُ عنه فجأة. لكنّها في كلّ مرّةٍ كانت تجد عذراً وتؤجّل بعدين يا ماما.. الصور مش جاهزة.. الموبايل فيه مشكلة.. الشبكة ضعيفة... حتى اقترب موعد سفرها بأسبوعٍ.
. وأخيراً.. وصلتني صورةٌ واحدة فقط.
نظرتُ إليها بترقّبٍ وشوقٍ.. ثمّ بقيتُ أنظر إليها دقائق طويلة.. حتى بدأتُ الدنيا تدور من حولي. إلى جانب ابنتي يقف رجلٌ.. يزيدها بثلاثين عاماً أو يزيد. شعره أبيض بالكامل.. ملامح وجهه تحمل آثار السنين.. ويده موضوعة على كتفها بكل هدوءٍ وثقة.. وكأنهما زوجان عاشا معاً عشرات السنين.
لم أستطع النظر إليها أكثر من ذلك. قلبتُ الهاتف على وجهه فوق الطاولة.. وشعرتُ ببرودةٍ تسري في عظامي. لم أستطع الكلام.. لم أستطع التنفّس.. قبل أن أتمالك نفسي وأكتب لها رسالة، رنّ هاتفي.. كانت هي.
صوتها كان هادئاً بشكلٍ غريبٍ.. وكأنّها جهّزت كل كلمةٍ ستقولها مسبقاً. قالت بصوتٍ ثابتٍ لا يتزحزح يا ماما.. إحنا اتجوزنا من أسبوعين.. وما قلتلكيش لأني كنت عارفة إنكِ هترفضي...
توقّف الزمن في تلك اللحظة. لم أصرخ.. لم أبكِ.
. لم أتكلّم.
سقطتُ على الكرسيّ ببطءٍ، وبقيتُ ممسكةً بالهاتف وكأنّ روحي قد فارقت جسدي. ابنتي.. التي ربّيتها وحيدةً وتعبتُ من أجلها السنين.. تزوّجت رجلاً في عمري.. رجلاً يكبرها بأكثر من ثلاثين عاماً.. دون أن تخبرني.. دون أن تأخذ رأيي.. دون أيّ كلمةٍ واحدةٍ.
ليلة تلك.. لم أنم. ولا الليالي الأربع التي تلتها. كنتُ أتخيّلها في مخيّلتي.. وهي تُوقّع على عقد الزواج بجانب رجلٍ يكبرها بكل تلك السنين.. وأفكّر في نفسي بمرارةٍ وألمٍ ليه؟.. ليه يا بنتي؟.. أضحيتِ شبابكِ وعمركِ من أجل المال؟.. من أجل الأمان الذي ظننتِهِ عنده؟.. أهذا كلّ ما قدّمتُهُ لكِ؟.. أهذا هو جزاء تعبي وسهري ودمعي؟
الفصل الثالث العودة.. والصدمة الأقوى
امبارح.. عادت أخيراً. هرعتُ لاستقبالها.. وقفتُ أنظر إليها.. وقلبي انفطر من الألم. لم تكن ترتدي ملابسَ فاخرةً.. ولا حُليّاً ثميناً.. ولا تحمل حقائبَ الماركاتِ الفاخرة التي
توقّعتُها لو تزوّجت من رجلٍ غنيٍّ. كانت تحمل نفس الحقيبة القديمة التي سافرت بها.. وجهها شاحبٌ ومُنهكٌ.. ونحفتْ بشكلٍ ملحوظٍ.. وكأنّها عادت لتوّها من رحلةٍ شاقّةٍ لا نهايّة لها.
نظرتُ إليها طويلاً.. لم أسألها عن الزواج.. لم أسألها عنه.. سألتها بصوتٍ يرتجف من الڠضب والألم ليه؟.. ليه هو بالذات؟.. قوليلي الحقيقة.. لا تُكذّبيني...
جلستْ أمامي بهدوءٍ تامٍّ.. لم تترجّل.. لم تبكِ.. فتحتْ حقيبتها القديمة.. وأخرجتْ ورقةً قديمةً جداً.. مطويّةً مرّاتٍ لا تُحصى.. حتى أطرافها أصبحتْ مهتريةً وباهتةَ الألوان. وضعتْها أمامي على الطاولة ببطءٍ.. ودفعتها نحوي بيدٍ ترتجف قليلاً.
نظرتُ إليها.. كانت إيصالاً قديماً من مستشفى.. تاريخه يعود إلى عشر سنواتٍ مضت.
قلتُ بصوتٍ خافتٍ لا يكاد يُسمع ما هذا؟...
نظرتْ إليّ بعينينٍ دامعتينٍ.. وقالت بصوتٍ واطئٍ عميقٍ كأنّه يخرج من أعماق السنين يا
ماما.. أنا ما اتجوزتوش عشان فلوسه.. اتجوزته عشان الحاجة اللي عملها علشانكِ من عشر سنين...
الفصل الرابع العودة عشر سنواتٍ للوراء
بقيتُ أنظر إلى الورقة أمامي.. ثمّ إليها.. ولم أفهم شيئاً. قلتُ لها بلهفةٍ وقلقٍ تكلّمي.. أرجوكِ.. اشرحي لي.. عشر سنين؟.. ماذا حدث قبل عشر سنين؟.. وأين دخل هذا الرجل في ذلك؟.
أخذتْ نفساً عميقاً.. وبدأتْ تروي لي بصوتٍ ثابتٍ يرتجف أحياناً.. كلماتٌ نقلتني عشر سنواتٍ إلى الوراء.. إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي حاولتُ نسيانه طوال حياتي.. ولم أستطع.
تتذكّري يا ماما قبل عشر سنين.. حين مرضتِ مرضاً شديداً.. وكدتِ تموتين؟.. حين قال الأطباء إنّكِ تحتاجينَ لعملٍ جراحيٍّ عاجلٍ.. والتكاليفُ كانتْ باهظةً جداً.. ولم يكن معنا من المال ما يكفي.. وبكيتِ ليلَ نهارَ خوفاً عليَّ.. وخوفاً من أن ټموتي وتتركني وحيدةً في الدنيا؟.
دموعي انهمرتْ بلا توقّفٍ.. وقلتُ
بصوتٍ مكسورٍ أتذكّر.. يا بنتي.. أتذكّر.. وكان ذلك أصعبَ يومٍ في حياتي.. حين ظننتُ أنّ الموتَ قادمٌ ولا أملكُ وسيلةً لدفعه...
في تلك الأيام.. جاء رجلٌ لا نعرفه.. لم يطلبْ مقابلًا.. ولم يطلبْ منكِ شيئاً.. دفع كل التكاليف.. وأجرى لكِ العمليةَ.. وبعد أن شفيتِ.. اختفى.. لم يترك اسمه.. لم يترك عنوانه.. ولم يطلبْ منكِ أن تشكريه...
هنا توقّفتْ عن الكلام للحظةٍ.. ثمّ نظرتْ إليّ مباشرةً في عينيَّ وقالت هذا الرجل.. هو زوجي الآن...
الفصل الخامس اليد التي أنقذتني واختفَتْ
شعرتُ وكأنّ صاعقةً نزلتْ عليّ. تذكّرتُ كلّ شيءٍ فوراً. قبل عشر سنواتٍ.. مرضتُ مرضاً خطيراً.. كادتْ تفقدني الحياة.. التكاليفُ كانتْ تفوقُ طاقتي بمراحل.. كنتُ وحيدةً.. لا زوجَ.. لا أخاً.. لا أباً.. كنتُ سأموتُ لا محالةَ لولا أن جاء ذلك المجهولُ ودفع كلّ شيءٍ.. واختفى دون أن يعرفني بنفسه.. دون أن يطلبَ منّي
شيئاً.. دون أن يقولَ
لي لماذا فعل ذلك.
بقيتُ سنواتٍ طويلةٍ أبحثُ عنه.. أشكرُ اللهَ في كلّ صلاةٍ على فضله بي.. وأدعو له بظهر الغيبِ كلّ يومٍ.. قائلةً اللهمّ من أنقذني من المۏت فأنجِهِ من كلّ سوءٍ.. وأكرِمهُ كما أكرمني.. وارزقهُ خيراً ممّا أنفقَ عليَّ... لم أعرفْ اسمه.. لم أعرفْ شكله.. لم أعرفْ شيئاً عنه.. سوى أنّه رجلٌ طيّبٌ أتقى اللهَ وأنقذَ روحي.
والآن.. تقول لي ابنتي.. إنّ زوجها هو ذلك الرجل؟.. هو من أنقذني قبل عشر سنواتٍ؟.. فلماذا؟.. ولماذا تزوّجته ابنتي؟.. وكيف التقتْ به في لندن؟.. وأيّ قدرٍ هذا الذي يجمعنا بهذا الشكلِ الغريبِ المُعجِز؟
سألتُها بصوتٍ بالكاد يخرج كيف.. كيف التقيته؟.. وكيف عرفتِ أنه هو؟.. ولماذا تزوّجتِهِ يا بنتي؟.. أرجوكِ أكملي...
الفصل السادس اللقاء في بلاد الغربة
أكملتْ روايتها بدموعٍ تتساقطُ رغم أنفها حين سافرتُ إلى لندن.. لم أكن أعرفُ شيئاً عنه..
لكنّني صادفتُهُ صدفةً في المستشفى الذي كنتُ أدرسُ فيه.. كان مريضاً يا ماما.. مريضاً بمرضٍ خبيثٍ.. وحيداً.. لا أحدَ بجانبه.. لا زوجةَ.. لا أولادَ.. لا أهلَ...
سكتتْ لحظةً لتستجمعَ قوّتها.. ثمّ قالت عندما رأيتُهُ.. شعرتُ بشيءٍ غريبٍ في قلبي.. كأنّني أعرفهُ من زمنٍ بعيدٍ.. ثمّ حين تحدّثنا.. سمعتُ اسمه.. وتذكّرتُ الاسمَ الذي كان مكتوباً في ظهر الورقة التي كنتِ تحفظينها في خزانتكِ وتقرئينها كلّ شهرٍ وتدعين لصاحبها...
نظرتْ إليّ وقالت بكلّ صدقٍ وثباتٍ سألتُهُ.. وقلتُ له هل أنتِ من دفع تكاليف عملية أمّي قبل عشر سنين؟.. بكى حين سألتني.. وقال لي نعم.. كنتُ أمرُّ بجانب الغرفةِ.. وسمعتُ بكاءكِ وأنتِ صغيرةٌ.. وقلتُ في نفسي لا يجوزُ أن تموتَ أمٌّ وتتيمَ طفلةٌ بلا ذنبٍ.. فدفعتُ المبلغَ وذهبتُ.. ولم أُردّ أن أعرفكِ.. كنتُ أُريدُ الخيرَ لوجهِ اللهِ فقط...
هنا انهارتْ
دموعي.. وبكيتُ بصوتٍ مرتفعٍ.. وقلتُ في نفسي يا الله.. كم أنتَ رحيمٌ بي.. تُرسلُ لي من يُنقذُ حياتي.. ثمّ تُجمّعُ الشملَ بعد سنينٍ طويلةٍ.. بطريقةٍ لم تخطرْ ببالِ أحدٍ قطّ.
الفصل السابع العهد.. حين سقط وأبقى وحيداً
وجدتُهُ وحيداً يا ماما.. مريضاً.. لا أحدَ بجانبه.. قضى عمرهُ وحيداً.. لم يتزوّج.. لم يكن له أهلٌ.. وكلّ ما يملكُ أنفقهُ على الخيرِ ومساعدةِ الناسِ.. وحين مرضَ واشتدّ به المرضُ.. لم يجدْ بجانبهِ أحداً...
قالتْ ابنتي بصوتٍ عميقٍ حازمٍ جلستُ بجانبهُ أيّاماً.. ورأيتُ صبرَهُ وصلاحَهُ وكرمَهُ.. رأيتُ رجلاً أفنى عمرهُ في الخيرِ.. وحين احتاجَ إلى من يُقابلهُ ببعضِ ما قدّمَ.. لم يجدْ أحداً.. فقلتُ في نفسي ألا يُجازى هذا الرجلُ الإحسانَ إلا بالإحسانِ؟.. ألا نردّ لهُ الجميلَ الذي أنقذَ به حياتكِ وحياتي؟.. فلو ماتَ وحيداً.. أينَ يكونُ جزاءُ خيرِهِ عند
اللهِ وعندنا؟.
عرضتُ عليهِ أن أكونَ بجانبهِ.. أن أُخدِمَهُ.. أن أردَّ لهُ الجميلَ.. فقال لي لا أريدُ منكِ شيئاً.. يكفيني ما فعلتهِ.. ارجعي إلى أمّكِ.. واعيشي حياتكِ.. فبقيتُ.. وقلتُ له لن أترككَ.. وسأكونُ زوجةً لكِ.. أُرعيكَ وأُخدِمكَ وأبقى بجانبكَ حتى يُشفِيكَ اللهُ أو ألقى ربّي قبلكَ...
رفض في البدايةِ.. خوفاً عليَّ.. وخوفاً من الفارقِ في السنِّ.. فقلتُ له أنا لا أتزوّجكَ حباً في المالِ ولا في الجاهِ.. بل أتزوّجكَ وفاءً وعهداً.. فأنتَ من أنقذَ أمّي.. وأنتَ من بقيَ وحيداً.. فلا تُحرمني أجرَ صُحبتكَ.. فأذعنَ لي في النهايةِ.. وتزوّجنا.. ولم أُخبركِ خوفاً من أن ترفضي.. وظننتِ أنني فعلتُ ذلكَ طمعاً أو غفلةً...
الفصل الثامن الفداء.. حين يُردّ الجميلُ بكلِّ ما يملك
بقيتُ مذهولةً.. لا أجدُ كلاماً أقولهُ.. دموعي تتدفّقُ بلا توقّفٍ.. ونظرتُ إلى ابنتي التي كبُرتْ
فجأةً أمام عينيَّ..
لم تكنْ مجردَ طفلةٍ ربّيتُها.. بل كانتْ إنسانةً تحملُ قلباً أسمى وأكرمَ ممّا توقّعتُهُ يوماً.
قلتُ لها بصوتٍ مُمزَّقٍ بالبكاءِ والفخرِ معاً وكيفَ حالهُ الآن؟.. وكيفَ صحّته؟...
قالتْ بصوتٍ خافتٍ حزينٍ حالُهُ يتحسّنُ ببطءٍ.. الأطبّاءُ يقولونَ إنّ حالتهُ تحتاجُ وقتاً ورعايةً.. ولهذا لم أستطعِ التكلّمَ معكِ طويلاً.. كنتُ بجانبهِ في المستشفى.. أُخفي عنكِ الأمرَ خوفاً من سوءِ الفهمِ.. وها أنا ذا أخبرتكِ الحقيقةَ كلّها.. افعلي ما تشائينَ يا أمّي.. أنا فعلتُ ما رآهُ قلبي واجباً عليَّ.. ولن أندمَ أبداً...
قمتُ من مكاني.. واقتربتُ منها.. وضممتُها إلى صدري بكلّ قوّتي.. وقبّلتُ رأسَها ووجهَها.. وبكيتُ وأنا أقولُ لها سامحيني.. سامحيني يا بنتي.. لقدِ ظلمتُكِ بتفكيري.. واتهمتُكِ بغيرِ ذنبٍ.. وأنتِ فعلتِ ما لم يخطرْ ببالي.. أنتِ أكرمُ منّي وأوفى.. أنتِ حقاً ابنتي.. بل
وأفضلُ منّي بكثيرٍ...
الفصل التاسع اللقاء.. حين التقى الجميلُ بمن يستحقّه
سافرتُ معها في نفسِ اليومِ إليهِ. دخلتُ غرفته في المستشفى.. ورأيتُهُ راقداً على السريرِ.. شعرهُ أبيضُ.. وجههُ يحملُ صفاءً ووقاراً لا يُوصفان.. حين رآني ابتسمَ بضعفٍ.. وقال بصوتٍ خافتٍ ها أنتِ قد أتيتِ.. باركَ اللهُ لكِ في ابنتكِ.. إنّها نعمةٌ عظيمةٌ...
اقتربتُ منهُ.. ولم أجدِ كلاماً يليقُ بفعلهِ.. فبكيتُ وقلتُ له كيفَ لا تكلّمني؟.. كيفَ فعلتَ بي كلَّ هذا واختفيتَ؟.. أنا التي كنتُ أدعو لكِ كلَّ يومٍ.. وأبحثُ عنكِ في كلِّ مكانٍ.. وأنتَ هنا.. وحيداً مريضاً...
قال لي بكلِّ هدوءٍ وسموٍ فعلتُ ذلكَ لوجهِ اللهِ.. ولم أُردّ جزاءً ولا شكوراً.. واللهُ قد أكرمني بما لم أتوقّعْ.. حين أرسلَ لي ابنتكِ لتكونَ بجانبي.. خيراً من كلِّ مالٍ وولدٍ.. الحمدُ للهِ الذي لا يُضيعُ أجرَ المحسنينَ...
بقيتُ
بجانبهِ أيّاماً.. ورأيتُ ابنتي وهي تُخدِمُهُ وتُرعيهِ بكلِّ حنانٍ ووفاءٍ.. فهمتُ حينها معنى الحقيقةِ الكبرى.. أنّ الدنيا تدورُ وتُعطي وتأخذُ.. وأنّ الجميلَ لا يُضيعُ عند اللهِ.. وأنّ من يُقدّم الخيرَ للناسِ سيردّهُ اللهُ عليهِ في الوقتِ الذي يشاءُ.. وبالطريقةِ التي لا يتوقّعُها.
الفصل العاشر الخاتمة.. حين يُبني اللهُ ما هدمتهُ الأيام
مرّت الشهور.. وتحسّنتْ صحّتهُ تدريجياً.. وبقيَ معنا.. لم يعدْ وحيداً.. لم يعدْ غريباً.. أصبحَ جزءاً منّا.. أباً لي.. وزوجاً لابنتي.. ومُعزاً لنا جميعاً. لم يكن الفارقُ في السنِّ حاجزاً يوماً.. لأنّ ما جمعَ بينهم كانَ أسمى وأبقى من كلِّ ذلك.. كانَ الوفاءَ والإحسانَ والشكرَ للهِ الذي جمعَ القلوبَ على الخيرِ.
ذاتَ يومٍ سألتُ ابنتي ألم يكنْ صعباً عليكِ؟.. ألم تتألّمي؟...
نظرتْ إليّ بابتسامةٍ صافيةٍ وقالت بلى.. كانَ صعباً.. لكنّني
تذكّرتُ دائماً.. أنّ هذا الرجلَ وقفَ وحيداً أمامَ الموتِ ليُبقيكِ لي.. فما أقلُّ ما أُقدّمهُ لهُ هو أن أقفَ أنا بجانبهِ حين احتاجَ إليَّ.. أليسَ من حقِّ المحسِنِ أن يُجازى بإحسانٍ؟...
عرفتُ حينها أنّ ابنتي لم تُضحّي بشبابها.. بل أكرمتْ نفسَها وأكرمتْ من أنقذَنا.. وأنّ اللهَ سبحانهُ وتعالى قد رتّبَ كلَّ شيءٍ بحكمتهِ ولطفهِ.. فما كانَ ظاهرهُ الشرُّ والصعوبةُ كانَ باطنُهُ الخيرُ والبركةُ التي لا تنضب.
وأخيراً.. تعلّمتُ أن لا أحكُمَ على الأمورِ من ظواهرها.. وأن لا أتسرّعَ في إصدارِ الأحكامِ.. فاللهُ يُدبّرُ الأمورَ بقدرٍ لا نراهُ نحنُ.. وكم من خيرٍ يُخبّئهُ اللهُ خلفَ سحابةِ الصعابِ والآلامِ.. وكم من فرجٍ قريبٍ يأتي بعدَ طولِ الصبرِ والابتلاءِ.. وإنَّ العاقبةَ للمتقينَ.. وإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً واتقى وأصابَ الحقَّ وإنْ طالَ بهِ الزمانُ.
تمت
بحمد الله..


تعليقات
إرسال تعليق