سلفتى بتعايرنى كاملة روماني مكرم
سلفتى بتعايرنى كاملة روماني مكرم
سلفتى بتعايرنى ان ابنى معاق وتقول انا معايا ثلاب بنات زى العسل وكل شويه أسمعها تقول لجوزها ما يمكن كنت جبت ولد أهبل زى ابن اخوك دول البنات عسلات البيت هو فيه زى بناتى ابن اخوك اهو ولد معاق واهبل وانا جبتلك بنات عسل
ولما بتشوف ابنى لازم تزعلنى وفى يوم دخلت شقتى عملت كوبايه شاى وقولتلها اتفضلى تقولى اكيد ابنك شارب منها وانا بقرف منه ده اهبل أعفينى
كانت كلاماتها بتطلع من بين سنانها زي بتغرس في قلبي. كل يوم الصبح، أول ما أفتح باب الشقة عشان أمسح السلم ولا أرمي الزبالة، أسمع صوت نادية «سلفتي» وهي بتتكلم بصوت عالي ومخصوص عشان تضمن إن الصوت واصل لحد عندي:
— يا سعيد، أحسن حاجة إن ربنا رزقنا بتلات بنات زي العسل! كل شوية أقول الحمد لله.. ما يمكن لو كنت جبت ولد، كان طلع أهبل وعبيط زي ابن أخوك؟ البنات دول هما بركة البيت، ولا إيه؟ هو فيه زي بناتي؟ ابن أخوك أهو ولد، بس معاق وأهبل، وأنا جبتلك بنات زي السكر خاليين من أي عيب!
كنت بأقف ورا الباب، أبلع ريقي بحسرة والدموع بتكوي خدي، وأضم ابني «ياسين» لصدري. ياسين عنده سبع سنين، ومكنش «أهبل» زي ما هي بتقول، هو بس ربنا ابتلاه بحالة عصبيّة ونطقية نادرة مأثرة على حركة إيده وعلى كلامه، بس قلبه أبيض زي الفل وعينيه مليانة ذكاء وحنية.
نادية مكنتش بتكتفي بالكلام من ورا الضهر؛ دي كانت بتتحين أي فرصة عشان بخاطر ابني. لو شافته في مدخل العمارة، تتفزع وتسحب بناتها لورا بحركة مسرحية وكأنه مرض معدي، وتصرخ بصوت واطي ومسموع: “ابعدوا يا بنات، بلاش يقرب منكم، ربنا يعافينا وما يبلينا!”
وفي يوم، نزلت عندي الشقة بحجة إنها عاوزة حاجة كانت سلفاهالي. استقبلتها عادي وقلت العيب ما يخرجش مني، ودخلت المطبخ عملتلها كوباية شاي مظبوطة عشان أوجب معاها. حطيت الصينية قدامها، راحت رافعة حاجبها وباصة للكوباية بقرف، وزقت الفنجان بظهر إيدها وهي بتقول بمنتهى التكبر والغل:
— إيه ده؟ الكوباية دي أكيد ابنك الهبل شارب منها أو حط إيده فيها! أنا بقرف منه ومن أي حاجة يلمسها، ده عيل أعفين.. اعفيني ومش شاربة عندك حاجة.
ساعتها دموعي نزلت غصب عني ودمي غلى في عروقي، بس جوزي «حسام» مكنش موجود، وما كانش قدامي غير إن أدعي ربنا في سري إنه يجبر بخاطري ويجيبلي حق ابني البريء اللي مالوش أي ذنب في الليلة دي كلها.
دارت الأيام ونادية كانت بتزيد في قسوتها وتعايرني بقلة أدب، لحد ما جه اليوم اللي شقلب الكيان كله. كنت قاعدة مع حسام جوزي بالليل، وكان بيبص في تليفونه بتركيز وفجأة لقيته قام وقف من طوله والدموع في عينيه من الفرحة، وقال وهو صوت يترعش:
#الكاتب_رومانى_مكرم
— الحقي يا هدى! تعرفي إن فيه دكتور كبير أوي نازل من ألمانيا مخصوص، وده أكبر استشاري متخصص في حالة ياسين بالظبط؟ نازل مصر الأسبوع الجاي في زيارة للمستشفى الكبير!
— الحقي يا هدى! تعرفي إن فيه دكتور كبير أوي نازل من ألمانيا مخصوص، وده أكبر استشاري متخصص في حالة ياسين بالظبط؟ نازل مصر الأسبوع الجاي في زيارة للمستشفى الكبير
— الحقي يا هدى! تعرفي إن فيه دكتور كبير أوي نازل من ألمانيا مخصوص، وده أكبر استشاري متخصص في حالة ياسين بالظبط؟ نازل مصر الأسبوع الجاي في زيارة للمستشفى الكبير!
سجدت في أرضيتي وأنا بدمع وبشكر ربنا من كل قلبي. الأمل اللي كان مقطوع رجع ينور في حياتنا من جديد. حسام ما كدبش خبر، وطار على المستشفى يلتزم في الطابور وحجز معاد مع الدكتور الألماني، «دكتور هانز».
في يوم الكشف، أخدنا ياسين ورحنا، وقلبي كان بيلف في صدري من الخوف والرجاء. نادية لما عرفت إننا رايحين للدكتور، وقفت على باب شقتها وقالت بصوت شامت مسموع:
— رايحين ترموا فلوسكم في الأرض على عيل مالوش علاج؟ ما تدعوا له بالرحمة أسهل بدل ما تضيعوا شقاكم على أوهام!
طنشت كلامها وركبت مع حسام. لما دخلنا للدكتور هانز، بصلنا بابتسامة حنونة وبدأ يفحص ياسين ببراعة واهتمام شديد. ياسين بص للرجل الأجنبي وابتسم ابتسامة بريئة ورفع إيده بصعوبة عشان يسلم عليه. الدكتور أثر فيه الموقف جداً، وبص لشعر ياسين ولمس راسه بحنية، وبعد ما شاف الأشعات والتحاليل، التفت لينا والمترجم يترجم كلامه:
— الحالة دي نادرة جداً، بس مش مستحيلة. العلاج والعملية الجراحية المطلوبة متطورة ومش متوفرة هنا، بس مركز أبحاثي في ألمانيا بيتكفل بالحالات دي بالكامل على حسابي الخاص كجزء من أبحاث الجراحة العصبية.. أنا هاخد ياسين معايا ألمانيا وهعالجه بالكامل بدون ما تدفعوا مليم واحد!
حسام مسك إيد الدكتور وهو بيعيط ومش مصدق، وأنا كنت حاسة إن ربنا بيجيبلي حق ابني قبل ما تبدأ رحلة العلاج. الدكتور أصر إننا نجهز الأوراق والتأشيرات بأسرع وقت، وبالفعل في خلال أسبوعين كنا خلصنا كل حاجة، والدكتور سفر ياسين ومعه حسام على ألمانيا لبدء الرحلة.
في اليوم اللي حسام وياسين سافروا فيه، نادية كانت واقفة تبص من الشباك بغل وحسد ومش مستوعبة إن العيل اللي كانت بتقول عليه «أهبل وأعفين» مسافر ألمانيا وعلى حساب أكبر دكتور في العالم!
مرت ثلاث شهور وأنا قاعدة في لوحدي بأدعي ربنا كل دقيقة، والتليفونات ما بتبطلش بيني وبين حسام. كل يوم كان بيبعتلي فيديوهات لياسين وهو بيتحسن؛ الحركة في إيده بدأت ترجع طبيعية، والنطق بقى أوضح بكثير، ووجهه نور ورجعت له صحته.
وفي يوم، ونادية نازلة على السلم بتتبغدد كعادتها، سمعت صوت تليفوني بيرن فيديو كول من حسام. فتحت الخط ورفعت الصوت على آخره، ووقفت عند باب اعشان تضمن إنها تسمع.
ظهر ياسين على الشاشة، واقف على رجليه بثبات، وبصلي بابتسامة زي الشمس وقال بصوت واضح ومظبوط 100%:
— إزيك يا ماما؟ أنا بقيت كويس أوي وراجعلك أنا وبابا بكرة!
نادية كانت واقفة على السلم، رجليها اتسمرت مكانها وكوباية العصير اللي كانت في إيدها وقعت اتكسرت على الأرض، وعينيها كانت هتطلع من مكانها وهي شايفاه بيتكلم ويتحرك زي الفل..
رجعت نادية لورا خطوتين وهي مش مصدقة اللي سمعته وشافته بعينيها. الفون كان في إيدي وصوت ياسين الخارج من السماعة وهو بيقول «أنا بقيت كويس يا ماما وراجعلك بكرة» كان يرن في أركان العمارة كلها زي صاعقة نزلت على رأسها. طلعت تجري على ا وقفلت الباب وراها بعنف، وأنا قعدت على السلم وبكيت، بس المرة دي دموعي كانت دموع فرحة وراحة، دموع حق بيرجع بعد طول انتظار.
طول الليل مكنتش عارفة أنام، عيني مش متغمضة، أجهز البيت، أنضف أوضة ياسين، أفرش ملايات جديدة، وأشم ريحة كل هدوم من هدومه وأنا بضمها لصدري. كانت الساعة بتمر عليا كأنها سنة كاملة. الصبح بدري، أخدت بعضي ونزلت للمطار، مكنتش قادرة أستنى لحظة واحدة في البيت.
في صالة الوصول، كنت واقفة وسط الزحمة، عيني معلقة على الباب اللي بيخرج منه المسافرين. قلبي كان بيدق بسرعة رهيبة، لحد ما شفت حسام طالع، ومسك في إيده.. ياسين!
أول ما ياسين شافني، ساب إيد أبوه وجري عليا.. جري خفيف وسريع وثابت! مسكت فيه وضميته لصدري وأنا بصرخ من الفرحة، وببوّس كل شبر في وشه. ياسين مسح دموعي بإيديه الاثنين وقال بصوت واضح ونقي جداً:
— بلاش تعيطي يا ماما، أنا بقيت قوي خلاص، ومفيش حاجة توجعني تاني.
حسام حضننا إحنا الاثنين وهو بيبكي ويقول:
— ربنا كبير يا هدى، ربنا جبر بخاطرنا وما كسرتناش أبداً. الدكتور هانز عمل معجزة، Process طويلة وتدريب شاق، بس ياسين كان بطل وكان عاوز يرجعلك وهو سليماً معافى.
رجعنا العمارة، وأنا حاسة إن الأرض مش شايلاني من الفرحة. أول ما دخلنا المدخل، لقينا العمارة كلها طالعة تستقبلنا، الجيران والأقارب اللي عرفوا بالخبر نازلين يباركوا ويسلموا على ياسين. الناس كانت مبهورة وشايفة الولد اللي كانوا بيقولوا عليه «مفيش منه أمل» واقف بثبات، بيتكلم بلباقة، وبيسلم على الكبير والصغير بأدب وذكاء شديد.
في اللحظة دي، فتحت نادية باب ا ببطء، وطلت برأسها وهي باصة لياسين بذهول وغل مكتوم. حسام بصلها بثبات، وياسين أخد باله منها، وبص لها بابتسامة بريئة وقال بصوت عالي أمام الجيران كلهم:
— أزيك يا طنط نادية؟ البنات عاملين إيه؟ أنا رجعت خفيت خالص الحمد لله، والدكتور في ألمانيا قال إن الذكاء عندي ممتاز وجسمي بقى قوي جداً!
نادية أتنحست وما عرفتش تنطق بكلمة واحدة، وشها جاب ألوان، والكل كان بيبص لها وهو عارف الكلام والمعايرة اللي كانت بتقولها عليا وعلى ابني. ردت بصوت مخنوق ومتردد:
— حمـ… الحمد لله على سلامتك يا ياسين.. عقبال ما نشوفك عريس.
وقفلت الباب بسرعة واستخبت جوة شقتها.
مرت الأيام، وياسين بقى نوارة البيت والعمارة كلها. الدكتور هانز مكنش بس عالجه، ده كتب له على برنامج تعليمي ورياضي متطور جداً عشان ينمي مهاراته العقلية والبدنية. حسام قدم له في مدرّسة خاصة متميزة، وفي خلال شهور قليلة، ياسين أثبت تفوق غير عادي في الرياضيات واللغات، وكأن السنين اللي فاتت اللي كان محبوس فيها جوة مرضه كانت ب داطة وذكاء.
في المقابل، كانت ة نادية بيمر عليها أيام سودة. الغيرة والحسد أكلوا قلبها. نادية كانت دايماً بتتباهى إن عندها ثلاث بنات «زي العسل» وإنهم كاملين مفيش فيهم عيب، وكانت دايماً تبص لي بعين النقص. بس دوام الحال من المحال.
في يوم من الأيام، سمعنا صريخ وعياط طالع من نادية فوق. الصوت كان عالي ومفزوع، وحسام جرى ينط السلم عشان يشوف فيه إيه، وأنا حصلته. الباب كان مفتوح والنادي قاعدة في الصالة بتلطم على وشها وجوزها «سعيد» مسك الورق اللي في إيده وبيرميه في الأرض وهو بيزعق بقلة حيلة.
اتاري نادية كانت بتمشي بناتها في الدروس والمداارس وتضغط عليهم بشكل رهيب عشان يطلعوا الأوائل ويغيظوني، بس البنت الكبيرة «شهيرة» اللي في ثانوية عامة، انهارت نفسياً وجسدياً من كثرة الضغط والمعاملة القاسية اللي كانت أمها بتعاملها بيها. الشهادة طلعت، والبنت جابت مجموع ضعيف جداً وما لحقتش أي كلية من اللي أمها كانت بتتباهى بيها قدام الناس. ومش بس كده، البنت الصغرى «جنى» جالت لها حالة تلعثم ونطق متقطع مفاجئ بسبب الخوف والرعب الدائم من أمها وعصبيتها، وبقت مش عارفة تتكلم جملة على بعضها!
نادية كانت بتصرخ وتقول:
— فضيحة! الناس هيقولوا إيه؟ بناتي اللي كنت بتباهى بيهم قدام الكل، وحدة والتانية مش عارفة تتكلم؟ دي عين! أكيد دي عين وصابتنا!
سعيد جوزها بصلها بغضب شديد وقالها بصوت هز
— عين إيه وزفت إيه يا نادية! ده ذنب الغل والافتراء اللي كان في قلبك! نسيتي لما كنتِ بتعايري أخويا ومراته بابنهم المرضان؟ نسيتي لما كنتِ بتقولي عليه «أهبل وأعفين» وتمنعي بناتك يقربوا منه؟ ربنا حرمك من السترة عشان تعرفي إن العافية والصحة مش بشطارتك، دي نعم من ربنا وتواضع! انتِ اللي دمرتي البنات بأسلوبك وغلّك!
نادية قعدت في الأرض تبكي ب، ولما رفعت عينها شافتني واقفة على باب اة ومقربة منها. افتكرت لما دخلت شقتي وزقت كوباية الشاي بظهر إيدها وقالتلي «ابنك الهبل شارب منها وأنا بقرف منه». افتكرت كل سهم مسموم غرزته في قلبي وأنا ساكتة وبدعي ربنا في سري.
قربت منها، مكنش في قلبي شماتة، بس كان فيه شعور قوي بالعدل الإلهي. نادية بصتلي ة ونكست رأسها في الأرض، ولأول مرة مكنتش قادرة ترفع عينها في عيني.
قلت لها بهدوء وثبات:
— ربنا ما بيظلمش حد يا نادية.. ياسين اللي كنتِ بتقولي عليه معاق وأهبل، بقى الأول على مدرسته وربنا شفاه وعافاه بدون ما ندفع مليم، والبنات دول لحمك ودمك، بدل ما تضغطيهم وتعايري بيهم الناس، ادعي لهم وربنا يشفيهم ويصلح حالهم. بس افتكري دايماً.. الأيام تدور، واللسان لما بيجرح بيترد لصاحبه في أغلى ما يملك.
نادية غطت وشها بإيديها وبكت بصوت واطي وهي بتقول:
— سامحيني يا هدى.. سامحيني يا أختي، أنا كنت غبية وعيني كانت عميانة بالغل.. ادعي لبناتي ربنا يشفيهم.
في اللحظة دي، دخل ياسين اة ومسك إيد بنت عمته الصغيرة «جنى» اللي كانت بتعيط ومكسوفة تتكلم. ياسين بصلها بابتسامة حنونة وقعد جنبها وقالها بالراحة:
— متخافيش يا جنى، أنا هساعدك وهتكلم معاكي كل يوم لحد ما تبقي شاطرة وبتتكلمي حلو أوي، أنا كنت زيِك زمان وربنا بيعديها.
سعيد مسك رأس ياسين وباسها وهو بيدمع، ونادية بصت للولد اللي كانت بتقرف منه وهو بيمد إيده بالخير لبنتها، وكانت الصدمة والكسرة في قلبها أضعاف أضعاف.
الرحلة لسه مخلصتش، وياسين بقى هو سند العيلة كلها، وبقى المثال اللي الكل بيه المثل في الإصرار والنجاح.. لكن الأيام كانت لسه شايلة مفاجأة كبيرة، ومستقبل جديد بيفتح أبوابه لياسين ولينا كلنا..
مرت السنين وتوالت الأيام، وياسين بقى يكبر قدام عينينا زي الشجرة المثمرة اللي رعيناها بحب وصبر. كبر الولد اللي كانوا بيقولوا عليه «أهبل ومعاق»، وبقى في مرحلة الشباب، شاب وسيم، طوال القامة، وعينيه بتلمع بالذكاء والهدوء. ياسين مكنش بس شاطر في مدرسته، ده أصبح عبقري في مجال التكنولوجيا والبرمجيات، وحبه للعلوم خلاه يتعلم ألماني وإنجليزي بإتقان شديد عشان يرد الجميل للدكتور هانز اللي أنقذ حياته وهو صغير.
في الناحية الثانية، كانت شقة نادية بتمر بظروف أصعب وأسوأ. سعيد جوزها اتقاعد من شغله، والظروف المادية ضاقت عليهم جداً. «شهيرة» البنت الكبيرة بعد ما فشلت في الثانوية العامة ومجابتش مجموع، قعدت في البيت مكسورة النفس، و«جنى» البنت الصغرى فضلت تعاني من التلعثم والخجل الاجتماعي، أما البنت الوسطى «مريم» فكانت دايماً في مشاكل مع أمها بسبب العصبية والضغط النفسي اللي عايشين فيه.
نادية كبرت في السن وتبدلت ملامحها، الكبرياء والغرور اللي كانوا ماليين وشها زمان اتماحوا كلياً، وحل مكانهم الانكسار والهم. كانت كل ما تشوف ياسين نازل من السلم بلبسه الشيك، ماسك لابتوبه في إيده، وبيرد السلام على جيرانه بكل احترام وطيبة، تفتكر كلامها القديم وتتحسر على نفسها وعلى حال بناتها.
وفجأة، جيه اليوم اللي اهتزت فيه العمارة كلها على خبر غير متوقع.
سعيد جوز نادية اتعرض صحية حادة ومفاجئة، انسداد في شرايين القلب ونقص حاد في الأكسجين، ودخل في حالة غيبوبة مفاجئة. المستشفى الحكومي الصغير اللي جنبة العمارة مكنش فيه إمكانيات، والدكاترة قالوا إن العملية محتاجة مركز متخصص وتكلفة مادية باهظة جداً لا تطيقها أسرة سعيد، وإنه لو متنقلش لمستشفى مجهز خلال 24 ساعة، حياته هتنتهي.
نزلت نادية على السلم وهي بتصرخ وتلطم، بتطلب المساعدة من طوب الأرض. قعدت على السلم تبكي وتستغيث:
— الحقوني يا ناس! سعيد بيموت مني ومش معايا جنيه واحد أعمله العملية! يارب ارحمني واغفر لي، ماليش غيره هو اللي شالني وشال البنات!
الكل في العمارة كان زعلان على سعيد لأنه رجل طيب ومحترم، بس المبالغ المطلوبة كانت فوق طاقة أي حد من الجيران. في اللحظة دي، خرج ياسين من على صوت الصريخ. بص لنادية وهي قاعدة على الأرض في حالة انهيار كامل، الموقف رجّع بي ذاكرة زمان لما كانت بتعايره وتطرده، بس ياسين مكنش في قلبه ذرة غل ولا انتقام.
قرب ياسين من نادية، ونزل على ركبتيه قدامها على السلم. نادية رفعت عينها المليانة دموع وشافته، انكسرت أكتر واستخبت بوشها في إيديها وقالت بصوت مهدود:
— بلاش تبصلي يا ياسين.. أنا استاهل كل اللي يجرالي، أنا ظلمتك وظلمت أمك زمان، وربنا بياخد حقك مني دلوقتي..
ياسين مسك إيديها بحنية وقالها بصوت هادي وثابت:
— يا طنط نادية، ربنا ما بيسيبش حد، والماضي انتهى خلاص. عمي سعيد ده في مقام بابا، ومش هنسيبه أبداً.
ياسين مسك تليفونه فوراً واتصل بدكتور كبير في ألمانيا كان على تواصل معاه من خلال دكتور هانز. وبفضل العلاقات العلمية والمنحة الدراسية اللي ياسين شغال فيها، قدر يتواصل مع مدير أكبر مستشفى جراحة قلب في القاهرة، وطلب منه نقل عمّه فوراً على حسابه الخاص وفي عربية إسعاف مجهزة مجهزة بأحدث الأجهزة.
خلال ساعة واحدة، كانت عربية الإسعاف تحت العمارة، ونقلوا سعيد لمستشفى كبار الأطباء، وياسين كان واقف بنفسه بيتابع كل تفصيلة، ويدفع كل التكاليف والأدوية من المكافأة المالية الكبيرة اللي كان مستلمها مؤخراً عن مشروع برمجيات متطور ابتكره لمؤسسة دولية.
قعدنا كلنا في صالة الانتظار بالمستشفى. نادية كانت قاعدة في الزاوية، باصة لياسين وهو رايح جاي بين الأطباء، بيسأل بلباقة ويفهم التفاصيل الطبية باللغة الإنجليزية، ويوجه كل حاجة بنفسه. كانت بتبصلي والدموع نازلة من عينها زي المطر، مكنتش قادرة تصدق إن الشاب الشهم المتعلم اللي واقف ينقذ حياة جوزها، هو نفسه الطفل اللي كانت بتقول عليه «عيل أعفين وهبل وبقرف منه»!
خرج الدكتور من غرفة العمليات وهو بيمسح عرقه، وبص لياسين وقال:
— الحمد لله يا باشمهندس ياسين، الحقناه في الأوقات الأخيرة. العملية نجحت، وتجاوز مرحلة الخطر تماماً. لو كنتوا تأخرتم نص ساعة كمان مكنش هيبقى فيه أمل.
نادية سجدت في أرض المستشفى وهي بتصرخ بالبكاء والشكر لربنا. وبعد ما قامت، قربت من ياسين ومسكت إيديه الاثنين وبستهم بحرقة، وهي بتقول بصوت يتقطع من العياط:
— سامحني يا ابني.. سامحني يا ياسين! أنت مش بس رجعتلي جوزي، أنت علمتني أصل الأدب والرحمة. أنا كنت عمياء وغبية، والولد اللي كنت فاكراه عيب في العيلة، بقى هو تاج رأسنا وسندنا كلنا!
ياسين ابتسم وباس رأسها وقال:
— المسامح كريم يا طنط، والفضل كله لربنا ثم لأمي وأبوي اللي صبروا وربوني صح.
رجعت الحياة لبيت سعيد بعد شفائه، وبقت نادية إنسانة ثانية تماماً، اتغيرت معاملات قسوتها، وبقت تحب ياسين وتدعي له في كل صلاة، وتحاول تعوض بناتها عن القسوة والضغط اللي عاشوه زمان.
بس رحلة ياسين مكنتش وقفت عند الحد ده.. بعد شهور قليلة، استلم ياسين جواب رسمي ومهم جداً وصله بالبريد المسجل من ألمانيا، جواب هيغير مجرى حياتنا وحياة العيلة كلها للمرة الثانية..
فتح ياسين الجواب المسجل بحرص، وكانت ايديه بتمشي على السطور بعناية، وحسام وأنا واقفين جنبه وقلوبنا بتدق بأقصى سرعة. عينيه كانت بتلمع وهو بيمشي بين الكلمات الألمانية المترجمة للإنجليزي، وفجأة رفع رأسه وبصلنا والابتسامة مالية وشه، وقال بصوت هز البيت من الفرحة:
— الجواب ده من مؤسسة الدكتور هانز للأبحاث الطبية والتكنولوجيا الحيوية في ألمانيا.. طالبيني رسمياً عشان أكون مدير فريق البرمجيات والذكاء الاصطناعي للمشروع الجديد الخاص بتطوير أجهزة التأهيل العصبي للأطفال المعاقين حركة ونطقياً حول العالم! والمؤسسة بتعرض عليا منحة كاملة وعقد عمل دائم، ومعاها سكن عائلي وتأشيرات استقدام ليك يا بابا وليكي يا ماما عشان تعيشوا معايا هناك!
حسام اترسخ في أرضه من الاندهاش ودموعه نزلت على خدوده وهو بيضم ياسين لصدره، وأنا خرّيت ساجدة لله في أركان الشقة. الشاب اللي كانوا زمان بيبصوا له بنظرة شفقة وازدراء، وبيدعوا عليه بالرحمة كأنه عبء على الدنيا، بقى هو الأمل اللي هينقذ آلاف الأطفال في العالم كله!
الخبر انتشر في العمارة والشارع زي النار في الهشيم. الجيران كلهم طلعوا يهنوا ويباركوا، وصوت الزغاريد ملأ المكان. الكل كان مش مصدق إن «ياسين» ابن حسام، المسالم الهادي اللي مر بظروف صعبة، بقى عالم ومهندس كبير مطلوب بالإسم في أكبر مراكز الأبحاث في ألمانيا.
في اللحظة دي، طلعت نادية وبناتها من . ملامح نادية مكنتش زي زمان؛ الغل والتكبر اختفوا تماماً وحل مكانهم الخجل والندم الشديد. قربت مننا وهي ماسكة إيد سعيد جوزها اللي كان لسه بيتعافى ببطء من عمليته. سعيد سلم على ياسين بحرارة وباس رأسه وقال بدموع:
— رفع راسنا كلنا يا ابني.. ربنا يزيدك من نعيمه ويحميك من كل شر. انت تستاهل كل خير الدنيا لأن قلبك أبيض وما بتعرفش القسوة.
نادية وقفت قدامي بصت في عيني، ولأول مرة مكنتش قادرة تتكلم أو ترفع حاجبها زي زمان. رفعت إيدها المرتعشة ومسكت إيدي وقالت بصوت مكسور:
— مبروك يا هدى.. مبروك يا أختي. ربنا يجبر خاطرك زي ما صبرتي. أنا زمان كنت جاهلة وعمياء، كنت فاكرة إن البنات هما اللي هيسنوا ضهري وإن ابنك عالة، بس ربنا وراني إن العافية والتوفيق مش بإيد البشر.. ابنك هو اللي أنقذ جوزي من الموت، وهو اللي بيعلمنا كلنا يعني إيه رحمة. سامحيني يا هدى على كل كلمة مسمومة خرجت من بؤي، سامحيني على كوباية الشاي وعلى كل لحظة وجعت فيها قلبك.
بصلتها بهدوء وقلت لها:
— المسامح ربنا يا نادية.. أنا نسيت كل حاجة من اليوم اللي شفت فيه ابني واقف على رجليه. بس اتعلمي إن كل كلمة بنقولها بتتسجل عند ربنا، والقلوب مش لعبة نكسرها وقت ما نحب.
نادية نزلت رأسها في الأرض وبكت بحرقة، وقربت من ياسين وقالت له:
— ادعي لبناتي يا ياسين.. ادعي لهم ربنا يهديهم ويصلح حالهم، أنا ضيعتهم بقسوتي وجشعي.
ياسين بصلها بابتسامة ناصية البياض وقالها:
— يا طنط نادية، البنات دول إخواتي، وأنا مش هسافر وأسيبهم كده. شهيرة لازم تدخل كورس تحسيني في اللغات والتكنولوجيا وأنا هتكفل بتدريبها بنفسي عشان تلاقي شغل محترم وتستعيد ثقتها في نفسها، وجنى أنا اتكلمت مع دكتور استشاري تخاطب صديقي في القاهرة، وهيتابع حالتها من الأسبوع الجاي وعلى حسابي الكامل لحد ما ترجع تتكلم أحسن من الأول.
نادية اتسمرت مكانها ومكنتش مصدقة اللي بتسمعه. الولد اللي كانت بتقول عليه «أهبل وأعفين بقرف منه» وبتمنع بناتها يقربوا منه عشان ما يتعدوش، هو هو نفسه اللي بيقودهم دلوقتي للبر وبيمد إيده بالخير عشان ينقذ مستقبل بناتها من الضياع! وقعت نادية على ركبتيها في السلم وتبكي بصوت عالي وهي بتدعي له:
— ربنا ينصرك يا ابني.. ربنا يرفع قدرك كمان وكمان ويحبب فيك خلقه في كل أرض تطأها رجلك!
مرت الأسابيع السريعة، وكانت التجهيزات للسفر شغالّة على قدم وساق. ياسين كان رايح جاي بين السفارة والشركات، يخلص أوراق سفري أنا وباباه، ويتابع حالة «جنى» بنت عمّه مع دكتور التخاطب اللي بالفعل بدأ يعمل معاها جلسات متطورة جابت نتيجة سريعة، والبنت بدأت تبتسم وترجع لها الثقة بالنفس. أما «شهيرة» فبدأت تدرس كمبيوتر ولغات بتوجيه مباشر من ياسين، وشغفها بالتعليم رجع من جديد بعد ما كانت فاقدة الأمل في الحياة.
ليلة السفر، كانت العمارة كلها سهرانة معانا. الشقق كلها كانت مفتوحة على بعضها، ونادية كانت طالعة نازلة بتساعدني في تجهيز الشنط، وتعملنا أكل للسكّة، وعينيها مش بتفارق ياسين وهي بتستغفر ربنا في سرها على كل لحظة ظلمته فيها.
سعيد مسك إيد حسام وقال له:
— هتوحشنا يا حسام.. العمارة هتظلم من غيركم، بس قلوبنا معا كوراعيين ليكم بالخير. انت ربيت راجل، والراجل ده بقى فخر للعيلة كلها.
حسام رد عليه وهو حاطط إيده على كتف ياسين:
— الحمد لله يا سعيد.. ربنا لما بيبتلي بيبقى لحكمة، ولما بيدي بيدي بغير حساب. الصبر مفتاح كل باب مقفول.
في الصباح الباكر، نزلنا العمارة والشمس بتشرق. عربية المطار كانت مستنيانا تحت. الجيران كلهم كانوا واقفين يودعونا بالدموع والورد. ياسين بصل العمارة وبصل الشباك اللي كانت نادية بتقف فيه زمان وتصرخ بمعايرتها، وابتسم ابتسامة هادية، وحط إيده في إيد أبوه وإيدي، وركبنا العربية.
العربية مشيت بينا في شوارع القاهرة متجهة للمطار. كنت بتبص من الشباك وأنا حاسة إن كل شبر في المدينة بيسلم علينا. رحلة طويلة من الوجع والكسرة والدموع بتنتهي اليوم، وتبدأ مرحلة جديدة تماماً في دولة جديدة، وحياة جديدة كلياً.
وصلنا مطار القاهرة الدولي، وخلصنا إجراءات السفر والتحقنا بصالة المغادرة. ياسين كان ماشي جنبنا مرفوع الرأس، والكل بيتعامل معاه باحترام شديد لما بيشوفوا جوازات السفر الخاصة والخطاب الرسمي المنشور باسمه من المؤسسة الألمانية.
ركبنا الطيارة، وقعدت جنب الشباك وياسين جنبي وحسام في الناحية الثانية. الطيارة بدأت تتحرك على الممر، وترتفع تدريجياً في السماء. بصلت للسحاب وأنا بفتكر كل اللحظات الصعبة: لحظة ما كانت نادية بتزق الكوباية، ولحظة ما كانت بتقول «ابن أخوك معاق وأهبل»، ولحظة ما كنت بضم ياسين لصدري وأبكي في الظلمة.
ياسين مسك إيدي الدافيّة، وبصلي بعينيه المليانة حنية وقال:
— خلاص يا ماما.. اللي فات مات، والنهارده بنبدأ صفحة جديدة خالص. ألمانيا مستنيانا، وهناك هنعمل حاجات عظيمة أوي.
ابتسمت له وبست إيده، والطيارة اخترقت السحاب طالعة بينا على أوروبا.. بس الأحداث مكنتش هتقف عند مجرد النجاح والسفر، لأن ألمانيا كانت شايلانا مفاجآت ثانية غير متوقعة، ومواجهات جديدة لم تكن في الحسبان..
سلفتى بتعايرنى2
هبطت الطائرة في مطار فرانكفورت الدولي. كانت درجات الحرارة منخفضة، والغيوم تغطي السماء، لكن الدفء الذي كان في قلوبنا كان كفيلاً بأن ينسينا برودة الجو. استقبلنا في المطار وفد رسمي من مؤسسة الدكتور هانز للأبحاث الطبية والتكنولوجيا الحيوية، ومعهم مترجم خاص وسائق لنقلنا إلى مقر إقامتنا الجديد في مدينة بون.
المدينة كانت هادئة وجميلة، وكل شيء فيها يسير بنظام دقيق. وصلنا إلى المنزل المخصص لنا، وكان شقة واسعة مجهزة بكل ما نحتاجه، وتطل على حديقة خضراء ساحرة. حسام كان يمشي في الشقة وهو مشدوه ومش مصدق التحول الهائل في حياتنا، وأنا كنت أحمد ربنا في كل خطوة وأدعيه يحفظ ياسين ويمده بالقوة.
في الأسبوع الأول، بدأ ياسين عمله رسمياً في المركز الطبي المتقدم. كان الشاب العربي الوحيد وسط نخبة من أكبر المهندسين والأطباء الألمان والأوروبيين. ورغم صغر سنه مقارنة بباقي أعضاء الفريق، إلا أن ذكائه الخارق في برمجة خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطوير المستشعرات العصبية فرض احترام الجميع عليه من اليوم الأول.
في المقابل، كنا في مصر نتابع أخبار العمارة يومياً. نادية أصبحت شخصية أخرى تماماً؛ كانت تتصل بي أسبوعياً لتطمئن علينا، وصوتها يملأه التواضع والمحبة. «جنى» بنت عم ياسين بدأت تتكلم بطلاقة أفضل بكثير بفضل متابعة الدكتور الذي تكفل به ياسين، و«شهيرة» اجتازت أول مستوى في كورس البرمجة واللغات، وبدأت تبتسم وتستعيد أملها في الحياة. سعيد تعافى تماماً وعاد لممارسة حياته الطبيعية، وكان لا يكف عن الدعاء لياسين في كل صلاة.
مرت ستة أشهر في ألمانيا بسرعة، وياسين يعمل ليل نهار على مشروع إنساني ضخم: جهاز عصبي محمول يساعد الأطفال الذين يعانون من ضمور الأعصاب أو صعوبات النطق على التواصل وتحريك أطرافهم بدقة عالية.
وفجأة، جاءت اللحظة المنتظرة. تقرر عقد المؤتمر الطبي الدولي للتكنولوجيا الحيوية في برلين، وتم اختيار ياسين ليقف على المنصة الرئيسية ويلقي كلمة الاستعراض العلمي للمشروع أمام مئات الأطباء والعلماء والوسائل الإعلامية من كل دول العالم!
حضرنا أنا وحسام المؤتمر بدعوة خاصة، وقعدنا في الصفوف الأمامية. القاعة كانت ضخمة وممتلئة بالعلماء والوفود الدبلوماسية. لما أعلن المذيع عن اسم «المهندس ياسين حسام»، وقام ياسين ببدلته الأنيقة وصعد على المسرح بثقة وثبات، دمعت عيني وبكيت بصوت واطي. افتكرت لما كانت نادية بتقول عليه «عيل أهبل ومعاق»، وافتكرت اليوم اللي زقت فيه كوباية الشاي وقالت «أنا بقرف منه ده أعفين».. والنهارده نفس الولد ده واقف أمام العالم كله، والجميع ينصت له باحترام شديد!
بدأ ياسين كلمته باللغة الألمانية بطلاقة وفصاحة أذهلت الحاضرين، وشرح كيف يمكن للرعاية الطبية والإيمان بالإنسان أن يصنعا معجزات. وفي ختام كلمته، التفت ياسين للجمهور وتكلم باللغة العربية بوضوح وصوت هز أركان القاعة:
— الإعاقة الحقيقية ليست في الجسد ولا في اللسان.. الإعاقة الحقيقية هي إعاقة القلوب لما تتجرد من الرحمة والإنسانية. أنا واقف هنا النهارده بفضل ربنا، ثم بفضل أمي وأبويا اللي صبروا وما استسلموش لكلام الناس.. وبفضل الدكتور هانز اللي آمن بيا لما العالم كان شايفني مفيش مني أمل.
القاعة كلها وقفت على حيلها، وضجت بالتصفيق الحار والمستمر لدقائق طويلة. الدكتور هانز قام ونزل على المسرح وحضن ياسين بحرارة أمام كاميرات التلفزيون الدولي.
بعد المؤتمر، أصبحت صورة ياسين على غلاف المجلات العلمية في أوروبا، والتليفزيون المصري استضافه عبر الفيديو كول في برنامج شهير ليحكي قصة نجاحه. العمارة والشارع في مصر أقاموا احتفالاً كبيراً، ونادية وسعيد بكيوا من الفرحة والفخر وهم شايفين ابن أخوهم بيرفع رأس مصر والعرب كلهم في قلب أوروبا.
لكن، وفي غمرة هذا النجاح الساحق والفرحة التي ملأت حياتنا، تلقت المؤسسة الألمانية برقية عاجلة وغير متوقعة من منظمة الصحة العالمية، تطلب فيها إرسال ياسين وفريقه الطبي في مهمة إنسانية إلى إحدى المناطق النامية التي ضربها وباء عصبي غريب يتسبب في شلل الأطفال حديثي الولادة..
مهمة جديدة ومواجهة غير محسوبة كانت بانتظار ياسين، ستقلب الأحداث وتضع حياته ومهارته أمام أكبر اختبار في حياته..
وصلت البرقية العاجلة من منظمة الصحة العالمية إلى مقر المؤسسة في «بون»، وكانت حالة الاستنفار في أعلى درجاتها. الوباء العصبي النادر كان يهاجم الجهاز العصبي المركزي للأطفال في مجتمعات نائية، متسبباً في شلل مفاجئ وفقدان تام للقدرة على الكلام، تماماً مثل الأعراض التي عاشها ياسين في طفولته المبكرة لكن بصورة أسرع وأشرس.
حسام وأنا أيدينا كانت على قلوبنا لما عرفنا إن ياسين تطوع بنفسه ليقود الفريق الطبي والتقني المتجه للمنطقة المنكوبة. كنت خائفة عليه من العدوى والظروف الصعبة هناك، بس ياسين مسك إيدي وابتسم بابتسامته الحنونة وقال:
— يا ماما، ربنا شفاني ورجعلي صحتي عشان أكون سبب في إنقاذ غيري. الأطفال دول عايشين نفس الوجع والكسرة اللي أنا عشتها زمان، ومستحيل أقف أتفرج وأنا في إيدي العلاج والتكنولوجيا اللي تقدر تنقذهم.
في مصر، لما الخبر وصل للعمارة، نادية ما بطلتش عياط ودعاء. وقفت في شباكها اللي كانت زمان بتعايرني منه، ورفعت إيديها للسما وبقت تدعي بصوت عالي ودموعها نازلة:
— يارب احميه ورجعه لأمه سالماً غانماً.. يارب زي ما نجدت جوزي على إيده، انجده واحفظه من كل شر واجعله سبب في شفاء الأطفال الغلابة.
سافر ياسين مع الفريق الدولي المجهز بأحدث الأجهزة المحمولة والبرمجيات التي ابتكارها. هناك، كانت الظروف قاسية جداً؛ المعسكرات مكتظة بالأهالي المكسورين، والأطفال ممددون على الأسرة بلا حركة أو صوت، والأمهات يبكين بحرقة تحسس ياسين بأمه في الأيام الأولى من مرضه.
عمل ياسين وفريقه ليل نهار دون نوم. كان ينام ساعتين فقط في اليوم، ويتنقل بين الخيام، يركّب أجهزة المستشعرات العصبية للأطفال، ويعدّل الخوارزميات لتتناسب مع الطفرة الجينية للوباء. في اليوم الخامس، ومع شدة الإجهاد ونقص الإمدادات، تعرض المعسكر لعاصفة استوائية شديدة قطعت أجهزة التبريد والطاقة عن المصل المضاد والتجهيزات الإلكترونية!
كانت الخلية العصبية المبرمجة مهددة بالتلف خلال ساعات، وحياة مئات الأطفال على المحك. في تلك اللحظة الحاسمة، تجلت عبقرية ياسين وثباته. استطاع إعادة برمجة وحدة التغذية البديلة باستخدام الطاقة الشمسية المحلية وتعديل الشفرة التكيفية للمصل في وقت قياسي، لينقذ الشحنة كاملة قبل فوات الأقت!
وفي صباح اليوم التالي، بدأت المعجزة تظهر. أول طفل تلقى العلاج المطور والمستشعرات بدأ يتحرك ويمسك إيد أمه، واستعاد نبرة صوته ونطق أول كلمة!
خلال أسبوعين متواصلين من الملحمة الإنسانية، نجح ياسين وفريقه في السيطرة الكاملة على الوباء، وشُفي مئات الأطفال، وخرجت وسائل الإعلام العالمية تصف ما حدث بالمعجزة الطبية والإنسانية التي قادها الشاب المصري النابغة.
في ألمانيا، كنا نتابع المشاهد في التلفزيون والدموع تصب من أعيننا. رأينا ياسين محمولاً على الأعناق من الأهالي والأطباء وهم يهتفون باسمه. ورأينا رئيس المنظمة الدولية يقلّده وسام الإنسانية الأعلى، ويطلق اسمه على المركز الطبي الجديد لترميم الأعصاب.
رجِع ياسين إلى ألمانيا مرفوع الرأس، يسبقه ثناء العالم ودعوات آلاف الأمهات اللاتي جبر خاطرهن. استقبلناه بالحضن والدموع، وحسام بكي كأنه لم يبكِ من قبل وهو يردد: «الحمد لله الذي أبدلنا بعد الخوف أمناً، وبعد الكسرة عزاً».
لكن الملحمة لم تنتهِ بعد.. فقد تقرر بعد هذا النجاح الأسطوري عودة ياسين النهائية إلى مصر، ليقيم أكبر مشروع طبي مجاني لعلاج الأطفال وتأهيلهم في وطنه، وليقف من جديد أمام العمارة القديمة والشارع الذي شهد بدايته الأولى.. حيث ينتظره المشهد الأخير والمفاجأة الكبرى التي ستغلق كل أبواب الماضي إلى الأبد..
وصلت الطائرة إلى أرض الوطن، لكن المرة دي السفر مكنش مجرد زيارة، المرة دي كانت العودة النهائية لأرض الوطن. ياسين قرر بنَفْس متواضعة وقلب مليان امتنان إنه ينقل مقر أبحاثه الرئيسي ويؤسس أكبر مركز مجاني لتأهيل الأعصاب والتكنولوجيا الحيوية للأطفال في مصر والشرق الأوسط، عشان ما يسبش طفل واحد يدوق المرار اللي ذاقه وهو صغير.
أول ما دسينا أرض الشارع اللي اتربينا فيه، كانت المفاجأة الكبرى بانتظارنا. الشارع كله كان متزين بالزينة والأعلام، واليافطات ماليها الصور والمباركات «مرحباً بعالم مصر وإبنها البار المهندس ياسين حسام». الجيران، الكبار، والصغار، واقفين على الجانبين بالطبل والمزمار البلدي، بيستقبلوا الولد اللي كان زمان حيطته مايلة وكسروا بخاطره.
وفي وسط الزحمة، قدام باب العمارة، كانت نادية وسعيد وبناتهم واقفين. نادية مكنتش قادرة تمسك دموعها؛ قربت من ياسين والدموع نازلة على خدودها، وطلبت من الكل يسكتوا عشان تقول كلمتها قدام الشارع كله.
وقفت نادية بقلب نادم وصوت مرتعش وقالت بصوت عالي وواضح سمع كل الحاضرين:
— يا أهل الشارع.. أنا النهاردة واقفة قدامكم وبشهد ربنا والجميع على غلطتي القديمة. أنا زمان جهلت وقسيت، وعايرت هدى أختي وياسين إبنها، وقلت عليه كلام مسموم وميعجبش ربنا. وربنا وراني قدرته ورحمته.. الولد اللي كنت فاكراه عيب وعالة، بقى هو اللي أنقذ جوزي من الموت، وهو اللي أنقذ بناتي وساعدهم يوقفوا على رجليهم، وهو اللي غمرنا بفضله وأخلاقه العالية. ياسين مش بس عالم رفع راس مصر، ياسين هو تاج راسنا ونور العيلة دي كلها!
ياسين ابتسم بابتسامته الحنونة الصافية، ونزل مسك إيد نادية وباس رأسها قدام الناس كلهم وقال:
— يا طنط نادية، المسامح كريم، وعمر ما يتصلح ثانية. اللي فات مات، والنهاردة إحنا عيلة واحدة، والخير اللي ربنا جابه هيدخل بيت كل واحد فينا.
الشارع كله اتملى بالتصفيق والزغاريد، والكل كان بيترحم على الصبر والتربية الصالحة.
مرت الأيام، وافتتح ياسين «مؤسسة ياسين للأمل والتأهيل العصبي»، مركز طبي ضخم على أحدث طراز عالمي، بيقدم العلاج بالمجان لكل أطفال مصر والوطن العربي. وفي يوم الافتتاح الرسمي، حضر كبار أطباء العالم ودكتور هانز مخصوص من ألمانيا، وقص ياسين الشريط وهو ماسك إيدي وإيد أبوه حسام، وبصلي وقال بصوت مليان حب:
— كل خطوة نجاح، وكل طفل بيشفى في المكان ده، حسناته في ميزان صبرك ودعاكي يا ماما.. أنتِ البطلة الحقيقية للقصة دي.
بصيت لياسين وهو واقف ببدلته وشايل طفل صغير على إيده وبيداعبه، وافتكرت اللحظات الصعبة لما كنت ببلع ريقي بحسرة وأضمه لصدري ورا باب الشقة والدموع بتكوي خدي. افتكرت اليوم اللي زُقت فيه نادية الكوباية بقرف، وادعيت ربنا في سري إنه يجبر بخاطري.
رفعنا رأسنا للسما، والدموع المرة دي كانت دموع النصر، والشكر، والجبر الإلهي العظيم. ربنا ما بيسيبش الصابرين، والقلب الأبيَض الصافي دايماً بيكسب في النهاية مهما طال الليل.


تعليقات
إرسال تعليق