عيد ميلاد بنت خاله جوزى كامله بقلم أماني سيد
امانى سيد ١
عيد ميلاد بنت خاله جوزى
الخوف من الوحدة كان دايمًا القيد اللي كاسر عيني ومخليني أبلع الإهانة تلو التانية. كنت أقول لنفسي “معلش بكرة يكبر ويفهم إن مالناش غير بعض”، لكن الحقيقة المرة إنه كان بيستمتع بكسرتي، خاصة وسط عيلته ولمتهم اللي كنت بحسدهم عليها. كان يتعمد يقل مني ويقولي ببرود: «شايفة عيلتي كبيرة إزاي؟ إنما إنتي مكنش ليكي غير أمك وأبوكي وماتوا.. تفتكري لو جرالك حاجة هتلاقي مين غيري؟».
كانت حماتي قبل أي عزومة تطلبني أروحلها قبلها بيوم؛ أنضف، وأروق، وأحضر الأكل، وأفضل شغالة لحد تاني يوم أخدم الصغير قبل الكبير، وجوزي واقف مراقب.. لو حس بس إني متضايقة يزعقلي ويحرجني قدامهم ويحلف عليا بالطلاق.
ويوم عيد ميلاد بنت خالته، حماتي قررت إن الحفلة تتعمل في شقتها عشان “تفرح البنت وتلم شمل العيلة وصحابها”. اتصلت بيا حماتي عشان أجي من بدري، وبدل ما يجيبوا أطباق بلاستيك للتوفير، أصرت نستخدم أطقم الصيني بتاعتها، وقالتلي بلهجة أمر: «اغسلي ده وجهزي ده، البنت مشغولة بتجهز نفسها وتستقبل صحابها، إنتي وراكي إيه يعني؟». بصيت لجوزي أستنجد بيه، لقيته بيبصلي بغضب وشرار في عينه كأنه بيأمرني أسمع الكلام وأخرس. يوم العيد ميلاد بليل كان الموقف
الموقف اللي حرق قلبي بجد كان لما شفته مقدم لبنت خالته هدية عيد ميلادها: سلسلة دهب محفور عليها أول حرف من اسمه وأول حرف من اسمها، وهو بيضحك معاها ومع صحابها بنظرات واهتمام عمري ما شفتهم منه ليا. ولبسها السلسله وباس اديها وبيقولها انتى ست البنات كلهم
وجه الليل، والبيت اتملى بصحاب بنت خالته، وبقيت أنا الشغالة الرسمية للحفلة: شيلي، هاتي، اغسلي، ونضفي اللي بيقع. وأنا بشيل صينية العصير والحاجة الساقعة، اتهزت إيدي وطرطشت نقطتين على جزمة بنت خالته.
وفجأة، وقدام كل صحابها والمعازيم، وقفت بنت خالته وزعقت في وشي: «مش تفتحي وتاخدي بالك؟! اتفضلي هاتي قماشة ونضفي المهزلة دي!».
جبت قماشة ونزلت على الأرض أمسح العصير وأنا ببلع غصتي وبقول أعدي اليوم، لقيتها مدت رجلها في وشي وقالت بتعالي قدام صحابها: «امسحي الجزمة اللي وسختيها دي كمان!».
بصتلها بذهول: «أنتي بتقولي إيه؟».
ردت بصلف: «زي ما سمعتي، نضفي جزميتي مش إنتي اللي دلقتي عليها العصير ؟».
دموعي نزلت ووقفت وقولتلها بكرامة مجروحة: «أنا بساعد هنا عشان بنت أصول، لكن أنا مش خدامة لحد.. أنا ماشية».
حماتي وقفت في طريقي فورًا وصوتها علي: «رايحة فين يا رجاء؟ عايزة تصغرينا قدام صحابها وتعملي نمرة؟ مش وسختي جزمة البنت؟ وطي امسحيها وخلصينا!».
بصيت لجوزي، السند المفترض، لقيته واقف بيبصلي بمنتهى القسوة والبرود، وقالي: «وطي نضفي جزمة بنت خالتي بدل ما أمسحها في هدومك ووقتها هقل منك بجد».
اتراجعت لورا من الصدمة: «لا.. مستحيل أعمل كدة، أنا ماشية».
شدني من دراعي بعنف وقالي بنبرة تخلو من أي رجولة أو رحمة: «عليّ الطلاق لو ما وطيتي على رجلها ومسحتي الجزمة من العصير لتبقي طالق بالتلاتة، ولو طولتي هخليكي تمسحي جزم صحابها كمان.. إنتي فاكرة نفسك هتصغريني قدام الناس ولا إيه؟».
وقتها حسيت باليتم والوحده فعلا وحسيت يعنى ايه ابقى وحيده والكل جاى عليه بدون رحمه
وقفت مكاني متيبسة، عيني رايحة جاية بين وشوشهم بذهول تام مش قادرة استوعبه، والدموع اللي في عيني جمدت من هول الصدمة. الصوت كله اتكتم في الصالة، وبقى الكل باصص مستني يشوفني وأنا بنكسر أكتر، مستنيين اللحظة اللي هنزل فيها على ركبي. بصيت لحماتي اللي كانت واقفة تبصلي بانتصار وشماتة، وبصيت لجوزي اللي عينه كانت مليانة جبروت وقسوة، ونطقت بصوت كان بيترعش في الأول بس فجأة اتحول لصرخة مقهورة طالعة من روحي:
«إزاي؟! إزاي ترضولي الإهانة دي بعد كل اللي عملته؟! إزاي يا حماتي ترضيها عليا وإنتي عارفة إني شايلاكي في عيني؟ أنا اللي بقف على رجلي بالساعات عشان أريحك، أنا اللي بخدمك وبخدم بيتك وبشيل عنك التعب كله من غير ما أنطق بكلمة! عمري ما قولت لأ على طلب، وعمري ما استخسرت فيكم صحتي ولا راحتي! هو ده جزاتي؟ تكسروني وتذلوني قدام الغريب عشان نقطتين عصير نزلوا غصب عني؟!».
التفتّ لجوزي وعيني في عينه، وشوفت لمعة السلسلة الدهب اللي ملبّسها لبنت خالته بتلمع في النور، قولتله بحرقة: «وإنت.. إنت اللي المفروض سندي وضهري في الدنيا؟ بتهددني بالطلاق وبتحلف عليا عشان أنزل تحت رجلين بنت خالتك؟! للدرجة دي هانت عليك كرامتي؟ للدرجة دي شايفني رخيصة وما أسواش؟ نسيت إني مراتك وشايلة اسمك؟!».
حماتي لوحت بإيدها باستهزاء وقالت بصوت عالي: «جرى إيه يا بت إنتي؟! هتعملي علينا ست الشيخة وتفضحينا قدام المعازيم؟ ما إنتي طول عمرك عايشة في خيرنا، هو حد كان لمك غير ابني؟ اخلصي ونفذي اللي اتقالك بدل ما ترمي بلاكي علينا هو احنا بنقولك بوسى رجلها إحنا بنقولك امسحى الجزمه مطرح العصير اللى دلقتيه عليها !».
وجوزي قرب مني خطوة وعينيه بتطق شرار، وضغط على دراعي أكتر وهو بيجز على سنانه: «صوتك ميعلاش هنا! والكلمة اللي قولتها تتنفذ، ياما تخرجي من الباب ده بهدومك اللي عليكي وملكيش رجعة تانية، والشارع واسع يلمك!».
في اللحظة دي، وفوق كل الخوف والوجع، حسيت بحاجة كانت ميتة جوايا بتصحى.. حسيت إن كابوس الوحدة اللي كنت بخاف منه، أرحم مليون مرة من عيشة وسط ناس مستكترين عليا أكون بني آدمة، وعرفت إن اللي اتكسر الليلة دي مش مجرد فنجان ولا نقط عصير، دي آخر نقطة صبر واحترام كانت باقية لهم في قلبي.
سحبت دراعي من إيده بقوة ما كنتش أعرف إني أملكها، ورفعت راسي وسط دموعي وقولت بجمود: «الشارع أرحم من بيتكم.. أنا ماشية، والطلاق اللي بتهدد بيه أنا اللي بطلبه منك دلوقتي».
أول ما لَفّيت ضهري عشان أتحرك ناحية الباب، اتهز كيانه من فكرة إن كلمته اتكسرت قدام المعازيم، واتحول غيظه لجنون أعمى. في ثانية واحدة، مد إيده وقبض على كتفي بكل غل، وشدني لورا بعنف رهيب خلى توازني يختل، ورزعني على الأرض بقسوة تحت رجلين بنت خالته.
الأرض دارت بيا من شدة الوقعة، وقبل ما أستوعب الصدمة وأحاول أقوم، نزل على ركبه فوق مني، وضغط على كتافي وهو بيزعق بهستيريا وصوته مالي الصالة: «طالما مش هتنفذي برضاكي، هتنفذي غصب عنك ومناخيرك في الأرض! أنا محدش يكسرلي كلمة قصاد الناس دي يا روح أمك!».
بنت خالته كانت واقفة تبصلي بابتسامة خبيثة ومستمتعة بالمهزلة، وحماتي واقفة تفرك إيديها كأنها بتتفرج على مشهد مستنياه من زمان، وصحابها عيونهم متبتة فينا بذهول . حاولت أقاومه وأزق إيده، بس كان بيتحرك بجبروت مسعور؛ مسك معصم إيدي بعنف ولواه ورا ضهري لدرجة حسيت إن عضمي هيتكسر، وشَد كف إيدي بالقوة ورزعه فوق جزمة بنت خالته، وحرّك إيدي بالعافية يمسح بيها العصير اللي على الجلد.
قرب وشه من وشي وهو بينهج وعينيه طالع منها شرار الغل، وهمس بفحيح سمعه كل اللي واقفين: «عجبك كده؟! عجبك العيد ميلاد اللي باظ بسببك وبسبب قلة أدبك؟! ها.. ارتحتي لما خليتينا فرجة؟!».
في اللحظة دي، وأنا وشي قريب من تراب الأرض وإيدي بتتحرك غصب عني تحت جزمة إنسانة تافهة، وجوزي دايس على كرامتي بكل قسوة.. الوجع في جسمي اتمحى، والخوف من الوحدة اتبخر تمامًا، وما فضلش غير رماد أسود لقلب ماتت فيه كل ذرة
حب أو أمل كانت باقية ليهم.
امانى سيد ٢
عيد ميلاد بنت خاله جوزى
مسكت إزازة الماية بإيد بتترعش، وبصيت من شباك العربية على الطريق وإحنا بنبعد، وكان صوتي طالع مخنوق ومكسور، لكنه محتاج يفضفض بعد سنين من الكتمان. اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتسحب كل الوجع اللي استقر في صدري وقولتلها:
«أنا اسمي رجاء يا سارة.. واللي شوفتيه فوق ده مش أول القصة، ده بس القاع اللي وصلتله بعد سنين خوف. الحكاية بدأت من بدري أوي، من يوم ما أمي ماتت وأنا لسه طفلة صغيرة مكملتش عشر سنين. من يومها والدنيا اتقفلت في وشي، وعلاقتي بأهل أمي اتقطعت تمامًا ومبقاش حد فيهم يسأل عني ولا يعرف أنا عايشة إزاي».
مسحت دمعة نزلت على خدي وكملت بحرقة: «عشت مع بابا، وكان هو كل دنيتي، أمي وأبويا وأخويا وسندي. ياما ناس ضغطوا عليه عشان يتجوز ويكمل حياته، لكنه رفض تمامًا.. كان دايمًا يقولي: (مستحيل أدخل عليكي واحدة تانية تكسر بخاطرك أو تحسسك إنك غريبة في بيت أبوكي). عاش علشاني، لحد ما جهزني وجوزني لسامح.. وافتكر إنه كده اطمن عليا وسلمني لأمانة هتحافظ عليا».
سكتت لحظة والخنقة زادت في زوري وأنا بفتكر أصعب يوم في حياتي: «بعد جوازي بكام شهر، بابا مات فجأة.. ومات معاه كل سند وكل ضهر ليا في الدنيا. وأهل أبويا من زمان علاقتنا بيهم ضعيفة ومحدودة جدًا ومفيش بيننا غير يا دوب سلام في المناسبات، ومليش ولا أخ ولا أخت أروح أرتمي في حضنهم وأشتكيلهم. فجأة لقيت نفسي وحيدة ومقطوعة من شجرة».
بصيت لسارة ودموعي غلبتني: «سامح وحماتي استغلوا نقطة ضعفي دي بأبشع طريقة. عرفوا إني يتيمة ومليش ضهر أتسند عليه، وبقى س\لاحهم الدايم هو تخويفي من الوحدة: (هتروحي فين لو سيبتيني؟ مين هيعبرك؟ مالكيش غيرنا). كنت ببلع الإهانة والخدمة والذل عشان خايفة أرجع ألاقي نفسي في الشارع لوحدي.. لحد ما شوفتي بنفسك النهاية اللي وصلولها الليلة دي».
سارة فضلت سايقة وهي ساكتة تماماً، لكن إيدها كانت ماسكة الدريكسيون بعصبية واضحة، وعينيها مليانة غضب ممزوج بحزن حقيقي على حالي. هَدّت سرعة العربية وركنت على جنب طريق هادي، ولَفّت وشها وبصتلي بتركيز، ومسكت إيدي بإحكام وقالت بنبرة قاطعة:
«اسمعيني كويس يا رجاء.. الوحدة مش عيب ولا نقطة ضعف، العيب والخسة هي اللي هما عملوه فيكي عشان استضعفوكي. أبوكي الله يرحمه محرمش نفسه من الجواز وعاش عشانك عشان تيجي في الآخر حتة عيّل ناقص وأمه يمسحوا بيكي البلاط ويهينوا تربيته ليكي! إنتي مش مقطوعة من شجرة، إنتي بس كنتي محبوسة وسط ديابة استحلوا طيبتك».
مسحت دموعي بطرف طرحتي وسألتها بصوت خايف وتايه: «طب وأنا هروح فين دلوقتي يا سارة؟ شقتي حاجتي كلها فيها، ومستحيل أرجع للراجل ده تاني بعد اللي عمله.. أنا حرفياً في الشارع».
ابتسمت سارة بهدوء يطمن وقالتلي: «الشارع ده للكلاب اللي شبههم، مش لبنت أصول زيك. إنتي الليلة دي هتيجي تباتي معايا في شقتي، وبكرة الصبح لينا كلام تاني خالص. أنا محامية يا رجاء، وشغلي أعرف أجيب حق المظلوم من حلق اللي ظلموه.. والقانون اللي هو فاكر نفسه فوقيه، هيدفعه تمن كل دمعة نزلت من عينك غالي أوي».
فجأة موبايلي اللي في شنطتي رن، وبصيت في الشاشة لقيت اسم “سامح” منور، وجنبه كذا رسالة واتساب ورا بعض. فتحت الشاشة بإيد بترتعش، وكانت الرسايل كلها تهديد وشتيمة: «لو ما رجعتيش دلوقتي وركعتي قدام أمي وبنت خالتي تعتذري، هدومك اللي في البيت هرميهالك في الزبالة وهفضحك عند طوب الأرض وأقول إنك هربتي مع صحاب بنت خالتي».
سارة شافت الرسالة، وابتسمت ابتسامة باردة ومرعبة، ومدت إيدها أخدت التليفون من إيدي وقالت: «سيبك منه خالص ومترديش.. هو كدة بدأ يكتب نهايته بإيده، والرسالة دي أول دليل ضده».
دورت سارة العربية وطلعت على بيتها، وطول الطريق كانت مسيطرة عليا حالة من الذهول، حاسة إني بحلم في كابوس طويل ومش قادرة أصحى منه. أول ما دخلنا شقتها، كانت شقة هادية ودافية، حسيت فيها بأمان غريب عمري ما حسيته في بيت سامح وأمه.
جابتلي سارة لبس مريح من عندها، ودخلت غسلت وشي وحاولت أمسح قهر السنين اللي اتطبع على ملامحي. خرجت لقيتها محضرة شاي، وقعدت قصادي وبدأت ترتب أفكارها بهدوء محترف:
«اسمعي يا رجاء.. الليلة دي هتنامي وترتاحي، وبكرة من النجمة هنبدأ نتحرك. أول حاجة هنعملها الصبح، هنروح نعمل تقرير طبي بالكدمات اللي في معصم إيدك ومن دراعك لما رماكي على الأرض، وبعدها على طول هنطلع على القسم نعمل محضر إثبات حالة وتعدي بالضرب، ومعانا رسايل التهديد والسب والقذف اللي باعتها على الواتساب.. دي كفيلة لوحدها تخليه يلف حوالين نفسه».
بصيت للأرض وقولتلها بصوت واطي: «وهدومي وعفشي ودهبي وقايمتي؟ دهبيه وقايمتي شقا أبويا كله اللي سابهولي قبل ما يموت، وخايفة يبيعهم أو يبددهم ويقول مخدتش حاجة».
ابتسمت سارة وقالت بثقة: «القائمة دي حبل المشنقة اللي هيلتف حوالين رقبته. دعوى تبديد منقولات زوجية متتأخرش يومين، وجنحة مباشرة، وساعتها هو وأمه اللي هيترجواكي عشان تستلمي حاجتك بالقرش والتعريفة، ده غير نفقتك ومؤخرك وحقوقك كاملة. الراجل ده مفكر إنك عشان ملكيش ضهر يبقى ملكيش قانون يحميكي، ميعرفش إن القانون بيجيب حق اللي ملهوش حد».
غمضت عيني والوجع مالي قلبي، لكن لأول مرة من سنين طويلة، أحس إن في بصيص نور.. وإن ضعفي وخوفي اللي كانوا ساجنيني اتحولوا لقوة هتردلي كرامتي اللي اتهانت.
طلعت شمس تاني يوم، وصحيت على ريحة قهوة دافية مالية الشقة، لكن جوايا كان بيغلي. بصيت لإيدي في ضوء النهار، لقيت علامات صوابعه زرقا ومحفورة على معصمي من كتر ما عصرها وضغط عليها عشان يمسح بيا الأرض. الوجع الجسدي مكنش ييجي حاجة جنب النار اللي قايدة في صدري، بس لأول مرة من سنين، مكانش في دموع.. كان في إصرار غريب بيتبني جوايا حتة حتة.
خرجت لسارة، كانت مجهزة ملف فاضي وأقلام، وبصت لعلامات إيدي ووشها اتقلب غضب وجدية: «البسي يلا يا رجاء.. مفيش دقيقة تضيع».
نزلنا المستشفى الحكومي، والدكتور كتب التقرير الطبي بكل تفصيلة: كدمات وسحجات شديدة في المعصم الأيمن والكتف والركبة، وضغط عصبي حاد. من المستشفى طلعنا فوراً على قسم الشرطة. دخلت وأنا رجلي كانت بتترعش في الأول، بس لما شوفت سارة واقفة بضهر مفرود وبتتكلم بثقة القانون، وقفت جنبها وصلبت طولي.
اتعمل المحضر: تعدي بالضرب وإحداث إصابات، واحتجاز، ومعاه تفريغ رسمي لرسائل التهديد والسب والقذف اللي بعتها سامح على الواتساب بصوته وكتابته. الظابط وهو بيبص في التقرير والرسايل هز راسه بأسف، وطلب إحالة المحضر للنيابة على طول.
على الضهر، واحنا قاعدين في مكتب سارة بنجهز أوراق جنحة تبديد المنقولات وطلب التمكين من الشقة، تليفوني مَبطلش رن. في الأول كانت اتصالات من سامح مردتش عليها، وبعدها اتصالات من أرقام غريبة، لحد ما رن حمايا—أبو سامح—اللي كان دايماً مسالم ومالوش كلمة في البيت وسايب مراته تسوق الدنيا.
سارة شاورتلي: «افتحي السبيكر ومتتكلميش غير بحساب».
فتحت الخط، وسمعت صوت حمايا مكسور ومرتبك: «ألو.. يا بنتي يا رجاء، إنتي فين؟ البيت مقلوب من الصبح، وسامح مش على بعضه.. والشرطة جات تسأل عليه في البيت بسبب محضر إنتي عاملاه! يا بنتي إحنا أهل، عيب الفضايح دي، تعالي البيت وكل حاجة هتتحل وقعدت رجالة تراضيكي».
أخدت نفس عميق، وقولت بصوت هادي وقاطع لأول مرة في حياتي: «أهل؟! الأهل مبيكسروش عضم بنتهم، والأهل ميرموش بنت يتيمة تحت الجزم عشان يفرّحوا بنت أختهم! ابنك مد إيده عليا وكسر كرامتي ورماني في الشارع، وأنا معنديش قعاد رجالة مع ناس ميعرفوش الأصول.. اللي بيني وبينكم من اللحظة دي هو القانون وبس».
قفلت السكة في وشه، وبصيت لسارة، لقيتها بتبتسملي بفخر وقالت: «كدة رجاء اللي اتولدت من جديد.. اجهزي بقى، عشان القلم الحقيقي هينزل عليهم في المحكمة».
مرت أيام معدودة، وكانت الضربة نازلة ورا التانية على دماغ سامح وأمه زي الصاعقة. سارة مسبتش ثغرة واحدة؛ رفعت دعوى تبديد منقولات زوجية بجنحة مباشرة، وقدّمت طلب تمكين من شقة الزوجية بالمشاركة بصفتي زوجة، غير ق\ضية النفقة ومحضر الضرب والتهديد اللي اتحول للنيابة العامة وصدر فيه استدعاء رسمي ليه للتحقيق.
سامح اللي كان بيستعرض عضلاته وفاكر إنه فوق القانون، لقى نفسه مهدد بالحبس في جنحة تبديد وحكم ضرب، وفجأة كل التناكة والكبرياء الكداب اتهدوا فوق دماغه ودماغ أمه.
في يوم، كنت قاعدة في مكتب سارة بنراجع أوراق الق\ضية، ولقينا الباب بيخبط، ودخل سامح ومعاه أمه وحماه. كان شكله متبهدل، وشه شاحب، والغرور اللي كان مالي عينيه يوم عيد الميلاد اتبخر تماماً، وبقى باصص في الأرض مش قادر يرفع عينه في عيني. أما حماتي، فكانت داخلة وشها أحمر من الغيظ المكتوم، بس مجبورة تطاطي راسها عشان تنقذ ابنها من السجن والفضيحة.
حماتي قعدت على طرف الكرسي وقالت بصوت حاولت تخليه حنين بالعافية: «إيه يا رجاء يا بنتي؟ للدرجة دي هان العيش والملح؟ بقى نجرجر بعض في المحاكم والأقسام عشان شدة عيلة وساعة غضب؟ تعالي شقتك وكرامتك فوق راسنا، وسامح هيبوس راسك قدام الكل».
بصيتلها بمنتهى البرود، وحطيت رجل على رجل، وقولتلها بجمود: «العيش والملح ده أنتوا اللي دوستوا عليه تحت جزمة بنت أختك. وساعة الغضب دي كشفت حقيقتكم الرخيصة.. أنا كرامتي غالية أوي، ومبتتباعش باعتذار كداب عشان خايفين من الحبس».
سامح قرب خطوة وصوته كان بيترعش بذل حقيقي: «أبوس إيدك يا رجاء.. اتنازلي عن المحاضر، مستقبلي هيضيع وشغلي هيتفصل منه لو اتحكم عليا، أنا غلطت ومستعد أكتبلك الشقة باسمك بس بلاش سجن».
ردت سارة بصرامة المحترفين: «الكلام ده ملوش مكان هنا.. لو عايزين تخلصوا وتتفادوا الحبس، شروطنا واضحة ومفيهاش فصال: طلاق رسمي على إبراء كامل لحقوقها مع استلامها لقائمة منقولاتها بالكامل وكل مليم في دهبها، أو المحكمة تاخد مجراها والحكم يصدر خلال أسبوعين ويدخل يقضي عقوبته».
سامح بلع ريقه وبص لأمه بيستنجد بيها، بس أمه مكانتش قادرة تنطق، واضطر يوافق وهو مكسور العين والكرامة.
في نفس الأسبوع، اتقابلنا عند المأذون. استلمت كل جرام دهب، وحاجتي كلها نزلت من الشقة بعربيات نقل قدام الجيران كلهم، وورقة طلاقي خرجت مختومة. وقفت في الشارع والشمس بتضرب في وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني بتنفس هوا نضيف.. اليتم مكسرنيش، والوحدة مطلعتش كابوس، ده كانت بداية الحرية والكرامة اللي مستحيل أفرط فيهم تاني أبداً.
في شقة سامح، كان الصمت يقطع الروح، والجدران اللي فضيت من العفش بعد ما رجاء استلمت قايمتها بقت صدى بيزن في ودانه ليل ونهار. البيت بقى عبارة عن أربع حيطان عريانة ومرتبة على الأرض بينام عليها مكسور النفس. الغرور اللي كان نافخه اتبخر، وبقى يرجع من شغله مهدود يفرك في عينيه ومش لاقي حتى لقمة ياكلها ولا حد يغسله هدومه؛ أمه اللي كانت بتقويه على مراته بقت كل ما تشوفه تندب حظه وتلومه، وتقوله: «ضيعت البنت اللي كانت شيلاني وشايلاك من كتر غباءك وراسك الناشفة!». بقى يقعد بالساعات يبص على الصور القديمة، ورسائل الواتساب، والندم بياكل في قلبه وهو بيفتكر إزاي كان عنده كنز وست أصيلة وضيعها برخص عشان يرضي كبرياءه الأعمى.
أما بنت خالته، فكان الوضع عندها صعب فضح وانكشاف حقيقي. ليلة عيد الميلاد اللي كانت مفكراها ليلة نصرها واستعراضها، اتحولت لكابوس في دايرتها كلها. سارة مسكتش، ووسط شلتهم والجامعة والمعارف، القصة انتشرت زي النار في الهشيم؛ البنت اللي اتعالت على واحدة يتيمة وخلت ابن خالتها يمسح بيها البلاط بقت منبوذة ومكروهة من أقرب صحابها اللي قاطعوها واحد ورا التاني وقفلوا في وشها الأبواب. حتى السلسلة الدهب اللي سامح جابهالها بحرفهم، بقت تبص عليها بقرف وخزي، وكل ما تحاول تدخل في علاقة أو تتقدم لحد، سيرتها وسيرة قسوة قلبها وعمايلها تسبقها، وتبقى واقفة بجزمتها اللي اتعالت بيها، بس المرادي هي اللي دايسة على سمعتها وكرامتها ومحدش طايق يبص في وشها.
الأيام جِريت بسرعة، وكل وجع كان بيتحول لطاقة نجاح وعوض. سارة مكنتش مجرد محامية جابتلي حقي، دي كانت الأخت والضهر اللي عمري ما عشته؛ ساعدتني بخبرتها وعلاقاتها إني أقدم في شركة محترمة وأبدأ شغل في مجالي.
لأول مرة في حياتي، مبقاش في حد بيعطلني، ولا هم يهد حيلي، ولا بيت يمتص طاقتي بالخدمة المذلة والمشاكل اللي مبتخلصش. كل تركيزي بقى في شغلي وبس، وطاقتي كلها كانت موجهة لإثبات نفسي. في خلال سنتين، اترقيت وبقيت مديرة قسم، ونجاحي كان بيكبر يوم عن يوم، وشخصيتي اللي كانت مدفونة تحت الخوف والضعف رجعت تلمع من جديد بثقة ورقي وجمال هادي.
وفي وسط رحلة الشغل والنجاح دي، ظهر “طارق”.. زميل ليا في الشركة، راجل بمعنى الكلمة، ابن أصول ومتربي على احترام الست وتقديرها. طارق مكنش يعرف غير رجاء القوية الناجحة صاحبة الابتسامة الهادية، ولما قربنا من بعض وحكيتله كل اللي مريت بيه، ملقيتش في عينيه غير نظرة فخر وإعجاب بيا وبقوتي. قالي وقتها بجملة واحدة لخصت كل اللي كان ناقصني: «إنتي جوهرة يا رجاء، واللي معرفش قيمتك ده كان أعمى، وأنا هقضي باقي عمري أشكر ربنا إنه خلى طريقك يتقاطع مع طريقي».
يوم كتب كتابنا، كانت القاعة بتنور بالحب والفرح الحقيقي. سارة كانت واقفة جنبي بتبكي من الفرحة وهي ماسكة إيدي، وطارق واقف قدامي، بيبصلي بمنتهى الحنية والاحترام.. وقبل ما يلبسني الدبلة، وطى وباس راسي قدام كل الحاضرين وقال بصوت عالي: «دي ست البنات وتاج راسي».
في اللحظة دي، بصيت للسما وابتسمت من قلبي، وحسيت بروح أبويا حواليا ومرتاحة.. وعرفت إن العوض لما بييجي من ربنا، بينسي المرار كله، وإن الوحدة اللي كنت بخاف منها مكنتش نهاية العالم، دي كانت الباب اللي خرجت منه لحياتي الحقيقية.


تعليقات
إرسال تعليق