فضيحة الفرح كامله حكايات انجى الخطيب
فضيحة الفرح حكايات انجى الخطيب
“إوعى تلمسني!”
“إيدك… ابعد عني!”
الصوت خرج حاد، قطع دوشة الفرح في ثانية.
كل العيون اتلفتت ناحية الطفل.
كان عنده حوالي سبع سنين.
هدومه باينة عليها التراب، وشكله مرهق كأنه ماكلش من يومين.
سحب إيده بسرعة أول ما الست زعقت فيه.
عينيه كانوا مليانين وجع…
بس مفيهمش خوف.
بص لها وقال بصوت هادي:
“أصلك… شعرك شبه شعر ماما بالظبط.”
الست عقدت حواجبها، والضيق اللي كان على وشها بدأ يختفي…
#انجي_الخطيب
وحل محله استغراب.
وقالت وهي بتبصله كويس:
“إنت بتقول إيه يا ابني؟”
الولد رفع عينه وبصلها بثبات.
“ماما قالتلي إني هلاقيكي هنا…”
الكلام نزل على الموجودين زي الصاعقة.
الدوشة اللي كانت مالية قاعة الفرح بدأت تهدى واحدة واحدة.
المعازيم وقفوا كلام.
وكل الأنظار بقت متعلقة بالولد.
وفي ناس طلعت موبايلاتها تصور اللي بيحصل.
الولد فتح كفه الصغير بهدوء…
وكان ماسك توكة شعر فضة، مرصعة بفصوص صغيرة.
كانت قديمة…
واضح إنها مستخدمة من سنين.
أول ما الست شافتها…
وشها شحب فجأة.
شهقتها وقفت في زورها.
همست وهي بتترعش:
“مستحيل… دي إزاي معاك؟!”
دمعة نزلت على خد الولد.
وقال بنفس الهدوء:
“ماما قالتلي إنك هتقولي كده…”
وفجأة…
كل الأصوات اختفت.
ولا نفس واحد بقى مسموع.
الست اندفعت ناحيته بسرعة، والخوف بان في عينيها لأول مرة.
ومسكته من كتفه وهي بتصرخ:
“أمك فين؟!… قولّي بسرعة!”
الولد مردش. ولا نطق بحرف. كل اللي عمله…
إنه لف راسه بالراحة.
وبص ناحية ممشى الجنينة اللي ورا قاعة الفرح.
كل الموجودين لفوا يبصوا معاه.
وفي آخر الممشى…
كانت واقفة ست. ساكتة… مابتتحركش. وبتبص عليهم من بعيد.
أول ما الست شافتها… اتجمدت مكانها. ملامحها…هي هي.
نفس الوش. نفس العينين. نفس الشعر.
كأنها بتبص في مراية.
الكوباية اللي كانت في إيدها وقعت على الأرض.
واتكسرت بصوت دوّى في المكان كله.
شهقات المعازيم علت.
وكل واحد بقى يبص للتاني وهو مش فاهم اللي بيحصل.
لكن الصدمة الحقيقية…
مكنتش في الست اللي شبهها.
كان في راجل واقف جنبها. واقف ثابت… بيبصلهم من غير ما ينطق.
أول ما الست شافته… لون وشها اتغير. الخوف… اختلط بالصدمة. وبعدها بعدم التصديق.
وشفايفها اتحركت بالعافية وهي بتهمس:
“لا… مستحيل… ده مات من سنين…”
ودقات قلبها بقت تعلى… أعلى… وأعلى…
وعينيها فضلت ثابتة عليهم… وكأن الماضي كله… رجع يطاردها في لحظة واحدة.
#انجي_الخطيب
رجليها ماشالتهاش، اتسندت بالعافية على أقرب ترابيزة قبل ما تقع، بينما العريس قرب منها وهو مش فاهم حاجة والذهول ياكله، إيده كانت محتارة بين إنه يمسكها أو يبص على السراب اللي ظهر فجأة في نص الفرح. الراجل بدأ يتحرك بخطوات بطيئة وواثقة ناحية الكوشة، كل خطوة منه كان ليها صوت يرن في القاعة زي دقات قنبلة موقوتة، ونظراته كانت باردة ومفيهاش أي رحمة. وقف قدامها على بعد خطوات قليلة، والست الشبيهة وقفت جنبه، حاطة إيدها على كتف الولد الصغير اللي جيري عليها ومسك في هدومها.
فريدة كانت بتترعش، شفايفها بتتحرك بس الصوت مش طالع، ولما قدرت تنطق هبست بصوت مكسور: “انت… انت حقيقة؟ ولا أنا بتخيل؟”
الراجل ابتسم ابتسامة باهتة مليانة قسوة، وبصلها بعيون مليانة وجع وقال بصوت حاد قطع السكون: “اللي مات من سنين كان غبائي يا فريدة… بس المرة دي رجعت عشان أسترد اللي اتسرق مني، وحقي اللي دفنتوه تحت التراب.”
الهمس زاد بين المعازيم كأنه خلية نمل، فلاشات الموبايلات بدأت تنور وتصور كل لحظة، والعريس اتدخل وهو المنفعل، قرب من الراجل وزقه في صدره وهو بيزعق: “انت مين يا جدع انت؟! وإزاي تتجرأ تدخل قاعة فرحي بالمنظر ده وتخوف خطيبتي؟!”
الراجل حتى مبصلوش، ولا اهتز من الزقة، عينيه فضلت متثبتة على فريدة اللي كانت وشها بقى أبيض زي الملاية، ورد عليه بنبرة هادية بس ترعب: “اسألها هي… اسألها اختها التوأم اللي دفنتوها بالحيا وخليتوا الكل يفتكر إنها هربت، ورجعت النهاردة مع الراجل اللي اتهمتوه بالخيانه عشان تداروا على جريمتكم.”
فريدة هزت رأسها بالرفض وهي بتبعد لورا بخطوات مرعوبة، الدموع كانت نازلة من عينيها كالمطر، وصوتها طلع صريخ: “لا.. انتوا كذابين! جايين تخربوا حياتي بعد السنين دي كلها؟! جايين تتبلوا عليا في يوم فرحي؟!”
الست الشبيهة خطت خطوة للأمام، وبصت لفريدة ونظراتها كلها قهرة سنوات عاشتها في الظلام، وقالت بصوت يقطع القلب: “اللي كذب هي انتي يا فريدة.. بعتيني وبعتي شرف اختك عشان الفلوس والورث، وخلّيتي العيلة كلها تتبرأ مني وتفتكرني خنت ثقتهم، وسيبتيني أهرب وأعيش مطرودة مع الراجل اللي دبرتي له حادثة عشان تخلصي منه وتدبسي الجريمة فيه!”
الأجواء في القاعة انفجرت، المعازيم بدأوا يقفوا على الكراسي، والعريس وقفت الصدمة على وشه وهو بيسمع الكلام وبيحاول يربط الأحداث ببعضها، بص لفريدة ونظرات الحب اللي كانت في عينيه تحولت لشك ورعب، ومسك إيدها بقوة وقال: “الكلام ده صح؟ الست دي اختك؟ والراجل ده مين؟!”
فريدة كانت بتنهج بصعوبة، التوكة الفضة اللي أخدتها من الولد ضغطت عليها في إيدها لحد ما الفصوص الصغيرة كانت هتغرس في كفها وتجيب دم، وبصت للراجل وقالت بصوت مبحوح: “كنت فاكرة إن الشريط اتقفل… وإن السر مات معاك في الحادثة اللي حصلت على الطريق الزراعي.”
الراجل قرب منها خطوة كمان، ونزل لمستوى وشها وهو بيوشوشها بصوت مسموع للقاعة كلها: “الحادثة نجتني يا فريدة… والسر المرة دي مش هيتدفن، السر هيتقال قدام الناس دي كلها، والمظلوم هيرجعله حقه النهاردة، وفي نفس اليوم اللي كنتي فاكرة إنك بتبدأي فيه حياة جديدة على جثث غيرك.”
الولد الصغير بص لأمه وابتسم، والست الشبيهة رفعت راسها بثبات وهي بتمسك إيد جوزها، بينما فريدة انهارت على الأرض بين رجلي عريسها اللي ساب إيدها وبعد عنها خطوتين لورا وهو مش مصدق البشاعة اللي اكتشفها في لحظة.
الناس في القاعة بدأت تتزاحم وتتدافع عشان يشوفوا المهزلة اللي بقت بتبث مباشر على موبايلات المعازيم. أبو فريدة، اللي كان واقف في صدر القاعة ومذهول ومش قادر يستوعب، اتجمع فيه كل العجز والمفاجأة، وقرب بخطوات ثقيلة ومترددة من البنت الشبيهة، وصوته كان بيطلع بالعافية كأنه طالع من قاع بئر مهجور: “منى؟! انتي حية يا بنتي؟! ولا أنا بحلم؟!”
البنت الشبيهة بصت لأبوها وعينيها اتملت دموع، بس كان فيها مرار سنين طويلة من الظلم والوجع: “حية يا بابا.. حية بعد ما بنتك الفاضلة أقنعتك إني خاينة وهربت، ورتبت مع جوزها القديم للحادثة عشان يموت سامح وينهوا السر للأبد.. بس ربنا كان أرحم منكم كلكم.”
العريس قلع وردة الفرح من صدر بدلتة ورمى الكرافتة على الأرض باحتقار، بص لفريدة اللي كانت بتزحف على الرخام وهي بتصرخ زي المجنونة بانهيار: “انتي واحدة مريضة! انتي شوّهتي شرف اختك ودمرتي حياة بني آدمين عشان شوية أوراق وورث؟! أنا القرف ده مش هكمل فيه لحظة واحدة!” ولف وشه ومشي، ووراه أبوه وأمه اللي كانوا بيصرخوا وبيسحبوا قرايبهم وراهم بره القاعة.
المعازيم بدأوا يتسحبوا بسرعة، صوت الميكروفون كان بيزن بصوت صفير حاد زاد القاعة كآبة ورعب، وفريدة بتمسك في طرف فستان اختها وبتبكي بصوت هيستيري: “سامحيني يا منى.. هي أمي اللي خططت لكل حاجة! هي اللي قالتلي لو اتجوزتيه الورث هيروح منك.. هي اللي ضغطت عليا!”
سامح حط إيده في جيب الجاكيت وطلع ظرف أبيض كبير، وحطه على أقرب ترابيزة جنبها وقال بصوت أبرد من الثلج: “النيابة بره القاعة يا فريدة.. البلاغ اتقدم من الصبح بإعادة فتح قضية الحادثة وتزوير أوراق الملكية.. والنهاردة الفرح مش هيخلص بورد وفستان أبيض، هيخلص بالكلبشات اللي مستنياكي على الباب.”
في اللحظة دي، أسطول عربيات الشرطة ضرب سريناته بره الجنينة، والإضاءة الحمراء والزرقاء بدأت تعكس على زجاج القاعة، والولد الصغير مسك إيد أمه وأبوه وهو بيطل عليهم بابتسامة نصر صغيرة، بينما فريدة فضلت قاعدة على الأرض وسط بقايا الزجاج المكسور، بتبص لكرسي العروسة الفاضي وهي بتشوف كل حاجة بنتها في سنين بتنهار في ثواني.
صوت الخطوات القوية بتاع رجال الشرطة كان بيرن في القاعة الواسعة بعد ما معظم المعازيم جريوا بره. الضابط دخل ومعاه القوة، عينه جات فوراً على الظرف الأبيض اللي على الترابيزة، وبعدين بص لفريدة اللي كانت قاعدة على الأرض بالفستان الأبيض اللي اتوسخ بتلج القاعة وتراب الزجاج المكسور.
الضابط قرب بكل جدية وبص لسامح ونطق بتكليف: “الأستاذ سامح؟ البلاغ اتراجع، وأمر النيابة بضبط وإحضار المشتبه فيهم جاهز.”
في اللحظة دي، أم فريدة جرت من الممر الخلفي للقاعة وشها باهت وعينيها زي الميتين من الخوف، أول ما شافت الكلبشات في إيد العسكري اتجننت وزعقت بصوت مهزوز: “انتوا بتعملوا إيه؟! انتوا مش عارفين أنا مين؟! دي بنتي عروسة، اخرجوا بره!”
منى خطت خطوة ناحيتها، وبصت في عينين أمها بنظرة مليانة قسوة وألم سنين اتدفنت فيه: “العروسة اللي كذبتوا عشانها دفنتوني بالحيا يا أمي.. والنهاردة اللعبة انتهت، والحساب اللي تأجل جه وقته.”
الأم اتجمدت مكانها، الصدمة شلت لسانها لما شافت منى واقفة قدامها بدمها ولحمها حية، رجلها ما شالتهاش ووقعت على أقرب كرسي وهي مش قادرة تتنفس ولا تنطق بحرف.
العسكري حط الكلبشات في إيد فريدة، اللي كانت بتصرخ وبتعافر وتترجى أي حد ينقذها، بس الصوت كان بيرتد في جدران القاعة الفاضية زي الصدى. سحبوها لبره بالفستان اللي كان المفروض يستر فرحتها، وبقى يجر على الأرض وراها زي الكفن.
سامح مسك إيد منى بضمير مرتاح، ونزل على ركبته وطبطب على ظهر الولد الصغير اللي ابتسم وهو حاطت إيده في جيبه ومستمسك بالتوكة الفضة. خرجوا من القاعة الثلاثة سوا، في نفس اللحظة اللي كانت فيها النور الخارجي للمكان بيكشف الحقائق، وعربيات البوليس بتمشي بفريدة وأمها للنيابة، عشان يتقفل الستار عن أبشع تمثيلية اتعملت في تاريخ العيلة، ويرجع الحق لأصحابه بعد طول انتظار.
الهوا البارد بره القاعة ضرب وشهم أول ما طلعوا، كأنه بيغسل قلوبهم من خنقة المكان والشر اللي كان جواه. صوت السارينة بتاع عربيات البوليس كان بيبعد بالتدريج في الضلمة، وواخد معاه فريدة وأمها، ومخلف وراه راحة كانت غايبة عن سامح ومنى من سنين طويلة.
منى وقفت في نص الممشى، رفعت راسها للسما وخدت نفس عميق لأول مرة من سنين.. نفس طالع من قاع صدرها كأنها بتتولد من جديد.
فجأة، صوت خطوات مهزوزة ومكسورة قربت منهم من ورا. كان أبوها.. ماشي يترجل وبيلف حوالين نفسه زي اللي ضايع في توهة، كأنه كبر عشرين سنة في الكام دقيقة اللي فاتوا. عينيه كانت بتترجى منى، وإيديه المرعوشة اتمدت ناحيتها وهو بيهمس بصوت يقطع القلب: “منى.. يا بنتي.. هتمشي وتطفي النور في وشي تاني؟”
منى لفت له بالراحة. كان جواها صراع رهيب بين الوجع القديم اللي عاشته في الظلم، وبين منظر أبوها اللي انكسر وشايل خيبة أمله في أهله. بصت له بعيون مليانة دموع وقالت بصوت واطي بس ثابت: “أنا مامشيتش بخاطري يا بابا.. انتوا اللي طردتوني.. انت اللي صدقت إن بنت عمرك تبيع شرفها وتخون، ومشيت ورا كلامهم من غير ما تكلف نفسك تبيّن الحقيقة أو حتة تسمعني.”
الأب نزل على ركبه على النجيلة، حط وش بين إيديه وبكى بحرقة وصوت مسموع: “أنا كنت أعمى يا بنتي.. غميّت عيني ومشيت وراهم.. سامحيني يا منى.. سامحي أباكي المخدوع!”
سامح قرب ونزل لمستواه، حط إيده على كتف الراجل الكبير وقال بنبل: “استغفر ربنا يا عمي.. اللي حصل كان كابوس وانتهى، والنهاردة القانون هيجيب حقنا وحقك من اللي خدعوك. احنا مش جايين ننتقم منك انت، احنا أردنا بس نرد كرامة مراتي ونضف اسمها قدامك وقدام الدنيا كلها.”
الولد الصغير قرب من جده بالراحة، ومسك إيده وحط فيها التوكة الفضة. الأب بص للتوكة بدموع نازلة تبل فصوصها.. التوكة اللي كانت السبب في كشف السر وإنقاذ الحق.
منى مسكت إيد ابنها وإيد جوزها، وبصت لأبوها بصة أخيرة فيها مزيج من الرحمة والوداع: “أنا سامحتك يا بابا في حقي.. بس الجرح محتاج وقت عشان يلم. ربنا يهديك ويصبرك على الصدمة.”
تحركوا الثلاثة بخطوات هادية ناحية عربيتهم اللي كانت مركونة على أول الطريق. ركبوا، والولد الصغير قعد في الكنبة اللي ورا، بيبص من الشباك على أنوار القاعة وهي بتطفي واحدة واحدة.. وكأن الستارة بتنزل أخيرًا على المأساة، عشان تبدأ حياتهم من جديد في نور الحقيقة.
العربية كانت ماشية بالراحة على الطريق السريع، وصوت الموتور الهادي كان الشيء الوحيد اللي بيقطع السكوت اللي ساد بين التلاتة. سامح كان حاطط إيده على الدركسيون، بيبص من مراية العربية على ابنه اللي نام في الكنبة اللي ورا وهو ماسك توكة الشعر الفضة في إيده الصغيرة كأنها أغلى كنز في العالم.
منى كانت باصة من الشباك، بتراقب أنوار الشارع وهي بتجري وتختفي. دموعها كانت بتنزل في هدوء، مش دموع حزن ولا قهرة زي زمان، لكن دموع راحة.. دموع إحساس إن الكابوس أخيراً انزاح عن صدرها.
سامح مد إيده وبشويش حطها على إيدها اللي كانت بتترعش على ركبتها، وقال بنبرة دافية مليانة حنية: “خلصت يا منى.. الكابوس اللي عشنا سنين بنتحرم بسببه من الشمس، بكرة كل الناس هتعرف الحقيقة كاملة.. ومفيش حد هيقدر يرميكي بكلمة تاني.”
منى لفت له وابتسمت ابتسامة مكسورة بس حقيقية، مسكت إيده بقوة وقالت: “أنا ما كانش يهمني الناس يا سامح.. أنا كان يهمني أرد كرامة ابننا، ما يعيشش طول عمره وهو فاكر إن أمه كانت خاينة وهربت، ولا إن أبوه مجرم.. زي ما حاولوا يقنعوا الكل.”
في الصباح الباكر، كانت أروقة مبنى النيابة زحمة وداوشة، بس الممر اللي قدام مكتب وكيل النيابة كان ساكت وموتر. فريدة كانت قاعدة على الكرسي الخشب المحطوط بره، إيديها متكلبشة، وشها شاحب وخالي تماماً من أي روح، وفستان الفرح الأبيض بقا متبهدل ومتوسخ بلون الرصيف. أمها كانت قاعدة جنبها، باصة في الأرض ومش قادرة ترفع عينها في وش العساكر ولا الناس اللي رايحة وجاية بتتكلم عليهم.
باب المكتب اتفتح، وخرج سامح ومنى ومعاهم المحامي، وفي إيدهم الورق الرسمي اللي بيتضمن فتح ملف القضية القديمة وتفريغ كاميرات الفرح، وإلغاء كل التوكيلات المزورة اللي فريدة وأمها استغلوا بيها اختفاء منى.
فريدة رفعت عينها بالعافية وبصت لختها، صدمتها اتحولت لرجاء وهي بتهمس بشفايف ناشفة: “منى.. عشان خاطري.. قولي للنيابة إنك مسامحة.. أنا أختك يا منى.. أختك التوأم اللي كانت بتشاركك نفس اللقمة!”
منى وقفت قدامها، بصت لها بنظرة فيها أسى وحزن كبير على العِشرة اللي اتهانت، وقالت بصوت واطي بس ثابت هز جدران الممر: “الأخت ما بتبعيش أختها عشان قرشين يا فريدة.. والأخت ما بتحرمش ابن أختها من أمه وأبوه وتخليه يعيش طريد.. أنا سامحتك بيني وبين ربنا عشان قلبي ينظف، بس القانون هو اللي هيحاسبك على كل لحظة وجع عشناها.”
العسكري جه وسحب فريدة وأمها لداخل الغرفة عشان يبدأ التحقيق الرسمي، وصوت صريخ فريدة وبكاها كان بيرن في الممر وهي بتترجى المحامي يعمل أي حاجة.. بس كانت الأبواب اتقفلت خلاص.
منى وسامح خرجوا من مبنى النيابة، والشمس كانت طالعة صافية ودافية بتغمر الشارع بالأنوار. الولد الصغير كان مستنيهم بره مع صديق العيلة، أول ما شافهم أخد نفس عميق وجري عليهم وهو بيضحك.. سامح رفعه بين إيديه فوق، ومنى حضنتهم هما الاتنين، ومشوا في نص الشارع وهما حاسين إن السنين العجاف انتهت.. وإن السعادة اللي اتسرقت منهم، رجعت أخيرًا بأمر من ربنا.
تمت


تعليقات
إرسال تعليق