اتجوزت راجل غريب
اتجوزت راجل غريب
اتجوزت راجل غريب قابلته في مستشفى، عشان مايموتش لوحده وبعد أسبوع واحد من جوازنا، المحامي بتاعه سلّمني شنطته وقال لي جوزك كان عايزك تعرفي الحقيقة.
كان عندي تسعة وعشرين سنة، ولسه مش عارفة أرجع أعيش طبيعي بعد وفاة أمي.
من يوم ما ماتت، وأنا حاسة إن البيت بقى فاضي، وإن كل حاجة حواليا فقدت طعمها.
عشان كده بدأت أروح مستشفى حكومي قريب مننا وأتطوع هناك.
كنت بقعد مع المرضى اللي محدش بيسأل عليهم، خصوصًا الناس اللي حالتهم صعبة ومفيش حد من أهلهم جنبهم.
يمكن كنت بحاول أدي لحد تاني الحنية اللي أنا نفسي فقدتها.
وفضلت على الحال ده تقريبًا سنة كاملة
لحد ما قابلت عم حسين.
كان عنده اتنين وسبعين سنة، جسمه هزيل جدًا، وقلبه كان في آخر مراحله.
كان واضح عليه التعب، وكل نفس بياخده كان بالعافية، لكن الغريب إنه كل ما يشوفني داخلة الأوضة كان بيحاول يبتسم.
في الأول كنا بنتكلم كلام عادي.
عن الدنيا عن زمان عن مراته اللي ماتت من سنين وعن أولاده اللي انقطعت أخبارهم عنه.
ومع الوقت، كلامنا بقى جزء أساسي من يومي ويومه.
كنت بدخل له مخصوص عشان أقعد معاه شوية.
وهو كان بيستنى دخولي كأنه مستني زيارة حد من أهله.
لحد ما في يوم، وأنا قاعدة جنبه، مد إيده ومسك إيدي.
بص لي كام ثانية، وبعدين قال بصوت
ضعيف
اتجوزيني يا سارة.
اتجمدت مكاني.
افتكرت إنه بيهزر بسبب حالته، فحاولت أضحك.
عم حسين، إنت بتقول إيه بس؟ إنت تعبان جدًا وإحنا أصلًا بقالنا كام يوم بس نعرف بعض!
هز راسه، وقال بهدوء
أنا عارف. وعشان كده بطلب منك الطلب ده.
سكت شوية، وبعدين كمل
أنا مش عايز آخر أيامي أكون فيها مجرد مريض محدش يعرفه ولا أموت والدولة هي اللي تتصرف في جثتي وورقي.
شد على إيدي وقال
نفسي أموت وأنا راجل متجوز مش مجرد رقم في ملف مستشفى.
كلامه وجعني.
يمكن عشان أنا عارفة كويس إحساس إن حد يموت ويسيب وراه فراغ محدش يقدر يملاه.
فضلت أفكر في كلامه طول الليل.
وماعرفش إزاي لكن بعد يومين بس، وافقت.
المستشفى رتبت لنا الموضوع عن طريق القسيسرجل الدين المسؤول عن الزيجات، واتجوزنا في أوضة المستشفى، في أبسط شكل ممكن.
ماكانش عندي فستان ولا تجهيزات ولا حتى دبلة.
كنت لابسة بلوفر أصفر بسيط.
وهو، بدل الدبلة، طلع حلقة السحب بتاعة علبة كانز وحطها في صباعي وهو بيضحك.
وقال
أهو كده بقيتِ مراتي رسمي.
ضحكت وسط دموعي.
ومارَسناش حياة زوجية بالمعنى اللي الناس تعرفه.
أنا بس فضلت جنبه.
سبعة أيام كاملة.
سبع أيام كنت بقعد فيها على الكرسي اللي جنب سريره، أمسك إيده لما نفسه يضيق، وأجيب له المية، وأتكلم معاه لما يخاف.
وفي
آخر يوم
كنت ماسكة إيده.
نفسه كان تقيل ومتقطع.
بص لي، وحاول يقول حاجة، لكن صوته ماطلعش.
ضغط على إيدي مرة أخيرة
وبعدين قلبه وقف.
فضلت قاعدة جنبه وقت طويل.
مش عارفة ليه كنت بعيط بالشكل ده.
يمكن عشان مهما كان الوقت اللي عرفته فيه قصير، لكنه دخل حياتي فجأة وخرج منها أسرع.
وبعد ما الأوضة فضيت، حسيت إن الصمت اللي سابه وراه أكبر بكتير من الوقت اللي عاشه فيها.
كنت لسه قاعدة لوحدي، ببص على السرير الفاضي، لما الباب اتفتح.
دخل راجل كبير في السن، لابس بدلة بسيطة، وماسك شنطة ظهر خضرا.
بص لي وقال
إنتِ سارة؟
مسحت دموعي بسرعة وهزيت راسي.
أيوه.
قرب مني وقال
أنا محامي جوزك.
استغربت.
جوزي؟
الكلمة نفسها كانت لسه غريبة على ودني.
مد إيده بالشنطة وقال
عم حسين سايبلك دي.
أخدتها منه، لكن أول ما مسكتها حسيت إنها تقيلة بشكل غريب.
بصيت له باستغراب.
هو فضل ساكت كام ثانية، كأنه مستني يشوف رد فعلي.
وبعدين قرب مني وخفض صوته وقال
سارة في حاجة لازم تعرفيها.
رفعت عيني له.
حاجة إيه؟
بص ناحية باب الأوضة، وبعدها رجع بص لي.
وقال بصوت واطي
جوزك ماكانش الشخص اللي إنتِ فاكرة إنك عرفتيه.
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة في حياتي
هو كان عايزك تعرفي الحقيقة والحقيقة كلها موجودة جوه الشنطة
دي.
سكت المحامي بعد الجملة دي، وأنا فضلت باصة له من غير ما أستوعب.
يعني إيه مش الشخص اللي أنا فاكرة إني عرفته؟
حط المحامي إيده على ظهر الكرسي، وقعد قدامي.
افتحي الشنطة.
بصيت للشنطة الخضرا اللي في حضني.
دلوقتي؟
دلوقتي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح السوستة.
في البداية، ما شفتش غير هدوم مطوية بعناية، علبة أدوية، محفظة جلد قديمة، ومسبحة صغيرة.
لكن تحت الهدوم كان فيه ظرف بني كبير، وفوقه صورة فوتوغرافية قديمة.
سحبت الصورة.
وأول ما بصيت فيها
اتنفست بصعوبة.
كانت صورة لأمي.
أمي.
نفس أمي اللي ماتت من سنتين.
كانت واقفة قدام باب بيت قديم، وفي الصورة راجل أصغر سنًا واقف جنبها.
رفعت عيني للمحامي.
دي أمي.
هز راسه.
عارف.
وإنت عرفت أمي إزاي؟
ماجاوبش.
رجعت أبص للصورة.
قلبتها من الخلف.
كان مكتوب بخط يد أمي
لو حصل لي حاجة ما تثقش في أي حد إلا حسين.
حسيت إن الأرض اتحركت من تحتي.
إيه ده؟
المحامي أخد نفس طويل.
عم حسين ماكانش مجرد مريض قابلتيه في المستشفى بالصدفة.
سكت.
أمال كان إيه؟
بص لي في عيني وقال
كان الشخص اللي أمك استأمنته على سر عمره عشرين سنة.
حسيت ببرودة في جسمي كله.
سر إيه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت خبط على باب الأوضة.
المحامي انتفض.
قفل الشنطة بسرعة.
ما تطلعيش أي حاجة من الشنطة دي قدام حد.
ليه؟
بص ناحية الباب.
لأن الشخص اللي كان حسين خايف منه لسه بيدور عليها.
اتفتح الباب.
كانت ممرضة.
سارة، آسفة بس في راجل برا بيسأل عنك.
مين؟
الممرضة هزت كتفها.
معرفش. قال إنه قريب الأستاذ حسين.
بصيت للمحامي.
وشه اتغير.
قال لي بصوت منخفض
ما تقوليش إنك استلمتي الشنطة.
خرجت الممرضة.
وبعد ثواني، سمعت صوت راجل من الممر
سارة؟
صوت هادي.
لكن كان فيه حاجة خلت قلبي ينقبض.
المحامي وقف.
لازم تمشي من هنا.
إيه؟
حالًا.
بس أنا مش فاهمة أي حاجة!
قرب مني وقال
هفهمك كل حاجة بس مش هنا.
خبيت الشنطة تحت البلوفر بتاعي وخرجنا من باب جانبي للمستشفى.
طول الطريق وأنا ساكتة.
لحد ما وصلنا لعربية المحامي.
ركبت جنبه.
أول سؤال طلع مني كان
عم حسين كان يعرف أمي منين؟
فضل ساكت ثواني.
ثم قال
أمك ما ماتتش بسبب مرضها.
اتجمدت.
إيه؟
التقرير الرسمي قال إنها توفت بأزمة قلبية.
أيوه.
التقرير كان غلط.
ضحكت من الصدمة.
إنت بتقول إيه؟
أنا بقول لك إن أمك كانت عارفة إنها معرضة للخطر.
مد إيده للظرف البني.
وعشان كده كتبت لحسين.
فتحت الظرف.
جواه مجموعة أوراق.
أول ورقة كانت صورة لتقرير طبي.
التاريخ كان قبل وفاة أمي بأسبوعين.
وفي خانة التشخيص كان مكتوب
وجود آثار مادة مهدئة غير موصوفة طبيًا.
رفعت عيني.
أمي كانت بتاخد دوا؟
لا.
مين حط لها المادة دي؟
دي أول حاجة كان حسين بيحاول يعرفها.
قلبت الورقة.
كان فيه اسم.
اسم مؤسسة كبيرة.
مجموعة النور الطبية.
قلت
أنا أعرف المكان ده.
المحامي
بص لي.
طبعًا تعرفيه.
دي الشركة اللي كانت أمي بتشتغل معاها قبل ما تتقاعد.
بالضبط.
سكت.
وبعدين قال
لكن أمك ما كانتش مجرد موظفة.
فتح درج العربية وأخرج ملفًا آخر.
كانت ماسكة حسابات سرية لشركة تابعة للمجموعة.
فتحت الملف.
أرقام.
تحويلات.
أسماء.
حسابات في الخارج.
مبالغ ضخمة.
وفي آخر صفحة
اسم واحد تكرر عشرات المرات.
فارس النجار.
رفعت رأسي.
مين ده؟
المحامي قال
رئيس مجلس إدارة مجموعة النور.
حسيت بدقات قلبي بتزيد.
وإيه علاقته بأمي؟
أمك اكتشفت إن الشركة بتستخدم مستشفى حكومي كغطاء لتجارب طبية غير قانونية على مرضى ماعندهمش أهل.
سكت.
أنا بصيت له.
المستشفى اللي أنا بتطوع فيه؟
هز راسه.
نفس المستشفى.
ماقدرتش أتكلم.
كل المرضى اللي كنت بقعد جنبهم
كل الناس اللي كنت فاكرة إنهم مجرد مرضى وحيدين
كل ده كان جزء من سر أكبر مني.
قلت بصوت ضعيف
وعم حسين؟
المحامي ابتسم ابتسامة حزينة.
حسين كان واحد من الناس اللي حاولوا يكشفوا الموضوع.
يعني هو كان مريض فعلًا؟
أيوه.
وكان بيموت فعلًا؟
أيوه.
طيب ليه اتجوزني؟
هنا سكت المحامي فترة طويلة.
ثم قال
عشان يحميك.
اتخضيت.
يحميني من مين؟
من نفس الناس اللي خلوا أمك تموت.
فضلت باصة له.
بس أنا مالي؟
طلع من جيبه ورقة صغيرة.
لأن أمك قبل ما تموت، قالت له حاجة واحدة.
ناولني الورقة.
كان فيها خط أمي.
لو حصل لي حاجة، بنتي لازم
تعرف الحقيقة لكن مش قبل ما تتجوز حسين.
رفعت عيني.
ليه؟
المحامي قال
لأن القانون كان هيديكي حق الاطلاع على بعض المستندات والوصاية على ممتلكات حسين بعد وفاته.
سكت لحظة.
حسين كان عارف إنه مش هيعيش.
يعني اتجوزني عشان أقدر أوصل للحقيقة؟
في البداية أيوه.
الكلمة وجعتني.
حسيت إني اتخدعت.
يعني جوازنا كان مجرد خطة؟
المحامي ماجاوبش.
وده كان كفاية.
نزلت من العربية.
أنا مش عايزة أعرف حاجة.
سارة
قولت مش عايزة!
مشيت وأنا شايلة الشنطة.
لكن قبل ما أبعد، قال
استني!
لفيت.
قال
في حاجة حسين طلب مني أقولها لك بعد ما تعرفي كل ده.
إيه؟
قال
هو ما اختاركِش لأنك كنتِ مفتاح القانون.
سكت.
اختاركِ لأنك كنتِ آخر شخص في الدنيا ممكن يشك فيه.
وبعدين أضاف
ولأنه كان بيحبك.
رجعت البيت وأنا مش عارفة أصدق مين.
حطيت الشنطة على السرير.
فضلت باصة لها دقائق.
ثم فتحتها مرة تانية.
المرة دي لاحظت حاجة ماخدتش بالي منها.
في قاع الشنطة كان فيه تجويف صغير.
دخلت صباعي فيه.
لقيت مفتاحًا معدنيًا صغيرًا.
ومعه ورقة مكتوب عليها
الخزانة 317.
وتحتها عنوان.
عنوان المستشفى.
نزلت المستشفى تاني في نفس الليلة.
لكن قبل ما أوصل للخزانة، سمعت صوت خطوات ورايا.
لفيت.
ماكانش فيه حد.
فتحت الخزانة.
لقيت صندوقًا معدنيًا.
جواه هاتف قديم.
شغلته.
كان فيه تسجيل واحد فقط.
ضغطت عليه.
وسمعت صوت حسين.
صوته كان ضعيفًا، لكن واضح.
سارة لو إنتِ بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا مت.
بدأت دموعي تنزل.
أنا عارف إنك هتكرهي إني خبيت عنك الحقيقة.
سكت لحظة.
بس لو قلت لك كل حاجة من أول يوم، كنتِ هتبعُدي عني. وكنتِ هتفضلي عايشة في جهل وده كان أسلم لك.
ثم قال جملة خلتني أتجمد
أمك ما كانتش ضحية.
سكت.
كانت شاهدة.
سمعت صوت نفس طويل.
والشخص اللي قتل أمك كان قريب منك أكتر مما تتخيلي.
التسجيل انتهى.
وقفت في مكاني.
قريب منك أكتر مما تتخيلي.
بدأت أراجع كل الأشخاص اللي كانوا حوالين أمي.
الجيران.
أصحابها.
زملاء العمل.
لكن اسم واحد ظهر في دماغي فورًا.
شخص كان موجودًا في جنازة أمي.
وكان أول شخص احتضنني وقتها.
خالي سامح.
اتصلت به.
رن الهاتف.
مرة.
مرتين.
ثلاثة.
ثم رد.
سارة؟
حاولت أخلي صوتي طبيعي.
خالي أنا محتاجة أسألك عن ماما.
صمت.
في إيه؟
إنت كنت تعرف عم حسين؟
ماسمعتش أي رد.
ثواني طويلة.
ثم قال
مين قال لك الاسم ده؟
قلبي وقع.
يعني تعرفه؟
فجأة تغير صوته.
سارة، اسمعيني كويس. ارجعي بيتك واقفلي الباب وما تفتحيش لحد.
ليه؟
لأنك دخلتي في حاجة أكبر منك.
وقبل ما ألحق أسأله، قفل.
في نفس اللحظة
جالي إشعار على الهاتف.
رقم مجهول.
رسالة واحدة
لو عايزة تعرفي مين قتل أمك تعالي وحدك للمخزن القديم الساعة 12.
وتحت الرسالة صورة.
صورة لعم حسين.
لكن الصورة ما كانتش في المستشفى.
كانت في مكان مهجور.
وواقف جنبه
خالي سامح.
حسيت إني فقدت القدرة على التنفس.
رحت للمخزن.
مش لوحدي طبعًا.
اتصلت بالمحامي، لكنه رفض ييجي.
قال لي
لو الرسالة وصلت لك، يبقى هم عارفين إن الشنطة معاك.
مين هم؟
الناس اللي حسين كان
بيهرب منهم.
طب أعمل إيه؟
ما تروحيش.
لكنني كنت قد قررت.
لأنني كنت محتاجة أعرف الحقيقة.
وصلت قبل منتصف الليل بعشر دقائق.
المكان كان مهجورًا.
فتحت الباب.
خالي؟
ولا صوت.
دخلت.
فجأة الباب اتقفل ورايا.
اتخضيت.
ثم اشتغلت لمبة واحدة.
وظهر خالي سامح.
لكن اللي صدمني
إنه ماكانش لوحده.
كان واقف جنبه رجل آخر.
فارس النجار.
رئيس مجلس إدارة مجموعة النور.
الشخص اللي كان اسمه في كل أوراق أمي.
قال فارس بهدوء
أخيرًا وصلتِ.
قلت
إنت قتلت أمي؟
ابتسم.
أمك كانت أذكى مما ينبغي.
صرخت
قتلتها؟
قال
ماكنتش أنا اللي قتلتها.
ثم بص لخالي.
اسألي سامح.
بصيت لخالي.
كان بيعيط.
سامح؟
قرب مني خطوة.
أنا ماكنتش عايز أمك تموت.
بس إنت كنت معاها!
كنت بحاول أحميها.
ضحكت وسط دموعي.
تحميني إزاي؟ وإنت خبيت كل ده عني؟
هز راسه.
أمك اكتشفت كل حاجة.
ثم قال
وحسين ساعدها.
ليه؟
لأن حسين كان المدير المالي الحقيقي للشركة قبل ما يتركها.
بدأت الصورة تكتمل.
عم حسين لم يكن رجلًا مجهولًا.
كان واحدًا من مؤسسي الشركة.
لكنه اكتشف أنهم يخفون أموالًا ويجرون تجارب غير قانونية على مرضى لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
حاول يفضحهم.
لكنهم هددوه.
وأم سارة كانت الشخص الوحيد الذي امتلك الأدلة.
قلت
طيب مين قتل أمي؟
سامح أغمض عينيه.
أنا.
تجمدت.
إيه؟
أنا قتلتها
ثم أسرع يقول
لكن مش زي ما إنتِ فاكرة.
إزاي يعني؟
أنا اللي كنت معاها في آخر ليلة.
وبعدها ماتت!
لأنها طلبت مني
أديها الدواء.
سكت.
كانت عارفة إنهم جايين لها.
ثم أخرج هاتفًا قديمًا.
أمك كانت مصابة بمرض خطير بالفعل، وكانت بتاخد دواء معين.
إنت بتقول إن موتها كان
أمك اختارت تموت قبل ما يقدروا ياخدوها.
دموعي نزلت.
ليه ما قالتليش؟
لأنها كانت عارفة إنك لو عرفتي، هتدوري وراهم.
ثم بص لفارس.
لكنهم عرفوا إن حسين معاه نسخة من الأدلة.
فارس ابتسم.
ولهذا السبب كان لازم يموت.
تجمدت.
إنت قتلت حسين؟
فارس هز رأسه.
لا.
ثم ابتسم.
حسين كان سيموت على أي حال.
بس إنت عرفت إنه اتجوزني!
طبعًا.
قالها بكل هدوء.
وأنا كنت منتظر أشوف إذا كان أعطاكِ الشنطة.
هنا فهمت.
الجواز كله
كان مراقبًا.
المستشفى.
المحامي.
الشنطة.
كلهم كانوا ينتظرون اللحظة التي أصل فيها إلى الحقيقة.
وفجأة سمعت صوتًا من خلفي
سارة ما تسمعيش كلامه.
لفيت.
المحامي كان واقفًا عند الباب.
لكن المفاجأة الأكبر
إنه كان ماسك مسدسًا.
رفع فارس يده.
أخيرًا وصلت.
المحامي قال
انتهى كل شيء.
لكنني لاحظت شيئًا.
كان وجهه شاحبًا.
وإيده بترتعش.
بص لي وقال
سارة، الشنطة.
قلت
ليه؟
عشان آخدها.
فهمت.
كلهم كانوا يريدون الشنطة.
لكنني فجأة تذكرت جملة حسين
الحقيقة كلها موجودة جوه الشنطة.
الحقيقة كلها.
مش الأدلة فقط.
فتحت الشنطة بسرعة.
طلعت الصورة.
الملفات.
الهاتف.
ثم تذكرت المفتاح.
بصيت للمفتاح.
وفجأة فهمت.
الخزانة 317 ماكانتش مجرد خزانة.
كانت مكان حفظ الأدلة الأصلية.
والهاتف اللي لقيته
كان مجرد
طُعم.
مددت إيدي داخل الشنطة.
ولمست بطانة القاع.
كانت مخيطة.
قطعت الخيط.
وأخرجت فلاشة صغيرة.
كلهم اتجمدوا.
قلت
دي الحقيقة؟
المحامي اتغير وشه.
فارس لأول مرة فقد هدوءه.
سامح بدأ يعيط.
وفهمت أنني وصلت للشيء الذي كانوا يبحثون عنه.
رفعت الفلاشة.
اللي عليها هيقتل ناس كتير.
فارس قال
هاتيها.
ابتسمت لأول مرة.
لأ.
إنتِ مش فاهمة.
لأ، أنا فهمت.
ثم رفعت هاتفي.
لأني من أول ما دخلت المخزن كنت بسجل.
ساد الصمت.
فارس اندفع نحوي.
لكن قبل ما يوصل، دخلت الشرطة.
كان المحامي هو من اتصل بهم.
والمفاجأة الأخيرة كانت أن حسين كان قد أرسل نسخة من كل الأدلة إلى الشرطة قبل وفاته، ولم يكن ينتظر مني أن أكتشفها وحدي.
بعدها بأيام
انهارت مجموعة النور بالكامل.
تم القبض على فارس وعدد من المسؤولين.
أما خالي سامح
فلم يكن قاتل أمي كما ظننت.
كان قد ساعدها على إخفاء الأدلة، وحمل ذنب موتها طوال عامين لأنه وعدها ألا يخبرني.
أما المحامي
فاكتشفت أنه كان شريك حسين في الخطة كلها.
وكان زواجي من حسين هو الطريقة الوحيدة التي جعلتني أمتلك قانونيًا حق الوصول إلى آخر وصية تركها.
لكن بقي سؤال واحد يؤلمني
لماذا أنا؟
لماذا اختارني حسين بالذات؟
بعد انتهاء كل شيء، رجعت للمستشفى.
دخلت نفس الغرفة.
نفس السرير.
نفس الكرسي.
وقعدت في المكان اللي كنت بقعد فيه سبعة أيام.
المحامي دخل وسلّمني ظرفًا صغيرًا.
قال
ده آخر شيء.
فتحت الظرف.
كانت رسالة بخط حسين.
بدأت أقرأ
سارة
لو
وصلتي للرسالة دي، يبقى أخيرًا عرفتي الحقيقة.
بس في حاجة واحدة ماحدش قالهالك.
أنا ما اتجوزتكيش عشان الشنطة.
ولا عشان القانون.
ولا عشان أحمي أسرار أمك.
أنا اتجوزتك لأنك أول مرة دخلتي فيها أوضتي، ما سألتيش أنا مين.
ما سألتيش عندي فلوس ولا لأ.
ما سألتيش عندي أولاد ولا ورث.
إنتِ بس قعدتي جنبي.
ولأول مرة من سنين حسيت إني إنسان، مش مريض مستني يموت.
عشان كده، لما طلبت منك تتجوزيني، كنت عارف إن عندي سبعة أيام بس.
سبعة أيام
لكنهم كانوا كفاية عشان أعرف إن أمك اختارت الشخص الصح لما وثقت فيكِ.
أنا آسف إني دخلتك في كل ده.
لكن عندي طلب واحد.
ما تعيشيش بقية عمرك حزينة عشان الناس اللي ماتت.
عيشي عشان الناس اللي لسه موجودة.
وأهم حاجة
ما تفتكريش إن جوازنا كان كذبة.
بالنسبة لي
كان أصدق أسبوع عشته في حياتي.
وقفت عن القراءة.
وبكيت.
لكن المرة دي
ماكانش بكاء على شخص مات.
كان بكاء على شخص عاش عمره كله وحيدًا
وفي آخر سبعة أيام منه
وجد أخيرًا عائلة.
بعد ستة أشهر، كنت في المستشفى.
لكن المرة دي ماكنتش متطوعة.
كنت أعمل على مشروع جديد.
صندوق لمساعدة المرضى اللي مالهمش أهل.
نفس الفكرة اللي بدأت بسببها أروح المستشفى من البداية.
دخلت إحدى الغرف.
كان فيها رجل مسن لوحده.
قعدت جنبه.
سألته
محتاج حاجة؟
بص لي وابتسم.
بس حد يقعد معايا.
ابتسمت.
وقعدت.
وبينما كنت ماسكة إيده
لمحت شيئًا على الترابيزة.
علبة كانز.
ضحكت من غير ما أقصد.
الرجل استغرب.
بتضحكي على إيه؟
قلت
افتكرت حد.
ثم بصيت من الشباك.
ولأول مرة من سنتين
حسيت إن البيت اللي جوايا مش فاضي.
لأن بعض الناس
ممكن يعيشوا معانا سبعين سنة ومايسيبوش أثر.
وبعضهم
يكفينا
منهم سبعة أيام فقط
عشان يغيروا حياتنا كلها.


تعليقات
إرسال تعليق