بنت سلفتى كامله وحصريه رومانى مكرم
بنت سلفتى كامله وحصريه رومانى مكرم
سلفتى وهى بتولد وسابت بنتها رضيعه كنت برضعها وانا برضعها شافتنى حماتى قالتلى مترضعيش البنت خلى اللبن لابنك علشان الواد مش يخس قولتلها انا ابنى عنده ست شهور برضعه واكلها زبادى قالت لا تاخدى لبن الواد تديه للبنت واتخانقت معايا رضعتها من غير ما تشوفنى مرتين مكنتش بشبعها علشان خايفه من حماتى روحت لدكتور وكتبلعا على لبن صناعى واعتبرتها بنتى واكتر من بنتى
ابوها اتجوز وبعدها عرضوا عليه هو ومراته يخدوها رفضت نهائي وقولت دى بنتى كبرت البنت ودلوقتي فى كليه وابنى فى تالته لانه كبير عنها ست شهور وانا من حبي فى البنت ومش عاوزاها تفارقنى قولت لعمها هنخدها للولد ومتفقين على كده وفجاة مرات ابوها عاوزه تخدها لاخوها وانا رفضت نهائى
دخلت جيهان الأوضة حاطة إيدها على قلبها، صوت دقاته كان أسرع من خطوتها الخايفة. البنت الصغيرة كانت بتتأوّه في سريرها من الجوع، شفايفها الشاحبة بتبحث عن أي مصدر دفا. جيهان كانت لسه والدة ابنها سيف من ست شهور، واللبن في صدرها كان أمل الحياة الوحيد للرضيعة اللي أمها سلفتها ماتت وهي ببتولدها وسبتها للدنيا.
قعدت جيهان على طرف السرير، وشالت البنت بشويش. أول ما حطتها على صدرها، سكت الصريخ وبدأت الرضيعة ترضع بنهم. لكن الفرحة مستمرتش ثواني. باب الأوضة اتفتح بفجأة مرعبة، ودخلت حماتها “حكمة” وبصتها زي السهم.
صړخت حكمة وهي بتسحب البنت من إيد جيهان بقسوة: “أنت بتعملي إيه يا جيهان؟! بتسحبي خير الواد وتديه لبنت الميتة؟ الواد هيخس ويمرض بسببك!”
دمعت عين جيهان وقالت بصوت بيتخنق: “يا حماتي، سيف عنده ست شهور وبدأ ياكل زبادي وشوربة، واللبن موجود والحمد لله، والبنت تموت من الجوع! دي أمانة في رقبتنا.”
ردت حكمة بحدّة وقسوة: “أنا قلت كلمة واحدة.. لبن ابنك لولدي وبس! البنت دي مش مسؤوليتك، ولا كلمة زيادة!”
اتخانقت حكمة معاها وأخدت البنت ورزعت الباب. لكن جيهان مأستسلمتش؛ في المرتين اللي بعدهم، كانت بتتسحب في الليل والبيت ساكت، ترضع البنت في الضلمة وهي مرعوبة إن حماتها تحس بيها. كانت بترضعها بسرعة وتفطمها قبل ما تشبع، خوفًا من إن الشك يدخل قلب حكمة لو شافت اللبن قل.
علشان تحمي البنت من الهلاك، أخدتها جيهان في السر وراحت لدكتور الأطفال. كتبت لها على لبن صناعي، وكانت بتشتري العلب من مصروفها الخاص، وتسهر طول الليل تعمل الرضعات وتهدّي سريرها. مع الوقت، مبقتش البنت مجرد بنت سلفتها.. بقت حتة من روحها، وأكتر من بنتها. سمتها “نور”.
عدت الأيام وكبرت نور في حضن جيهان. وبعد كام سنة، اتجوز أبو نور من ست تانية اسمها “نجوى”. في يوم، جيه نجوى وأبو نور وقعدوا مع جيهان وطلبوا ياخدوا البنت يعيشوها معاهم.
وقفت جيهان في وشهم زي اللبوة اللي بتدافع عن شبلها، وقالت بصوت هز البيت: “نور مش هتمشي من هنا! نور بنتي أنا، اللي ربتها وسهرت عليها لما الكل سابها.. على جثتي لو حد أخدها مني!”
أبو نور انسحب قدام إصرارها، وعاشت نور كأنها أخت سيف التوأم، كبروا سوا في بيت واحد. سيف دخل كلية الهندسة، ونور دخلت بعده بسنة كلية التربية، لأن سيف كان أكبر منها بست شهور بالظبط.
من كتر حب جيهان في نور وخوفها إنها تطلع بره البيت أو تروح لحد غريب، جتلها فكرة كانت شايفاها طوق النجاة. راحت لعم البنت وقالت له في السر: “نور مالهاش غير سيف وسيف مالوش غير نور.. إحنا هناخد نور لسيف، والبنت تفضل وسطنا وتحت عيني العمر كله.” العم وافق ورحّب بالفكرة، واتفقوا إن الموضوع يترتب رسمياً بعد امتحانات السنة دي.
لكن الهدوء دا كان قبل العاصفة.
في يوم ملوش ملامح، خبط باب البيت بشدة. فتحت جيهان لتتفاجأ بـ “نجوى” مرات أبو نور داخلة وبفي وشها ابتسامة تحدي وشر.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
قعدت نجوى وحطت رجل على رجل، وبصت لجيهان بنظرة كلها كره وقالت بنبرة حادة: “الموضوع انتهى يا جيهان.. أنا جاية أبلغك إن نور خلاص مش هتقعد هنا تاني.”
اتصدمت جيهان وقالت: “يعني إيه مش هتقعد هنا؟ البنت في كليتها ومستقبلها هنا ولخطوبتها لسيف ابن عمها!”
ضحكت نجوى بتهكم وقامت وقفت، وقربت من جيهان وقالت بصوت مليان تهديد: “سيف مين والخطوبة إيه؟ أنا خلاص جيبتلها العريس اللي يستاهلها.. أخويا أنا! وأنا جاية أقولك إني هاخدها لأخويا عافية، وريني بقى هتعملي إيه يا جيهان!”
وقف الزمن بالنسبة لجيهان عند الكلمة الأخيرة، ونظرت لنجوى بذهول ممزوج بسباعية غضب كانت حابساها في قلبها من سنين. أخدت جيهان خطوة لقدام، وقربت وشها من وش نجوى وقالت بنبرة حادة وصوت أعمق من الهدوء: “أخوكي مين يا نجوى؟ أخوكي الصايع اللي كل يوم في مكان ولا طالع بشرك؟ بقى نور الدكتورة، البنت اللي سهرت عليها الدموع والليالي، أديها لأخوكي اللي مش لاقي ياكل ولا ليه شغلانة؟ دي مش جثتي بس اللي هتعدي عليها.. دي موتك أنتِ شخصياً قبل ما تفكري تمسي شعرية واحدة من نور!”
نجوى ضحكت بصوت عالي ومليان استفزاز، وحطت إيدها في وسطها وقالت: “أخويا راجل، والشرع والقانون والدم في صفنا.. أنتِ مين أساساً؟ أنتِ مجرد مرات عمها اللي ربتها، وأبوها في ظهري وموافق على الكلام ده، ورقتك انتهت يا جيهان.. البنت كبرت ورجعت لأصلها، والنهارده قبل بكرة هتاخد شنطة هدومها وتيجي معانا الشقة الجديدة.”
في اللحظة دي، اتفتح باب البيت ودخل “سيف”. كان شايل كتب الكلية في إيده، ومجرد ما شاف منظر أمه ونجوى وهي واقفة متحضرة للشر، مزج نظرة الاستغراب بالغضب. حط الكتب على الترابيزة وقرب بثبات: “في إيه يا أمي؟ الصوت واصل لآخر الشارع ليه؟”
جيهان كانت بترتعش من كتر الغضب، ولفت لسيف وقالت وبكاء مكتوم حلقها: “تعالى شوف يا سيف.. الهانم جاية تاخد نور عافية وتبص بقلة أدب وتقول هنجوزها لأخوها الصايع!”
سيف ملامح وشه اتغيرت تماماً. نظرته اللي كانت دايماً هادية وجادةتحولت لشرار خالص. قرب خطوتين من نجوى، وبص لها من فوق لتحت بنبرة هادية بس تخوف أعتى راجل: “يا نجوى هانم، الباب ده اتفتح عشان تدخلي زي الضيفة، بس لو الكلمة دي اتقالت تاني، الباب ده مش هيتقفل إلا وأنتِ مطرودة منه بصوت عالي. نور مش هتروح في حتة، ونور خطيبتي وأنا ابن عمها واللي يمسها يمسني.”
نجوى اتوترت لحظة من هيبة سيف، بس جشعها ورغبتها إنها تكسر جيهان خلوها تستجمع قوتها وقالت بثقة مزيفة: “ابن عمها؟ أهو ده الكلام الفارغ! هو أنت فاكر إنك لوحدك في الدنيا؟ أبوها هو الولي، وأبوها بصم على العريس وجاي في السكة ياخدها من هنا! وريني هتقف قدام أبوها إزاي يا بشمهندس!”
البيت كأنه وقع فيه زلزال. في الوقت ده خرجت “نور” من أوضتها، ووشها أصفر زي الليمونة، كانت سامعة كل كلمة من ورا الباب. دموعها كانت نازلة على خدودها وهي بتجري على جيهان، اترمت في حضنها ومسكت في جلبابها بإنهاك ورعب: “ماما جيهان.. أرجوكي لا! أنا مش عاوزة أروح معاهم، أنا مأعرفش أخوها ولا عاوزاه.. أنتِ أمي وده بيتي وسيف هو اللي أردت أكون معاه!”
جيهان حاضنة نور بتركيز شديد، وبتملس على شعرها وهي بتبص لنجوى بعيون متوحشة: “سمعتي؟ سمعتي البنت بتقول إيه؟ البنت مش ملكك ولا ملك أبوها اللي باعها عشان يرضيكي! ارجعي للشوارع اللي جيتي منها يا نجوى، وأقسم بالله لو خطوتي خطوة زيادة في البيت ده لكون نادهة للشارع كله ومطلعاكي على أفرع حبل!”
نجوى طلعت موبايلها من شنطتها وهي بتبتسم بشر: “طب حلو أوي.. خلي الكلام ده لأبوها بقى، هو زمانه على السلم.”
فعلاً، بعد ثواني معدودة، اتفتح الباب ودخل “سامح” أبو نور. كان باين عليه التردد والضعف، بس عينيه كانت مكسورة قدام نجوى اللي مسيطرة عليه بكل الطرق. دخل وهو بيحاول يظهر بمظهر صاحب القرار: “في إيه يا جيهان؟ عاملة هيصة ليه في البيت؟”
جيهان سابت نور وبصت لسامح باستحقار شديد وقالت له: “سامح! بقى أنت الراجل اللي يسيب بنته اللي ماتت أمها وهي حتة لحمة حمرا، ويجي بعد العمر ده كله عاوز يرميها للكلاب عشان خاطر مراة تانية؟ أنت نسيت أكلها ولبسها ونومها في حضني؟ نسيت لما كنت بتيجي تاخد المصروف مني عشان تجيب لها هدوم؟”
سامح هرب بعينه بعيد وقال بتلعثم: “يا جيهان، البنت كبرت ولزمها بيت ورجل، وأخو نجوى شارع وفتح بيت ومستعد يسترها، وسيف ابن أخويا لسه في الكلية ومستقبله مجهول، أنا عاوز أطمن على بنتي!”
سيف اتدخل بصوت جهوري هز أركان الصالة: “تطمن عليها؟ تطمن عليها مع واحد مسجل خطر وداير في الشوارع؟ يا عمي أنت بعت بنتك بالرخيص عشان نجوى تراضيك! بس اسمعني كويس.. نور مش هتاخدها من البيت ده لو على رقبتي!”
نجوى صرخت في سامح: “إيه يا سامح؟ هتسيب ابن أخوك يقل أدبه عليك في بيتك وأنت ساكت؟ خد البنت واطلع بينا يلا!”
سامح قرب ومسك إيد نور بقسوة وقال: “يلا يا نور، قومي معاياً من غير مشاكل!”
نور صرخت واستنجدت بجيهان: “لحقيني يا ماما!”
في اللحظة دي، جيهان ما فكرتش. مسكت فازة رخام ثقيلة كانت على الترابيزة ورفعتها في وش سامح ونجوى وقالت بصوت هيستيري يزلزل الحيطان: “نزل إيدك عن بنتي يا سامح! والله العظيم لو ما شلت إيدك من عليها لأكون مفرغة الفازة دي في دماغك ودماغ مراتك! البنت دي أنا اللي رضعتها في الضلمة، أنا اللي حرمت ابن سيف من اللبن عشان أطعمها، أنا اللي شريت لبنها الصناعي من قوت يومي، البنت دي بنتي بالدم والتربية والروح، ومفيش حد في الدنيا دي يقدر ياخد حتة من قلبي!”
سامح اتخض ورجع خطوة لورا من شكل جيهان اللي كانت مستعدة تضحي بعمرها في اللحظة دي. وسيف وقف حائل بجسمه بين أمه ونور وبين سامح ونجوى، ورفع صباعه بتهديد واضح: “اخروجوا بره.. اخرجوا بره البيت ده فوراً قبل ما اتصرف تصرف مش هيعجبكم، والعم المحترم والشرع بيننا!”
نجوى شافت إن الموقف خرج عن السيطرة، وإن جيهان وسيف مستعدين لأي حاجة. لفت لسامح وقالت بغيظ مكتوم: “ماشي يا جيهان.. ماشي يا سيف! هنشوف الشرع والقانون هيقولوا إيه، والبنت دي هتاخدها رجلاً عن أنفكم بالقانون!”
خرجت نجوى وسحبت سامح وراها ورزعت الباب بقوة اهتزت لها الدرفة.
الصالة رجعت للموت والهدوء الثقيل. جيهان وقعت الفازة من إيدها على الأرض، وجثيت على ركبها وهي بتتراعد من شدة الانفعال. نور اترمت في حضن أمهـا وهي بتعيط بالدموع، وسيف نزل على ركبه ومسك إيد أمه ونور: “والله يا أمي ما حد هيلمسها، طول ما أنا حي نور مش هتروح لغيري ومش هتسيب البيت ده.”
جيهان رفعت راسها وبصت لسيف ونور، وعينيها مليانة دموع ورعب من اللي جاي، وقالت بنبرة مبحوحة: “القضية مش نجوى بس يا سيف.. القضية إن أبوها موافق، وأنا خايفة.. خايفة يرجعوا في الضلمة وياخدوها مني.”
بنت سلفتى ٢
مرت أيام صعبة على البيت، الهدوء فيها كان زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. نور مكانتش بتخرج من ، الخوف مسيطر عليها، وسيف طالع داخل يدور على حل يحمي بيه البنت وأمه. أما جيهان، فكان فيه نار بتاكل في قلبها، مش بس من نجوى وسامح، لكن من شوكة قديمة مدفونة في ضميرها من يجي عشرين سنة.
في ليلة، كانت جيهان قاعدة على طرف السرير، بتفتكر المرتين اللي تسحبت فيهم بالليل في الضلمة عشان ترضع نور وهي مرعوبة من حماتها حكمة. كانت بترضعها ثواني معدودة، أول ما البنت تمسك صدرها تبدأ تفرغ جوعها، تقوم جيهان شايلاها بسرعة ومفزوعة قبل ما تحس بيها حماتها، يعني البنت عمرها ما شبعت من لبنها، وكانت الرضعات مجرد ثواني معدودة وعاليها كملت بلبن صناعي.
الوسواس بدأ يأكل في عقل جيهان: “هل نور تعتبر بنتلي شرعاً؟ هل الرضاع الشديد ده اللي كان مجرد ثواني معدودة وثلاث مرات بس يخليها أخت سيف ومينفعش تتجوزه؟ ولا ينفع يتجوزوا والشرع يحلل ده؟”
صحي الصبح، وكانت جيهان حاسمة أمرها. لبست ملايتها وخرجت من غير ما حد يحس بيها، ونزلت اتجهت لمقر دار الإفتاء المصرية. كانت خطواتها تقيلة، وقلبها بيدق بدقات مسموعة، خايفة من الإجابة اللي ممكن تهدم كل اللي خططت ليه.
قعدت جيهان قدام الشيخ في دار الإفتاء، وعينيها مليانة دموع ورجاء. بدأت تحكي القصة من أولها: “يا فضيلة الشيخ.. سيلفتي ماتت وهي بتولد، وحماتي منعتني أرضع البنت عشان لبني يبقى لابني. بس أنا من خوفي على البنت تسحبت ورضعتها. رضعتها ثلاث مرات بس، وفي كل مرة كانت الرضعة مجرد ثواني معدودة.. البنت عمرها ما شبعت مني، كنت بشيلها فوراً من رعب حماتي، وبعدها مشيت على اللبن الصناعي. دلوقتي ابني نور كبروا، وابني عاوز يتجوزها عشان تحرم على الغريب ونحميها.. هل الرضاع ده يحرمها عليه؟ هل تعتبر أخته؟”
الشيخ بص لجيهان بهدوء ورحمة، وهز رأسه وقال بصوت وقور: “يا حاجّة، الشرع واضح وصريح في مسألة الرضاع المحرّم. جمهور الفقهاء والفتوى المعتمدة في دار الإفتاء المصرية تنص على أن الرضاع الذي يُحرّم ويجعل الطفلة إبنة لكِ وأختاً لأبنائك، يشترط فيه شرطين أساسيين: أولاً أن تكون خَمْسُ رَضَعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ، وثانياً أن تكون كل رضعة مشبعة يُستغنى بها الطفل وتُبتلَع فيها جُرعات متتالية وتصل للدفعة الكاملة. أما إن كانت الرضعات ثلاثاً فقط، وكانت كل رضعة مجرد ثوانٍ معدودة لم تُشبع الطفلة ولم تروِ جوعها، فهذا لا يُثبت التحريم شرعاً، ولا تعتبر الطفلة ابنةً لكِ بالرضاع، ولا أختًا لابنكِ سيف.”
جيهان كانت بتسمع الكلمات وكأن روحها بترجع لها من جديد. دموعها نزلت بس المرة دي دموع ارتياح، وسألت الشيخ بتأكيد: “يعني ينفع سيف يتجوزها يا فضيلة الشيخ؟ حلال؟”
رد الشيخ بثبات: “نعم، يجوز شرعاً وزواجهم حلال لا شائبة فيه، لأن الرضاع المفروض للتحريم لم يكتمل لا في العدد ولا في الشبع.”
خرجت جيهان من دار الإفتاء وكأنها شايلة جبل واتشال من على . مشيت في الشارع بسرعة، عاوزة توصل للبيت وتبشر سيف ونور، وتجهز خطة للوقوف في وش نجوى وسامح ومعاها الشرعي والقانوني المضبوط.
أول ما فتحت باب الشقة، لقيت المنظر جوه مرعب.
نجوى واقفة في نص الصالة، ومعاها اتنين رجالة أشكالهم تخوف، وسامح أبو نور واقف وراهم بضعف. وسيف واقف قدامهم بيحمى نور بضهره ومسك في إيده كرسى حشبه ومستعد يضرب.
نجوى صرخت أول ما شافت جيهان دخلت: “أهي جات الساحرة أهي! بقولك إيه يا جيهان، المرة دي مش جاية أتكلم، الرجالة دول جايين ياخدوا نور بالذوق أو بالعافية، وأبوها كتب التنازل وعقد العريس خلاص!”
جيهان ما اترددتش ثانية، مشيت بثبات ووقفت بين سيف وبين الرجالة، وبصت لنجوى بعيون مليانة ثقة وقوة مكانتش موجودة قبل كده، وقالت بصوت هز الصالة كلها: “بلي العقد ده واشربي ميته يا نجوى! أنا لسه جاية حالاً من دار الإفتاء.. ونور مش أخت سيف، زواجهم حلال شرعاً وقانوناً، وسيف هو اللي هيتبني عليها ويسترها، وأعلى ما في خيلك اركبيه!”
انقضت نجوى كالضبع المفترس، ووجهها يحمرّ بجنون من شدة الغيظ، وصرخت بصوت بحّ من العياط والغل: “إفتاء إيه وكلام فارغ إيه يا ساحرة يا مجنونة؟! أنتِ فاكرة حتة ورقة من الشيخ هتمنعني أخد البنت؟ سامح! اخلص ومسّك الرجالة البنت واطلعوا بيها على العربية تحت!”
تحرك أحد الرجلين المجرمين بخطوات واسعة نحو نور، يحاول سحبها من ذراعها، لكن سيف لم ينتظر ثانية واحدة؛ رفع الكرسي الخشبي وهوى به بكل قوته على ظهر الرجل، ليرتطم بالجدار ويتراجع صارخاً من ألمه. نزل سيف بكل جسده حائلاً بين المجرمين ونور، وصوته يخرج كأنه زئير أسد جريح: “اللي هيلمس خطوة كمان في البيت ده هيدفن تحت السلم! يا سامح يا عايب، جايب بلطجية في بيت أخوك المرحوم تتعدى على حريمنا ونساؤنا؟! والله العظيم لو ما أخذت الأشكال دي وغرتم من هنا لأكون طالب شرطة النجدة وقاضيكم بتهمة التهجم واقتحام منزل وهتك عرض!”
سامح ارتجفت ركبه من الخوف، ونظر للرجل المصاب المتألم، ثم التفت لنجوى وقال بضعف شديد وصوت مبحوح: “يلا يا نجوى، سيف مجنون وممكن يودينا كلنا في داهية ويثبت علينا قضايا.. يلا نمشي ونحلها بالقانون والشرطة بدل الفضايح دي!”
نجوى بصقت على الأرض بغل شديد، ونظرت لجيهان ونور بنظرة ملطخة بالشر والوعيد: “ماشي يا جيهان.. ماشي يا سيف! فاكرين إنكم كسبتم؟ البنت دي أمانة عندكم لحين ما أرفع قضية ضم وتزييف رضاع، وهتشوفوا القانون هيعمل إيه فيكم، وساعتها هاخدها ورجلكم فوق رقبتكم!”
خرجت نجوى وسحبت سامح والبلطجية وراءها، ورزعت الباب برزعة هزت حوائط الشقة كلها. ساد الصمت الثقيل في المكان، ولم يُسمع سوى صوت أنفاس سيف المتلاحقة ونشيج نور الهستيري وهي ترتمي في حضن جيهان وتنتحب بكل طاقتها.
جيهان نزلت على الأرض، وقعدت تحت رجلي نور وسيف، وجسدها يرتعش بالكامل من أثر الرعب والانفعال. رفعت يديها للسماء وقالت بصوت مكسور مليء بالدموع: “يا رب.. يا رب أنت العالم إني ما أردت إلا الخير، أنت العالم إني حميت البنت دي من الهلاك والضياع، لا تجعل شرهم يغلب حقي، ولا تحرمني من نور اللي كبرت على عيني وسهرت عليها الليالي.”
سيف نزل على ركبتيه وأمسك برأس أمه وقبل يدها بقوة: “اهدي يا أمي، اهدي يا حبيبتي.. والله العظيم ما في قوة على الأرض تقدر تاخد نور مننا. الفتوى معانا، والشرع معانا، وأنا مش هستنى لمّا يرفعوا قضايا ولا يعملوا تلعيب.. إحنا نكتب الكتاب فوراً!”
نور رفعت رأسها ووجهها شاحب كالموتى، ودموعها تسيل على خدودها كالشلال، وقالت بنبرة مرعوبة: “سيف.. أنا خايفة عليك! نجوى ست شريرة وأخوها مسجل خطر، ممكن يؤذوك أو يعملوا لك حاجة في كليتك أو طريقك! أنا خايفة البيت ده يتخرب بسببي، يمكن لو مشيت معاهم…”
جيهان قطعت كلامها بفزعة وضمتها لصدرها بقوة: “تسكتي خالص يا نور! ما تقوليش الكلمة دي تاني لو على جثتي! أنتِ بنتي يا نور، مش بس عشان رضعتك، عشان تربيتي وعرقي ودموعي اللي نزلوا عليكِ وأنتِ لحمة حمرا. نجوى عاوزة تاخدك عشان تجوزك لأخوها الصايع عشان يكسروا عيننا ويستفادوا منك، إنما يمين بالله لو أطبقت السما على الأرض مش هتاخدي غير سيف ولا هتعيشي غير هنا!”
مرت الأيام التالية ببطء شديد كأنها سنوات من العذاب. سيف لم يضيع وقتاً؛ أخذ فتوى دار الإفتاء الرسمية المكتوبة والمختومة بختم النسر، وذهب بها إلى المحامي الأستاذ عبد العزيز، رجل كاهل خبرة في قضايا الأحوال الشخصية وكان صديقاً لوالده المرحوم.
جلس سيف وجيهان في مكتب المحامي، وعرضا عليه الورقة والقصة بالكامل. المحامي قرأ الفتوى بتمعن، ثم وضع النظارة على الطاولة وهز رأسه بجدية: “يا أم سيف.. الفتوى دي أقوى في أيدينا من الناحية الشرعية. طالما الرضاع لم يكتمل خمس رضعات مشبعات، فالزواج حلال شرعاً بنص القانون والشرع. لكن القضية مش قضية رضاع بس.. أبو البنت سامح هو الولي الشرعي، ولو حابب يرفع قضية لإلزام البنت بالعيش معاه باعتباره الأب، ممكن يستغل مسألة إنها لسه طالبة وفي سن رعاية.”
جيهان قامت وقفت بحدّة وقالت للمحامي: “أبوها ده بايعها يا أستاذ! أبوها سابها من يوم ما اتولدت وما صرفش عليها مليم، ولا يعرف دخلت مدرسة إزاي ولا كلية إزاي! أنا اللي معايا الإيصالات والشهادات وروشتات الأطباء من يوم ما كانت طفلة! هو فاكر إنه يقدر يفتكرها لما تكبر ويستغلها؟!”
رد المحامي بابتسامة طمأنينة: “اهدي يا حاجّة جيهان.. الحل السريع والوحيد اللي يقطع رقبة نجوى وسامح ويقفل الباب ده للأبد، هو إننا نعمل عقد قران رسمي بسرعة. طالما نور كملت السن القانوني للزواج، وهي آنسة رشيدة وفي كلية، وتقدر تعقد قرانها، ونستند لفتوى الإفتاء وعدم وجود مانع شرعي. وبما إن سامح متعنت ويرفض التزويج بدون سبب شرعي ومصلحة البنت في الزواج من ابن عمها الكفء، نقدر نرفعه للمحكمة أو نعقد القران بولاية القاضي أو باستشارة عمها الثاني اللي موافق!”
سمع سيف الكلام وارتفعت روح المعنوية في صدره، وقال بحماس: “عمنا الكبير الحاج متولي موافق ومرحب جداً، وهو اللي هيبصم كولي ومجلس العقد هيكون عنده في البيت!”
بالفعل، تم الاتفاق على عقد القران في سرية تامة وبسرعة شديدة في منزل العم متولي. جيهان كانت تجهز نور وتلبسها فستان أبيض بسيط، وعيناها تدثرها بالدعوات والآيات القرأنية. نور كانت ترتجف بين الفرح والخوف، تتطلع في المرآة وتشوف نفسها عروسة لسيف، الرجل الوحيد الذي حماها ورعاها وكان لها السند بعد الله.
لكن الشيطان لا ينام.
قبل عقد القران بيوم واحد فقط، بينما كان سيف راجعاً من كليته في وقت متأخر من المساء، يتنقل في الشارع المظلم المؤدي لبيت عمهم، اعترضت طريقه سيارة نقل صغيرة بدون أرقام. نزل منها ثلاثة رجال يحملون أسلحة بيضاء، وعلى رأسهم “سعيد” أخو نجوى!
سعيد كان رجلاً جليض الملامح، وعلى وجهه ندبة قديمة، يقف وفي عينيه الشر والغضب. قرب من سيف ونظر له بتحدٍ وقذر: “يا بشمهندس يا متعلم.. فاكر نفسك راجل وهتاخد البنت وتتحدى أختي وسامح؟ البنت دي أختي حاطط إيده عليها، وهيتم جوازها مني الأسبوع الجاي، ولو فكرت تقرب منها أو تعمل كتب كتاب، مش هتوصل للماذون إلا وأنت على نقالة!”
سيف لم يرمش له جفن، رغم إنه كان لوحده ومحاط بالبلطجية. وقف بكل ثبات وجسده مشدود، وقال بنبرة مليئة بالتحدي: “أنت وأختك فاكرين إن البلد سدى؟ ولا فاكرين إن نور ملهاش رجالة؟ نور مراتي بكره يا سعيد، ورجولتك دي وريني هتعمل بيها إيه لمّا تترص في التخشيبة بتهمة الاعتراض والشروع في قتل! ارجع لأختك قولها سيف مش بيموت ولا بيبهاب الكلاب!”
سعيد صرخ بغضب ورفع مطواة في وجه سيف محاولاً ضربه، لكن سيف تفادى بسرعة وحرفية، وأمسك بذراع سعيد وضرب رأسه في الحائط، واندلعت مشاجرة حامية بالشارع. تحرك الجيران والشباب على صوت الصراخ والضرب، وتجمعوا حولهم حتى اضطر سعيد ورفاقه للفرار في السيارة وهم يصرخون والوعيد.
رجع سيف للبيت وهدومه ممزقة وجسده به بعض الخدوش البسيطة. أول ما شافته جيهان صرخت ولطمت على صدرها: “سيف! يا حبيب أمك إيه اللي حصل لك؟! عملوا فيك إيه الأولاد الأبالسة دول؟!”
نور جرت عليه وبكت بحرقة، وهي تمسك بيده الجريحة: “سيف.. عشان خاطري كفاية! أنا السبب في كل اللي بيحصل ده! لو هيجرالك حاجة أنا أموت نفسي!”
سيف مسك إيد نور وضغط عليها بقوة وقبل رأسها، ثم نظر لأمه وقسم بصوت يزلزل البيت: “والله العظيم ما يهزوا شعرة مني يا أمي! الجروح دي وسام على صدري عشان أحمي مراتي وبنتي وأختي وعرضي. بكره المأذون هيجي، وبكره نور هتبقى مراتي على سنة الله ورسوله، وأعلى ما في خيل نجوى وأخوها يركبوه!”
حلّ فجر اليوم الموعود. جمعت جيهان الأهل المقربين والعم متولي في منزله، وحضر المأذون الشرعي، وتم وضع دفتر العقد على الطاولة. نور كانت تجلس بجوار جيهان وهي ترتدي ثوبها الأبيض، ودموع الفرحة والرهبة تتساقط من عينيها.
وضع سيف يده في يد عمها متولي، وبدأ المأذون في تلاوة خطبة الحاجة وكلمات الزواج المباركة. وكانت جيهان تمسك بفتوى دار الإفتاء الرسمية بين يديها كأنها درع من ذهب، وتقرأ سورة يس وتحصن البيت بالدعاء.
وفجأة.. وقبل أن يضع المأذون القلم في يد نور لتبصم وتوقع العقد…
انكسر باب الشقة الخارجي بصوت رعدي هز أركان البناية! ودخلت القوة الشرطية برفقة ضابط ومعه سامح ونحو أربعة من رجال الشرطة، وخلفهم تبتسم نجوى ابتسامة نصر خبيثة!
صرخ الضابط بصرامة وقوة: “وقف كل حاجة عندك يا مأذون! العقد ده باطل ومخالف للقانون!”
وقفت جيهان وسيف ونور في صدمة شلت أركانهم، وتقدمت نجوى بخطوات بطيئة وضحكة تهكمية تواجه بها جيهان: “فاكرة إنك أذكى مني يا جيهان؟ أبو البنت قدّم بلاغ رسمي بإن البنت قاصر ومخطوفة، وإنكم بتجوزوها رغماً عن وليها وببدون إذنه، ومقدم شهادة ميلاد مزورة بتاريخ قديم! البنت هتمشي معانا دلوقتي للنيابة!”
تجمعت الدموع في عين نور وصرخت صرخة استغاثة هزت أركان المكان، بينما وقفت جيهان كالمجنونة تحجب نور ببدنها، ورفع سيف ورقة الإفتاء والمستندات أمام الضابط… وتوتر الموقف ليصل إلى نقطة الغليان والصدام المباشر!
بنت سلفتى ٣
رومانى مكرم
اربتكت الصالة بالكامل، وانطلقت صيحات الغضب من العم متولي ورجال العائلة الذين هبوا من أماكنهم. تقدم سيف بصلابة وشجاعة، ووقف حائلاً بجسده بين ضابط الشرطة ونور، رافعاً يده بالحجة والأوراق الرسمية: “يا فندم اتفضل شوف الأوراق والبطاقة الشخصية لنور بنفسك! نور طالبة في الكلية، وبطاقتها الرسمية الصادرة من السجل المدني تثبت إنها كملت السن القانوني وزيادة، ومفيش أي خطف ولا قصر! الأستاذ سامح بيستغل وجودكم عشان ينفذ أغراض مراته اللي عاوزة تجبر البنت على الجواز من أخوها المسجل خطر!”
نظر الضابط بحدّة ورائحة الشك تساوره، ثم سحب البطاقة الشخصية لنور وراجع بياناتها، وقارنها بالبلاغ المُقدم من سامح ونجوى. تجهم وجه الضابط والتفت لنحوهما بنبرة حادة: “إيه الكلام ده يا سامح؟ البلاغ مكتوب فيه إن البنت قاصر وفي سن حضانة! البطاقة دي رسمية ومستخرجة من الدولة وتثبت إنها تجاوزت السن القانوني ولها كامل الأهلية! أنت جاي تقدم بلاغ كاذب وتستغل الشرطة؟!”
نجوى ارتبكت واصفرّ وجهها، لكنها اندفعت تصيح بكذب وتدليس: “يا فندم البطاقة دي مزورة! البنت دي رضيعة جيهان وأخت سيف في الرضاع، والجواز ده باطل شرعاً وقانوناً ويزني في أحكام الشريعة! أنا معايا شهود إن جيهان رضعتها مع ابنها سيف!”
هنا تقدمت جيهان بخطوات ثابتة كالحديد، وعيناها تلمعان بقوة الحق، ورفعت الورقة المختومة بختم النسر وأعطتها للضابط مباشرة: “اتفضل يا فندم.. دي فتوى رسمية صادرة من دار الإفتاء المصرية ومختومة بختم الدولة. أنا اللي ربيت البنت وأنا اللي ذهبت بنفسي وأدليت بالشهادة أمام العلماء. الرضاع لم يكتمل لا عدداً ولا شبعاً، والشرع أقر بحلية الزواج وعدم وجود أي مانع! البنت دي بنتي بالتربية والسهر، والست دي جاية ببلطجية وبلاغات كاذبة عشان تبيع البنت لأخوها الصايع!”
قرأ الضابط الفتوى الرسمية بتمعن، وراجع الختم والبيانات، ثم نظر إلى سامح ونجوى باستحقار شديد وقال بصوت صارم: “البلاغ ده كاذب، ومفيش أي جريمة ولا مخالفة للقانون هنا! البنت أنسة رشيدة ولها كامل الأهلية الشرعية والقانونية تتجوز اللي هي عاوزاه بكامل إرادتها. أنت يا سامح ومقيد معاك نجوى هتتفضلوا معايا على القسم بتهمة إزعاج السلطات وتقديم بلاغ كاذب والتهجم على منزل!”
صرخت نجوى وهي تحاول التملص من أمناء الشرطة الذين قيدوا حركتها: “مش هسيبكم يا جيهان! والله العظيم لأحرق قلبك على ابنك والبنت دي مش هتهنى بيكم!”
سحب رجال الشرطة نجوى وسامح المكسور الذليل إلى الخارج وسط ذهول وجلجل صياح الجيران الذين تجمعوا على السلم وعلموا بحقيقة شر نجوى ومخططاتها.
عادت الشقة إلى هدوئها، ووقع المأذون على الأوراق وهو يبتسم ويهنئ الجميع: “على بركة الله.. بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
بصمت نور في الدفتر ودموعها تنزل كاللؤلؤ، ثم وضع سيف توقيعه بقوة وثبات. التفت سيف ونظر إلى نور بعيون مليئة بالحنان والوفاء، ثم اتجه إلى أمه جيهان وانحنى على قدميها يقبلها ويدمع: “رضاكِ يا أمي هو اللي فتح لنا الأبواب المقفولة.. أنتِ اللي حميتينا وعملتِ المعجزة.”
ضمت جيهان سيف ونور إلى صدرها في عناق طويل، وبكت بحرقة الفرح والتعب الذي تراكم على قلبها طوال عشرين عاماً. شعرت لأول مرة أن حقها وعرقها وسهرها مع الطفلة الرضيعة لم يذهب هباءً.
لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد.
بعد مرور أسابيع قليلة على عقد القران، وبينما كان سيف ونور يستعدان لإتمام الانتقال لشقتهم الجديدة وإقامة حفل الزفاف البسيط، ظهر خطر جديد كاد يقلب الموازين.
خرج سعيد أخو نجوى من ملاحقته الشرطية، وبعد أن أُفرج عن نجوى وسامح بكفالة على ذمة قضية البلاغ الكاذب، قرر سعيد الانتقام بطريقة إجرامية. اتصل سعيد بسيف هاتفياً بصوت مليء بالغل والشر: “فاكر إنك كسبت يا بشمهندس؟ أختي اتفضحت وأنا أسمي اتمسح بيه الأرض بسببكم.. لو مش هتجيب لي نور ودفتر العقد وتقعد نتفاوض، القنبلة اللي هتحرق قلب أمك جاهزة، وأختك أو أمك مش هيشوفوا نور الشمس تاني!”
لم يكتفِ سعيد بالتهديد، بل بدأ بمراقبة تحركات جيهان ونور عند ذهابهن للكلية أو السوق. وفي يوم ممطر، وأثناء عودة نور من كلية التربية بمفردها، اعترضت سيارة سعيد طريقها في شارع جانبي هادئ، ونزل منها اثنان من أعوانه وحاولوا سحب نور بالقوة وإدخالها السيارة!
صرخت نور بأعلى صوتها واستنجدت بالأهالي، وحاولت المقاومة بكل قوتها، في الوقت الذي كان سيف يقود دراجته النارية قادماً في نفس الشارع بالصدفة بعد أن شعر بالقلق لتأخرها!
شاهد سيف المشهد، وانطلق بسرعة جنونية ونزل من دراجته ليرتطم ، ودارت معركة شرسة في وسط الشارع…
قفز سيف كالأسد المجروح نحو البلطجية، وتلقى ضربة غادرة على كتفه، لكنه لم يأبه للألم؛ اندفع بكل قوته ونزع نور من أيديهم ودفعها خلفه. انهال ضرباً على أتباع سعيد بكل ما أوتي من غل ودفاع عن الشرف، وظل يصارعهم حتى اجتمع أهل الحارة والشباب على صوت الصراخ. لما رأى سعيد وأعوانه الشارع يمتلئ بالرجال، فروا هاربين في السيّارة وهم يترنحون.
سقط سيف على الأرض ونور تحتضنه وهي تبكي بهستيريا، تمسح الدم عن وجهه وتصرخ: “سيف! عشان خاطري قوم معايا! مش هسيبك، والله ما هسيبك!”
أُخذ سيف إلى المستشفى وتم علاج جروحه، وفي تلك الليلة، داخل غرفة المستشفى، وقفت جيهان بجانب سرير ابنها، ومسكت يد نور ويد سيف وضمتهما بقوة، وقالت بصوت قاطع كالحديد: “الخوف هو اللي يقويهم علينا.. سعيد ونجوى وسامح مش هيرتدعوا إلا لما يشوفوا نور دخلت ذمتك رسمياً وعاشت معاك في بيت واحد، مش مجرد عقد على ورقة! الفرح والأشهار هيبقى الأسبوع ده، وعلى عينك يا تاجر والحي كله يشهد!”
خلال أيام قليلة، تحول البيت إلى خلية نحل. جيهان كانت تجهز الفستان بنفسها، وتشتري مستلزمات الفرح بكل حماس وثقة، كأنها تعوض كل سنين المرار والتعب. ونور، التي كانت بالأمس طفلة مهددة بالضياع، أصبحت تجهز نفسها لتكون عروساً للرجل الذي حماها وبذل دمه لأجلها.
حلّت ليلة الزفاف، وتزينت الحارة بالأنوار والزينة. جيهان أصرت أن يقام الفرح في الشارع أمام البيت ليراه القاصي والداني، ويعلم الجميع أن نور أصبحت حرم المهندس سيف شرعاً وقانوناً وعلى سنة الله ورسوله.
طلت نور بفستانها الأبيض كالقمر في ليلة تمامه، تبتسم ودموع الفرح تترقرق في عينيها وهي تنظر لجيهان وتقول: “شكراً يا أمي.. أنتِ اللي وهبتيني الحياة مرتين.”
أما سيف فكان يقف بجوارها كالصقر، يرتدي بدلتها ويحوطها بيده بكل فخر وحماية، والجميع يباركون ويهتفون بالصلاة على النبي.
وفي أوج الاحتفال، حاول سعيد ونجوى القدوم أطراف الشارع في محاولة أخيرة لإفساد الفرح أو إثارة الشغب، لكن رجال الحارة والعم متولي كانوا لهم بالمرصاد. وقفوا في وجههم كالسد المنيع، وحذروهم تحذيراً أخيرًا إن خطت أقدامهم خطوة واحدة نحو الفرح. وأمام هذا الجمع الغفير والهيبة والشرعية التامة، انسحبت نجوى وجرّت سعيد معها يجرون أذيال الخيبة والكسرة، بعدما أدركوا أن سيف ونور أصحبا زوجين بحكم القانون والشرع وحماية عائلة بأكملها.
وانتهت الليلة بإشهار زواجهما ودخولهما إلى ، ليكتبا بداية حياة جديدة قائمة على الحب والصمود.
ولكن، بينما كانت جيهان تجلس في صالتها بعد رحيل المعازيم، تنفس الصعداء وتدعو لهما بالتوفيق والهناء، رن هاتف البيت الأرضي برنين متصل ومريب في ساعة متأخرة من الليل… رفعت جيهان السماعة لتسمع صوتاً غريباً ينقل لها مفاجأة غير متوقعة كلياً ستغير مجرى الأحداث كلياً في الجزء الأخير!
رفعت جيهان سماعة الهاتف وهي بترتعد، وجالها الصوت الغريب من الناحية التانية: “الحاجة جيهان؟ أنا الدكتور أحمد من مستشفى القصر العيني.. معانا هنا الأستاذ سامح والد نور وزوجته نجوى، اتعرضوا لحادثة عربية شنيعة على طريق الإسكندرية الصحراوي وهما راجعين، وحالتهم حرجة جداً.. سامح بيحتضر وبيردد اسمك واسم نورهان من ساعتها!”
طارت الفرحة من قلب جيهان في ثواني، ولفت تبص لشق سيف ونور بالراحة عشان ما تقلقهمش في ليلة دخلتهم، لكن نور كانت خرجت تجيب كوباية مية وشافت وش جيهان الأبيض زي الملاية.
عرفت نور بالخبر، وعلى الرغم من كل القسوة والبيع اللي شافته من أبوها، دموعها نزلت ونخوة الدم تحركت جواها. سيف قام فوراً ولبس هدومه، وأخد أمه ونور وطلعوا يجروا على المستشفى.
دخلوا العناية المركزة، كان سامح متوصل بالأجهزة ووشه متغطى بالجروح. أول ما حس بريحة جيهان ونور، فتح عينيه بالكتير وبكى بكاء مرير، ومد إيده المرتعشة يمسك إيد نور وقال بصوت بحّ ومتقطع: “سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا جيهان.. نجوى استغلت ضعفي وزقتني على الشر عشان الطمع.. بس ربنا عدل ورجع الحق لأصحابه.. أنا كنت جاي أأذيكم بس ربنا انتقم مني في السكة.. نور.. سيف هو سندك وحمايتك.. جيهان هي أمك الحقيقية مش أنا..”
سامح نطق الشهادة وإيده سحبت من إيد نور، وفاضت روحه لبارئها. أما نجوى، فكانت في الغرفة المجاورة، أصلها الحادثة عاهة مستديمة وشلل كامل، لتذوق عقاب الدنيا قبل الآخرة، وتتحول من الست القاسية المستبدة لإنسانة عاجزة مش لاقية حتى اللي يمسح دموعها غير الإحسان!
عدت الأيام، ورجعت الشغف والهدوء لبيت جيهان. نور وسيف عاشوا في هناء وحب، ورزقهم ربنا بعد سنة بطفلة جميلة، سموها “جيهان” على اسم الجدة التي صانت الأمانة وحاربت الدنيا كلها عشان تحمي الحق.
الحكمة من القصة:
* الأمومة ليست مجرد دم وزواج، بل هي عطاء وسهر وتربية: جيهان لم تنجب نور من رحمها، لكنها أنجبتها من قلبها بالخوف والرعاية والدموع، فأصبحت الأم الحقيقية التي تستحق العطاء.
* الشرع والدين حماية للحقوق وليس وسيلة للظلم: تجلت رحمة الشرع في فتوى دار الإفتاء التي أنقذت البنت من براثن الطمع والجشع، وأحلّت لها الزواج ممن حماها وصانها.
* الجزاء من جنس العمل: نجوى وسامح اللذان أرادا سلب نور حياتها وإجبارها على الظلم، كانت نهايتهما عبرة؛ أحدهما نادماً، والأخرى عاشت عاجزة تذوق مرارة طمعها، بينما أثمر صبر جيهان وسيف حباً وحلالاً وبيتاً آمناً.


تعليقات
إرسال تعليق