رواية كتب الكتاب كامله حكايات روماني مكرم
رواية كتب الكتاب كامله حكايات روماني مكرم
البداية المطبخ كان خنق، ريحة السمنة والغاز مغرقين المكان، والزغاريد لسه بترن في ودني من امبارح بعد ما كتبنا الكتاب. كنت قاعدة جنب حماتي “الحاجة أم نصر” ومستنية “طاهر” يخلص كلامه في التليفون بره. وفجأة، لقيتها بلعت بؤ شاي ورزعت الكباية على الصينية، وبصتلي بصلة فيها غل وتفحص مش مريح.
قربت مني ووطت صوتها، وفي عينها نظرة تحكم: “قوليلي يا بت يا رحمة.. أنتِ مقطوعة ومصونة ولا ؟”
الكلمة نزلت عليا زي المية السقعة. اتسمرت مكاني وبصلتها بذهول: “إيه الكلام ده يا حاجة؟! لا طبعاً.. ده كان زمان، الناس دلوقتي اتقدمت واتعلمت، ومحدش بقى بيعمل الجهل ده!”
وشها اتغير في ثانية، والمحبة المزيفة طارت. مسكت دراعي بدبوس صوابعها وقالت بنبرة حادة : “طالما دخلتي بيتنا ورحمتينا بنسبك، يبقى تمشي على أصولنا! هنا كل بنات العيلة بيمشوا على كلمتنا، ومفيش حد عندنا بيكسر كلمتنا!”
ونفضت إيدها عني بقوة، وقفت ودموع الغضب محبوسة في عيني: “في مشمش يا حاجة!
سبتها تولع ونزلت أجرى على بيتنا، قلبي بيلطش في قفصي الصدري. حكيت لأمي، بس أمي كانت ترعش وتقول: “يا بت كبري مخك، دول ناس صعايدة وياخدوا الموضوع تحدي، وطاهر بيحبك مش هيسمح بحاجة زي دي.” حاولنا نتصل بطاهر، تليفونه مغلق طول الليل، والشبكة بره الخدمة، والنوم معرفش طريق لعيوني.
جه الصبح، والشمس لسه بتقول يا هادي، وسمعنا خبط مرعب على باب الشقة. خبط كأن في هدّاد بيخبط!
أمي جريت فتحت، لقيت الحاجة أم نصر داخلة وهي دفشة الباب برجلها، ووراها خمس ستات من عمات طاهر وبنات عيلته، أجسامهم زي الحيطة.
حماتي دخلت تزأر في الصالة: “هاتوا البت دي من جوة! النهاردة هنربيها ونعلمها الأصول اللي أهاليتها معرفوش يعلموها لها!”
الستات هجموا على أوضتي زي الضباع. جيت أرزع الباب، دفعوه بكل قوتهم ودخلوا .
صرخت بأعلى صوتي: “يا طاهر! يا ناس يا عالم! يا لحقوني!”
#الكاتب_رومانى_مكرم
بنات العيلة اتلموا عليا، ست مسكت إيدي اليمين وست مسكت إيدي الشمال، وتلاتة نازلين بتقلهم على رجلي عشان يكتفوني على السرير، وحماتي واقفة عند الباب مربعة إيدها وبتضحك بشر: “وريني بقى علامك وثقافتك هيعملولك إيه دلوقتي!”
جسمي كله اتعصر من الخوف والغل، وجمعت كل قوتي في لحظة واحدة…
صرخت بصوت هز أركان البيت، صرخة فيها وجع وغل وقهر طلعوا من أعمق نقطة في صدري: “ياااااا طاااااااهر! الحقني يا طاهر!”
في اللحظة اللي كانت فيها الستات نازلين بتقلهم على جسمي بيكتفوني، الباب الخارجي للشقة اتقلع من مكانه ، ودخل طاهر زي القضاء المستعجل.
أول ما شاف المنظر، عينيه اتملت بالدم والشرار. مشافش قدامه أمه ولا قرايبه، شاف وحوش نازلين على مراته. في ثانية واحدة كان هجم على الأوضة، مسك أقرب ست من قرايبه من قفاها ورماها في صالة الأوضة اتخبطت في الحيطة، وزق التانية ببطن إيده طيرها على الأرض.
وقف طاهر في نص الأوضة، جسمه بيتفاض من الغضب ونفسه مكتوم، وبص لأمه بصة حادة وقاتلة. مسك فازة ورد فخار كانت على التسريحة ورزعها في الأرض اتدشتت مية حتة، وصرخ بصوت زلزل الشقة كلها: “إيييييييه اللي بيحصل هناااااا؟! أنتوا اتجننتوا؟! فاكرين نفسكم عايشين في زريبة؟!”
حماتي رجعت خطوة لورا من شكل ابنها، بس حاولت تتدارك موقفها وقالت وهي بتهب فيه: “جرى إيه يا طاهر؟! بتعلي صوتك على أمك عشان بت مش متربية؟ إحنا بنعمل الواجب والأصول اللي أهاليتها معرفوش يعملوهولها!”
طاهر ضرب بقبضة إيده على الباب الخشب لحد ما الباب اتشرخ، وزأر في وشها: “أصول إيه وجاهلية إيه يا أمي؟! دي مراتي! شرفي وعرضي! اللي يلمس منها شعرة واحدة أكل كبده بأسناني! يمين بالله لو ما خدتي النسوان دي وغورتوا من قدامي حالاً، لأكون ناسي إنك أمي، ولأبلغ الشرطة عنكم كلكم بتهمة اقتحام مسكن وترهيب!”
بنات العيلة والستات بداوا ينسحبوا لورا في رعب وهم بيبرطموا، وحماتي وشها جاب ألوان، بصتلي بغل وقالت لابنها: “بقى بتبيع أمك وعيلتك عشان دي؟ ماشي يا طاهر، حسابك معايا بعدين، بس افتكر إنك اخترت!”
خرجت حماتي ووراها الستات وبيجروا أذيال الخيبة، وطاهر رزع باب الشقة وراهم بصوت هز العمارة.
جرى عليا على السرير، كنت بترعش كلي ودموعي نازلة زي المية، وجسمي مقدور من الخضة. قعد جنبي وأخدني في حضنه بقوة، وإيده بتهتز وهو بيمسح على شعري ويقول بنبرة مقهورة: “حقك عليا يا رحمة.. حقك عليا يا حبيبتي، أنا تليفوني قطع شبكة وطول الليل بحاول أستقبل إرسال، أول ما وصلني صوتك جيت طيران.. والله ما حد هيقدر يمسك طول ما أنا حايش على وش الأرض.”
حضنته بكل قوتي وأنا بعيط، بس الفرحة بالنجاة مدمتش كتير… وفجأة، سمعنا صوت خبط تاني على الباب، بس المرة دي مش خبط ستات… كان صوت دبة جزم تقيلة وزعيق رجالة من عيلة طاهر بره!
الدبّات على الباب كانت بتزلزل الخشب، وأصوات رجالة العيلة طالعة من السلم زي الحشرجة: “افتح يا طاهر! افتح بدل ما نكسر الباب على دماغكم!”
طاهر بعدني عنه بالراحة، وعينيه اتحولت لكتلة جمر. قام وقَف ومسك شومة كانت ورا باب الأوضة، ومشى بخطوات تقيلة وواثقة ناحية باب الشقة. أمي كانت واقفة في الصالة ماسكة قلبها وبتبكي، أشار لها بإيده تسكت، وفتح الباب على آخره.
كان واقف بره عمه “الحاج جابر” ووراه أربعة من شباب العيلة، وفي عينيهم شرار ونظرات تحدي. الحاج جابر زق الباب بصدره ودخل خطوة، وبص لطاهر بمنتهى الاستعلاء: “جرى إيه يا ابن أخويا؟ الحريم رجعوا مكسورين الخاطر وتقولهم أبلغ الشرطة؟ هي النخوة ماتت فيك ولا البت دي عملتلك عمل؟”
طاهر وقف قصاده كأنه جبل، ورفع الشومة في وش عمه: “النخوة هي إن أحمي مراتي في بيتي يا حاج! اللي حصل جوة ده إجرام وما عاش ولا كان اللي يدخل بيت مراتي ويكسر كلمتي!”
ابن عمه الكبير خطى خطوة ورفع صوته: “ما تعليش صوتك على أبا! الكلمة كلمة العيلة، والحاجة أمك هي اللي مربياك، ولما تقول البت دي تتصلح، يبقى تمشي على الأصول وغصب عنك وعنها!”
قبل ما يكمل كلامه، طاهر مسكه من زقبة جلابيته ورزعه في حيطة السلم بكل قوته: “البت دي بقت على اسمي! قسماً بالله لو حد منكم نطق اسمها تاني أو فكر يخطو عتبة البيت ده، لأكون شارب من دمه! العيلة اللي عاوزة تهين مراتي ملهاش لازمة عندي!”
الحاج جابر وشه احمر وصرخ بصوت هز العمارة: “بتقف في وش عمك وعيلتك عشان حُرمة؟! ماشي يا طاهر.. طالما اخترت، يبقى أنت لا ابننا ولا نعرفك، وحق أمك وأصولنا هناخده منك ومنها!”
اتجمعت الرجالة ودخلوا الصالة عشان يكتفوا طاهر، وطاهر نازل فيهم ضرب ويدافع عن بيته زي الأسد.
أنا كنت واقفة ورا باب الأوضة ومستعدية أدافع عن نفسي لأخر نفس… وفجأة، الصوت بره اتغير تماماً، وسمعنا سرينة شرطة بتهز الشارع ورزع جزم ثقيلة طالعة على السلم!
صوت السرينة كان بيلف الشارع كله، والأنوار الحمرا والزرقا ضربت في زجاج بلكونة الصالة. في لحظة، الحركة اتجمدت جوة الشقة، والرجالة اللي كانوا متتلمين على طاهر بصوا لبعض بذهول ورعب.
الباب المكسور اتدفع بقوة، ودخل رئيس المباحث ووراه قوة من أمناء الشرطة والسلاح في إيديهم. الظابط بصلهم بنظرة حادة، وقال بصوت هز المكان: “كل واحد يقف مكانه ومحدش يتحرك! الشقة دي محاصرة بالكامل!”
حماتي الحاجة أم نصر صرخت وولولت: “يا مري! شرطة في بيتنا؟ يا فضيحتنا وسط النااااس!”
الظابط قرب من طاهر اللي كان هدومه متبهدلة وشه ينزف دم من ضربة أخذها وهو بيدافع عن الشقة، وقال له: “أنت طاهر؟”
طاهر مسح الدم من على وشّه بخط إيده وبص للظابط بثبات وقال: “أيوة أنا طاهر، وأنا اللي أبلغت عنهم بتهمة التعدي واقتحام مسكن.”
عمه الحاج جابر اتقدم وهو بيترعش وبيحاول يداري خيبته: “يا باشا ده موضوع عائلي وبنحله سوا، مفيش حاجة تستاهل شرطة ولا مباحث!”
الظابط بص للحاج جابر بقرف وقال: “اقتحام البيت بالسلاح وتengيع الناس جريمة تانية! هاتوا النسوان دول كلهم على البوكس، والرجالة دول يتكتفوا فوراً!”
الستات وبنات العيلة بدأوا يصرخوا ويندبوا وهم بيتساقوا لبرا العمارة، والحاجة أم نصر بتبص لطاهر بجل ونقمة وبتصرخ: “بعت أمك يا طاهر؟ بعت عيلتك عشان بت مش من دمك؟ ربنا ما يباركلك ولا يهنيك!”
طاهر بص لأمه بوجع وقهر وقال: “أنتِ اللي بعتيني لما فكرتي تهيني مراتي وتكسري كلمتي في بيتي يا أمي.”
الشرطة أخدت حماتي وعمه والرجالة، والشقة فجأة هديت، بس الهدوء كان أتقل من العاصفة.
أمي قعدت على الكرسي وهي بتبكي وتدعي، وأنا خرجت من الأوضة وإيدي بترعش. أول ما طاهر شافني، قرب مني بالراحة، وأخدني في حضنه بقوة.
كنت بحس بدقات قلبه السريعة وجسمه اللي بيترعش من القهر والغضب. بصلي وقال وهو بيحبس دموعه: “سامحيني يا رحمة.. حقك عليا، أنا السبب في كل اللي حصل ده.”
هزيت رأسي وأنا بكي: “أنت مالكش ذنب يا طاهر.. أنت حميتني ووقفت في وش الدنيا كلها عشاني.”
عدت ساعات الليل القاسية، وفي الصباح، طاهر نزل وراح النيابة عشان يتابع التحقيقات. المحامي قالي إن القضية كبيرة، والنيابة أمرت بحبس الحاجة أم نصر على ذمة التحقيق، وأخلت سبيل باقي الرجالة بكفالة مع إنذار بعدم التعرض.
الظهيرة كانت شمسها حامية، والهدوء في الشارع كان بيخفي وراه شر مستطير. طاهر رجع البيت وشكله مجهد ووشه أصفر. قعد على الكنبة وحط رأسه بين إيديه.
قربت منه وجبتله كوباية مية، مسك إيدي وقال بنبرة مكسورة: “رحمة.. العيلة مش هتسكت. كبار البلد اتجمعوا النهاردة، وعمي جابر بيحشد الناس ضدنا، وبيقولوا إننا فضحنا العيلة ودخلنا الشرطة بيوت الصعايدة.”
قبل ما أرد عليه، سمعنا صوت مكبرات صوت جاية من الشارع، وأصوات عربيات كتير بتوقف تحت العمارة.
طلعت البلكونة بالراحة واستخبيت ورا الستارة… المنظر تحت كان يرعب!
أكثر من خمسين راجل من كبارات العيلة والبلد واقفين تحت العمارة، ومعاهم أسلحة، وركبوا مكبر صوت وبيزعقوا: “يا طاهر ينزل يتكلم مع كبار البلد! يا إما العيلة كلها متبرية منه وهندخل نأخد حقنا بأيدينا!”
طاهر قام وقف فوراً، ومسك تلفونه ومشى للشومة تاني. أمي صرخت: “يا ابني بلاش تنزل! دول هيقتلوك!”
طاهر بصلي بنظرة كلها تحدي وقال: “لو مانزلتش، هيفضلوا يطاردونا طول عمرنا. لازم أواجههم وأحط حد للمهزلة دي بنفسي.”
نزل طاهر الشارع بثبات، وأنا جريت على البلكونة أتابع من فوق وقلبي بيلطش في قفصي الصدري.
أول ما طاهر ظهر في الشارع، الناس اتلمت حواليه ودائرة الخطر أتقفلت عليه. الحاج جابر وقف قصاده وصرخ في مكبر الصوت: “اهو الجاني! اهو اللي حبس أمه عشان حُرمة! اللي جاب العار لاسم العيلة!”
طاهر أخد مكبر الصوت من يد الراجل بالقوة، ورفعه على بوقه وصرخ بصوت هز الشارع كله: “العار هو الجهل! العار هو إنكم عاوزين تفرضوا سيطرتكم بالقوة على بيوت الناس، والشرطة أخدت المجرمين اللي اعتدوا على بيتي!”
كبار البلد بدأوا يتهامسوا، وواحد من الشيوخ الكبار اتقدم وقال: “بس يا طاهر، أمك في السجن، وده عار على العيلة كلها.”
رد طاهر بحسم: “أمي على راسي، بس القانون هو اللي يحكم! اللي يعتدي على حرمة بيت ويهدد إنسانة بالقوة، مكان القانون والعدالة!”
وفجأة، وسط الكلام والتعديات، ظهرت عربية سودا وقفت بفزع في نص الشارع، ونزل منها راجل كبير في السن، شعره أبيض وله هيبة ترعب… كان “الحاج صابر”، كبير العيلة وأعلى كلمة في الصعيد كله، اللي محدش يقدر يكسرله كلمة!
الشارع كله سكت تماماً، والحاج جابر رجع لورا بخوف. اتقدم الحاج صابر بخطوات تقيلة، وبص لطاهر، وبعدين بص للحاج جابر وللناس الملمومة…
رفع عصايته الأبنوس ورزعها في الأرض بكل قوته وقال بصوت حاد زي السيف: “إيه المولد اللي انتوا عاملينه ده؟! كبار العيلة يتجمعوا عشان يظلموا بت ويهددوا بيتها؟!”
الحاج جابر اتلجلج وقال: “يا حاج صابر.. البت كسرت كلامنا وأم نصر حبسوها…”
قطع الحاج صابر كلامه بنظرة مرعبة وصرخ فيه: “سد حنكك يا جابر! أم نصر غلطت وفضحتنا! وطاهر راجل وسيد الرجالة لأنه حمى بيته ومراته!”
الشارع كله اتصدم من كلام الكبير، وأنا في البلكونة نفسي اتكتم من الفرحة والذهول.
الحاج صابر بص لطاهر وقال: “تعالى معايا يا طاهر.. النهاردة هتقعد قعدة عرب، والقانون هياخد مجراه، بس حقك وحق مراتك على راسي وفي رقبتي لحد يوم الدين!”
طاهر هز رأسه باحترام ومشى مع الحاج صابر، بس وهو ماشي، بص ناحية البلكونة وابتسملي نظرة أمل…
لكن الفرحة مكملتش، وأنا واقفة في البلكونة بتابعهم وهم ماشيين، حسيت بحركة غريبة ورايا في الشقة… الباب كان مفتوح، ولما التفت، لقيت بنت عم طاهر الكبيرة واقفة في نص الصالة.
كتب الكتاب ج2
حكايات روماني مكرم
الزمن وقّف بيّا لثواني وأنا باصّة لإزازة مية النار اللي في إيد “سمر” بنت عم طاهر. كانت عينيها حمرة وفيها غل مش بشري، وبابتسامة مشوهة مفيهاش أي رحمة، قربت مني خطوة، وريحة النار والشر طالعة منها قبل ما تنطق بحرف.
أمي صرخت صرخة شقت السكوت في الصالة، وجت تجري من الأوضة عشان تحميني، بس سمر زقتها بكتفها بقوة وقسوة، وقعت أمي على الأرض واتخبطت في طرف الترابيزة وانكمشت وهي بتتأوه ومسكة جنبها.
سمر بصتلي بنبرة كلها حقد وغل: “فاكرة نفسك انتصرتي يا رحمة؟ فاكرة إنك لما جبتيلنا الشرطة وركبتي طاهر على العيلة كلها هتعيشي مرتاحة؟ أمي وعمتي الحاجة أم نصر محبوسين في التخشيبة بسببك، ورجالتنا وطوا رأسهم في الأرض وسط البلد! والشرطة والعدالة اللي فرحانة بيهم مش هيرجعولنا شرفنا اللي اتمرغ في التراب.. الوش الحِلو ده لازم يتقرأ عليه الفاتحة النهاردة!”
فتحت غطا الإزازة بصوت “تك” يرعب، ورفعت إيدها لفوق وجاهزة ترمي السائل الحارق على وشي. في اللحظة دي، جسمي كله اتملا بجرعة أدريينالين مش طبيعية، الخوف التام اتحول لغريزة بقاء عمياء.
بدال ما أرجع لورا أو أستسلم، هجمت عليها بكل قوتي زي اللبؤة المجروحة. مسكت إيدها اللي فيها الإزازة بكتف إيديا الاتنين، وعصرت معصمها بكل ما أوتيت من قوة رفعتها لفوق. سمر اتفاجأت بقوتي، وكانت بتحاول تتفادى وتميل الإزازة عليا، بس أنا ضربت بركبتي في بطنها بصدمة خليتها تتأوه ونفَسها يقطع.
الإزازة اتهزت في إيدها، والمية الحارقة طارت منها نقط في الهواء ونزلت على السجاد والترابيزة الخشب.. السجاد أخرج دخان أبيض وطلع ريحة شياط تخنق، والخشب اتقشر واتحرق في ثانية!
المنظر أدى لي قوة مضاعفة، رفعت إيدها وعصرت صوابعها لحد ما صرخت بصوت عالي والإزازة وقعت من إيدها واتدشتت على الأرض، والمادة الحارقة انتشرت على أرضية الصالة.
سحبتها من شعرها بغل ورزعتها في حيطة الصالة بكل قوتي، وصرخت في وشها وأنا بنهج ونفسي مقطوع: “أنتوا إيه؟! أنتوا مش بني آدمين! أنتوا شياطين عايشين في وسطنا! تحرقوا وشي وتدمروا حياتي عشان رفضت الجهل والاعتداء على جسمي؟!”
أمي قامت من على الأرض بالعافية وهي بتصرخ وتستغيث من البلكونة: “يا ناس! يا عالم! الحقونا.. الحريم داخلين علينا بمية نار في بيتنا!”
سمر كانت بتحاول تقوم وتضربني برجلها، بس أنا مسكت كرسي السفرة الخشب ورفعتها في وشها ورزعته في الأرض جنبها: “والله العظيم لو تحركتي خطوة واحدة لأكون دافناكي مكانك! اقعدي مكانك يا !”
الصوت بره في الشارع ضرب، وصريخ أمي سمع الشارع كله. طاهر والحاج صابر كبير العيلة والرجالة كانوا لسه على أول الشارع رايحين للمجلس العربي. أول ما طاهر سمع صريخ أمي، ساب الرجالة وجري على العمارة زي المجنون، ووراه شبان العيلة والحاج صابر بينادي عليه.
طاهر طالع السلم أربعة أربعة، ودفع باب الشقة المكسور ودخل زي الإعصار.
شاف المنظر: أنا واقفة ماسكة رجل كرسي وبنهج ودموعي نازلة، وسمر مرشوقة في الزاوية بتترعش والخوف ملا عينها، والأرضية بيدخن منها حريق مية النار وريحة الشياط ماليّة المكان، وأمي قاعدة على الأرض بتعيط ومسكة جنبها.
طاهر عينيه وسعت بصدمة ورعب، وجري عليا مسك كتفي وبيفحص وشي وجسمي بلهفة ورعب مش طبيعي: “رحمة! انتِ كويسة؟! جرى لك حاجة؟! نطقك يا رحمة!”
هزيت رأسي وأنا بكي وبترعش: “أنا كويسة يا طاهر.. أنا كويسة، بس سمر كانت جاية ترمي عليا مية نار.. كانت عاوزة تشوهني وتقتلني!”
طاهر التفت لسمر، وشّه اتحول للون الأسود، وعينيه بقت كتل من النار الصافية. اتقدم ناحيتها بخطوات تقيلة ترعب الأرض، وسمر صرخت واستخبّت في الحيطة: “والله يا طاهر ما كنت أقصد! هما اللي قالولي روحي وخديلنا حقنا! هما اللي زقوني!”
طاهر مسكها من جلابيتها ورفعها عن الأرض بإيد واحدة، وصوته طلع مكتوم وزي الهزيم: “كنتِ عاوزة تشوهي مراتي؟ كنتِ عاوزة تحرقي وشها يا بنت عمي؟ بقى القذارة والغل وصلوا بيكم للمرحلة دي؟!”
في اللحظة دي، دخل الحاج صابر العمارة ووراه الحاج جابر (أبو سمر) وباقي الرجالة. أول ما الحاج جابر شاف بنته مطرودة في إيد طاهر، صرخ: “سيب البت يا طاهر! أنت اتجننت ولا إيه?!”
طاهر بص لعمه ورزع سمر في الأرض عند رجل الحاج صابر الكبير، وزأر بصوت هز جدران البيت: “شوف بنت أخوك يا حاج صابر! شوف الأصول والقيم اللي بيدافعوا عنها! جاية ببرطمان مية نار عشان تشوه مراتي في بيتها وعلى سريرها!”
الحاج صابر بص للأرضية اللي بتدخن، وبص لإزازة مية النار المتدشتة، وبص لسمر اللي قاعدة على الأرض بتترعش وتعيط. وشه اصفر، ورفعت عصايته الأبنوس ورزعها على ظهر سمر ضربة خلتها تصرخ وتتلوى على الأرض.
الحاج صابر صرخ بصوت كأنه رعد: “يا قذارة! يا بيت جابر اللي جاب لنا العار والخراب! بتدخلوا البيوت بمية نار؟! هي دي عادات الصعيد؟ هي دي النخوة والأصول اللي صدعتوا دماغنا بيها?!”
الحاج جابر وقف مصدوم، ومقدرش ينطق ولا كلمة، وشه اتملى بالخزي والعار قدام كبار البلد اللي واقفين ورا الحاج صابر بيتفرجوا وبيتهامسوا بقرف واشمئزاز.
الحاج صابر بص للحاج جابر ونطق بحكم حاسم وقاطع كأنه السيف: “يا جابر.. أنت وبنتك وأختك أم نصر مالكمش قعدة معانا تاني! الحرمة اللي تدخل بيت ابن عمها بمية نار، والأب اللي يربي بنته على الغل والإجرام، مالهمش مكان وسط شرفاء العيلة!”
رفع إيده وشاور على سمر والحاج جابر وقال: “النيابة والقانون ياخدوا مجراهم فيكم كلكم! وسمر دي تتسحب على قسم الشرطة فوراً بتهمة الشروع في القتل وإحداث عاهة مستديمة! وما حدش من العيلة كلها يجرؤ يرفع عينه في وش طاهر أو مراته، واللي يمسهم بشعرة، هكون أنا أول واحد أقطع رقبته بنفسي!”
شبّان العيلة اتقدموا وأخدوا سمر وهي بتصرخ وتترجى، والحاج جابر مشى وراهم مطأطئ رأسه في الأرض من كثرة الخزي والعار.
البيت فجأة هدي، والحاج صابر قرب من طاهر، وحط إيده على كتفه وقال بصوت فيه حزن وأبوه: “سامحنا يا ابني.. الجهل كان عمينا، والعار كان هيصيبنا كلنا بسببهم. أنت راجل وسيد الرجالة، ومرتك دي بطلة ومتربية صح.”
طاهر هز رأسه باحترام، والحاج صابر انسحب مع باقي الرجالة، وقفلوا الباب وراهم.
طاهر جرى على أمي، شالها بالراحة وقعدها على الكنبة، وجاب لها مية وسمّى عليها، وبعدين جاء وقعد جنبي على الأرض، وحط رأسه في حضني وبكى.. بكى بكاء راجل مقهور ومصعوق من اللي عملوه أهله وناسه فيه وفي مراته.
مسحت على شعره ودموعي نازلة، وقولت له بصوت هادي: “خلاص يا طاهر.. الكابوس انتهى، والحق ظهر قدام الدنيا كلها.”
طاهر رفع رأسه وبص في عيني، ومسك إيديا الاتنين وباسهم بحرارة: “والله العظيم يا رحمة لأعوضك عن كل لحظة رعب عشتيها بسببهم.. من النهاردة مش هنفضل هنا، هنمشي ونبعد عن الجهل ده كله ونبدأ حياتنا في مكان نظيف يقدرك ويحميكي.”
ابتسمت له وسط دموعي، وحسيت لأول مرة إن الأمان بدأ يرجع لقلبي.. بس فجأة، التليفون بتاع طاهر رن بصوت عالي ومزعج.
طاهر طلع التليفون وبص في الشاشة، ووشه اتغير تماماً ورجع أصفر زي الميت.. كان الرقم جاي من مستشفى السجن، والمتحدث بيقوله: “ألحق يا طاهر بيه.. الحاجة أم نصر أمك جالتها جلطة مخجأة في التخشيبة ونقلوها العناية المركزة وهي بين الحياة والموت وبتقول عاوزة تشوفك انت ورحمة!”
طاهر اتسمر مكانه والتليفون بيتهز في إيده، النبرة الخارجة من السماعة كانت زي صفعة شديدة فوقتنا كلنا من لحظة الأمان المزيفة. بصلي وعينيه مليانة تخبط وعذاب مش طبيعي؛ بين حقه وعذاباته مع أمه اللي كانت هتدمر حياتي، وبين إنها في الأول والأخر أمه اللي دمها في عروقه.
أمي اتنفضت من على الكنبة وقالت بلهفة: “في إيه يا ابني؟ مين اللي بيتكلم والوش جاب ألوان ليه كدة؟”
طاهر بلع ريقه بالعافية وصوته طلع مكسور ومحششر: “أمي.. أمي أجيلها جلطة في الدماغ ونقلوها مستشفى السجن في العناية المركزة.. وبيقولوا حالتها حرج جداً وعاوزة تشوفنا.”
أمي شهقت وحطت إيدها على بقها، وأنا الفرحة والراحة اللي حسيت بيهم من شوية اتبخروا في ثانية. الغل والخوف اللي كانوا جوايا ناحية الحاجة أم نصر اتطايروا وحل محلهم شفقة ووجع إنساني. مهما عملت، الموت والمرض لما يدخلوا الخط، كل الحسابات بتتغير.
قمت وقفت ومسكت إيد طاهر اللي كانت بتترعش كأنه طفل تايه: “يلا يا طاهر.. يلا نروحلها فوراً.”
بصلي بذهول ودموعه نزلوا على خدوده: “بعد كل اللي عملته فيكي يا رحمة؟ بعد ما كانت عاوزة تذبحك وتهينك؟”
رديت عليه بثبات وضمت إيده أكتر: “هي غلطت في حقي وجاهلية رأسها كانت هتمرر عيشتنا، بس هي دلوقتي بين إيدين ربنا.. وأنت ابنها وأنا مراتك، ومش إحنا اللي نشمت في المرض والزنقة. يلا بينا.”
نزلنا نجري على المستشفى، الطريق كان طويل وقاسي وكل ثانية بتعدي كأنها سنة. طاهر كان سايق وإيده على الطارة بتتعصر، ودعواته متلخبطة بين الخوف عليها والوجع منها.
أول ما وصلنا المستشفى الميري التابعة للسجن، الهدوء هناك كان يرعب. ريحة المطهرات والحديد والمخبرين الواقفين على الأبواب يضغطوا على النفس. طاهر دخل يسأل بلهفة، وأمين الشرطة ودانا لحد باب العناية المركزة.
كان واقف بره الحاج صابر كبير العيلة بعد ما جاله خبر، وشه كان حزين ومجهد. أول ما شافنا قرب من طاهر وطبطب على كتفه: “ادخل يا ابني.. الدكاترة بيحاولوا يسعفوها، بس الجلطة كانت شديدة، والضغط علي عليها من الخزي والخوف.”
الظابط المسؤول سمحلنا ندخل أنا وطاهر بس لثواني معدودة. دخلنا الأوضة، صوت أجهزة النبض كان بيلطش في الروح. الحاجة أم نصر كانت نايمة على السرير، الأجهزة متوصلة بجسمها من كل ناحية، وشها الشديد اللي كان بيفزّع القلوب بقى أصفر ومكمد، وشفايفها ميتة.
طاهر ارتمى على إيدها وباسها وهو بيبكي بالصوت: “أمي.. أنا طاهر يا أمي! سامحيني يا أمي، والله ما كنت عاوز الأمور توصل لكدة، بس أنتِ اللي قسيتي عليا وعلى مراتي!”
جهاز النبض بدأ يزمر بسرعة، والحاجة أم نصر فتحت عينها بالعافية. بصت لطاهر وبكت، دمعة تقيلة نزلت من عينها وبلت المخذة. وبعدين حركت حدقة عينها بالراحة وراحت باصّة لي أنا.
قربت منها بخطوات بطيئة، ومسكت إيدها التانية بالراحة. بصتلي بنظرة مفيهاش أي غل أو تحكم، كان فيها رجا وألم وتوسل كأنها بتطلب المغفرة من غير ما تقدر تنطق.
جمعت كل قوتها وضغطت على صوابع إيدي ضغطة ضعيفة جداً، وبشفايفها اللي بتترعش حاولت تطلع كلمة.. طلعت حشرجة مكتومة: “سـ… سامحيني.. يا.. يا رحمة..”
دموعي نزلت وغصبت عني حضنت إيدها: “مسامحاكي يا حاجة.. مسامحاكي والله، ربنا يقومك بالسلامة ويغفرلك.”
في اللحظة دي، شريط النبض على الشاشة بدأ يتحول لخط مستقيم، وصوت الصفارة المستمرة ملأ الأوضة!
الدكاترة والممرضين دخلوا يجروا وزقونا لبرا، وطاهر بيصرخ وبيعافر مش عاوز يسيب إيدها: “أمييييي! لا يا أمي متسبنيش وأنتِ زعلانة مني! يا دكتور اعمل أي حاجة!”
طلعنا بره الأوضة بالقوة، وبعد خمس دقايق خرج الدكتور، نكّس رأسه وبص لطاهر والحاج صابر وقال بأسى: “البقاء لله.. الجلطة كانت تمكنت من المخ، والقلب وقف.”
طاهر انهار على الأرض وبكى بكاء يقطع القلب، وأنا قعدت جنبه بحضنه وببكي معاه. ماتت الحاجة أم نصر، ومات معاها جزء كبير من القسوة، بس الجهل ساب وراه جرح مش هيندمل بسهولة.
بعد يومين من العزا القاسي اللي كان مليان نظرات عتاب وغل مستتر من بقية العيلة، رجعنا الشقة. الشقة كانت فاضية وساكتة، طاهر كان قاعد في الصالة ساكت ومش بيتكلم، الحزن كسره والوجع غير ملامحه.
قعدت جنبه وحطيت إيدي على كتفه: “طاهر.. لازم نقوم ونكمل، هي راحت للي أرحم مني ومنك، وإحنا لازم ننفذ الوعد اللي قطعناه على نفسنا.”
بصلي وعينيه مجهدة: “هنبتعد يا رحمة.. هنمشي من هنا بكرة الصبح، هنأجر شقة في القاهرة ونبدأ من جديد بعيد عن العيلة والذكريات المرة دي.”
فعلاً، لمينا هدومنا وحاجاتنا البسيطة، وقفلنا باب الشقة اللي شهد على ألعن أيام حياتنا، ومشينا.
عدت ست شهور..
كنا سكنا في حي هادي في القاهرة، طاهر فتح ورشة صغيرة لشغله وربنا فتحها عليه، وأنا رجعت لكليتي وكملت تعليمي، والحياة بدأت تبتسملنا وتهدى. ورزقنا ربنا ببركة جديدة.. كنت حامل في الشهر التالت، والفرحة كانت مش سيعانا، وحسينا إن ربنا بيعوضنا عن كل القهر اللي شوفناه.
وفي يوم بالليل، طاهر كان راجع من الورشة مبسوط وشايل العشا، وقاعدين في الصالة بنضحك وبنتفرج على التليفزيون، وبنتكلم عن النونو اللي جاي وهنسميه إيه.
وفجأة.. نور الشقة اتقطع!
الظلام حل على المكان، وصوت الريح بره كان عالي. طاهر قام جاب كشاف الموبايل وقال وهو بيضحك: “الظاهر الصيانة شغالة في الشارع، هقوم أشوف فيوزات الكهرباء بره.”
خرج طاهر لطرقة الشقة عشان يفتح باب الشقة ويشوف لوحة الكهرباء.. وأنا قعدت مستنياه جوة.
مرت خمس دقايق.. عشر دقايق.. وطاهر مفيش له أي صوت!
ناديت عليه بلقلق: “طاهر؟ عملت إيه يا حبيبي؟”
مفيش رد.
قمت وقفت ومسكت كشاف تليفوني، ومشينا بخطوات خايفة ناحية باب الشقة المفتوح نص فتحة. طلعت رأسي بالراحة وبصيت في السلم الضلمة…
لقيت كشاف موبايل طاهر مرمي على الأرض ومكسور، وبقع دم صريحة ومسحوبة على درجات السلم النازلة لتحت!
وفي لحظة، سمعت صوت حركة ورايا جوة الشقة الضلمة، وصوت نفس عالي وشرير بيهمس في ودني من الضهر: “فاكرة إنك هتهربي مننا وتعيشي مرتاحة يا رحمة؟ العيلة مابتنساش حقها!”
كتب الكتاب ج3
حكايات روماني مكرم
كشاف الموبايل وقع من إيدي على الأرض، وسلط ضوئه على سقف الشقة. كنت بعافر وبضرب برجلي في الهواء، وبحاول أملى رئتي بأي نَفَس، بس القبضة كانت حازمة وقاتلة. الريحة اللي كانت طالعة من الشخص ده مش غريبة عليا.. ريحة سجائر فلوتس ورطوبة عتيقة.. ريحة الحاج جابر عم طاهر!
سمعت صوته الخشن والشرير بيهمس في ودني بنبرة مليانة غل وشماتة: “اهدي يا حلوة.. بلاش تعافري عشان النونو اللي في بطنك ما يروحش فيها قبل ما تشوفيه! فاكرة إن القليوبية ولا القاهرة هتبعدكم عننا؟ فاكرة إن لمّة كبار العيلة وحكم صابر الكبير هيمحوا العار اللي جيبتوهولنا؟ أم نصر ماتت في السجن مقهورة، وبنتي سمر مستتقبلها اتدمر، وشرفنا بقى على كل لسان في البلد.. وفكرتوا إنكم هتعيشوا وتبنوا بيت وتفرحوا؟!”
جمعت كل قوتي ورفعت رجلي، ورزعت كعب جزمتي في صباع رجله الصغير بكل قسوة. الراجل اتأوه من الوجع والقبضة اتراخت لثانية، استغليت اللحظة وعضيت صوابعه اللي كتمة بؤي بأسسناني لحد ما طعم الدم المالح دخل بقي.
صرخ صرخة مكتومة وسابني، اتدحرجت على الأرض وأنا بنهج وبكح، وجريت على المطبخ بخطوات عمياء في الضلمة. مسكت أكبر سكينة توم على الترابيزة ولفيت نفسي ووقفت ضهري للحيطة، وإيدي بتهتز وسكينة المطبخ مرفوعة في الهواء.
سلطت ضوء كشاف الموبايل اللي على الأرض ناحية الطرقة.. وظهر شكل الحاج جابر، وجمبه راجلين تانين من شباب العيلة، لافين وشوشهم بشيلان سودا وفي إيديهم شوم وسكاكين.
صرخت فيهم بصوت هز جدران الشقة الهادية: “يا مجرمين! يا قتالين القتلاء! عملتوا إيه في طاهر؟! والله العظيم لو قربتوا خطوة لأكون غارزة السكينة دي في بطن اللي هيقرب!”
الحاج جابر ضحك ضحكة جافة ومقززة، واتقدم بخطوات تقيلة وهو بيمسح الدم من إيده: “جوزك الستة بتوعنا نازلين فيه ضرب تحت في السلم.. زم زمانه طس في دمه وتحت رحمتهم دلوقتي! وأنتِ.. أنتِ الحساب القديم اللي لازم يتصفى النهاردة. لا شرطة هتنجدك، ولا صابر الكبير هيعرفلك طريق!”
في اللحظة دي، سمعنا صوت صريخ ورزع عالي جاي من تحت في السلم، وصوت طاهر بيزأر زي الضبع المجروح: “رحمة! افضلي جوة يا رحمة! يا كلاب يا خايين!”
الراجلين اللي مع الحاج جابر اتلخبطوا وبصوا لبعض. طاهر ماماتش، طاهر كان بيدافع عن حياته تحت ونازل فيهم ضرب ومكسر العمارة!
الحاج جابر اتعصب وصرخ في الرجالة: “خلصوا على البت دي بسرعة وهاتوا الشنطة!”
واحد من الشباب هجم عليا بالشومة، رفعت إيدي بالسكينة وضربت عشوائي في الضلمة. السكينة قطعت جلابية الراجل وجرحت دراعه، فصرخ ورجع لورا وهو ماسك دراعه النازف. استغليت ذهولهم ودفعت الترابيزة الخشب الصغيرة بكل قوتي في بطن الحاج جابر، فالراجل اتكعبل ووقع على الأرض والإزاز اتدشتت تحت جسمه.
جريت على البلكونة وفتحت السلك وصرخت بأعلى صوت في الشارع الساكت: “الحقووووونا! يا ناس يا عالم! في حرامية وقتالين قتلاء بيموتونا في الشقة! الحقوا طاهر في السلم!”
الشارع الهادي فجأة بدأ يتحرك، أنوار العمارات المقابلة بدأت تنور، والناس فتحت البلكونات والشبابيك. الجيران سمعوا الصريخ المكتوم وصوت الخبط المرعب اللي جاي من سلم العمارة.
الحاج جابر قام من على الأرض وهو بيستشيط غضباً وجسمه مليان جروح من الإزاز المكسور، ومسكني من شعري وسحبني من البلكونة جوة الصالة تاني: “اسكتي يا بنت الـ…!”
مسكت إيده اللي ماسكة شعري بكل قسوة وبصيت في عينيه بثبات مش طبيعي، وتفيت في وشه: “أنت راجل ناقص! بتتحامى في الحريم عشان مش قادر على الرجالة! طاهر هيشرب من دمك النهاردة!”
قبل ما يرفع إيده يضربني، باب الشقة اتدفع بقوة مرعبة ورزع في الحيطة حتى اتشرخ.
دخل طاهر.. المنظر كان يرعب!
هدومه كانت متقطعة ومتبهدلة دم، وشه محفور فيه جرح نازف من ضربة سكين، وإيده اليمين ماسكة حتة حديدة ثقيلة غرقانة دم.. كان شكله زي المحارب اللي طالع من قاع الجهنم!
ورا طاهر كان واقف تلاتة من جيران العمارة ومعاهم أخشاب وعصيان، بعد ما مسكوا بقية شباب العيلة في السلم وكتفوهم.
طاهر أول ما شاف عمّه ماسكني من شعري والسكينة في إيد الراجل التاني، عينيه تحولت للون الأحمر الصافي.. نسي صلة الدم، ونسي القرايبة، ونسي الدنيا كلها.
صرخ صرخة هزت المبنى كله، وهجم على الحاج جابر زي الصقر. مسك دراع عمه اللي ماسك شعري وعصره لحد ما سمعنا صوت فرقعة العظم، الحاج جابر صرخ صرخة عذاب ووقع على ركبه.
طاهر مسكه من رقبة جلابيته ورزعه في الأرض، ونازل فيه بنية القتل: “جايلنا لحد بيتنا يا خاين؟! عاوز تموت مراتي وابني اللي في بطنها يا وطي؟! بقى أنت عمي؟ أنت الشيطان بنفسه!”
الجيران دخلوا يجروا ومسكوا طاهر بالعافية وهو بيزأر ويحاول يخلص على عمه: “سيبه يا أستاذ طاهر! سيبه الشرطة جاية في الطريق! بلاش تضيع نفسك عشان واحد مجرم زي ده!”
الراجلين اللي كانوا مع الحاج جابر حطوا السكاكين في الأرض ورفعوا إيديهم فوق رعباً من شكل طاهر والناس اللي اتجمعت في الشقة.
جريت على طاهر وارتميت في حضنه وأنا ببكي وبترعش: “خلاص يا طاهر.. خلاص يا حبيبي، سيبه، الشرطة زمانها هنا!”
طاهر أخدني في حضنه وجسمه كله كان بيتهز من المجهود والغضب والقهر، حط رأسه على شعري وبسني بحرارة وهو بينهج: “أنتِ كويسة؟ النونو كويس يا رحمة؟ عملوا فيكي حاجة؟”
هزيت رأسي وأنا بمسح الدم من على وشه: “أنا كويسة.. إحنا كويسين والله، أنت جيت في الوقت المناسب.”
بعد عشر دقايق، صوت سرينات الشرطة كان مالي الشارع كله، ورجال المباحث اقتحموا العمارة والشقة. الظابط دخل وشاف الدم والإزاز المكسور والرجالة المكتفين والحاج جابر اللي ملين أرضية الصالة ومش قادر يتحرك من كسر دراعه.
الظابط بص لطاهر وللحاج جابر وقال بحسم: “إيه اللي بيحصل هنا؟!”
طاهر بص للظابط بجمود ورفع إيده المشدودة: “دول اقتحموا بيتي وقطعوا الكهرباء واعتدوا عليا وعلى مراتي الحامل بالشروع في القتل والمطواة والأسلحة البيضاء يا باشا.”
الظابط أمر أمناء الشرطة بتمشيط المكان وأخذ الأسلحة وإلقاء القبض على الحاج جابر والشباب اللي معاه كلهم. الحاج جابر وهو بيتسحب على الأرض ومكسور، بص لطاهر بغل متداري وقال بصوت بحوح: “مش هنسيبك يا طاهر.. الشرف والعار مش بينتهوا بقضية ولا بسجن!”
طاهر بص له بمنتهى الاستحقار والبرود، وقرب منه ووطى صوته: “العار هو وجودك في الدنيا يا جابر.. والقانون هالمرة مش هيسيبك تطلع منها، والمرة الجاية اللي تفكر تقرب فيها من بيتي، مش هسيب فيك عرق ينبض.”
الشرطة أخدت المجموع كلها، والشقة رجعت سكتت تاني، بس المرة دي الهدوء كان مليان بإنهاك شديد وجروح جثمانية ونفسية محتاجة سنين عشان تلتئم.
الجيران ساعدونا ونضفوا الصالة، والدكتور جالي البيت وفحصني وأكد إن الحمل سليم والطفل بخير بفضل ربنا، وطاهر أخد غرز في وشه ودراعه بس كان واقف على رجليه زي الجبل.
في فجر اليوم التالي..
كنا قاعدين أنا وطاهر على كنب الصالة، النور كان راجع، والشمس بدأت تشرق وتبعت أشعتها الدافية من شباك البلكونة. طاهر كان ماسك إيدي ورأسه مائل على كتفي، وعينيه باصة للفراغ.
قربت منه وبست خده الجريح: “طاهر.. القضية المرة دي تلبس وخطف واقتحام، المحامي قال إنهم بياخدوا فيها مؤبد مش أقل من كدة.. الكابوس فعلاً انتهى.”
طاهر تنهد تنهيدة طالعة من قاع قلبه، وبص في عيني بنبرة مليانة حب وحزن وعزيمة: “انتهى من ناحيتهم يا رحمة.. بس حياتنا الحقيقية لسه هتبدأ. إحنا مش هنفضل مستنيين الضربات، ولا هنفضل خايفين من ظلال الماضي.”
ابتسمت له وسألته: “وهنعمل إيه؟”
مسك بطني الصغنونة بالحنان كله وقال: “بكرة الصبح هنبيع كل حاجة هنا، وهنسافر بره مصر خالص.. هنجيب لابننا مستقبل نظيف، ميهوش فيه جهل، ولا أصول مزيفة، ولا ناس فاكرة إن القتل والنخوة حاجة واحدة.”
كانت دي بداية القرار الأخير.. القرار اللي هيحدد مصيرنا للأبد.
مرت الأسابيع بسرعة، والقانون أخد مجراه بحسم؛ الحكم نزل على الحاج جابر والرجالة بالسجن المشدد في قضية الشروع في القتل واقتحام المسكن، وبكده اتقتلت أوهام العنف وانكسرت شوكة الجهل للكتير منهم للأبد.
لمينا أوراقنا وحاجاتنا، وبمساعدة الحاج صابر اللي وقف معانا للآخر وكفر عن خطأ العيلة، بعنا كل أملاكنا في البلد ونهينا أي صلة بالمكان. طاهر حجز لنا تذاكر السفر، وفي خضرة الصباح طارت بينا الطيارة لبلد جديد بعيد عن كل الضغوط والذكريات القاسية.
وبعد شهور قليلة، وفي مستشفى نضيف وهادي، شيلت بين إيديا أجمل هدية من ربنا.. ابننا “آدم”. طاهر مسكه بين إيديه والدموع في عينيه، وقال وهو بيبوس راسه: “أوعدك يا بني إنك هتكبر في بيت ميهوش غير الحب، والدين الصح، والاحترام.”
الحكمة
العادات والتقاليد الموروثة بغير علم ولا دين مجرد جهل مُغلف بكلمة “أصول”. النخوة والرجولة الحقيقية مش في البطش بالضعيف، ولا في تجريد المرأة من آدميتها وكتم صوتها، إنما الرجولة في حماية أهلك، والصمود في وجه الظلم ولو كان من أقرب الناس ليك. والجهل مهما طال ليله وعلت أصوات حمايته، النور والعدل والحق هم اللي بينتصروا في النهاية.
#الكاتب_رومانى_مكرم
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات
إرسال تعليق