جوزي حجز المقعدين كامله حكايات مني السيد
جوزي حجز المقعدين كامله حكايات مني السيد
جوزي حجز المقعدين 7A و7B عشان يهرب مع ست تانية، لكنه نسي إن بعد 12 سنة جواز أنا بقيت أعرف كل كذبة بيقولها، حتى قبل ما يكملها.
ولما شافني قدامه في الطيارة، سألني وهو بيترعش:
— إنتِ بتعملي إيه هنا؟! رفعت تذكرة المقعد 7C قدام عينه، ورديت بمنتهى الهدوء:
— بسافر. الجزء الاول:
— متقلقيش من سفري إسكندرية يا حبيبتي، كام يوم شغل واجتماعات وراجع — قالها أحمد وهو بيحط قميص جديد في الشنطة.
وقفت مريم عند باب أوضة النوم، وبصت له من غير ما تقول حاجة. كانوا متجوزين بقالهم 12 سنة، وعندهم بنت اسمها ملك عندها 10 سنين. وطول السنين اللي فاتت، مريم كانت بتصدق جوزها من غير ما تشك فيه. لكن اليوم ده كان مختلف. لأن مريم كانت عرفت إن أحمد مش مسافر إسكندرية أصلًا. قبلها بساعة، وهي بتراجع الإيميلات على الكمبيوتر اللي في الصالة، ظهر قدامها إيميل تأكيد حجز طيران كان أحمد ناسي يقفله.
الوجهة: شرم الشيخ. عدد المسافرين: اتنين. المقاعد: 7A و7B. وتاريخ السفر هو نفس اليوم اللي قال لها إنه رايح فيه مؤتمر شغل في إسكندرية. مريم ما صرختش. وما مسكتش تليفونه عشان تواجهه. هي بس فتحت صفحة جديدة. المقعد 7C كان لسه فاضي. حجزته ببطاقتها الشخصية. وبعدها قفلت الكمبيوتر، ودخلت المطبخ حضرت العشا كأن مفيش أي حاجة حصلت. ولما رجعت بنتها ملك من المدرسة، قعدوا التلاتة على السفرة. أحمد طول الوقت بيتكلم عن “العملاء المهمين”، والاجتماع اللي مستنيه في إسكندرية، وقد إيه هو مرهق ومحتاج يغير جو.
— ربنا يوفقك يا أحمد… حاول ترتاح شوية — قالت مريم بابتسامة هادية. بصلها بابتسامة ارتياح. واضح إنه صدق إنها لسه مش عارفة حاجة. لكن مريم كانت من جواها بتجمع كل القطع اللي تجاهلتها شهور طويلة. رسائل بتوصله بعد نص الليل. ريحة برفان غريبة على قميصه. نزوله الجيم فجأة بشكل مبالغ فيه. مكالمات كان أول ما تدخل الأوضة يقفلها. وخروجات مفاجئة بحجة الشغل. كانت حاسة إن في حاجة غلط… لكنها مكانش معاها دليل.
لحد النهارده. تاني يوم، بعد ما وصلت ملك للمدرسة، راحت مريم لمكتب صغير في مدينة نصر. كان مكتب محامي ومستشار قانوني، وطلبت مقابلة محققة خاصة بتتعامل مع المكتب. حطت قدامها ظرف كبير. — أنا مش عايزة فضيحة… ومش عايزة حد يعرف إني بسأل. أنا بس عايزة أعرف جوزي بيسافر مع مين، والعلاقة دي بدأت من إمتى. المحققة بصت لها ثواني، وبعدين قالت: — تمام. سيبي الموضوع علينا. بعد 5 أيام، استلمت مريم فلاشة، وصور، وتقرير كامل.
فتحت أول صورة. أحمد واقف قدام مطعم في شرم الشيخ، وحاضن واحدة أصغر منه بسنين. الصورة التانية كانت ليهم وهما داخلين فندق صغير وراقي. والتالتة… كانت البنت بتبوسه، وهو بيمسح على شعرها بحنان. مريم فضلت ساكتة. قلبها كان بيتقطع، لكن عينيها كانت ثابتة. قرت التقرير. اسم الست كان سارة. عندها 29 سنة. والعلاقة بينها وبين أحمد بقالها على الأقل 6 شهور. لكن آخر سطر في التقرير كان أكتر حاجة وجعتها:
“أحمد أخبرها أن زواجه انتهى فعليًا، وأنه سيترك زوجته قريبًا حتى يبدأ معها حياة جديدة.” مريم قفلت الفلاشة. فضلت قاعدة مكانها ثواني. وبعدين دخلت مكتبها، وقعدت على الأرض. عيطت حوالي 20 دقيقة. عيطت على السنين اللي عاشتها معاه. على ثقتها اللي ضاعت. وعلى كل مرة حسّت إن في حاجة غلط وقالت لنفسها: “أكيد أنا ببالغ.” كانت حواليها كتالوجات وأقمشة ورسومات لمشاريع الديكور الداخلي اللي اشتغلت عليها لسنين، وبنت لنفسها شغل واسم بعيد عن جوزها.
وبعد العياط… قامت. غسلت وشها. وبصت لنفسها في المراية. — خلاص يا مريم… كفاية. مسكت تليفونها واتصلت بأختها. — عايزاكي تخلي ملك عندك 4 أيام. — ليه؟ حصل إيه؟ — متسأليش دلوقتي… والأهم، متقوليش لأحمد أي حاجة. بعد يومين، خرج أحمد من البيت بشنطته. كان مبسوط بشكل مستفز. — هكلمك أول ما أوصل إسكندرية. مريم ابتسمت وقالت: — حاضر… توصل بالسلامة. أول ما خرج، فضلت مستنية. ساعة… ساعة ونص… وبعدين طلبت عربية وراحت المطار.
لكنها المرة دي ما كانتش رايحة تعمل خناقة. ما كانتش رايحة تفضحه قدام الناس. كانت رايحة بحاجة أخطر بكتير. كانت معاها الصور. وتقرير المحققة. ونسخة من كشوف الحسابات المشتركة بينهم. وكمان أوراق كانت بدأت تراجعها مع محاميها، لأن مريم اكتشفت إن خلال الشهور اللي فاتت أحمد حوّل مبلغ كبير من فلوسهم لحساب هي ما تعرفوش. وكان المحامي بدأ يراجع التحويل ده بهدوء… لأن لو ثبت إن الفلوس المشتركة اتسحبت واتحولت لصالح العلاقة الجديدة، الموضوع ممكن يقلب على أحمد تمامًا.
وصلت مريم للمطار. دخلت الطيارة. ومشيت في الممر لحد ما وصلت للصف رقم 7. كان أحمد قاعد في 7A. وأول ما رفع عينه وشافها… وشه اتجمد. اختفى اللون من وشه تمامًا. — مريم؟! بص حواليه، وكأنه مش مصدق اللي شايفه. — إنتِ بتعملي إيه هنا؟! مريم رفعت كارت البوردينج قدام عينه بإيد ثابتة. — على فكرة… أنا حجزت 7C. أحمد بص ناحية 7B، وكان لسه فاضي. حاول يتكلم. لكن صوته خانَه.
وفي اللحظة دي، ظهرت ست من ورا مريم، وهي بتبتسم ومش عارفة مين الست اللي واقفة قدامها. — معلش… ده مكاني. مريم اتحركت بهدوء من قدامها. وبصت لأحمد. وبعدين قالت للست: — طبعًا… اتفضلي اقعدي. سارة قعدت في 7B وهي مبتسمة. لكن قبل ما تحط شنطتها، مريم بصت لأحمد وقالت بمنتهى الهدوء: أعتقد إن الوقت جه إننا التلاتة نتعرف على بعض. أحمد بلع ريقه. وسارة بدأت تبص بينهم باستغراب. لكن الاتنين ما كانوش عارفين إن المفاجأة الحقيقية لسه ما بدأتش…
لأن مريم ما كانتش جايّة شرم الشيخ بس عشان تكشف الخيانة. كانت جاية عشان تعرف فلوسهم راحت فين… ولمين… وليه أحمد كان مستعد يضحي بكل حاجة عشان الست دي.
الجزء الثاني
سارة بصت لأحمد بنظرة كلها استفهام، وقالت بصوت هادي وهي بتظبط شنطتها فوق راسها:
— هو في إيه يا أحمد؟ مين دي؟ وشكلها مالها متدايقة كده ليه؟
أحمد كان قاعد مكانه في 7A، ووشه أصفر لدرجة إن الجلد على عظمه بان كأنه مرسوم بالطباشير. إيده اللي على دراع الكرسي كانت بتترعش جامد، وحاول يبتسم ضحكة صفرا هزيلة وهو بيلف وشُه لسارة:
— دي… دي زميلة قديمة في الشغل يا سارة… صدفة غريبة طبعًا… مقدرش أنكر إني مفاجأ بوجودها في نفس الطيارة.
مريم وهي واقفة في الممر جنب الكرسي 7C، ضحكت بصوت واطي وخافت، ضحكة مليانة سخرية وقهر في نفس الوقت. بصت له وقالت بصوت هادئ ونبرة تقطع الصخر:
— زميلة في الشغل يا أحمد؟ غريبة أوي… دا أنا طالعة شرم الشيخ عشان أخلص كم مشوار كده، وللصدفة البحتة نفس الحجز بتاعي وراكم على طول… بس تصدق؟ سارة محظوظة إنها عرفتك… أصل الراجل اللي يخبي على مراته سفرياته ويمشي يحول فلوس البيت والشغل في حسابات تانية، خسارة فيه كلمة زميلة أصلاً.
سارة اتفزعت من الكلام، وبصت لأحمد وعينيها اتوسعت بذهول:
— إنت بتقول إيه يا أحمد؟! إيه الكلام ده؟
فلوس إيه؟! ومين دي بجد؟ هو إنت متجوز؟!
أحمد اتنقل بصره بخوف بين سارة وبين مريم، وبص لمريم بترجي خفي ووشه كله عرق:
— مريم… الله يكرمك، بلاش هنا… الناس بتتفرج، الطيارة لسه هتقلع، خلينا نهدي ونزل الشنطة دي ونتكلم بعدين في أي حاجة إنتِ عايزاها.
مريم مدت إيدها في شنطة يدها بهدوء تام، وطلعت الظرف الكبير اللي جابته من المحققة، وكمان أوراق البنك اللي فيها تحويلات الفلوس الأخيرة. حطت الأوراق على ترابيزة كرسي 7B قدام سارة وأحمد، وقالت بصوت حاسم:
— لا يا أحمد… مبقاش فيه “بعدين”.
إنت قضيت ١٢ سنة بتألف قصص، وآخرها قصة مؤتمر إسكندرية، وطلعت في الآخر نايم في فندق في شرم الشيخ مع الآنسة سارة بفلوس بنتنا ملك. فلوس العفش والمصاريف اللي كنت بتتحجج إن الشغل واقف فيها.
المضيفة قربت بسرعة بحكم إنها شافت واقفة وعطلة في الممر، وبصت لمريم بلطف:
— فندم… لو سمحتي، الطيارة هتتحرك، مينفعش نقف في الممر كده، اتفضلي اقعدي في مكانك عشان نخلص إجراءات الإقلاع.
مريم بصت للمضيفة وابتسمت بامتنان:
— حاضر يا حبيبتي، أنا قاعدة أهو في 7C، جنبي بالظبط.
قعدت مريم في مكانها، وسحبت كرسيها لورا شوية عشان تتابع المسرحية اللي أحمد بنفسه كتب فصولها. الطيارة بدأت تتحرك ببطء وتخرج من ممر التكسير عشان تطلع على المدرج. الصوت جوه الكابينة كان هادئ، ما عدا صوت أنفاس أحمد اللي بقت عالية وسريعة كأنه بيجري مية متر مش قاعد في طيارة.
سارة فتحت أول ورقة من الأوراق اللي مرمية قدامها على الترابيزة. كانت صورة أحمد وهي بايسة راسه في شرم الشيخ، وصور تانية ليها وهي داخلة معاه الفندق. ولما قلبت الورقة، شافت تقارير تحويلات البنك الكبيرة باسم أحمد وباسم حساب تاني سارة نفسها متعرفهوش.
سارة اتجمدت مكانها، وبصت لأحمد وقالت بصوت مكسور وغضبان:
— إيه ده يا أحمد؟! إنت قلت لي إن مراتك دي ست جاهلة ومأساة في حياتك وإني أنا الحب الحقيقي وإن الطلاق ده مجرد ورق بيخلص! قلت لي إنك بايع كل حاجة عشان تبدأ معايا! طلعت سارق فلوس بيتك وبنتك عشان تفسحني أنا بيها؟!
أحمد بص قدامه بقهر ووشه بقا أحمر من الفضيحة، ووطى صوته وقال من بيني سنانه:
— اخرسي يا سارة… مش وقته الكلام ده خالص! اسكتي والنبي لحد ما ننزل!
مريم مدت راسها شوية من كرسي 7C وقالت بصوت رقيق:
— لا سيبه يتكلم يا سارة… خليه يقولك إنه متجوز من ١٢ سنة وعنده بنت اسمها ملك بتسأل كل يوم بابا رايح فين. خليه يحكيلك عن كروكيات الديكور اللي كنت بشتغل فيها وأنا قاعدة على الأرض عشان أساعده في أول جوازنا وهو لسه بيبتدي، والفلوس اللي كان بيحوشها قرش على قرش لحد ما ربنا كرمه وبقى يعمل الحركات دي.
سارة دمعت بغضب، ورمت الأوراق في وش أحمد وقالت بصوت عالي نسبياً خلى بعض الركاب يلتفتوا ليهم:
— إنت كذاب! إنت نصاب الحقير! أنا ضيعت ست شهور من عمري معاك، وأنا فاكراك راجل بجد وهتبني معايا حياة!
طلعت مستغل كل الناس!
أحمد بص لسارة بجنون وقال:
— أنا عملت كل ده عشان بحبك إنتِ! مش قادر أفهم إنتِ بتجيبي قسوة القلب دي منين يا مريم؟! مش كفاية الفضيحة دي كلها؟! سيبيني في حالي!
مريم ضحكت بصوت خفيف، وطلعت تليفونها من الشنطة، وفتحت التسجيل وقالت له:
— فضيحة إيه يا أحمد؟ دي لسه البداية. محاميّ في مدينة نصر معاه نسخة تانية من كل الأوراق دي، وخليني أقولك إن تحويلات الحسابات اللي عملتها من حسابنا المشترك في شهور الخيانة دي، القانون بيعتبرها تبديد أموال زَوْجية وتهريب أصول. يعني بالبلدي كده…
الفلوس اللي حولتها لسارة، أو صرفتها على السفرية دي، هترجع بالمليم لحساب بنتي ملك، وإنت… بيتك ومكتبك وكل عربياتك هتحجز عليهم المحكمة لحد ما تخلص القض..ية.
أحمد فتح بوقه من الصدمة، وبص لها كأنه بيشوف شيطان قدامه مش مراته الهادية الطيبة اللي عمرها ما عليت صوتها عليه.
— إنتِ… إنتِ عملتي كل ده في خمس أيام؟!
— أنا استنيت ١٢ سنة بحالهم بصدق كذبك يا أحمد… خمس أيام كانوا كفاية أوي عشان أتعلم إزيي أحمي نفسي وبنتي.
الطيارة بدأت تاخد السرعة القصوى بتاعتها على المدرج، وصوت المحركات علا بشكل هز الكراسي.
سارة كانت قاعدة جنب النافذة ماسكة راسها بإيديها وبتعيط بوهن، وأحمد كان قاعد مبلم قدام الكرسي بتاعه ومرعوب من اللي جاي.
أول ما الطيارة رفعت عجلاتها عن الأرض وبدأت تعلى في السما، مريم سحبت بطانية الطيارة الصغيرة، وغطت بيها كتافها، وبصت من الشباك على الأنوار اللي بتصغر تحت، وفضلت ساكتة.
الرحلة دي لشرم الشيخ ما كانتش مجرد سفرية ترفيهية زي ما أحمد وسارة كانوا فاكرين. بالنسبة لمريم، دي كانت رحلة عودة للروح، وتطهير لكل التراب اللي تراكم على عقلها وسنين عمرها جنبه.
بعد ساعة في الجو، والمضيفات بدأت تقدم المشروبات، أحمد التفت ببطء لمريم، وصوته كان مكسور ومبحوح تمامًا:
— مريم… إحنا ممكن نتفاهم… عشان خاطر ملك… مش عشاني أنا. بلاش المحاكم والشغل ده، أنا هكتب كل حاجة باسمها، بس نعدي السفرية دي ونرجع بهدوء.
مريم ما التفتتلوش في الأول. فضلت باصة قدامها بثبات، وبعدين دارت براسها ببطء، وبصت في عيونه المكسورة نظرة أخيرة وقالت ببرود حاسم:
— ملك مش محتاجة حاجة منك يا أحمد… ملك هتعيش مع أم قوية بتعرف تجيب حقها تالت ومثلث، ومش هتشوف أبوها وهو صغير ومنكسر بالطريقة دي. أما بالنسبة للمحاكم…
فالقانون هناك في القاهرة بيكلم الناس بالأرقام، والأرقام بتقول إنك خسرت كُل حاجة اليوم ده.
أحمد رجع بظهره لورا على الكرسي، وغمض عينه بقوة، بينما سارة كانت باصة للارض وبتعيط بصمت.
أما مريم، ففتحت كشكول التخطيط الخاص بشغل الديكور بتاعها، ومسكت القلم، وبدأت ترسم وتخطط لتصاميم جديدة تخص بيتها الجديد… بيتها لوحدها هي وملك، من غير كدب، ومن غير ريحة برفان غريبة على القمصان.
الطيارة كانت طايرة فوق الغيوم، ولسه قدامهم ساعات على الوصول لشرم الشيخ، لكن مريم كانت وصلت من زمان… وصلت للمكان الصح، وبدأت حياتها الحقيقية.
جوزي حجز المقعدين ج2
حكايات مني السيد
الفصل الثالث
هبوط طائرة شرم الشيخ على ممر المطار ما كانش مجرد نهاية لرحلة جوية استمرت ساعة، ده كان بمثابة إعلان رسمي لبداية معركة حقيقية على الأرض.
الناس بدأت تقوم من مكانها وتجيب شنطها من فوق الرؤوس، والزحمة والزنقة ملوا ممر الطيارة الضيق. أحمد فضل قاعد مكانه في الكرسي 7A، كأن رجليه اتصبوا في الأرض وبقوا أثقل من كرسي الطيارة نفسه. ووشه كان باهت، شاحب، والستارة البلاستيكية الصغيرة اللي على الشباك منعكسة على عينيه المكسورتين. سارة قامت بتوتر شديد، عينيها حمرا من العياط والدموع ناشفة على خدودها، ووطت تجيب شنطتها الصغيرة وهي بتتمتم بصوت واطي:
— أنا هندم اليوم اللي عرفتك فيه يا أحمد… حسبي الله ونعم الوکیل فيك وفي كدبك.
مريم كانت قاعدة في مكانها هادية تماماً، بتلم أوراقها بهدوء مستفز ومدروس، وحطت الدفتير وتليفونها في شنطتها ببطء شديد كأنها بتستمتع بكل ثانية عذاب أحمد بيعيشها. ولما سارة خلصت ووقفت في الممر عشان تنزل، مريم قامت وراها على طول، وقفت جنب أحمد اللي كان لسه قاعد مكانه، وبصت له من فوق لتحت وقالت بنبرة حادة وواطية:
— مستنيك بره في صالة الوصول يا أحمد… بلاش تتأخر، أصل السواق اللي باعتين ياخدنا مش هيستنى كتير.
أحمد بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مأساوي:
— مريم… استني… خلينا نتكلم لوحدنا من غير ما سارة تسمع… حرام عليكي، السفرية دي باظت، والاتفاق اللي بيني وبينها اتقلب كابوس.
— اتفاق إيه اللي باظ يا حبيبي؟ — ردت مريم بابتسامة ساخرة هزت أعصابه — دا إنت لسه هتششوف اتفاقات المحامين هتعمل فيك إيه! انزل ووريني شطارتك.
خرجوا من الطيارة، ومشيوا في ممر الخروج لحد ما وصلوا لصالة الوصول والباسبورات في مطار شرم الشيخ. الجو بره كان هادئ، والناس ماشية حواليهم باللبس الصيفي، بس الجو بين التلاتة كان مشحون بطاقة كهرباء ممكن تولع في المكان في أي لحظة.
سارة وقفت فجأة على جنب، وبصت لأحمد وقالت بحسم وقسوة:
— اسمعني كويس يا أحمد… لحد هنا وكفاية أوي. أنا مش هكمل معاك الخطوة دي ولا هطلع معاك الفندق. أنا هحجز أول طائرة راجعة القاهرة دلوقتي حالا، وإنسى إنك عرفتني في يوم من الأيام. إنت إنسان كذاب، وكنت بتلعب بيا زي ما كنت بتلعب بمراتها!
أحمد حاول يمسك إيدها بخنوع:
— سارة.. أرجكي اسمعيني… افهمي ظروفي.. أنا كنت هطلقها فعلا..
— ارفع إيدك عني! — صرخت سارة في وشهُ بصوت خلا بعض السياق يبصوا عليهم — طلقها ولا متطلقهاش.. دي مشكلتك وحدك!
أنا حياتي أغلى عندي من إني أضيعها مع واحد زيك سارق فلوس بيته عشان يفسحني!
سارة اتحركت بسرعة وراحت ناحية مكاتب حجز الطيران، وسابت أحمد واقف في نص الصالة لوحده، شبه ميت.
مريم كانت واقفة على بعد خطوات قليلة بتتفرج على المشهد بكل برود أعصاب. قربت منه خطوتين، ورفعت حواجبها وقالت:
— شكarاً يا أحمد… سارة وفرت عليا كتير من الكلام. فاضل دورك إنت بقى.
أحمد لف وشُه ببطء ناحيتها، وعينيه كانت مليانة غضب على قهر على خوف:
— إنتِ إيه يا شيخَة؟! إنتِ شيطانة؟!
إزاي قدرتي تعملي كل ده من غير ما ترمي دمعة واحدة قدامي في البيت؟ إزاي قدرتي تنظمي الخطة دي كلها في خمس أيام بس؟!
مريم قربت منه أكتر، لحد ما بقت واقفة قدامه مباشرة، وقالت بصوت هادئ وقوي قطع صمت المكان:
— أنا عشت معاك ١٢ سنة يا أحمد، كنت فاكرة إن الطيبة والسكوت دول أصل وتضحية. كنت كل ما أشوف علامة خيانة وأكذب نفسي، كنت بق..تل جزء مني عشان أحافظ على البيت وبنتنا. بس لما عرفت إنك مش بس خنتني، ده إنت سرقت تعب السنين وكمان بتحول فلوسنا عشان تبني حياة جديدة مع غيري…
فهمت إن الست اللي تسكت على حقها، تستاهل تتداس. وأنا مبعرفش أداس يا أحمد.
في اللحظة دي، دخل صالة الوصول راجل طويل بيلبس بدلة رسمية، ومسك تليفونه وبص حواليه لحد ما شاف مريم. قرب منهم بخطوات ثابتة وقال باحترام:
— مدام مريم؟
مريم بصت للراجل وابتسمت:
— أه يا فندم، أهلاً بحضرتك.
الراجل طلع كارنيه ووراه ورق رسمي، وبص لأحمد وقال بصوت حاسم:
— أستاذ أحمد؟ أنا المستشار القانوني والممثل المعتمد للمكتب في شرم الشيخ، بناءً على توكيل رسمي وتكليف عاجل من محاميك في القاهرة، وبصفتنا بنباشر دعاوى إثبات تبديد أموال زَوْجية وتهريب أصول مشتركة…
صدر قرار مؤقت بالتحفظ على الحسابات البنكية الخاصة بحضرتك، وتجميد كافة الأصول والتحويلات اللي تمت في آخر ست شهور، وتم إخطار الجهات المختصة في الفندق اللي كنت رايح تحجز فيه.
أحمد اتجمد في مكانه، وفتح بوقه كأنه بيلقط نفسه الأخير:
— تجميد إيه؟! وتحويلات إيه؟! أنتوا اتجننتوا؟! دي حرية شخصية وفلوسي وأنا حر فيها!
المحامي ابتسم ببرود، وطلع نسخة تانية من المستندات وحطها قدام عينه:
— القانون المصري واضح يا فندم، الأموال المكتسبة أثناء فترة الزواج تعتبر ثروة مشتركة، وإثبات تحويلها لحسابات غير مشروعة لغرض إقامة علاقات خارج إطار الزوجية بيعتبر جر..يمة تبديد وإضرار عمدي بالأسرة.
وحضرتك مش هتقدر تتحرك خطوة واحدة هنا، لأن إشعارات التجميد وصلت للبنك المركزي وللفنادق الكبرى في شرم الشيخ بالفعل.
أحمد بص للمحامي، وبعدين حول عينه لمريم اللي كانت واقفة مربعة إيديها وبتتفرج عليه بكل ثقة وقوة. صوته طلع مكسور ومليان رجاء أخير:
— مريم… عشاني أنا… عشان ملك بنتنا… بطلي المهزلة دي. أنا كده هخسر كل شغلي ومكتبي وكل حاجة بنيتها!
مريم بصت له نظرة أخيرة، نظرة ما فيهاش أي نقطة عطف ولا حتى كره… نظرة خالية من أي مشاعر تجاه راجل كان في يوم من الأيام كل حياتها:
— شغلك ومكتبك وفلوسك يخصوك وحدك يا أحمد…
بس الحاجة الوحيدة اللي مكنش حقك تلمسها هي أمان بنتي وثقتي اللي بعتها برخيص. اطمن… المحامي هيقوم بالواجب، وأنا نازلة القاهرة الطائرة اللي جاية.
قالت كلامها، ولفّت ظهرها ببطء، وسابته واقف في نص صالة المطار لوحده، وسط نظرات الناس، من غير فلوس، من غير حبيبة سابته وهربت، ومن غير بيت يستناه.
مريم مشيت في الممر بخطوات واسعة، حاسّة بوزن جسمها الخفيف، وبدقات قلبها المنتظمة لأول مرة من سنين طويلة. طلعت تليفونها، واتصلت بأختها في القاهرة:
— ألو يا حبيبتي… هاتي ملك وتعالوا على البيت الجديد… أنا راجعة القاهرة حالاً، ومعايا مفتاح بكره أحلى بكتير.
قفلت التليفون، وبصت للسما من شباك المطار، وحست إن الشمس اللي طالعة بره بتشرق عليها هي وبنتها لوحدهم، وبداية حياة جديدة حقيقية من صنع إيدها وبدراعها.
الفصل الأخير: الفجر الحقيقي
القاهرة ورجوعها كان له طعم تاني خالص. الهوا اللي كان زمان بيخنق مريم وهي قاعدة في البيت بتفكر يا ترى أحمد متأخر ليه، بقى دلوقتي هوا حر وطازة. دخلت شقتها القديمة — اللي مبقاش فيها ريحة أحمد ولا هدومه ولا حتى صوته البارد — وبصت لكل ركن فيها. الشنط كانت متجمعة في المدخل، هدومه اللي نساها أو اللي سابها وراه اتلمت في أكياس سوداء واتحطت على الباب.
ملك كانت قاعدة مع خالتها في الصالة، وبمجرد ما دخلت، جرت عليها وحضنتها جامد:
— ماما! إنتِ جيتي؟ خالتو بتقول إننا هننقل لبيت جديد في مكان تاني، ده بجد؟!
مريم نزلت لمستوى بنتها، وباصت في عيونها اللي بتلمع بالبراءة، ومسحت على شعرها بحنان الدنيا كله:
— أه يا روح قلب ماما… هننقل لبيت أحلى، وهنبدل كل حاجة قديمة بحاجة جديدة من صنع إيدينا. جاهزة تبدئي معانا صفحة جديدة يا ملك؟
ملك هزت راسها بفرحة وحضنتها تاني. الأيام اللي بعد السفرية دي كانت عاملة زي شريط سينما بيجري بسرعة البرق.
البنوك أثبتت التحويلات، وقرارات المحكمة نزلت بـ الحجز التحفظي على أرصدة أحمد، ومكتبه في التجمع الخامس دخل في دائرة التحقيق وقضايا تبديد الأموال الزوجية. أحمد حاول يرجع القاهرة بعد يومين، تائه، مكسور، ومن غير ولا مليم في إيده، بعد ما سارة قطعت كل صلة بيه وسابت شرم الشيخ وسافرت إسكندرية عند أهلها عشان تبعد عن الفضيحة تماماً.
لكن أحمد مكنش ليه مكان يرجعله.
لما خبط على باب البيت القديم، مريم فتحت له النص، وبصت له من غير ما تنطق حرف واحد، وحطت في إيده ورقة الطلاق الغيابي اللي خلصتها المحكمة بناءً على طلبها للضرر والخيانات المتكررة وتهريب الأموال، وقالت له بصوت ثابت:
— الشقة دي اتتنازلت لي عنها المحكمة كجزء من مؤساة السنين اللي ضاعت ومن نفقة ملك وبنتك، وبره الشارع ده كله مستنيك يا بشمهندس… ورينا هتبني حياتك إزاي من غير ولا قرش.
قفلت الباب في وشه من غير ما تستنى تسمع صوته وهو بيترجى. دي كانت النقطة اللي قفلت بيها الحكاية القديمة للأبد.
بعد مرور ست شهور كاملة.
المكان: مكتب ديكور جديد وراقي في قلب المهندسين. اليافطة على الواجهة كان مكتوب عليها بحروف بارزة وواضحة:
(استوديو مريم للديكور والتصميم الداخلي).
الجو جوه المكتب كان دافئ ومريح. الألوان هادئة، والأقمشة والكتالوجات مترتبة بعناية على الطاولات الكبيرة، وريحة البن والفانيليا مالية المكان. مريم كانت واقفة قدام مكتبها، لابسة بدلة رسمية شيك باللون الكحلي، وشعرها منسوب بكتفها بطريقة أنيقة، وفي إيدها قلم بتراجع آخر رسومات ومخططات لمشروع فيلا جديدة في زايد.
الباب خبط، ودخلت مساعدة مكتبها الشابة ومعاها تابلت وبابتسامة عريضة:
— مدام مريم، العميل صاحب فيلا زايد وصل بره، وفيه اجتماع تاني كمان نص ساعة مع شركة المقاولات عشان تسليم الدفعة الأولى.
مريم ابتسمت بثقة وقالت:
— تمام يا هبة، دخلي العميل فوراً، وأنا جاهزة.
قعدت مريم على كرسيها الجلدي المريح، وبصت لبرواز كبير متعلق على الحيطة قدامها. البرواز مكنش فيه شهادة تخرج ولا صورة قديمة لجوزها، البرواز كان فيه رسمة ملونة بخط إيد بنتها ملك، مكتوب عليها بخط كبير: “أجمل وأقوى ماما في الدنيا”.
تليفونها رن على المكتب. بصت على الشاشة، لقت رقم محاميها الأستاذ رمزي. فتحت الخط بهدوء:
— أه يا أستاذ رمزي، طمني، جلسة النهاردة خلصت على إيه؟
جه صوت المحامي من الناحية التانية وهو بيضحك بارتياح:
— كله تمام يا مدام مريم مبروك! القاضي حكم نهائي بإثبات التبديد، والأموال اللي اتسحبت رجعت بالكامل لحساب ملك البنكي، والمستحقات والنفقة اتسوت قانونياً، وأحمد خلاص… مابقاش ليه أي حق في أي أصل من الأصول بتاعتكم القديمة. الراجل خلاص خلص على الآخر وقعد في شقة إيجار قديم في وسط البلد لوحده.
مريم تنفست بعمق، وقالت بنبرة هادئة وخالية من أي تشفي، لكن مليانة انتصار حقيقي:
— الحمد لله يا أستاذ رمزي…
شكراً لتعطلك وجهدك معايا الشهور اللي فاتت دي كلها. حق بنتي رجع، ودي أهم حاجة عندي.
— ده حقك القانوني والطبيعي يا مدام مريم، وأنتِ ست صبورة وقوية، وتستاهلي كل خير. بالتوفيق في شغلك الجديد.
قفلت الخط، وحطت التليفون على المكتب. في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل العميل عشان يبدأ الاجتماع. مريم قامت وقفت بكل هيبة وثقة، مدت إيدها تسلم عليه، وبدأت تشرح له الأفكار والتصاميم بصوت ثابت، واضح، وواثق من كل كلمة بتقولها.
بره، كانت الشمس بتاعة القاهرة وقت الغروب رامية خيوطها الذهبية على واجهة الاستوديو، والعربيات ماشية في الشارع بنشاط.
مريم بصت من شباك المكتب وهي مابتسمة، وحست إن السنين الـ ١٢ اللي ضاعوا مكنوش خسارة، بالعكس… كانوا مجرد ثمن غالي دفته عشان تتعلم إزاي تلاقي نفسها، وإزاي تبني من ركام الخيانة والكدب… إمبراطورية خاصة بيها وحدها وببنتها.
الحكاية مكنتش عن الانتقام، الحكاية كانت عن ست دخلت النار وهي طيبة وساكتة، وطلعت منها وهي ماسكة في إيدها مفاتيح بكرة كله، ومن غير ما تحتاج لأي راجل عشان تكمل طريقها للنهاية.


تعليقات
إرسال تعليق