القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 

سكريبت مصيف كامل بقلم أماني سيد 



الكاتبه امانى سيد

مصيف


جوزى مادياً مرتاح جداً ورغم كدا بيرفض يخرجنا أو يخلينا نصيف ولما نضغط عليه وتحت زن الولاد يسافر معانا وهو مغصوب وطول الوقت قالب وشه ولاووى بوزه مهما ضحكت او هزرت معاه بيفضل قالب وشه علينا لحد ما نرجع زى مايكون بيعاقبنا اننا طلبنا منه يسفرنا او يخرجنا وكانوا دايما ولادى يسالوني هو ليه بابا بيعمل كده دايما مكنتش بلاقى رد ولا بعرف ابررلهم وبيبقى ردى عليهم معلش ضغط الشغل لازم نستحمله


وفى مره اتفاجئت أنه مسافر مع أهله قولتله انا والولاد هنروح معاك لقيته وافق وهو مغصوب وجالى اجهزى هنسافر من عند ماما


وفعلاً روحنا لمامته وكان اخوه هناك لسه متجوزش طلب منى انى انا واوولاده نركب مع اخوه عشان هو هياخد معاه مامته وخالته


وافقت وانا محرجه وفعلاً مامته ركبت ورا وخالته قعدت جمبها واتفاجئت ببنت خالته جت ركبت معاه رس قاعدت جمبه ولما قربت منه وسالته


قالى طبيعى ماما هتىكب ورا مع خالتو عشان يتكلموا سوا والمفروض بنتها اوديها فين اخليها تجرى ورا العربيه


كبرت دماغى وركبت مع اخوه واتحركنا ورا بعض


بالعربيات بس كان كل تركيزى مع عربيه جوزى كنت افضل ابص ورايا والاقيه طول الطريق قاعد بيهزر مع بنت خالته عكس لما بيعمل معايا وانا معاه ويقولى سبينى اركز وانا بسوق


وصلنا الشاليه، ونزلنا، واتفاجئت بشخص تاني تماماً غير اللي عايشة معاه.. واحد بيجري يشيل الشنط عن خالته وبنتها بكل ذوق، يضحك ويهزر مع الكل، وداخل المطبخ يسألهم تشربوا إيه وتطلبوا أكل منين. أول ما دخلت وراه عشان اساعده وكلمته، ملامح وشه اتقلبت في ثانية ورجع لنفس التكشيرة والبرود، ورد عليا باقتضاب: “شوفي العيال ونضفيلهم هدومهم بلاش دوشة”.


في العصر، نزلنا كلنا على البحر، ولقيته بيكرم الكل بطريقة عمري ما شوفتها؛ عزايم وعصاير وطلبات بالهبل للبحر، وهو أصلاً في العادي بيحاسبني على علبة العصير للعيال ويقولي تبذير ووجع دماغ. ابني الصغير جه مسك في إيدي وبصلي باستغراب وهو شايف باباه عمال يهزر ويرمي بنت خالته في المية ويضحك بصوت عالي، وقالي ببراءة كسرت قلبي: “ماما، هو بابا فرحان كده عشان مسافر مع طنط وخالتو، ولا هو مكنش بيحبنا إحنا لما كان بيسافر معانا؟”.



السؤال نزل عليا زي الس\كينة التلمة، مكنتش عارفة أرد ولا أداري دموعي اللي اتحبست في عيني. دخلت الأوضة بحجة إني بجيب حاجات للولاد، وقعدت على طرف السرير وأنا مستوعبة الحقيقة المرة اللي كنت بهرب منها طول السنين دي؛ المشكلة مكنتش لا في ضغط شغل، ولا في مصاريف، ولا في طبيعة شخصيته “الجدية”.. المشكلة الحقيقية إنه ببساطة مش حابب وجودنا في حياته، ومستخسر فينا الفرحة اللي بيوزعها على غيرنا بكل سهولة


وقفت على الشط متسمرة مكاني، عيني مش مصدقة اللي شايفاه.. المنظر كان كفيل يدبح أي إحساس باقي جوايا ناحيته.


كان في المية طاير من الفرحة، بيجري وراها ويعوم جمبها، يغطس ويطلع يرش عليها مية وهي تضحك بدلع وتصرخ، وفجأة لقيته بيقرب منها وبكل خفة وجرأة شالها بين إيديه وهي بتضحك وماسكة في رقبته وبتقوله نزلني، وهو يلف بيها في المية والضحكة شاقة وشه من الودن للودن.. تصرفات اتنين عايشين في شهر عسل مبيخلصش، مش راجل متجوز ومخلف وقدام مراته وعياله وأهله!


ولادي كانوا واقفين على الرملة باصين له بذهول.. بنتي الكبيرة مسكت طرف الفستان بتاعي وسألتني بصوت مخنوق ومرعوب: “ماما.. هو بابا بيعمل كده ليه؟ هو مش كان بيقول المية دي لعب عيال وإنه مبيحبش ينزل البحر عشان عظامه بتوجعه؟”.. الكلمة وجعتني في مقتل، افتكرت كل مرة كنا بننزل فيها البحر ويقعد على الكرسي لابس نضارته وقالب بوزه، يزعقلهم لو رشوا نقطة مية عليه ويقولهم “أنا مش ناقص وجع دماغ، ادخلوا اقعدوا جنب أمكم!”.


بصيت على حماتي وخالته اللي كانوا قاعدين تحت الشمسية، لقيتهم بيبصوا لبعض ويبتسموا بخبث ورضا، وكأن المشهد ده عادي جداً أو حتى مرتبين له ومبسوطين بيه، ومحدش فيهم فكر للحظة يحترمني أو يراعي مشاعري وأنا واقفة زي الغريبة اللي ملهاش أي قيمة وسطهم.



الدم غلى في عروقي، وحسيت بنار قايدة في صدري، إهانة وكسرة نفس مقدرتش أتحملها أكتر من كده.. سيبت الولاد يلعبوا في الرملة، وقربت من حرف المية، وناديت عليه بصوت عالي وثابت هز كل اللي حوالينا: “تعالى هنا حالا!”.


أول ما سمع صوتي، وقف مكانه ونزلها بسرعة، وملامح وشه فجأة اتحولت من الضحك للغضب والبرود، وطلع من المية وهو بينفخ وبيبصلي بقرف وبيقول: “خير؟ جاية تنكدي علينا هنا كمان؟”.


وقفت قدامه ثواني مكنتش قادرة أستوعب البجاحة.. بيبصلي بقرف وبيقولي “جاية تنكدي علينا؟” وكأني أنا اللي غلطانة، كأني أنا اللي خربت اللحظة الرومانسية اللي عايشها مع بنت خالته قدام ولاده الصغيرين!


مسكت إيدي في بعضها عشان أمنع الرعشة اللي في جسمي، وصوتي طلع حاد وواضح وسط صوت الموج: “أنكد عليك؟ هو ده اللي فارق معاك يا أستاذ؟ يا بجاحتك يا أخي!”


حماتي وخالته قاموا من مكانهم وجايين يجروا علينا، وبنت خالته كانت لسه واقفة في المية، بتعدل شعرها ومبتسمة ابتسامة مستفزة خلتني عايزة أروح أشدها من شعرها وأغرقها مكانها. حماتي وقفت قصادي وبصوت عالي زعقت: “إيه قلة الأدب دي يا بت إنتي؟! بتعلي صوتك على جوزك قدام الناس في البحر؟ ما تلمي لسانك وتحترمي نفسك شوية!”


بصيت لحماتي وضحكت بمرارة، ضحكة وجع ممزوجة بقهر السنين: “ألم لساني؟ هو أنا اللي مش محترمة نفسي برضه يا حماتي؟ ولا ابنك اللي شايل بنت أختك في حضنه وسط المية قدام ولاده ومراته؟! إنتوا إيه.. معندكوش ريحة الدم ولا الحياء؟”


خالته شهقت وحطت إيدها على صدرها: “يا نهارك مش فايت! دي زي أخته يا عميا، بترمي بنتي بكلام وسخ زي نيتك؟”


جوزي قرب مني وشه محقون دم، وعروق رقبته نافرة، ومسك دراعي بعنف: “اخرسي خالص وادخلي جوة الشاليه، حسابك معايا بعدين!”



نفضت إيدي من قبضته بكل قوتي وبصيت في عينيه مباشرة، ولأول مرة مشوفتش فيه الراجل اللي كنت بخاف أزعله، شوفت فيه شخص غريب، أناني، وميستاهلش دقيقة واحدة من عمري.


سيبته ولفيت ضهري، مشيت ناحية ولادي اللي كانوا واقفين يرتعشوا من الخوف وعينيهم ماليانة دموع. مسكت إيد بنتي وإيد ابني، وقولتلهم بصوت هادي حاولت أجمعه بالعافية: “يلا يا حبايبي.. هنرجع بيتنا.”


دخلت الشاليه، جمعت هدومنا في الشنطة في عشر دقايق وأنا سامعة دوشتهم وزعيقهم برة. طلعت بشنطتي وعيالي ولقيته واقف في الصالة بيسد الباب وهو بينفخ: “هتروحي فين بالعيال في الوقت ده؟ إنتي اتجننتي ولا إيه؟”


بصيتله بثبات مكنتش أعرف إنه عندي، وقولتله جملة واحدة خرجت من قلبي قبل لساني: “الفرحة اللي كنت مستخسرها في عيالك وفيّا، هتعيش ندمان عليها باقي عمرك.. الطريق اللي جيناه سوا خلص لحد هنا.”


طلبت تاكسي، وركبت أنا وولادي وأنا سايباه واقف مكانه مذهول، وعارفة إن الست اللي رجعت من الرحلة دي، مش هي أبداً اللي راحت معاه مغصوبة.


الكاتبه امانى سيد ٢

المصيف


طول طريق السفر راجعين للقاهرة، الطريق كان ساكت، مفيش غير صوت أنفاس العيال وصوت الطريق.. بنتي ساندة راسها على كتفي وبتعيط بسكات، وابني ماسك في دراعي التاني وكأنه خايف أسيبه هو كمان. كنت بمسح على روسهم وبهمس لهم: “ماتخافوش.. ماما معاكم ومش هتسيبكم أبداً”. الدموع اللي نزلت مني في التاكسي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع غسيل لكل ذكرياتي معاه، لكل السنين اللي ضيعتها وأنا ببرر بخله وبروده وقسوته على إنها “طبيعة راجل”.

وصلنا البيت متأخر، غيرتلهم ونيمتهم في حضني، وأول ما اطمنت إنهم ناموا، التليفون بدأ يرن.. اسمه منور على الشاشة بمكالمات ورسايل ورا بعض، وبعدها رسايل من حماتي وأخته: “انتي اتجننتي؟ فضحتِينا قدام الناس وخربتي الإجازة”، “ارجعي لعقلك يا بت وبلاش حركات عيال”. قفلت التليفون تماماً، وحسيت براحة وهدوء غريب عمري ما حسيته وأنا معاه في بيت واحد.

تاني يوم الصبح، مكنتش مستنية يرجع عشان يبدأ مسلسل التبرير والزعيق المعتاد.. صحيت بدري، لميت أوراقي المهمة، شهادات ميلاد ولادي، وقسيمة الجواز، وقررت أبدأ أول خطوة صح في حياتي. نزلت مباشرة على مكتب محامي أعرفه، قعدت قصاده وحكيتله كل حاجة بنبرة ثابتة وصوت مفيش فيه تردد: “عايزة أرفع ق\ضية طلاق للضرر، ونفقة لولادي، وكل حقوقهم متقلش مليم واحد.. هو مرتاح مادياً جداً ومستخسر فيهم، والقانون لازم ياخد حقهم.”

المحامي طمني وكتب المحضر بالوقائع، ورجعت شقتي قعدت مستنياه، لأني المرة دي مش ههرب ولا هسكت.

العصر، الباب اتفتح بعنف.. دخل يزعق وشكله مبهدل من السفر، وبصلي بغل: “انتي فاكرة نفسك مين عشان تسيبينا وتمشي؟ فاكرة إنك ليكي قيمة من غيري؟ هترجعي تبوسي رجلي عشان أرجعك!”

وقفت قصاده وبصيت في عينيه ببرود تام، من غير ما أرمش: “اللي يتباس رجليهم هما ولادك اللي حرمتهم من ضحكتك وصرفت فلوسك على غيرهم.. لكن أنا؟ أنا من اللحظة اللي شوفتك فيها شايلها في المية، اعتبرتك مت في نظري. المحامي رفع دعوى الطلاق، والمحكمة بيني وبينك.”

وشه اتخطف، والكلمة شلت حركته.. مكانش متخيل إن الست المطيعة الصابرة اللي كانت بتلم وراه سنين، ممكن تكسر الدايرة في لحظة واحدة وتقف على حيلها.

فضل باهت مكانه، عينه بتتحرك بيني وبين أوراق المحامي اللي كانت محطوطة على ترابيزة الصالة. الصدمة لجمت لسانه لدقيقة، وبعدين انفجر في ضحكة سخرية مهزوزة: “محكمة وطلاق؟ انتي بتهوشي يا حبيبتي.. فاكرة نفسك هتعرفي تعيشي من غير قرش مني؟ ده انتي والعيال هتشحتوا، ومفيش محكمة هتديكي اللي انتي بتحلمي بيه!”

قربت خطوة واحدة منه، وبصيتله بهدوء مستفز: “اللي بيصرف على بنت خالته وعزايم البحر بالآلاف، حسابه في البنك وعقاراته معروفين بالورقة والقلم. والمحامي جاب بيان بكل دخلك وممتلكاتك.. المحكمة هتاخد حق عيالك غصب عنك، ومستواهم مش هينزل مليم، لكن إنت وجودك هو اللي نزل للصفر.”

وشه احمر وعروق رقبته نطت، مد إيده بعنف يمسك دراعي، بس قبل ما يلمسني رفعت صباعي في وشه وصوتي كان حاسم كالسيف: “إيدك متلمسنيش.. البوليس هيتعمله بلاغ عدم تعرض في ثانية، والمرة دي مش هسكت على قشة.”

في اللحظة دي، جاله اتصال من أمه. فتح الاسبيكر وهو فاكر إنها هتدعمه، بس صوتها جه عالي ومذعور: “إلحق يا ابني، المحامي باعت إنذار على البيت وعايز يعمل حصر تركة ونفقة ومصاريف مدارس بالشيء الفلاني، انت عملت فيها إيه؟ دي فضحانا وبتطلب تحريات دخل من شغلك!”

بصلي وهو بيبلع ريقه بصعوبة، شاف في عيني ست تانية تماماً غير اللي كان دايس على كرامتها سنين ومطمن إنها مش هتنطق. لف وشه وخرج ورزع الباب وراه بكل غل، وهو مش مستوعب إن السجادة اتسحبت من تحت رجليه بالكامل.

أول ما الباب اتقفل، دخلت أوضة ولادي، لقيتهم قاعدين على السرير باصينلي بترقب. نزلت لمستواهم وفتحت دراعاتي الاتنين، جريوا عليا وحضنوني بقوة. همستلهم والدموع مخلطة بابتسامة راحة: “من النهاردة مفيش تكشيرة، ومفيش حد هيكسر فرحتكم.. من النهاردة إحنا هنبدأ نعيش بجد.”

الأيام اللي بعد خروجه من البيت كانت أهدى أيام عشتها من سنين طويلة، البيت اللي كان دايمًا مشحون بنكد وبرود وخوف من ردود أفعاله، فجأة بقى فيه نفس وهوا نضيف يدخل الصدور.



بدأت ألملم خيوط حياتي بنفسي؛ مكنتش ناوية أقعد حاطة إيدي على خدي أستنى حكم المحكمة، نزلت دورت على شغلي القديم ورجعت أشتغل وأثبت نفسي، عشان أحس بقيمتي وكياني اللي اتدفنوا سنين تحت مسمى “استحملي عشان البيت والعيال”. الولاد نفسهم ضحكتهم رجعت تملى الصالة، مفيش أب قاعد مبرطم بيزعق على أقل لعبة تقع على الأرض، ولا نظرات لوم وعتاب على علبة عصير أو خروجة بسيطة.

بعد كام شهر، جه يوم الجلسة الأولى في محكمة الأسرة.

دخلت القاعة وأنا رافعة راسي، لابسة بدلة أنيقة وهادية، وماشية جنب المحامي بتاعي بكل ثقة. أول ما دخلت، لمحتهم قاعدين في ركن.. هو، ومامته، وخالته، وبنت خالته اللي كانت لابسة نضارة شمس ووشها باهت وكأنها مستخبية من العيون.

حماتي أول ما شافتني، بصتلي بشرار وكانت قايمة تهجم بالكلام، بس جوزي شد دراعها وقعدها وهو وشه ميتفسرش، عيونه كانت متعلقة بيا بذهول.. مش مصدق إن الست اللي واقفة قدامه دي هي نفسها اللي كانت بتبكي بالدموع في الشاليه، هي نفسها اللي كانت بتتحايل عليه زمان عشان يبتسم لولاده.

القاضي نادى على الق\ضية، ووقف المحامي بتاعي يعرض كل التفاصيل: شهادات حساباته البنكية، أصول ممتلكاته، وتحريات الدخل اللي كشفت أرقام هو كان بيحلفلي إنه ميمتلكش ربعها، وفوق ده كله شهادة كل اللي شافوا الإهانة والضرر في الواقعة الأخيرة.

محاميه حاول يماطل، ويقول “دي خلافات زوجية بسيطة وسوء تفاهم في رحلة عائلية”، بس محاميّ رد بحزم وقدم كشف المصاريف، وطلب إلزامه بنفقة تليق بدخله الضخم، وتمكين من شقة الزوجية وأجر حضانة وتعليم للولاد.

القاضي بص في الأوراق، وبعد المداولة نطق بالحكم: تطليق للضرر، وإلزامه بنفقة شهرية للولاد بمبلغ مكانش يحلم يدفعه، وإلزامه بدفع كامل مصاريف مدارسهم الخاصة وأجر المسكن.

الصدمة نزلت عليهم زي الصاعقة.. حماتي لطمت على خدها في الممر، وخالته وقفت تفرك إيديها بتوتر، وبنت خالته انسحبت من غير ولا كلمة كأنها فص ملح وداب أول ما حست إن الفلوس والمظاهر اللي كانت بتجري وراها بتطير من إيده لحق ولاده.

هو فضل واقف في نص الطرقة متبهدل، عينه مكسورة تماماً، قرب مني خطوتين وصوته كان واطي ومبحوح لأول مرة في حياته: “انتي عملتي كل ده عشان رحلة؟ انتي دمرتي بيتنا عشان خاطر هزار؟”

وقفت قصاده، بصيت في عينيه بابتسامة نصر وراحة عمري ما حسيت بيها: “الرحلة كانت مجرد القشة اللي كشفت إنك عمرك ما كنت راجل يحافظ على بيته.. البيت انت اللي هديته ببخلك وقسوتك من سنين، وأنا بس نضفت حياتي وحياة ولادي من ركام ”

سبته واقف مكانه ولفيت ضهري، مشيت بخطوات واثقة وسريعة لباب المحكمة، وأول ما طلعت في الهوا والشمس، طلعت تليفوني واتصلت بمامتي: “جهزي الولاد يا ماما.. إحنا مسافرين كلنا بكرة رحلة مفيهاش نكد ولا دموع.”

وبعد أسبوع بالظبط، كنا قاعدين كلنا على نفس الشط في مصيف تاني هادي وجميل، بس المرة دي كل حاجة كانت مختلفة تماماً.

صوت ضحك الولاد كان واصل لآخر الدنيا، بيجروا ويلعبوا في المية براحتهم، يملوا جراكن الرملة، ويبنوا بيوت وقصور، ومفيش حد بيزعق فيهم ولا بيبصلهم بقرف لو رشوا مية بالغلط. مامتي كانت قاعدة تحت الشمسية بتشرب الشاي وبتدعيلي براحة البال والستر، وأنا قاعدة جنبها، باصة للبحر وسارحة في النعمة اللي ربنا كتبهالي.

ابني طلع من المية وشه منور والشمس عاكسة على شعره المبلول، وجري اترمى في حضني وهو ماسك صدفة ملونة في إيده: “ماما.. شوفتي الصدفة دي؟ دي ليكي عشان انتي أحسن ماما في الدنيا وخليتينا نيجي البحر الجميل ده!”

بنتي كمان جت قعدت جنبي، حطت راسها على رجلي وبصتلي بعيون مليانة أمان حقيقي: “عارفة يا ماما.. أنا كنت فاكرة إن البحر ده مكان بيخوف وفيه زعيق، بس دلوقتي فهمت إن العيب مكانش في البحر.. العيب كان في اللي جاي معانا.”

كلامهم كان البلسم اللي داوى كل الجروح القديمة، حسيت إن روحي رجعتلي بجد، وإن السنين اللي ضاعت تحت الظلم كان لازم تنتهي عشان اللحظة دي تتولد.

في نفس التوقيت، فتحت تليفوني ولمحت رسالة باعتها هو من رقم غريب بعد ما عملتله بلوك في كل حتة، كانت الرسالة مليانة عتاب وندم: “البيت فاضي عليا.. وحشني صوت العيال وحياتي باظت، بنت خالتي وأهلها بعدوا عني لما عرفوا النفقات اللي عليا، ومحدش واقف جنبي.. أنا غلطت ومستعد أعمل أي حاجة بس ترجعيلي ونبدأ صفحة جديدة.”

مسحت الرسالة في نفس الثانية، ومردتش ولا حتى بحرف.. اللي باع فرحة عياله واسترخص كرامة شريكته في يوم، ملوش تمن ولا رجوع.

قفلت التليفون ورميته في الشنطة، قمت وقفت، ونزلت المية أجري ورا ولادي وألعب معاهم وسط الموج والضحك اللي ملا قلوبنا أمان وراحة، وأنا عارفة من كل قلبي إن دي مش نهاية حكاية.. دي بداية حياة جديدة، حرة، ومليانة كرامة.



 


أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close