القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 


نشر زوجي محمد نور




نشر زوجي صورة زوجته الجديدة- محمد نور


الجزء الأول


نشر زوجي صورة زوجته الجديدة في الواحدة والسابعة عشرة دقيقة صباحاً… وكان على يقين تام أني سأعود إليه باكية أتوسل.


مر شهر كامل منذ أن غادرت بيت الزوجية دون أن ينطق احدنا بكلمة.


في الواحدة والسابعة عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، قرر عمر أن يجعل زواجه الثاني رسمياً أمام الجميع.


في الصورة، كانت تبتسم وهي تستند إلى صدره، بينما كان يلاعب خصلات شعرها بذلك الحنان الذي ظننت لسنوات أنه ملكي وحدي.


وكتب معلقاً:


“إن كان بإمكاني أن أقضي بقية عمري معك، فلا أعود بحاجة إلى أي شيء آخر.”


علّق أحد أصدقائه ساخراً:


— ألا تخشى أن تقيم ليلى قيامتك وتصنع مشهداً صاخباً كالعادة؟


أجابه عمر على الفور:


— هي؟ هذه حركاتها المعروفة، تهدد دائماً بالرحيل وتغضب في بيت أهلها، ثم تعود في النهاية تتوسل كي أرضى عنها.


سأله آخر:


— كم لكم لم تتكلما هذه المرة؟


— نحو شهر. عيد ميلادي بعد غد، وسترقبون كيف ستظهر وهي تبكي.


بقيت أشخص في تلك الكلمات لدقائق طويلة.


لم أبك.


فتحت المحادثة بيننا.


في آخر مرة “انفصلنا” فيها وغادرت المنزل، كنت قد اتصلت به 27 مرة، وأرسلت 43 رسالة.


كانت آخر رسالة كتبتها:


“أنا الآسفة، أرجوك لا تهملني.”


وبعد ثلاث ساعات، رد عمر بكلمة واحدة:


“حسناً.”


في ذلك الوقت، ظننت أنها تعني أنه سامحني.


لكني في تلك الليلة فهمت المعنى الحقيقي لها.


كان يعلم أني سأعود دائماً.


لهذا كان يستخف بي ويهملني.


لهذا كان يهينني أمام أصدقائه.


ولهذا أعلن عن زواجه الجديد الآن علناً دون أدنى خوف.


لأنه كان مؤمناً في داخله أني لا أملك الكرامة الكافية للرحيل الفعلي.


لذلك، فعلت شيئاً لم يخطر ببال عمر يوماً.


لم أعاتب.


لم أصرخ.


لم أسأله منذ متى وهو معها.


التقطت صورة للشاشة (Screenshot).


ثم خرجت من مجموعة عائلته، وخرجت من مجموعة أصدقائه.



حذفت عمر من قائمة جهات اتصالي.


أغلقت حساباتي التي استخدمتها لسبع سنوات.


وبدلت رقم هاتفي.


في الثانية صباحاً، لم يعد هناك أي سبيل للوصول إلي.


في الصباح التالي، طلبت إجازة وذهبت مباشرة إلى المكتب.


قلت لمديري:


— أريد أن أقدم استقالتي.


نظر إلي كأني فقدت عقلي:


— ماذا حدث؟


— سأنتقل إلى مدينة أخرى.


— أي مدينة؟


نظرت عبر النافذة وقلت:


— لا أعرف بعد.


سلمت جميع المشاريع، وعدت إلى بيت أهلي حيث كنت أقيم خلال هذا الشهر، وجمعت حقائبي.


سبع سنوات من الزواج..


حقيبتا سفر..


وحقيبة ظهر واحدة.


هذا كل ما بقي من حياتي معه.


قالت لي أمي بقلق:


— ألن تنتظري عمر ليأتي ويصالحك؟


— لا.


— هل يعلم أنك ستغادرين المدينة؟


ابتسمت للمرة الأولى في ذلك الصباح:


— ليس بعد.


فتحت الخريطة، واخترت مدينة تبعد أربع ساعات، واستقللت أول حافلة متجهة إليها.


وبينما كانت الحافلة تبتعد، أطفأت هاتفي.


للمرة الأولى منذ سنوات، لم أكن أنتظر رسالة من عمر.


عندما وصلت، استأجرت شقة صغيرة في بناية قديمة من ستة طوابق، لم يكن بها مصعد.


في المرة الثالثة التي صعدت فيها، علقت إحدى حقائبي في المفرق.


— هل تحتاجين مساعدة؟


رفعت رأسي.


كان هناك شاب ينزل من الطابق الأعلى، يرتدي قميصاً رمادياً وبشعر داكن، ويحمل كيس قمامة.


— أنا بخير، شكراً لك.


لم يهتم برفضي، بل أمسك الحقيبة بيد واحدة ورفعها:


— أي طابق؟


— السادس.. شقة 601.


ابتسم وقال:


— إذن نحن جيران! أنا طارق، أعيش في 602.


— أنا ليلى.


كانت شقتي الجديدة خالية تماماً.


في تلك الليلة الأولى، نمت على سجادة الرياضة، واستخدمت معطفي كغطاء.


في الليلة الثانية جمعت بمفردي سريراً رخيصاً.


وفي صباح اليوم الثالث انقطعت المياه عن البناية.


نزلت لشراء زجاجتين صغيرتين، فالتقيت بطارق مرة أخرى، كان يدفع عربة مليئة بعبوات الماء الكبيرة.


نظر إلى زجاجتي الصغيرتين ثم إلي:



— بهذا المقدار لن تصلي حتى لوقت الغداء.


— يمكنني النزول مرة أخرى.


— ست طوابق في كل مرة؟


— أحتاج إلى بعض التمارين.


ضحك بأعلى صوته:


— عنيدة جداً يا ليلى الشقة 601.


كان أول شخص منذ زمن طويل يضحك معي دون أن يسخر مني.


حمل طارق إحدى العبوات الكبيرة ووضعها أمام بابي:


— أعيديها لي عندما تعود المياه.


— لست بحاجة إلى شفقة.


تغيرت ملامحه وقال بهدوء:


— مساعدة الآخرين لا تعني أبداً أنهم ضعفاء.


سكنت في مكاني.


لقد ظل عمر لسنوات يقنعني بالعكس تماماً.


وانصرف طارق قبل أن أستطيع الرد عليه.


في ذلك المساء، تلقيت اتصالاً من زميلتي القديمة في العمل:


— ليلى… عمر جاء إلى المكتب.


توقفت يدي الممسكة بكوب القهوة في الهواء:


— ماذا كان يريد؟


— يريدك أنت. سأل لماذا رقمك لا يعمل، وعندما أخبرته أنك استقلت، اصفر وجهه تماماً.


لم أرد.


خفضت زميلتي صوتها:


— ثم سأل أين ذهبت.


— وماذا قلت له؟


— الحقيقة.. قلت له إن لا أحد يعلم.


ساد الصمت للحظات، ثم أكملت:


— ليلى… أعتقد أنه بدأ يفهم الآن أنك لن تعودي هذه المرة.


نظرت عبر النافذة.


على الجانب الآخر من الشرفة الضيقة، كان طارق يعلق بعض المصابيح الصغيرة.


اهتز هاتفي مرة أخرى.


ظهرت رسالة من رقم غريب على الشاشة:


“ليلى، كفى عبثاً. أعلم أنك تفعلين هذا لتعاقبيني. عيد ميلادي غداً، عودي إلى البيت.”


قرأتها مرة.


ثم مرتين.


وفي اللحظة التي كنت سأحذف فيها الرسالة، وصلتني رسالة أخرى:


“لا تجعليني أضطر للبحث عنك.”


عمر لم يفهم بعد.


لم أختف لكي يلاحقني..


بل اختفيت لأني—وللمرة الأولى—قررت ألا أعود أبداً.


الجزء الثاني


كان على يقين تام أني سأعود… حتى اكتشف أن حياتي استمرت من دونه.


لم أرد على عمر.


حظرت ذلك الرقم ووضعت الهاتف مقلوباً على الطاولة.


لمدة خمس دقائق، لم أشعر بأي شيء.


ثم بدأت يداي بالارتجاف.


أغضبني ذلك كثيراً.


لقد قطعت مئات الكيلومترات، واستقلت من عملي، وبدأت من الصفر، لكن أربعة أسطر كتبها هو كانت لا تزال تملك القدرة على إرباك أنفاسي.



في تلك الليلة، طرق طارق بابي.


كان يحمل وعاء من المعكرونة.


— طبخت كمية زائدة.


— هل هذه أيضاً مساعدة بلا شفقة؟


ابتسم وقال:


— بالتحديد.


أدخلته.


كانت شقتي لا تزال تشبه غرفة فندق مهجورة؛ طاولة قابلة للطي، كرسيان مختلفان، وعدة صناديق لم تفتح بعد.


نظر طارق حوله:


— هل انتقلت بعجلة كبيرة؟


— نعم.


لم يسألني عن السبب.


وشكرته في سري على ذلك الصمت.


لسنوات كنت محاطة بأشخاص يريدون دائماً معرفة ما حدث بيني وبين عمر، من بدأ الشجار، ومن المحق.


أما طارق، فقد جلس وأكل ببساطة.


تحدثنا عن البناية، وعن القهوة السيئة في المنعطف، وعن مغسلة تأخذ أجرة مبالغاً فيها.


لا شيء مهم.


ولهذا السبب بالذات، كان ذلك العشاء مهماً جداً بالنسبة لي.


كانت أول محادثة منذ زمن طويل لا أضطر فيها لوزن كل كلمة أقولها.


في اليوم التالي بدأت البحث عن عمل.


قبلت إجراء مقابلات لوظائف كنت سأرفضها في الماضي لأن عمر كان يقول إنها لا تحقق المكانة الكافية.


يسعدنا انضمامكم الى جروب : روايات محمد نور حيث الكثير من الروايات الحصرية


بعد ثلاثة أسابيع، حصلت على وظيفة في شركة صغيرة للتصميم الرقمي.


كان الراتب أقل من عملي السابق.


لكن عندما قالت لي مديرتي الجديدة:


“هنا لا ينتظر منك أحد أن تجيبي على الرسائل في منتصف الليل.. الحياة تحدث خارج المكتب أيضاً.”


كنت على وشك الموافقة في تلك اللحظة بالذات.


في هذه الأثناء، استمر عمر في محاولة الوصول إلي.


غيّر رقمه أربع مرات.


كتب لي من حسابات جديدة.


أرسل رسائل بريدية.


في البداية كانت الرسائل تحمل لهجة الأوامر:


“علينا أن نتكلم.”


“كفى تصرفاً كالاطفال.”


“لقد زاد الأمر عن حده.”


ثم جاءت مرحلة الغضب:


“لا يمكنك الاختفاء بعد سبع سنوات من الزواج!”


بعدها، مرحلة عدم التصديق:


“هل حقاً ألقيت بحياتنا وزواجنا في القمامة من أجل صورة؟”


وأخيراً، ظهر شيء لم أره فيه من قبل..



الخوف:


“ليلى، أجيبي فقط لأطمئن أنك بخير.”


لم أرد على أي منها.


لم أنه زواجنا من أجل صورة.


الصورة فقط كشفت لي بوضوح تام ما كنت أنكره لسنوات.


عمر لم يكن يحبني كشريكة حياة..


كان يحبني كما يحب المرء شيئاً يعتقد أنه يملكه.


شيء يمكنه أن يتركه على الطاولة وهو واثق أنه سيجده في مكانه عندما يعود.


بعد شهرين من انتقالي، اتصلت بي أمي:


— عمر جاء إلى المنزل.


أغمضت عيني:


— ماذا كان يريد؟


— كان يسأل عن مكانك.


— أتمنى أنك لم تخبريه.


صمتت أمي لوقت طويل:


— أمي..


— لم أخبره.. لكنه بكى.


أطلقت ضحكة قصيرة خالية من المرح.


خلال سنوات زواجنا، بكيت أمام عمر مرات كثيرة حتى فقدت القدرة على عدها.


بكيت عندما اختفى لثلاثة أيام بعد إحدى المشادات.


بكيت عندما وجدت رسائل شديدة الحميمية بينه وبين تلك الفتاة.


بكيت عندما أعلن عن زواجه الجديد بدلاً من إصلاح ما بيننا.


كنت أنا من أبكي..


وكان هو من يراقب.


والآن، عندما بكى هو، بدا للجميع أن بكاءه دليل على عمق مشاعره!


— أمي، البكاء لا يجعل المرء شخصاً جيداً.


تنهدت:


— أنا فقط أقول إنه بدا نادماً.


— وبدا عاشقا أيضاً وهو يحتضن امرأة أخرى.


هذه المرة لم تجب أمي.


وقبل أن تغلق الخط قالت:


— أنا فقط أريدك أن تكوني سعيدة.


نظرت إلى شقتي الصغيرة.


كانت هناك نباتات على النافذة.


مصباح قمت بترتيبه بنفسي.


صور جديدة معلقة على الجدار.


وكوب أصفر أهداني إياه طارق لأني كسرت كوبي السابق.


— أنا أحاول يا أمي.


مع طارق، كان كل شيء يسير ببطء.


ببطء شديد لدرجة أني لم ألاحظ ذلك لأشهر.


عندما كان المصعد الذي وعد المالك بتركيبه لا يزال معطلاً، كان طارق يحمل عني الأغراض إذا التقينا في الأسفل.


وعندما حاولت طبخ وصفة صعبة وأطلقت جرس إنذار الحريق، ظهر وهو يطرق الباب بمطفأة الحريق، وانتهى به الأمر يضحك حتى جلس على الأرض.


وعندما أصبت بالحمى، ترك لي الأدوية والحساء أمام الباب، دون أن يحاول الدخول.



لم يسألني أبداً عمن كسر قلبي.


حتى ليلة من أيام نوفمبر.


كنا نجلس على سطح البناية، نشرب الشوكولاتة الساخنة.


سألني:


— هل تهربين من أحد؟


كدت أبصق المشروب:


— بدا هذا السؤال مريباً جداً!


— آسف.


— لماذا تسأل؟


نظر طارق نحو الشارع:


— لأنك في كل مرة تتلقين فيها اتصالاً من رقم غريب، تتوقفين عن التنفس لثانيتين.


لم يكن في صوته أي حكم علي.


مجرد ملاحظة.


حكيت له نسخة مختصرة.


الزواج.. المشاكل.. الفتاة.. الصورة.. وجملة عمر التي أكد فيها أني سأعود أتوسل.


ظل طارق صامتاً.


وعندما انتهيت، قال:


— لا بد أن الرحيل كان صعباً جداً عليك.


انتظرت.


انتظرت أن يقول إن عمر كان وحشاً.


أو أني كنت ساذجة.


أو أنه كان يجب علي الرحيل قبل ذلك.


لم يقل أيًا من هذا.


قلت:


— نعم.. كان صعباً.


— لكنك فعلتها.


تلك الكلمات الثلاث ظلت ترافقني لأسابيع: “لكنك فعلتها.”


بعد ستة أشهر، وجدني عمر.


ليس لأن أحداً ساعده، بل بالصدفة.


نشرت شركتي صوراً لفعالية خيرية على مواقع التواصل.


كنت أظهر في خلفية إحدى الصور، وأنا أحمل صندوق التبرعات.


تعرف عمر على اسم الشركة.


وبعد يومين، عندما خرجت من العمل، كان ينتظرني أمام المبنى.


للحظة لم أتعرف عليه.


كان قد نحف، وتحت عينيه هالات سوداء، وكان يرتدي نفس السترة السوداء التي ارتدائها كثيراً عندما كنا معاً.


— ليلى.


تأثر جسدي قبل عقلي؛ ضرب قلبي بشدة.


توقفت.


مشى عمر نحوي:


— أخيراً!


طريقة قوله لها أزعجتني.


لم يقل “مرحباً”، ولا “كيف حالك؟”


بل “أخيراً”.. كأني لا أزال شيئاً مفقوداً استعاده لتوه.


— ماذا تفعل هنا؟


تجهم وجهه:


— هل هذا أول ما تقولينه لي بعد ستة أشهر؟


— نعم.


نظر إلي كأنه ينتظر أن يسقط قناعي:


— لقد تغيرت.


— كانت هذه هي الفكرة.


— ليلى، يمكننا التوقف عن التظاهر.


— التظاهر بماذا؟


— بكل هذا!


أشار إلى المبنى، الشارع، والمدينة كلها:


— حياتك الجديدة.. تغيير رقمك.. الانتقال.. هل كنت بحاجة حقاً للذهاب إلى كل هذا المدى فقط لتثبتي لي شيئاً؟



نظرت إليه..


وفي تلك اللحظة عرفت أن ستة أشهر لم تعلمه أي شيء.


كان لا يزال يعتقد أن كل قرار أتخذه يدور حوله.


— عمر، أنا لم أبن هذه الحياة لأثبت لك أي شيء.


ضغط على فكه:


— إذن لماذا لم تجيبي أبداً؟


— لأني لم أكن أريد التحدث معك.


بدا كأنه تلقى صفعة:


— بعد سبع سنوات من الزواج؟


— بالتحديد.. بعد سبع سنوات.


— ارتكتب خطأ!


— لا..


هززت رأسي:


— ارتكاب الخطأ كان سيكون ندمك وسعيك لإصلاح الأمر، أما أنت فقد اخترت إعلان زواجك وزوجتك الجديدة أمام العلن، ثم ضحكت مع أصدقائك قائلاً إني سأعود زاحفة.


— كنت غاضباً!


— لديك دائماً مبرر.


تقرب عمر خطوة أخرى:


— لقد انفصلت عنها.


هذا الأمر فاجأني حقاً:


— ولماذا تخبرني بهذا؟


— لأني لم أحبها يوماً.


شعرت بشيء غريب.


ليست غيرة، ولا ارتياحاً.. بل شفقة على تلك الفتاة.


— إذن استخدمتها لتؤذيني؟


— أنا…


— هل من المفروض أن يجعلني هذا أشعر بالارتياح؟


بقي عمر صامتاً.


للمرة الأولى منذ سنوات، لم تكن المناقشة تسير كما يتوقع.


في الماضي، عندما كان يصمت، كنت أصاب بالهلع، وأملأ ذلك الصمت بالاعتذار والشرح والوعد بالتغيير.


أما في تلك الظهيرة، فلم أفعل أي شيء.


أخيراً همس:


— أشتاق إلى ما كان بيننا.


— أنا لا أشتاق.


ادروقت عيناه بالدموع:


— لا يمكنك قول هذا بجدية!


— بل أقوله.


— كنت تحبينني!


— كثيراً جداً.


— إذن…


— عمر، محبة شخص ما لا تعني الاستمرار في سماحه بإيذائك.


تنفس بعمق:


— امنحيني فرصة أخرى.


نظرت إليه لبضع ثوان.


تذكرت 27 اتصالات.. و 43 رسالة.


اعتذاراتي عن مشاكل كان هو سببها.


تذكرت ليالي كاملة وأنا أتلاءل عما إذا كنت أبالغ.


تذكرت كم مرة ضحك أصدقاؤه لأنهم يعلمون أن ليلى ستعود حتماً مهما حدث.


— لا.


كلمة واحدة..


نفس عدد الحروف الذي كان يستخدمه دائماً ليجعلني أشعر أني لا شيء.


اشتد بياض وجه عمر:


— هل هناك شخص آخر؟


وها هو ذا مرة أخرى..



حتى الآن كان بحاجة إلى تخيل أن رجلاً آخر هو سبب رفضي.


لأن القبول بأني كنت بمفردي قادرة على اتخاذ قرار التوقف عن حب تلك الحياة كان أمراً جسيماً على كبريائه.


— هذا لم يعد شأنك.


— ليلى!


— علي أن أمضي.


حاول الإمساك بذراعي.


صوت جاء من خلفنا:


— قالت إن عليها أن تمضي.


طارق.


كان قادماً ليأخذني لأننا كنا على موعد للعشاء.


نظر عمر إلى يده المرفوعة بالقرب من ذراعي، ثم نظر إلى طارق:


— من أنت؟


قبل أن يجيب طارق، قلت:


— صديقي.


أطلق عمر ضحكة مريرة:


— بالطبع.. الآن فهمت.


— أنت لا تفهم أي شيء.


نظر إلي:


— هل كنت تخونينني معه حين كنت معي؟


تلك التهمة كانت لتدمرني قبل ستة أشهر.


أما الآن، فلم تسبب لي سوى التعب.


تقدم طارق خطوة، ولكني رفعت يدي:


— لا.. أريد أن أقولها أنا.


ثم التفت لعمر:


— تعرفت عليه بعد أن رحلت. لكن حتى لو لم أتعرف على طارق أبداً، لم أكن لأعود إليك أبداً.


هذا ما كسر شيئاً في وجه عمر في النهاية.


ليس وجود رجل آخر..


بل اكتشافه أنه لم يخسر أمام رجل آخر، بل خسر أمام النسخة الجديدة مني، تلك التي تعلمت كيف تعيش بدونها.


مشيت ولم ألتفت خلفي.


لم يتكلم طارق حتى انعطفنا في الشارع:


— هل أنت بخير؟


— أعتقد أني بخير.


— هل تريدين إلغاء العشاء؟


فكرت في الأمر:


— لا.. أنا جائعة.


ابتسم:


— هذا سبب ممتاز لعدم إلغائه.


مشينا قليلاً، ثم توقفت:


— شكراً لتدخلك.


— بدا وكأنه كان سيمسك بك.


— نعم.


— ولكنك كنت تديرين الأمر بشكل رائع بمفردك.


ابتسمت:


— وشكراً على هذه أيضاً.


أرسل عمر رسالة أخيرة.


لا أعرف كيف حصل على بريدي الإلكتروني الشخصي.


كانت الرسالة كلمات قليلة:


“الآن فهمت إني خسرتك حقاً.


كنت أظن أنك ستعودين دائماً.


كنت أحمق.


أتمنى أن تستطيعي مسامحتي يوماً ما.”


قرأتها وأنا أتناول الإفطار.


ثم أرشفت الرسالة (Archived).


لم أرد.


المسامحة بالنسبة لي لم تكن تعني إعادة فتح الباب له مرة أخرى.



لم تكن تعني الصلح، ولا حتى النسيان.


كانت تعني فقط القدرة على تذكر تلك الليلة في الواحدة والسابعة عشرة دقيقة دون أني يألمني صدري.


وبالتدريج، حققت ذلك.


بعد سنة من وصولي إلى المدينة، كان عقد الشقة على وشك الانتهاء.


اتصل بي المالك:


— هل ستجددين العقد؟


نظرت حولي.


الشقة التي كانت خالية يوماً أصبحت الآن مليئة بالحياة.


صور.. كتب.. نباتات.. سجادة جديدة.


وعلى الطاولة، كوبان من القهوة.


خرج طارق من المطبخ:


— ماذا قال؟


غطيت الهاتف:


— يسأل عما إذا كنت سأجدد.


— وهل ستفعلين؟


ابتسمت.


ارتباطنا كان قد بدأ قبل ثلاثة أشهر.


بلا إعلانات كبيرة، بلا ألعاب، وبلا صمت يستخدم كعقاب.


في أول مرة اختلفنا فيها، انتظرت بشكل لا إرادي أن يختفي طارق لأيام.


بدلاً من ذلك، قال لي:


“أنا منزعج، لكني أريد حل الأمر معك.”


كدت أبكي..


ليس لأنه فعل شيئاً خارقاً، بل لأني فهمت أخيراً كم كنت أخطئ فهم الأشياء البسيطة وأعتبرها امتيازاً!


أجبت المالك:


— نعم.. سنة أخرى.


عندما أغلقت الخط، رفع طارق حاجبه:


— إذن سنبقى جيراناً.


— فنياً.. نعم.


— فنياً؟


تقرب مني:


— أنت تقضين وقتاً في الشقة 602 أكثر من 601 مؤخراً.


— آلة القهوة لديك أفضل.


— كنت أعلم أنك تحبينني لأجل أجهزتي المنزلية فقط!


ضحكت..


وكانت تلك الضحكة خفيفة.


بلا خوف، وبلا تساؤل عن متى سيتغير مزاج الشخص الذي أمامي.


في وقت لاحق، ونحن ننظف الطاولة، عرض هاتفي ذكرى تلقائية لما حدث قبل سنة بالضبط.


صورة الشاشة التي التقطتها في تلك الليلة.


عمر.. الفتاة.. المنشور:


“إن كان بإمكاني أن أقضي بقية عمري معك…”


لبضع ثوان، تأملت الصورة.


مر طارق من خلفي:


— كل شيء بخير؟


— نعم.


حذفت الصورة.


هذه المرة بشكل نهائي.


قبل عام، كنت أظن أن تلك الصورة كانت دليلاً على أني خسرت سبع سنوات من حياتي.


أما الآن، فقد فهمت أنها كانت باباً أيضاً.


مؤلماً.. مهيناً.. وقاسياً.



لكنه كان باباً.


لأني ربما كنت سأستمر في الانتظار.


كنت سأستمر في الاعتذار.


وكنت سأستمر في الاعتقاد بأن الحب يعني التحمل حتى يقرر الطرف الآخر أن يعاملك بشكل جيد مرة أخرى.


نشر عمر تلك الصورة وهو اقتنع أني سأظهر بعد يومين في عيد ميلاده، أبكي وأتوسل إليه.


لم أظهر أبداً.


لقد تخيل مشهداً كاملاً أعود فيه إليه.


لكن هناك شيئاً واحداً لم يتخيله أبداً:


أن أمسك حقيبتي..


وأغلق ذلك الباب..


وأقطع مسافة أربع ساعات..


وأنام على أرضية شقة خالية..


وأبني حياة جديدة تماماً..


وأكتشف أن العالم يمضي ويدور حتى بدونه.


لسنوات، كان عمر يعتقد أن القوة في علاقتنا مكمنها معرفته أني سأعود دائماً.


كان مخطئاً.


قوتي الحقيقية ظهرت في اليوم الذي فهمت فيه أنني أستطيع الرحيل.


كان يريد أن يقضي بقية حياته مع امرأة أخرى..


فمنحته ما أراد.


وبقية حياتي أنا..


أخيراً بدأت تكون ملكاً لي وحدي.



أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close