رواية رجعت المكتب عشان آخد جاكيت بنتي كامله روماني مكرم
حكايات روماني
رجعت المكتب عشان آخد جاكيت بنتي، وسمعته بيتكلم في التليفون وهو معلي صوته ومش حاسس باللي حواليه: «خديهم يا ستي، أنا دلوقتي جالي الواد اللي هيشيل اسمي بجد ويشرفني!».. ما وجعتش دماغي ولا جادلت معاه: ما صدقت مضيت على ورقة التنازل والتسوية، وأخدت العيال وطرت بيهم على المطار. بعد ساعات، الدكتورة بتاعة “منى” كلمتني بتهديد واضح، وساعتها بس فهمت.. هي مكنتش بتخسر عيلتها ولا حاجة، دي كل الحكاية إنها بطّلت تمثل إن العيلة دي لسه موجودة من الأساس.
بداية النهاية.. في مكتب المحامي
الحكاية دي حصلت في مكتب محامي في قلب حي الزمالك بالقاهرة، في يوم خميس من أيام شهر يونيه الحر.
بعد ١٠ سنين جواز، “منى” كانت قاعدة بتبص لـ «أيمن» وهو بيمضي على كل ورقة بتترفض قدامه من غير ما يرمش له جفن ولا يقرأ كلمة واحدة. الموبايل في إيده، الجاكيت على كتفه، ومش على بعضه وعايز يخلع بأي طريقة.
— «هو في إيه؟ هو الأستاذ مستعجل على إيه؟».. منى قالتها وهي بتبص للمحامي، الأستاذ “مراد”، اللي كان عمال يفرك ويدور على نظارته.
— «يا مدام منى، لازم تقري البنود دي كويس.. دي فيها القوانين والتفاصيل بتاعة الممتلكات، الحسابات البنكية، وحضانة العيال.»
— «اقرأ إيه يا أستاذ مراد؟ هو سايب حاجة أقرأها اصلاً؟!»
“شيرين”، أخت أيمن، ضحكت بتهكم وهي قاعدة على الكنبة:
— «إنتي من زمان مبقتيش تتكلمي يا منى، جيتي دلوقتي تفتحي بؤك؟»
— «أخوكي عدى حدوده وزودها أوي.»
— «أيمن مبقاش فارق معاه حاجة اصلاً، جاب ألاخره منك ومن عيشتك.»
— «وهو فاكر إنه بكده بيلوي دراعي يعني؟»
أيمن مَط شفايفه وابتسم ابتسامة سخيفة وهو بيمضي الورقة الأخيرة:
— «أنا ماشيها يا باشا.. ورانا مصالح أهم. اليومين دول هنعرف بقى مين اللي حسابه مظبوط ومين اللي بيغرق.»
أم أيمن، الحجة “زينب”، كانت طايشة من الفرحة وطايرة بـ “إلهام” -اللي طالعة جديد في حياة ابنها- وبتدلع الواد اللي في بطنها وتسميه “الملك الصغير”. أيمن عمره ما شال الهم ولا اتكلم بالأسلوب ده قبل كده، بس الأموال والنساء زغللوا عينيه.
منى مبصتلوش حتى، ولا ردت على كلامه الرخيص.
— «إنت فاكر إنك تقدر تاخد قرار زي ده لوحدك وتعيش حياتك عادي؟»
الأستاذ مراد قفل الملف بشويش وبص لـ أيمن بقلة حيلة:
— «يا أستاذ أيمن.. الكلام اللي المدام بتقوله ده هو بالظبط اللي موجود في العقود والمسودات اللي إنت طلبت مني أجهزها وإنت مضيت عليها دلوقتي من غير ما تقرأ!»
وش أيمن اتخطف، والضحكة اختفت من على وشه:
— «عقود إيه ومسودات إيه يا عم أنت؟! إنت هتهزر؟»
بس خلاص.. اللي اتكسر عمره ما يتصلح، والوقت كان فات.
المستخبي بان
منى أخدت عيالها، “يوسف” و”جنى”، ومشيت من غير ما تخش في مهاترات ولا نقاش مالوش لازمة.
الملف اللي كان في إيدها كان جواه المصيبة: وثائق، وفواتير أثاث، وصور لشقة فاخرة في التجمع الخامس.
أيمن اللي كان بقاله شهور بيتحجج ويقول إنه مش قادر يدفع مصاريف مدرسة يوسف ولا يعمل تقويم سنان لجنى ويقول «العين بصيرة والأيد قصيرة».. طلع دافع أكتر من مليون جنيه مقدم لشقة الهانم جديدة! والمصيبة الأكبر؟ إن الفلوس دي اتسحبت جزئياً من الحساب المشترك اللي كان بينه وبين منى!
تليفون منى اهتز.. رسالة من صاحبتها الانتيم “نورا”:
> “إوعي تردي عليه ولا تدي له فرصة يتكلم! اطلعي على المطار فوراً.. العيادة على وشك تبعت نتائج تحاليل الحمض النووي (DNA) والدم.”
>
لحظة المواجهة
على الناحية التانية، نزل أيمن وسابق الوقت، وقال بحدة:
— «قبل ما نكمل اللعب ده، فيه حاجة لازم تتوضح فوراً!»
أيمن ابتسم غرور تاني وهو فاكر نفسه مسيطر:
— «إيه؟ هو الواد جرى له حاجة ولا إيه؟»
الدكتورة ردت ببرود:
— «الحمل ماشي تمام ومفيش أي مشكلة صحية..»
الحجة زينب ضمّت إيديها على بعضها، ونفخت بقلة صبر وهي بتبص للسقف وبتدعي:
— «يا دكتورة إنجزينا بالله عليكِ، في إيه تاني عاوزة توضحيه؟»
#الكاتب_رومانى_مكرم_
الدكتورة بصت لـ أيمن ووالدته وقالت بكل هدوء:
— «يا أستاذ أيمن.. نتيجة التحاليل والمتابعة بتقول إن الحمل ده ملوش أي علاقة بيك أصلاً!»
أيمن وشه جاب ألوان، والابتسامة اتجمدت على شفايفه، بينما الهدوء كنس الأوضة تماماً.. وفي اللحظة دي بالذات، طيارة منى وعيالها كانت بتبعد عن القاهرة، بعد ما سابته يشرب من نفس الكأس اللي سقاهولها.
بعد ما الدكتورة خلصت جملتها، أيمن فضل واقف مكانه كأنه مش فاهم اللغة اللي بتتكلم بيها.
بص لها مرة، وبص لأمه مرة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة متوترة وقال:
— «إنتي بتقولي إيه يا دكتورة؟! ملوش علاقة بيا إزاي يعني؟!»
الدكتورة حطت الملف قدامها وقفلت القلم بهدوء.
— «زي ما سمعت يا أستاذ أيمن. التحاليل اللي طلبتوها عشان تطمنوا على الحمل أثبتت إن مفيش تطابق بين العينة اللي اتاخدت منك وبين الجنين.»
الحجة زينب قامت من مكانها فجأة.
— «استغفر الله العظيم! يعني إيه مفيش تطابق؟! ابني كان عايش معاها عشر سنين!»
الدكتورة بصت لها بنظرة ثابتة وقالت:
— «أنا ماليش دعوة بحياتكم الشخصية يا حاجة. أنا بقول نتيجة تحليل.»
أيمن مد إيده للملف وخطفه بعصبية.
— «وريني التحليل!»
الدكتورة سحبت الملف من إيده وقالت:
— «النتيجة اتراجعت أكتر من مرة قبل ما أبلغكم. ولو حضرتك عايز نسخة رسمية، هتاخدها من المعمل.»
أيمن قرب منها وهو بيزعق:
— «يعني إنتي بتقولي إن إلهام كانت بتخوني؟!»
الدكتورة ردت بمنتهى البرود:
— «أنا بقول إن الحمل مش منك. الباقي مش شغلي.»
الحجة زينب حطت إيدها على صدرها.
لكن أيمن ما ردش عليها.
فجأة افتكر منى.
افتكر المكتب.
افتكر إنها كانت قاعدة ساكتة وهو بيمضي.
افتكر ابتسامتها الهادية.
افتكر لما قالت له:
«إنت فاكر إنك تقدر تاخد قرار زي ده لوحدك وتعيش حياتك عادي؟»
وقتها كان فاكرها بتخوفه.
دلوقتي بدأ يحس إن الجملة دي كانت تحذير.
طلع موبايله بسرعة واتصل بيها.
المكالمة اتقفلت.
اتصل تاني.
مفيش رد.
ثالث مرة.
نفس النتيجة.
صرخ:
— «هي راحت فين؟!»
الحجة زينب قالت:
— «يمكن عند نورا صاحبتها.»
— «نورا؟!»
— «آه.»
أيمن افتكر إن اسم نورا كان بيتكرر كتير في الفترة الأخيرة، لكنه عمره ما اهتم.
فتح الرسائل القديمة بينه وبين منى.
كلها كانت عادية.
طلبات مدرسة.
دكتور الأسنان.
مصاريف البيت.
إيجار.
فواتير.
وبعدين لقى رسالة من حوالي شهرين:
«أنا مش هفضل أطلب منك فلوس عشان العيال، وفي نفس الوقت ألاقيك بتدفع مقدم شقة تانية.»
أيمن اتجمد.
فتح الرسالة اللي بعدها:
«أنا عارفة كل حاجة يا أيمن.»
وقتها هو كان رد عليها:
«إنتي بتكبري المواضيع.»
آخر رسالة منها كانت:
«أنا مش بكبر حاجة. أنا بس بجهز نفسي للي جاي.»
أيمن بلع ريقه.
— «يا نهار أسود…»
أمه بصت له:
— «في إيه؟»
ما ردش.
فتح تطبيق البنك.
الحساب المشترك اختفى منه جزء كبير.
رجع لكشوف الحساب.
بدأ يراجع العمليات.
مصاريف الشقة الجديدة.
أثاث.
تشطيبات.
تحويلات.
مبالغ اتسحبت على مدار شهور.
وبعدين لاحظ حاجة أخطر.
المبالغ اللي دفعها للشقة الجديدة كانت أقل بكتير من اللي كان فاكره.
يعني جزء من الفلوس مش موجود.
اتصل بالبنك.
— «لو سمحت عايز كشف كامل للحساب من سنة.»
الموظف سأله عن بعض البيانات، وبعد دقائق قال:
— «حضرتك فيه عمليات تحويل واتفاقيات مرتبطة بالحساب.»
أيمن شد جسمه.
— «اتفاقيات إيه؟»
— «فيه تعليمات سابقة متسجلة على الحساب.»
— «باسم مين؟»
الموظف سكت لحظة.
— «باسم حضرتك وباسم السيدة منى.»
أيمن قفل المكالمة.
لأول مرة بدأ يشك إن منى ما كانتش ضحية.
بدأ يشك إنها كانت عارفة أكتر مما قالته.
في نفس الوقت، كانت منى قاعدة في الطيارة جنب يوسف وجنى.
يوسف كان نايم على كتفها.
وجنى ماسكة إيدها وبتبص من الشباك.
— «ماما… إحنا رايحين فين؟»
منى ابتسمت.
— «مكان هادي يا حبيبتي.»
— «هنرجع تاني؟»
منى بصت للسماء من الشباك.
وسكتت شوية.
— «مش عارفة يا جنى.»
البنت قربت منها:
— «بابا هييجي ورانا؟»
منى نزلت عينيها.
— «نامي يا حبيبتي.»
لكنها ما كانتش قادرة تنام.
فتحت موبايلها.
كان فيه إشعار واحد من المحامي مراد:
«تم تنفيذ التسوية كما طلبتي. كل المستندات اتسجلت، ومفيش أي خطوة قانونية ناقصة.»
منى كتبت له:
«متأكد إن كل حاجة تمام؟»
رد:
«تمام. بس نصيحتي الأخيرة: متدخليش في أي مواجهة مباشرة مع أيمن.»
منى قفلت الموبايل.
هي كانت عارفة إن أيمن مش هيقف.
كانت عارفة إنه هيدور وراها.
وعشان كده كانت عاملة حساب لكل خطوة.
بعد حوالي ساعتين، وصل أيمن مكتب المحامي مراد.
فتح الباب .
— «إنت كنت عارف؟!»
مراد رفع عينيه من الورق.
— «أعرف إيه؟»
— «منى عملت إيه؟!»
المحامي فضل ساكت.
أيمن حط الملف قدامه.
— «إنت خليتني أمضي على إيه؟!»
مراد أخد نفس طويل.
— «إنت مضيت بإرادتك.»
— «أنا كنت مستعجل!»
— «وده مش عذري.»
— «فين منى؟»
مراد بص له.
— «مش من حقي أقول.»
أيمن ضرب بإيده على المكتب.
— «أنا جوزها!»
مراد رد بهدوء:
— «كنت جوزها.»
الجملة وقعت على أيمن كأنها صفعة.
— «يعني إيه كنت؟!»
مراد فتح ملف صغير.
— «الطلاق والتسوية تم توثيقهم.»
أيمن اتراجع خطوة.
— «بس أنا… أنا ما كنتش فاهم.»
— «كان قدامك وقت تقرأ.»
— «هي كانت مخبية حاجة!»
مراد سكت لحظة وقال:
— «يمكن.»
أيمن قرب منه:
— «إنت عارف حاجة!»
مراد قفل الملف.
— «أنا محاميها، ومش هقدر أتكلم عن أسرار موكلتي.»
أيمن خرج من المكتب وهو مولع.
ركب عربيته واتصل بإلهام.
مفيش رد.
اتصل تاني.
المرة الثالثة ردت.
صوتها كان مرتعش:
— «ألو؟»
— «إنتي فين؟»
— «عند ماما.»
— «إلهام… الحمل ده مني؟»
سكتت.
صمتها كان كفاية.
أيمن حس إن الدنيا بتلف بيه.
— «ردي!»
قالت بصوت مكسور:
— «أيمن… أنا كنت هقولك.»
— «كنت هتقولي إمتى؟ بعد ما أولد؟!»
— «أنا غلطت.»
— «مع مين؟!»
إلهام بدأت تعيط.
— «مش مهم.»
— «مش مهم؟!»
— «أنا كنت خايفة.»
— «خايفة من إيه؟!»
— «من إنك تسيبني.»
إلهام ما ردتش.
وفجأة سمع صوت راجل في الخلفية.
أيمن اتجمد.
— «مين ده؟»
إلهام قفلت المكالمة.
أيمن فضل يبص للموبايل.
وبعدين بدأ يضحك.
ضحكة غريبة.
ضحكة واحد اكتشف إن حياته كلها كانت مبنية على كذبة.
رجع البيت.
أمه كانت قاعدة مستنياه.
— «عملت إيه؟»
قال من غير ما يبص لها:
— «منى كانت عارفة.»
— «عارفة إيه؟»
— «إن إلهام بتخوني.»
الحجة زينب قامت.
— «يا مصيبتي!»
— «وسايباني أمضي على كل حاجة وأنا فاكر إني كسبان.»
— «طب والعيال؟»
أيمن بص لها.
— «العيال معاها.»
— «روح هاتهم!»
— «مش عارف هي فين.»
— «إزاي مش عارف؟!»
— «طارت.»
أمه اتصدمت.
— «طارت؟!»
— «آه.»
وبعدين سألته:
— «فين؟»
أيمن رد:
— «ماعرفش.»
لكن في اللحظة دي موبايله رن.
رقم غريب.
رد:
— «ألو؟»
جاله صوت ست هادي:
— «أستاذ أيمن؟»
— «مين؟»
— «أنا الدكتورة اللي كنت عندي النهارده.»
— «في إيه؟»
— «فيه حاجة لازم تعرفها قبل ما تعمل أي تصرف.»
أيمن سكت.
— «إيه؟»
الدكتورة قالت:
— «نتيجة التحليل اللي قلتها لك مش هي الحاجة الوحيدة.»
أيمن شد الموبايل في إيده.
— «يعني إيه؟»
— «التحليل اللي طلبتوه كان للجنين الحالي فقط.»
— «وبعدين؟»
— «فيه تحاليل قديمة موجودة في ملف منى عندنا.»
أيمن حس بقلبه بيخبط.
— «تحاليل إيه؟»
— «تحاليل تخص يوسف وجنى.»
سكت.
— «وليه بتقوليلي الكلام ده؟»
الدكتورة ردت:
— «لأن منى طلبت مني قبل سفرها إن الملف يفضل محفوظ، وقالت لو حضرتك جيت تسأل… أقول لك إنك لازم تعرف الحقيقة كاملة.»
أيمن وقف مكانه.
— «حقيقة إيه؟»
الدكتورة قالت جملة واحدة:
— «الأبوة مش هي المفاجأة الوحيدة في الملف.»
وقبل ما يقفل، سمع صوت أمه ورا ظهره:
— «أيمن! إنت بتتكلم مع مين؟»
أيمن بص لأمه.
وشه كان شاحب.
— «الدكتورة.»
— «بتقول إيه؟»
ما ردش.
لأنه لأول مرة في حياته بدأ يخاف من الحقيقة.
وفي مكان بعيد، كانت منى نازلة من الطيارة، ماسكة إيد ولادها.
استقبلتها نورا عند بوابة الوصول.
منى حضنتها.
نورا قالت:
— «هو عرف؟»
منى هزت رأسها.
— «لسه.»
نورا بصت لها بقلق:
— «ومستنية إيه؟»
منى بصت ليوسف وجنى.
وبعدين قالت:
— «أنا مش مستنية حاجة.»
— «أمال ليه طلبتي من الدكتورة تحتفظ بالملفات؟»
منى سكتت.
وبصت لأولادها.
— «لأن أيمن لازم يعرف الحقيقة… بس مش منّي.»
نورا قربت منها.
— «إنتي متأكدة إنك مستعدة للي هيحصل؟»
منى ابتسمت ابتسامة حزينة.
— «أنا استحملت عشر سنين.»
وبعدين شدت شنطتها وقالت:
— «اللي جاي مش هيكون أصعب من اللي فات.»
لكنها ما كانتش تعرف إن أيمن، في نفس اللحظة، كان واقف قدام مكتب الدكتورة…
وإن أول ورقة هيمدها له موظف الاستقبال هتخليه يكتشف إن أكبر سر في حياته ما كانش متعلق بالحمل الجديد أصلًا…
بل بالطفلين اللي كان فاكرهم أولاده من عشر سنين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
حكايات روماني 2
وقف أيمن قدام مكتب الدكتورة، وإيده كانت بتترعش وهو ماسك الملف. موظف الاستقبال حط قدامه ظرف أبيض وقال: — «ده الملف اللي الدكتورة طلبت يتسلم لحضرتك بنفسها.» أيمن بص للظرف. — «هو فيه إيه؟» — «الدكتورة هتشرح لك.» دخل المكتب. الدكتورة كانت قاعدة ووشها ملامحه جادة. — «اتفضل يا أستاذ أيمن.» قعد قدامها من غير ما ينطق. حطت الملف على المكتب.
— «قبل ما تفتحه، لازم تفهم إن اللي جواه معلومات طبية حساسة، وأنا مش كنت هسلّمهالك إلا بناءً على طلب واضح من السيدة منى، وبعد ما تأكدنا من الإجراءات القانونية.»
أيمن قال بصوت مبحوح:
— «افتحيه.»
الدكتورة فتحت أول ورقة.
— «دي نتيجة تحليل قديم خاص بيوسف.»
أيمن قرب.
الدكتورة كملت:
— «وده تحليل جنى.»
قلبه بدأ يخبط.
— «وبعدين؟»
الدكتورة حطت الورقتين جنب بعض.
— «النتائج دي اتعملت من فترة، وفيه تطابق وراثي في الملف.»
أيمن اتنفس بسرعة.
— «يعني إيه؟»
الدكتورة بصت له مباشرة.
— «يعني إن النتيجة لا تثبت إنك الأب البيولوجي لأي واحد فيهم.»
أيمن فضل ساكت.
ثواني طويلة عدت.
وبعدين قال:
— «مستحيل.»
— «التحاليل اتعملت في معمل معتمد.»
— «لا. مستحيل! أنا عشت معاهم عشر سنين! أنا كنت موجود يوم ولادتهم!»
الدكتورة قالت بهدوء:
— «وجودك وقت الولادة مش دليل بيولوجي.»
أيمن ضرب بإيده على المكتب.
— «منى كانت بتخدعني؟!»
— «أنا مش طرف في حياتكم.»
— «طب ليه عملت التحاليل؟»
الدكتورة سكتت.
وبعدين قالت:
— «لأنها كانت شاكّة من زمان.»
أيمن رفع عينيه.
— «شاكّة في إيه؟»
— «في نسب الأطفال.»
الخبر نزل عليه كأنه حجر.
افتكر أول مرة شال يوسف.
افتكر أول كلمة قالها.
افتكر جنى لما كانت بتجري عليه وتقول:
«بابا رجع!»
حط إيده على وشه.
— «لا… لا… هي ما ينفعش تعمل فيا كده.»
الدكتورة قالت:
— «هي ما طلبتش منك تربية الأطفال عشان تخدعك.»
أيمن بص لها باستغراب.
— «أمال؟»
— «اسأل نفسك الأول: مين كان موجود في حياتها وقت الحمل؟ ومين كان عنده مصلحة إن الحقيقة تفضل مخفية؟»
أيمن خرج من عندها وهو تايه.
ركب عربيته، لكنه ما شغلهاش.
قعد قدام الدركسيون حوالي عشر دقايق.
وبعدين افتكر اسم واحد.
«نورا.»
صاحبة منى.
كان دايمًا شايفها قريبة منها بشكل مبالغ فيه.
اتصل بها.
ردت بعد وقت.
— «ألو؟»
— «منى فين؟»
— «مش من حقي أقول.»
— «نورا، أنا بس عايز أفهم.»
— «تفهم إيه؟»
— «يوسف وجنى ولادي؟»
سكتت.
الصمت كان أقسى من أي إجابة.
أيمن قال:
— «ردي!»
نورا تنهدت.
— «إنت متأكد إنك عايز تعرف؟»
— «آه.»
— «حتى لو الحقيقة هتدمرك؟»
— «أنا خلاص اتدمرت.»
نورا قالت:
— «يبقى اسأل منى.»
— «هي مش هترد.»
— «هترد لما تكون مستعدة.»
— «إنتي عارفة مكانها.»
— «آه.»
— «فين؟»
— «في مكان إنت مستحيل توصل له دلوقتي.»
أيمن صرخ:
— «أنا أبو أولادها!»
نورا ردت:
— «دي أكتر جملة لازم تفكر فيها قبل ما تقولها.»
وقبل ما يقفل، قالت:
— «وبالمناسبة… إنت فاكر إن منى خدت العيال وهربت عشان تنتقم منك؟»
— «أيوه.»
— «غلط.»
— «أمال ليه؟»
نورا قالت:
— «عشان تحميهم منك.»
وقفل الخط.
أيمن فضل باصص للموبايل.
بعد دقائق، وصلته رسالة.
صورة لورقة قديمة.
كان فيها اسم منى.
وتاريخ من عشر سنين.
وتحت الاسم توقيع رجل آخر.
أيمن فتح الصورة أكثر.
قرأ الاسم.
اتجمد.
الرجل ده كان شريك أيمن السابق.
الرجل اللي اختفى من حياته من تسع سنين.
الرجل اللي أيمن كان دايمًا بيقول إنه سافر وساب البلد.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
أيمن نزل من العربية.
دخل أول كافيه قابله.
فتح اللابتوب وبدأ يدور على اسمه.
وبعد دقائق ظهرت له نتيجة.
الرجل ما سافرش.
كان عايش في مدينة تانية.
وكان شغال في نفس المجال.
والأغرب…
كان له حساب قديم بيتابع منى.
أيمن حس بالدوخة.
رجع للرسالة.
بص على التاريخ.
قبل ولادة يوسف بتسعة شهور بالضبط.
حط إيده على دماغه.
— «يا رب…»
لكن المصيبة ما كانتش خلصت.
لأن في اللحظة دي وصلته رسالة جديدة من رقم مجهول:
«لو عايز تعرف الحقيقة كاملة، متدورش على منى. دور على شريكك القديم.»
أيمن رد فورًا:
«مين أنت؟»
ما جاش رد.
اتصل بالرقم.
الرقم مغلق.
في نفس الوقت، كانت منى في شقة مؤقتة خارج مصر.
يوسف كان بيذاكر.
وجنى كانت بتلوّن في كراسة.
نورا دخلت عليها وقالت:
— «أيمن بدأ يدور.»
منى رفعت عينيها.
— «كنت متوقعة.»
— «عرف موضوع التحاليل.»
منى سكتت.
— «عرف كمان اسم سامح.»
منى قفلت عينيها.
— «كنت عارفة إنه هيوصل له.»
نورا قعدت جنبها.
— «منى، لازم تقوليلي حاجة واحدة.»
— «إيه؟»
— «إنتي كنتي بتحبي سامح؟»
منى بصت لها طويلًا.
— «السؤال ده مش مهم.»
— «بالنسبة لي مهم.»
منى قامت ومشت ناحية الشباك.
— «أنا كنت متجوزة أيمن.»
— «وده مش إجابة.»
— «وسامح كان شريكه.»
— «وبرضه مش إجابة.»
منى أخدت نفس.
— «سامح مات.»
نورا اتجمدت.
— «مات؟»
— «من تسع سنين.»
— «وإنتي ما قلتيليش؟»
— «لأن اللي حصل له كان بسبب أيمن.»
نورا قربت منها.
— «إزاي؟»
منى قالت:
— «سامح اكتشف إن أيمن كان بيزوّر في حسابات الشركة، ولما حاول يواجهه، حصلت حادثة.»
— «حادثة؟»
منى هزت رأسها.
— «الشرطة قالت حادثة عربية.»
— «وإنتي؟»
— «أنا ما صدقتش.»
سكتت.
— «وبعدها بأيام عرفت إني حامل.»
نورا حطت إيدها على بوقها.
— «يوسف؟»
منى هزت رأسها.
— «آه.»
— «وأيمن كان عارف؟»
— «لا.»
— «طب ليه ما قلتيش الحقيقة؟»
منى بصت لها.
— «لأن أيمن كان أخطر مما تتخيلي.»
وفي القاهرة…
كان أيمن واقف قدام باب شقة قديمة.
الباب اتفتح ببطء.
والرجل اللي ظهر قدامه كان آخر شخص يتوقع يشوفه.
أيمن اتراجع خطوة.
— «إنت؟!»
الرجل ابتسم.
— «اتأخرت يا أيمن.»
أيمن كان وشه شاحب.
— «إنت سامح؟»
الرجل قال:
— «سامح مات من تسع سنين.»
أيمن بلع ريقه.
— «أمال إنت مين؟»
الرجل رد:
— «أنا أخوه.»
وساب الباب مفتوح.
— «ادخل… عندنا كلام كتير.»
أيمن دخل.
أول حاجة شافها كانت صورة كبيرة على الحائط.
صورة سامح.
وجنبها صورة منى.
وجنبهم…
صورة يوسف وهو طفل.
أيمن وقف مكانه.
الرجل قال:
— «كنت مستني اليوم ده من سنين.»
أيمن بص للصورة.
— «إنت عايز إيه؟»
الرجل قرب منه.
— «عايزك تعرف إن منى ما هربتش منك.»
— «أمال؟»
— «هي هربت من الحقيقة اللي إنت دفنتها.»
أيمن اتوتر.
— «إيه الحقيقة؟»
الرجل فتح درج وأخرج ملف أسود.
حطه قدامه.
— «ده ملف الحادثة اللي مات فيها سامح.»
أيمن بص للملف.
— «الشرطة قالت حادثة.»
الرجل ابتسم ابتسامة باردة.
— «الشرطة قالت كده بناءً على أدلة ناقصة.»
— «يعني إيه؟»
فتح الملف.
طلع صورة عربية محطمة.
وبعدين ورقة.
وبعدين تسجيل صوتي.
— «اسمع.»
ضغط تشغيل.
خرج صوت سامح من التسجيل:
«لو حصل لي حاجة، أيمن هو السبب… ومعاه شخص تاني.»
أيمن تجمد.
— «مين الشخص التاني؟»
الرجل أوقف التسجيل.
— «ده اللي منى لحد دلوقتي ما قالتوش.»
— «مين؟»
الرجل قرب منه وقال:
— «أمك.»
أيمن حس إن الأرض اختفت من تحت رجليه.
— «أمي؟!»
الرجل هز رأسه.
— «الحجة زينب كانت موجودة في الليلة دي.»
وفي نفس اللحظة، في القاهرة، كان موبايل الحجة زينب بيرن.
رقم دولي.
ردت.
صوت امرأة قال:
— «فاكرة اللي حصل من تسع سنين؟»
الحجة زينب سكتت.
الصوت كمل:
— «السر اللي دفنتيه مع سامح… رجع.»
إيد الحجة زينب بدأت تترعش.
— «إنتي مين؟»
جاء الرد:
— «منى.»
وانقطع الخط.
الحجة زينب فضلت ماسكة الموبايل بعد ما المكالمة اتقفلت، وكأن صوت منى لسه بيرن في ودانها.
وشها اتغير.
الفرحة اللي كانت مالية البيت من ساعات اختفت تمامًا، وبقى مكانها خوف قديم كانت فاكرة إنها دفنته من تسع سنين.
دخل أيمن فجأة.
— «إنتي بتتكلمي مع مين؟»
زينب بصت له.
— «محدش.»
— «محدش مين؟»
— «رقم غريب.»
أيمن قرب منها.
— «منى كانت بتكلّمك؟»
الحجة زينب ما ردتش.
أيمن عرف من سكوتها.
— «كانت منى؟»
— «آه.»
— «قالت إيه؟»
زينب حاولت تقوم، لكنه وقف قدامها.
— «قالت إيه يا أمي؟»
— «ما قالتش حاجة.»
— «إنتي بتكدبي عليا.»
زينب شهقت:
— «أنا أمك!»
— «وأنا ابنك اللي اكتشف إن حياته كلها كانت كذبة!»
سكتت.
أيمن فتح موبايله وورّاها صورة الملف اللي شافه عند أخو سامح.
— «مين سامح؟»
وش زينب اصفر.
— «إنت تعرفه.»
— «أنا عارف إنه كان شريك ليا.»
— «أيوه.»
— «وعارف إنه مات.»
— «أيوه.»
— «لكن مش عارف ليه مات.»
زينب قعدت على الكرسي.
— «كانت حادثة.»
أيمن ضحك بمرارة.
— «نفس الكلام اللي اتقال في التحقيق.»
— «لأنها كانت حادثة.»
— «ومنى بتقول إنك كنتي موجودة.»
زينب سكتت.
أيمن قرب منها.
— «كنتِ موجودة؟»
دموعها نزلت.
— «كنت هناك.»
أيمن رجع خطوة.
— «ليه؟»
— «عشان أحميك.»
— «تحميني من إيه؟»
— «من سامح.»
— «سامح كان هيعمل إيه؟»
زينب حطت إيدها على وشها.
— «كان هيكشف كل حاجة.»
— «إيه كل حاجة؟»
سكتت طويلًا.
وبعدين قالت:
— «حسابات الشركة.»
أيمن اتجمد.
— «إنتي كنتي عارفة؟»
— «آه.»
— «عارفة إني كنت باخد فلوس؟»
— «كنت عارفة إن فيه فلوس ناقصة.»
— «ومخبيتيش عليا؟»
زينب بصت له.
— «إنت ابني.»
— «وده مبرر؟»
— «كنت خايفة تضيع.»
— «فخبيتي جريمة؟»
زينب بدأت تعيط.
— «بس كنتي هناك.»
— «آه.»
— «ومين اللي كان معاه؟»
زينب ما ردتش.
أيمن صرخ:
— «مين؟!»
قالت بصوت ضعيف:
— «إلهام.»
أيمن اتجمد.
— «إلهام؟»
— «كانت موجودة.»
— «إلهام كانت تعرف سامح؟»
— «أيوه.»
— «من إمتى؟»
زينب غطت وشها.
— «قبل ما تتجوزها.»
أيمن حس إنه بيتخنق.
كل حاجة بدأت تركب في دماغه.
إلهام.
سامح.
منى.
التحاليل.
الأطفال.
الشقة.
والفلوس.
قال:
زينب ما ردتش.
— «أمي!»
هزت رأسها.
— «أنا مش عارفة كل حاجة.»
— «لكن منى عارفة.»
— «أيوه.»
— «وعشان كده سابتني؟»
زينب بصت له.
— «منى سابتك من زمان يا أيمن.»
— «يعني إيه؟»
— «كانت مستنية بس اللحظة المناسبة.»
أيمن افتكر المكتب.
افتكر الأوراق.
افتكر إنها ما جادلتش.
ما صرختش.
ما عيطتش.
كانت هادية بشكل غريب.
وكأنها كانت عارفة إن النهاية بدأت من قبل ما يدخلوا المكتب.
قال:
— «هي كانت مخططة لكل ده.»
زينب ردت:
— «أيوه.»
— «من إمتى؟»
— «من يوم ما اكتشفت الحقيقة.»
أيمن بص لها.
— «أي حقيقة؟»
زينب سكتت.
وقبل ما ترد، موبايل أيمن رن.
الرقم نفسه اللي كلمه قبل كده.
رد:
— «ألو؟»
صوت أخو سامح:
— «خلصت كلامك مع أمك؟»
أيمن بص لأمه.
— «إنت بتراقبني؟»
— «أنا مش مهتم بيك. أنا مهتم بأخويا.»
— «عايز مني إيه؟»
— «تعالى عندي.»
— «ليه؟»
— «عشان عندي حاجة منى طلبت مني أديهالك.»
— «إيه؟»
— «شريط تسجيل.»
أيمن سكت.
— «تسجيل إيه؟»
— «آخر مكالمة بين سامح ومنى.»
أيمن حس إن قلبه وقف.
— «إنت عندك تسجيل لمنى وسامح؟»
— «آه.»
— «هجيلك.»
قفل.
زينب قالت بسرعة:
— «ما تروحش.»
أيمن بص لها.
— «ليه؟»
— «عشان اللي هتسمعه مش هتقدر تنساه.»
— «أنا أصلًا مش قادر أنسى حاجة.»
خرج.
—
في المكان اللي كانت فيه منى، كانت قاعدة قدام يوسف وجنى.
جنى قالت:
— «ماما، ليه مش عايزين بابا يعرف مكاننا؟»
منى سكتت.
يوسف كان ساكت، لكنه كان بيسمع.
منى قربت منه.
— «عشان بابا محتاج وقت يفهم حاجات كتير.»
يوسف قال:
— «هو زعلان مننا؟»
— «لا يا حبيبي.»
— «أمال زعلان ليه؟»
منى دمعت.
— «عشان الكبار ساعات بيغلطوا، ولما الغلط يكبر بيخليهم يخافوا من الحقيقة.»
يوسف قال:
— «إحنا مالناش ذنب.»
— «أبدًا.»
جنى سألت:
— «هنعيش هنا على طول؟»
منى بصت لنورا.
نورا فهمت.
لكن قبل ما تتكلم، موبايل منى رن.
رسالة من أخو سامح:
«أيمن وصل.»
منى قفلت عينيها.
— «بدأ.»
نورا سألت:
— «عايزة ترجعي؟»
منى هزت رأسها.
— «لا.»
— «حتى لو عرف كل حاجة؟»
— «هو لازم يعرف.»
— «ولو حاول يوصل لكم؟»
منى ردت:
— «مش هيقدر.»
ثم سكتت لحظة وقالت:
— «أنا ما خرجتش من حياته عشان أهرب.»
— «أمال؟»
— «خرجت عشان أولادي يعيشوا بعيد عن الفوضى دي.»
—
وصل أيمن للشقة.
أخو سامح فتح له.
دخل.
الملف الأسود كان على الطاولة.
وبجواره جهاز تسجيل قديم.
أيمن قعد.
— «شغله.»
الرجل قال:
— «قبل ما تسمع، لازم تعرف إن التسجيل ده اتسجل قبل حادثة سامح بساعات.»
وضغط الزر.
جاء صوت سامح:
— «منى، لازم تعرفي الحقيقة.»
صوت منى كان مرتعش:
— «أنا عارفة إن أيمن بيسرق من الشركة.»
سامح قال:
— «مش دي الحقيقة الوحيدة.»
— «أمال إيه؟»
— «الفلوس اللي اختفت مش كلها راحت مع أيمن.»
صمت.
ثم قال سامح:
— «فيه حد تاني.»
منى سألت:
— «مين؟»
سامح قال:
— «إلهام.»
أيمن فتح عينيه.
صوت سامح كمل:
— «إلهام بتشتغل مع ناس بيستخدموا شركات وهمية، وفلوس الشركة بتروح لحسابات بره البلد.»
منى قالت:
— «وأيمن؟»
— «أيمن كان بيغطي عليها.»
— «ليه؟»
صمت سامح.
ثم قال:
منى سألته:
— «وإنت عايز تعمل إيه؟»
سامح قال:
— «هبلغ.»
منى شهقت:
— «لا!»
— «لازم.»
— «هيأذوك.»
— «أنا عارف.»
ثم جاء صوت آخر في التسجيل.
صوت امرأة.
الحجة زينب.
— «سامح، إنت مش هتبلغ حد.»
أيمن قام من مكانه.
— «أمي…»
التسجيل استمر.
سامح قال:
— «إنتي مالك يا حاجة؟»
زينب:
— «أنا بحاول أحمي ابني.»
سامح:
— «ابنك هو اللي دخل نفسه في المصيبة.»
زينب:
— «إنت مش فاهم.»
سامح:
— «فاهم كويس.»
ثم صوت إلهام:
— «سامح، بالله عليك اسمعنا.»
سامح:
— «إنتي آخر واحدة تتكلمي.»
منى قالت:
— «إلهام كانت معاهم؟»
سامح رد:
— «آه.»
ثم حدث صوت ارتطام قوي.
التسجيل انقطع لثوانٍ.
وبعدها عاد صوت سامح ضعيفًا:
— «منى… لو سمعتي التسجيل ده… أوعى تثقي في أيمن.»
أيمن وقف مذهولًا.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
جاء صوت منى:
— «سامح!»
ثم صوت زينب:
— «خلاص! خلاص!»
وبعدها صوت إلهام تبكي:
— «هو مات؟»
زينب ردت:
— «اسكتي! محدش هيعرف حاجة.»
ثم انتهى التسجيل.
أيمن وقع على الكرسي.
— «إيه اللي حصل بعدها؟»
أخو سامح قال:
— «دي اللحظة اللي كل حاجة اتغيرت.»
— «إيه اللي حصل؟»
— «سامح ما ماتش في اللحظة دي.»
أيمن رفع عينيه.
— «يعني إيه؟»
— «كان لسه عايش.»
الرجل بص له.
— «ده السؤال اللي منى مستنية منك تجاوبه.»
— «أنا؟!»
— «أيوه.»
— «أنا ما كنتش هناك.»
الرجل طلع صورة من الملف.
— «بص كويس.»
أيمن أخذ الصورة.
كانت صورة من كاميرا مراقبة قديمة.
سيارة واقفة أمام مكان الحادث.
وأمام السيارة رجل.
ملامحه مش واضحة.
لكن أيمن عرف الجاكيت.
عرف الساعة.
وعرف العربية.
وشه اتجمد.
— «دي عربيتي.»
الرجل قال:
— «بالضبط.»
— «بس أنا ما كنتش هناك.»
— «ده اللي منى كانت عايزة تعرفه.»
— «يعني إيه؟»
الرجل قرب منه.
— «مين كان سايق عربيتك الليلة دي؟»
أيمن سكت.
وفجأة تذكر.
قبل الحادث بساعات، كان أعطى مفاتيح عربيته لأمه.
عشان تروح تجيب علاج.
الحجة زينب.
أمه.
رجع البيت بسرعة.
فتح الباب.
— «أمي!»
مفيش رد.
دخل غرفتها.
السرير فاضي.
الدولاب مفتوح.
والشنطة مش موجودة.
وعلى الترابيزة ظرف صغير.
مكتوب عليه:
«لأيمن.»
فتح الظرف.
جواه ورقة واحدة:
«لو وصلت للحقيقة، يبقى أنا مشيت. متدورش عليا… لأنك لو عرفت آخر جزء من الحكاية، هتكتشف إن اللي حصل لسامح كان أقل مصيبة من اللي حصل لأولادك.»
أيمن قرأ الجملة أكثر من مرة.
ثم وصلته رسالة من رقم مجهول:
«لو عايز تشوف منى وولادك، عندك 24 ساعة.»
وتحتها عنوان.
أيمن فتح العنوان.
لكن قبل ما يتحرك، وصلت رسالة ثانية:
«ومتجيش لوحدك… لأن الشخص اللي هيستناك هناك مش منى.»
أيمن رفع عينيه.
ولأول مرة، بدأ يفهم إن هروبه وراء المال والمرأة والزواج الجديد ما كانش نهاية قصته مع منى…
بل كان مجرد بداية لحساب عمره عشر سنين.
وفي مكان بعيد، كانت منى بتبص للساعة.
نورا سألتها:
— «هو قرب؟»
منى ردت بهدوء:
— «أيوه.»
— «إنتي متأكدة إنك عايزة تقابليه؟»
منى قامت، وفتحت درج صغير.
طلعت منه ورقة قديمة جدًا.
— «أنا مستنياه من عشر سنين.»
نورا بصت للورقة.
— «دي إيه؟»
منى ردت:
— «الحقيقة اللي أيمن عمره ما شافها.»
ثم فتحت الورقة…
وفي اللحظة دي، ظهر على باب المكان شخص لم يكن من المفترض أن يكون حيًا أصلًا.
منى فضلت واقفة مكانها، والورقة القديمة في إيدها، بينما الباب اتفتح ببطء.
نورا أول ما شافت الشخص اللي واقف على الباب، وشها اتغير.
— «مستحيل…»
منى ما اتحركتش.
كانت عينيها ثابتة عليه.
الرجل دخل خطوتين، وقف تحت النور، وقال بصوت هادي:
— «وحشتيني يا منى.»
نورا رجعت خطوة لورا.
أما منى، فدموعها نزلت من غير ما تتكلم.
الرجل كان سامح.
سامح، اللي كل الناس قالوا إنه مات من تسع سنين.
سامح، اللي صورته كانت معلقة في بيت أخوه.
سامح، اللي أيمن عاش سنين فاكر إن موته كان مجرد حادث.
منى أخيرًا قالت:
— «كنت عارفة إنك هترجع.»
سامح ابتسم بحزن.
— «أنا ما رجعتش يا منى… أنا كنت مستخبي.»
نورا بصت لمنى:
— «إنتي كنتي عارفة؟»
منى هزت رأسها.
— «من البداية.»
— «وإنتي مخبية عني كل ده؟»
— «كنت بحميه.»
سامح قال:
— «وهي كانت بتحميني أنا كمان.»
نورا ما فهمتش.
— «طب إنت اختفيت ليه؟»
سامح قعد.
— «لأن اللي حصل في الليلة دي كان أكبر من مجرد حادث.»
منى قربت منه.
— «احكي.»
سامح بص لها.
— «أيمن ما كانش لوحده.»
— «كنا عارفين.»
— «لأ، مش فاهماني. أيمن كان مجرد واجهة. الناس اللي وراه كانوا أكبر منه بكتير.»
نورا قالت:
— «والحجة زينب؟»
سامح رد:
— «كانت بتحاول تحمي ابنها، لكن في آخر لحظة خافت من اللي عملته.»
منى قالت:
— «هي اللي ساعدتك تهرب.»
سامح هز رأسه.
— «أيوه.»
— «بس ليه الناس كلها افتكرت إنك مت؟»
— «لأن لازم الناس تصدق إني مت.»
سامح حكى لهم إن ليلة الحادث، بعد ما واتساب في العربية، فضل حيًا، والحجة زينب ساعدته يخرج من المكان قبل وصول الشرطة.
لكنها لم تكن وحدها.
إلهام كانت موجودة.
وكانت عارفة كل حاجة.
سامح قال:
— «إلهام كانت بتحاول تسيطر على أيمن من خلال الفلوس. كانت عارفة إنه ضعيف قدام فكرة إنه يبقى أب، وكانت بتستغل النقطة دي.»
منى قالت:
— «والحمل؟»
سامح سكت.
ثم قال:
— «الحمل مش من أيمن.»
منى أغمضت عينيها.
— «عارفة.»
— «لكن إنتي ما كنتيش عارفة مين الأب.»
منى فتحت عينيها.
— «لأ.»
سامح ابتسم.
— «ولا أنا.»
في اللحظة دي، وصل صوت سيارة من الخارج.
نورا بصت من الشباك.
— «أيمن وصل.»
منى أخذت نفسًا عميقًا.
— «خلاص.»
سامح وقف.
— «أنا همشي.»
منى مسكت إيده.
— «لا.»
— «لازم.»
— «إنت هتستخبى تاني؟»
— «لو فضلت، أيمن هيعرف إنك كنتي عارفة.»
— «خليه يعرف.»
سامح بص لها.
— «إنتي مستعدة؟»
منى ردت:
— «أنا مستنية اللحظة دي من عشر سنين.»
بعد دقائق، خبط أيمن على الباب.
مرة.
مرتين.
ثم قال:
— «منى!»
الباب اتفتح.
دخل.
كان متوقع يشوف منى.
لكن أول شخص شافه كان سامح.
أيمن وقف مكانه.
— «إنت…»
سامح قال:
— «آه.»
أيمن رجع خطوة.
— «إنت ميت.»
— «كنت.»
— «إزاي؟»
سامح رد:
— «دي مش أهم حاجة.»
أيمن بص لمنى.
— «إنتي كنتي عارفة؟»
منى قالت:
— «آه.»
— «من إمتى؟»
— «من تسع سنين.»
أيمن ضحك بمرارة.
— «يعني كل ده كان تمثيل؟»
منى ردت:
— «لأ. حياتي معاك كانت حقيقية. تعبي كان حقيقي. خيانتك كانت حقيقية. وإهمالك لأولادك كان حقيقي.»
أيمن قال:
— «بس إنتي خبيتي عني إن سامح عايش.»
— «لأنك كنت بتدور عليه.»
— «كنت بدور عليه عشان أعرف الحقيقة!»
منى قاطعته:
— «لأ. كنت بتدور عليه عشان تمنعه يتكلم.»
أيمن سكت.
منى حطت الورقة القديمة قدامه.
— «اقرا.»
أخذها.
كانت ورقة اعتراف مكتوبة بخط إلهام.
فيها تفاصيل تحويلات مالية، وأسماء حسابات، وتوقيعات.
وفي آخر الورقة جملة:
«أيمن ما كانش عارف كل حاجة.»
أيمن رفع عينيه.
— «يعني إيه؟»
سامح قال:
— «يعني إنك كنت بتاخد جزء من الفلوس، لكن الجزء الأكبر كان بيتحول لحسابات إلهام.»
أيمن بص لمنى.
— «وإنتي كنتي عارفة؟»
— «اكتشفت بعد فترة.»
— «طب ليه ما بلغتيش؟»
منى قالت:
— «لأن عندي طفلين، وأمك كانت بتهددني.»
أيمن بص لأمه في خياله.
— «أمي؟»
منى قالت:
— «كانت بتقول لو فتحت بوقي، هتخلي العيال يضيعوا مني.»
أيمن نزل عينيه.
— «أنا كنت فاكر إنك ساكتة عشان ضعيفة.»
منى ابتسمت بحزن.
— «كنت ساكتة عشان كنت بحاول أنقذ أولادي.»
جنى خرجت من الغرفة.
أول ما شافت أيمن، وقفت.
— «بابا؟»
أيمن اتجمد.
يوسف ظهر وراها.
— «بابا جيه.»
أيمن قرب منهم.
فتح دراعه.
لكن الأطفال ما اتحركوش.
يوسف قال:
— «إنت كنت زعلان من ماما؟»
أيمن نزل على ركبته.
— «أنا غلطت.»
يوسف قال:
— «هتزعق لها تاني؟»
أيمن هز رأسه.
— «لا.»
جنى قربت خطوة.
— «وهتسيبنا؟»
أيمن دموعه نزلت.
— «أنا اللي سيبتكم زمان.»
منى كانت واقفة بعيد.
أيمن بص لها.
— «أنا آسف.»
منى ما ردتش.
— «أنا آسف على كل مرة طلبتي مني فلوس للمدرسة وقلت لك مفيش.»
سكت.
— «آسف على كل مرة قللت منك.»
وسكت تاني.
— «وآسف إني صدقت إن الفلوس والست الجديدة أهم منكم.»
منى قالت:
— «الاعتذار مش هيرجع عشر سنين.»
— «عارف.»
— «ولا هيصلح اللي اتكسر.»
— «عارف.»
— «ولا هيخلي الأطفال ينسوا.»
أيمن هز رأسه.
— «عارف.»
ثم قال:
— «بس أنا مستعد أصلح اللي أقدر عليه.»
منى بصت له.
— «ابدأ بنفسك.»
—
بعد أسابيع، بدأت التحقيقات.
الملفات اتفتحت.
الحسابات اتراجعت.
إلهام اختفت فترة، لكن السلطات قدرت توصل لها من خلال التحويلات المالية.
الحجة زينب اعترفت بجزء كبير من اللي حصل في ليلة حادثة سامح.
أما أيمن، فاعترف إنه كان شريكًا في التلاعب بالحسابات، لكنه أكد إنه لم يكن يعرف إن الأمر وصل للدرجة دي.
سامح ظهر رسميًا أمام الجهات المختصة، وقدم الأدلة اللي كان محتفظ بها طوال السنين.
لكن أهم حاجة حصلت كانت داخل بيت صغير بعيد عن القاهرة.
منى كانت قاعدة مع أولادها.
جنى كانت بتذاكر.
يوسف كان بيحكي لها عن المدرسة.
نورا دخلت وقالت:
— «أيمن بعت رسالة.»
منى فتحتها.
«أنا مش هطلب منك ترجعي. ولا هطلب تسامحيني دلوقتي. أنا بس هلتزم بكل حاجة تخص الأولاد، وهثبت لك بالأفعال إني اتغيرت.»
منى قفلت الرسالة.
نورا سألت:
— «هتردي؟»
منى ابتسمت.
— «مش دلوقتي.»
— «لسه بتحبيه؟»
منى بصت لأولادها.
— «أنا كنت بحبه زمان.»
— «ودلوقتي؟»
منى سكتت.
ثم قالت:
— «دلوقتي أنا بحب نفسي أكتر.»
نورا ابتسمت.
وفي نفس اللحظة، دخل يوسف وقال:
— «ماما، بابا بعت فلوس المدرسة.»
منى قالت:
— «خليها في حسابك يا حبيبي.»
يوسف سأل:
— «هو بابا بقى كويس؟»
— «الناس ممكن تتغير يا يوسف، بس لازم تثبت التغيير بأفعالها.»
—
بعد مرور سنة، رجعت منى مصر لفترة قصيرة.
دخلت نفس مكتب المحامي مراد.
المكتب كان تقريبًا زي ما هو.
لكن المرة دي كانت داخلة وهي أقوى.
مراد ابتسم:
— «أخيرًا رجعتي.»
منى قالت:
— «رجعت أخلص آخر ورقة.»
— «أيمن وافق على كل الشروط.»
— «كويس.»
— «ومش هيقدر يتصرف في أي حاجة تخص الأولاد من غير موافقة قانونية.»
منى هزت رأسها.
— «ده المطلوب.»
مراد سألها:
— «مش هتدي له فرصة؟»
منى ابتسمت.
— «هو خد عشر سنين فرص.»
سكت المحامي.
منى قامت.
قبل ما تخرج، وقفت عند الباب.
— «تعرف يا أستاذ مراد؟»
— «نعم؟»
— «يوم ما أيمن مضى الأوراق وهو فاكر إنه بيتخلص مني… كان فاكر إنه كسب.»
مراد ابتسم.
— «وأنتي؟»
منى ردت:
— «أنا كنت عارفة إن الفوز الحقيقي مش إني أخسره.»
— «أمال إيه؟»
منى بصت من الشباك.
— «إني ما أخسرش نفسي تاني.»
خرجت من المكتب.
وفي الخارج كان يوسف وجنى مستنيينها.
جنى جريت عليها.
— «ماما!»
يوسف قال:
— «رايحين فين؟»
منى ابتسمت.
— «نرجع بيتنا.»
— «أي بيت؟»
منى بصت للسماء.
— «البيت اللي محدش فيه يقدر يقلل مننا.»
وركبت العربية مع أولادها.
أما أيمن، فكان واقف بعيد يراقبهم من غير ما يقرب.
لأول مرة فهم إن منى لم تكن تحاول الانتقام منه.
كانت فقط تحاول النجاة.
وأحيانًا…
أكبر انتصار للإنسان مش إنه يرد الأذى بأذى.
أكبر انتصار…
إنه يخرج من المكان اللي كسره، ويبدأ حياة جديدة من غير ما يبص وراه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات
إرسال تعليق