حماتي كانت كل ما ضرتي تتعب تروح تخدمها بنفسها
حماتي لما ضرتي تتعب
حماتي كانت كل ما ضرتي تتعب تروح تخدمها بنفسها… ولما أنا تعبت قالت: “قومي اتحركي وهتبقي كويسة.”… كنت بقول يمكن بتحبها أكتر، لحد اليوم اللي وقعت فيه قدامها، وساعتها قالت جملة كشفت الحقيقة اللي كانت مخبياها من أول يوم جواز.
من أول ما اتجوزت، وأنا ملاحظة إن فيه فرق كبير بيني وبين ضرتي.
لو ضرتي قالت إنها تعبانة شوية…
حماتي تسيب كل اللي في إيدها، وتروح تقعد جنبها، تعملها شوربة، وتجيبلها الدوا، وتقعد تدعيلها وتقول:
“سلامتك يا بنتي… إنتِ متتعبيش.”
أما أنا…
لو قلت إن عندي صداع، أو إني مرهقة
من الشغل، ترد بكل برود:
“قومي اتحركي… الكسل هو اللي بيجيب التعب.”
كنت أشتغل من الصبح، وأرجع أطبخ وأنضف وأغسل، ولو قعدت خمس دقايق أريح، أسمع تعليقها المعتاد:
“الست الشاطرة مبتقعدش.”
مرة جالي دور برد شديد، وسخوني كانت عالية جدًا.
جوزي كلمها وقالها إني تعبانة.
قالتله:
“سيبها تقوم تعمل شاي بلمون وهتبقى زي الفل.”
بعدها بأسبوع، ضرتي عطست مرتين.
في أقل من نص ساعة، حماتي كانت عندها في البيت، شايلة معاها أكل، وفاكهة، وأدوية، وبتقول:
“متقومييش من السرير.”
وقتها حسيت بوجع أكبر من المرض
نفسه.
مش علشان هي خدمتها…
لكن علشان عمري ما حسيت إنها بصتلي بنفس النظرة.
عدت الأيام، وكل مرة كنت أقول لنفسي:
“يمكن أنا بحسس نفسي.”
لحد ما في يوم، كنت راجعة من الشغل مرهقة جدًا.
دخلت البيت وأنا مش قادرة أقف.
حماتي كانت قاعدة عندنا.
أول ما شافتني قالت:
“مالك؟”
قلت:
“حاسّة بدوخة جامدة.”
ردت بسرعة:
“قومي اتحركي… الحركة بركة.”
حاولت أمشي فعلًا.
لكن فجأة الدنيا اسودت في عيني.
ووقعت على الأرض.
جوزي جري عليا وهو مرعوب.
أما حماتي…
بدل ما تقوم تساعده، قالت:
“أكيد دلع.”
لكن لما
الإسعاف وصلت، والدكتور كشف عليا، بص لجوزي وقال:
“مراتك كان ضغطها نازل جدًا، ولو اتأخرتوا شوية كان ممكن تدخل في غيبوبة.”
ساعتها بس، حماتي سكتت.
افتكرت إنها أخيرًا هتحس بالذنب.
لكن وأنا خارجة من البيت رايحة المستشفى، سمعتها بتهمس لضرتي وهي فاكرة إن محدش سامعها:
“هي لازم تستحمل… لو كل ما تعبت دلعناها، هتركب وتدلدل.”
الجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة.
يعني كل السنين دي…
ماكنتش شايفاني قليلة التعب.
كانت شايفاني لازم أتعب.
رجعت من المستشفى بعد يومين.
وجوزي كان ساكت طول الطريق.
أول ما
دخلنا البيت، راح مباشرة لأمه وقال:
“إنتِ قلتي ليه الكلام ده؟”
حاولت تنكر.
لكن ضرتي اتوترت وقالت:
“أنا مالي!”
جوزي ساعتها فتح موبايله، وقال بهدوء:
“قبل ما نخرج بالإسعاف، كنت فاتح تسجيل بالغلط… وكل كلمة اتقالت اتسجلت.”
لون وش حماتي اتغير في ثانية.
لكن الصدمة الأكبر…
ماكنتش في التسجيل.
كانت في آخر جملة قالتها بعد ما افتكرت إننا خرجنا من البيت فعلًا…
جملة خلت جوزي يبصلها لأول مرة في حياته، وكأنه مش عارف الست اللي قدامه.
كنت قاعدة على السرير، وكل كلمة سمعتها بتقطع في قلبي أكتر من ألم الراس والدوخة اللي لسه باحس بها. جوزي كان واقف قدام امه ومسك الموبايل بيده، والصوت طالع منه واضح ونقي زي ما كان الكلام بيتقال قدام عينينا وعين كل الناس:
«هي لازم تستحمل… لو كل ما تعبت دلعناها، هتركب وتدلدل… واصلاً مش زي بنتي، بنتي كانت دايماً عايشة في راحة ومش بتتحمل تعب، دي من صغرها تعودت تشتغل وتتحمل كل حاجة، فمش هينفع نعاملها زيها… هي لازم تخدم وتتعب، ده نصيبها.»
الصوت وقف. وساد صمت ميت في البيت. انا كنت مش عارفة اصدق اللي سمعته؟ يعني كل السنين دي، كل المرات اللي كنت اشتغل من الصبح لحد الليل، كل تعب وكل وجع وكل دمعة خبيتها في وسادتي، ده مش لانها مش بتحبني… ده لانها عمداً عايزاني اتعب! عايزاني استحمل اكتر من طاقتي، عشان بس هي شايفة اني لازم اكون خادمة، وان ضرتي هي الوحيدة اللي تستاهل الراحة والاهتمام!
بصيت لجوزي، لقيته باصص لامه بعين مش مصدقة، فاتح فمه مش عارف يقول ايه. وامه كانت واقفة زي الحجر، لون وشها صار اصفر وابيض مع بعض، ويدها بترتعش، وعينها بتدور في الحيطان مش عارفة تينظر فين لانه اول مرة الحقيقة تطلع وتكون موثقة ومسموعة بالصوت والصورة، مش كلام نقوله وننكره بعدين.
بعد صمت طويل، نطق جوزي بصوت مهزوز ومليان غضب وندم:
«يعني كل ده كان جواكي؟ كل ده كنتي بتخبيه؟ كل المرات اللي كنت اشتكي لك منها
وتقولي لي انها بتدلع وانها مبتحبش الشغل، وانها كسلانة… ده كله كذب؟ ده كله عشان بس عايزاها تتحمل اكتر من طاقتها؟ ليه يا امي؟ ليه تعمل كده؟ هي عملتلك ايه؟»
حماتي بدأت تترجف، وبدأت تعيط وتقول:
«لا يا ولدي… لا تتصدق الكلام ده غلط… انا ما قصدتش كده… الكلام طلع غلط… انا قصدت انها قوية وتستحمل…»
«قوية؟» صرخ جوزي بكل قوة، والدموع بدأت تلمع في عينيه «هي كانت تموت قدام عينينا يا امي! الدكتور قال لو اتأخرنا عليها نص ساعة كانت راحت منا! وانتِ كنتي تقولي هي بتدلع! وكل ده عشان انتي شايفة انها لازم تتحمل؟ ليه؟ ليه هي بالذات؟»
ساعتها ضرتي اللي كانت واقفة في الزاوية طول الوقت، حاولت تتدخل وتقول:
«خلاص يا جوزي، هي قصدت خير، مش تقصد حاجة وحشة…»
لكن جوزي لف عليها بسرعة وقال لها بلهجة حادة اول مرة يقولها لها:
«وانتي ساكتة ليه طول الوقت؟ انتي كنتي تعرفي؟ تعرفي ان امي بتعاملها كده عمداً؟ وكنتي ساكتة؟ كل مرة كانت تعملها معاها كده وانتي تشوفي وتسمعي ومش تقولي كلمة؟»
ضرتي خافت وبدأت تعيط هي كمان وقالت:
«لا والله ما كنت اعرف… انا كنت فاكرة انها فعلاً بتدلع زي ما امي بتقول… ما كنتش اعرف انها بتتعرض لده كله عمداً…»
حماتي لقت نفسها مسكينة ومحاصرة، ومفيش طريق للهروب، فبدأت تطلع اللي في قلبها من اول يوم، كلام ما كان حد يتوقعه، كلام كان مخبي تحت كومة من الاكاذيب والسنوات:
«طيب… انا قلت الحقيقة… تعالوا شوفوا… من اول يوم جيتلكم فيها، كنت شايفة ان دي مش من مستواك يا ولدي… كنت عايزك تتجوز بنت ناس غني، بنت تكون معاها فلوس واصل، ترفع راسك وتساعدك في حياتك… ودي جيتها من بيت بسيط، ما معهاش حاجة، وابوها وامها ناس عاديين… فقلت في نفسي: لو دلعتها وعاملتها زي ما هي عايزة، هتتكبر وتنسى نفسها، وتقول انها ملكة البيت… فقررت اني اعلمها الادب،
اجعلها تشوف قيمتها، تعرف انها جايه تخدم وتتعب، مش تعيش في راحة… اما بنتي اختك… فدي بنتي، دمي ولحمي، تعبت عليها كتير، وعايزها دايماً في راحة، ومش عايزها تشتغل ولا تتعب، لانها ما تعودتش… وكنت فاكرة ان ده صح، وانت هتشكرني بعدين لما تشوفها شاطرة ومؤدبة…»
الكلام ده كان طالع منها زي السيل، وكل كلمة بتزيد الجرح في قلبي. كنت قاعدة اسمعها ومش عارفة اضحك ولا ابكي. يعني السبب في كل العذاب اللي عشته سنين، انها شايفة اني مش من مستوا ابنها؟ وان حقي في الراحة والاهتمام شيء ممنوع عليا؟ وانني لازم اكون خادمة عشان اتعلم الادب؟
بصيت لجوزي، لقيته واقف مش عارف يقول ايه، مصدوم في الكلام اللي سمعه، ومش عارف يصدق ان امه اللي ربتة وكل حاجة في حياته، هي اللي كانت بتخطط وتعمل كده في حياته وفي زوجته. بعد فترة صمت طويلة، قال بصوت خافت ومليان خيبة امل:
«يعني كل اللي عملته في حياتي، كل ما كنت بعمله عشان ارضيك، وكل ما كنت اقوله لمراتي تتحمل عشان امي، ده كله كان غلط… ده كله كان مبني على كذب منك… انا كنت فاكر انك بتعامليها زي بنتك، وان الفرق ده مجرد احساس منها غلط… وطلعتي بتعمدي تاذيها، وتعمدي تضغطي عليها لحد ما كانت تموت…»
لف عليا وجي يقعد جنبي على السرير، مسك ايدي اللي كانت باردة، وقال وعينه مدمعة:
«سامحيني يا حبيبتي… سامحيني انا كنت غبي جداً، ما شفتش الحقيقة اللي كانت قدام عيني طول الوقت… صدقت كلامها وصدقت انك بتدلع، وكنت ازيد عليكي الضغط بدل ما احميك… انا اسف، اسف جداً علي كل دقيقة تعبتيها وانا عارف، وكل دقيقة بكيتيها وانا مش حاسس…»
دموعي نزلت ساعتها، واخدته في حضني وقلت له:
«انا مش عايزة ندم يا حبيبي… انا بس كنت عايزة الحقيقة تطلع… عايزة تعرف اني مش كسلانة، ومش بدلع… انا بس كنت محتاجة حد يحس بيا…»
حماتي كانت واقفة تسمع
الكلام ده، وبدأت تفهم انها خسرت كل حاجة، ان ابنها مش هيرد زي ما كان، وان الحاجز اللي بينهم اتكسر للابد. حاولت تقرب وتقول:
«يا ولدي… انا كنت قصدت مصلحتك… كنت خايفة عليك…»
«مصلحتي؟» رد عليها بلهجة قاسية «مصلحتي انك تاذي الانسانه الوحيدة اللي وقفت جنبي في كل ظروفي، اللي كانت تشتغل وتساعدني وتصرف من فلوسها عشان نكفي البيت، اللي كانت تعاملك زي امها وتحترمك اكتر من اي حد؟ دي مصلحتي؟ لو دي مصلحتي فلا اريدها ابداً…»
من اليوم ده، اتغير كل حاجة. جوزي منعها تماماً انها تتكلم معايا باي طريقة وحشة، ولا تطلب مني اي حاجة وهي تعرف اني تعبانة. وقرر اننا نروح نعيش في شقة تانية بعيد، عشان الاجواء دي ما تاثرش عليا ولا على صحتنا. حاولت حماتي كتير تصلح الحال، وتعتذر، وتقول انها عرفت غلطها، لكن الجرح كان كبير جداً، والثقة راحت ومش سهلة ترجع مرة تانية. ضرتي كمان بدأت تحس بالذنب، وبدأت تساعدني في البيت وتعتذر لي انها كانت ساكتة طول الوقت، وانها ما كانتش تعرف حقيقة امها.
عدت شهور، ورجعت صحتي تتحسن شوية بشوية. وكل ما كنت اشوف حماتي، كنت اشوف عينها مليانة ندم وحسرة، وكنت اعرف انها عرفت اخيراً ان القيمة مش في الفلوس ولا في الاصل، القيمة في الطيبة والاحترام. وان اللي تعمل خير تلاقيه خير، واللي تعمل شر مهما خبيه، الحقيقة لابد تطلع في يوم من الايام.
في النهاية، تعلمنا جميعاً درس قوي جداً. ان العدالة مهما اتاخرت، لابد تجي. وان الحب مش بيتقاس بالكلام، بيتقاس بالافعال. وان اللي بيتعب ويجتهد ويحب، مهما كان قليل الحال، يستاهل كل احترام وتقدير، مش يتحمل اكتر من طاقته عشان يرضي ناس قلوبهم مش صافية. وكنت عارفة ان مهما حصل، ربنا شاف كل حاجة، ورد لي حقي في الوقت المناسب، وكشف الستار عن كل كلام كان مخبي، عشان اعيش مرتاحة البال والقلب، واعرف اني مش وحيدة، وان الحقيقة دايماً هي اللي تبقى وتعلو فوق كل كذب.


تعليقات
إرسال تعليق