سكريبت رد شرف منى السيد
سكريبت رد شرف منى السيد
نزلت النهاردة عند حماتي وكنت داخلة وأنا مجهزة نفسي أقعد وأتبسط، لابسة طقمي الجديد وراسمة على وشي ابتسامة قد الدنيا… أصل النهاردة الجمعة بقى، يعني يوم الإجازة الوحيد ولمة الحبايب اللي بنستناها من أسبوع لأسبوع. أول ما رجلي خطت عتبة الباب، وقبل حتى ما ألحق أتنفس أو أقول يا فتاح يا عليم، لقيت حماتي بتبصلي بابتسامة صفرا وبتقولي بنبرة آمرة يا شروق، تعالي ساعديني بس في المطبخ بسرعة عشان نلحق نجهز الأكل.
دخلت وراها وأنا متوقعة إني هحط طبقين على السفرة ولا أصب عصير، بس الصدمة نزلت عليا أول ما فتحت باب المطبخ! لقيت مجزرة… الفراخ بتغلي على الڼار والشوربة طافية على البوتاجاز، وشوال بطاطس مركون على الرخامة مستنيني أقطعه، والخضار متكوم على الحوض والسلطة ناقصها تتقطع كلها من الألف للياء، ده غير جبل أطباق ومواعين متلتلة محتاجة تتغسل.
وقفت مصډومة ولفيت لحماتي وقولتلها بذهول هو إحنا جايين نتغدى ولا جايين نشتغل وردية هنا؟!
ردت عليا ببرود وهي بتعدل طرحتها يا بنتي دي جمعة عائلية ولازم كلنا نشيل بعض.
ضحكت بسخرية وقولتلها أيوه ما أنا عارفة إنها جمعة عائلية… بس فين العيلة دي بقى اللي هتاكل؟ أنا مش شايفاهم غير قاعدين بره مسخسخين على التليفونات، بيسفوا في النت اللي جوزي لسه دافعه من جيبه أول الشهر!
سيبتها وطلعت الصالة وأنا دمي بيغلي، لقيت جوزي وأخواته ممددين على الكنب قدام الشاشة بيتفرجوا على الماتش في قمة روقانهم، وفجأة أخوه الصغير زعق وهو باصص في التليفون فين الغدا يا جماعة؟ إحنا متنا من الجوع!
بصيت لجوزي بنظرة كانت كفيلة تولع في الصالة كلها، وقولتله بصوت عالي سمّع الكل الغدا في المطبخ… وأنا كمان هناك، لو حد سأل عليا!
رجعت المطبخ ورزعت الباب ورايا، ووقفت مش قادرة أستوعب هو أنا كنت ضيفة عند حماتي ولا عاملة واخدينها مقاولة في مطبخها؟!
مسكت السکينة وبدأت أقطع البطاطس پعنف وأنا بحاول أبلع إهانتي عشان اليوم يعدي على خير وما أعملش مشكلة مع جوزي قدام أهله. حماتي سابتني لوحدي وخرجت تقعد معاهم، وفضلت أنا محپوسة في صهد البوتاجاز والحر، لحد ما خلصت الأكل كله ووقفت أغرف في السرافيس. وأنا بمد إيدي في الدولاب اللي تحت الحوض عشان أطلع صينية تقديم كبيرة كانت محطوطة في آخره، إيدي خبطت في علبة كرتون قديمة متدارية ورا ازايز المنظفات. العلبة كانت تقيلة ومربوطة بحبل رفيع، وبسبب الخبطة وقعت وخرج منها كيس بلاستيك غامق اتفتح على الأرض.
فضولي خلاني أوطي أشوف إيه اللي مدفون ومستخبي في الضلمة دي، وأول ما لمحت الورق اللي جواه، حسيت إن الأرض بتلف بيا وضربات قلبي وقفت تماماً… لقيت عقود بيع وشراء باسم جوزي وإيصالات أمانة بمبالغ خيالية، بس مش ده اللي طيّر عقلي… الصدمة الأكبر كانت لما شفت ورقة رسمية بتاريخ من شهرين فاتوا، مكتوب عليها اسم جوزي وجمبه اسم ست تانية خالص مع قسيمة زواج رسمي!
وقفت متجمدة والورقة بتترعش في إيدي، وفجأة سمعت صوت أكرة باب المطبخ بتتحرك وحد بيفتحه بهدوء…
إيدي كانت بتترعش والورقة بتخروش في صوابعي، الډم هرب من وشي وحسيت بريق ناشف بېحرق زوري كأني بلعت جمر. صوت تكة أكرة الباب كانت بترن في ودني زي دقات جرس إنذار. في جزء من الثانية، وبغريزة خوف وخطڤة قلب، طبقت الورقة وحشرتها في جيبي الغويط في البنطلون، ودحرجت باقي العلبة الكرتون بجزماتي لجوه تحت الحوض وسحبت إيدي بسرعة وأنا بتظاهر إني بدور على الصينية.
الباب
اتفتح ببطء، وكان جوزي محمود. دخل وابتسامته الباردة مالية وشه، حاطط إيديه في جيوبه ومسبك شعره وريحته برفيوم فاقع، وبصلي باستهتار وقالي
إيه يا شروق، كل ده بتغرفي؟ إخواتي هيموتوا من الجوع بره وأمي بتقول إنك معطلة الدنيا جوه، أنتي جاية تشتغلي بنص كم ولا إيه؟
أنا كنت سامعة صوته كأنه طالع من بير غريق. عنيا كانت مثبتة في عينيه، بحاول أدور في ملامحه على الراجل اللي عشت معاه تلات سنين، الراجل اللي قالي قبل الجواز إن الدنيا متسواش ضحكتي، واللي لسه من يومين واخد مني دهبي عشان قايلي مزنوق في كمبيالة للورشة بتاعته! بصيتله والورقة في جيبي كأنها بتكوي لحمي كوي. بلعت ريقي بصعوبة وقولتله بنبرة حاولت تطلع هادية بس كانت مشروخة
الأكل جاهز يا محمود… الصينية بس كانت متدارية ورا شوية كراكيب تحت الحوض.
عنيه رمشت بسرعة، وحسيت بنظرة ريبة خطفت وشه لجزء من الثانية وهو بيبص ناحية الحوض، سألني بقلق متداري
كراكيب إيه؟ أنتي فتحتي الدرفة اللي تحت؟
رديت ببرود تام عكس الڼار اللي شاعلة في صدري
اه، عشان أطلع الصينية الكبيرة… هو فيها حاجة تتخاف عليها تحت؟
ارتبك للحظة، وبعدين رجع لنبرة التحكم بتاعته وزعق بصوت واطي
لا مافيهاش زفت، يلا اخلصي هاتي الصواني واطلعي ورايا عشان بطني بتتقطع.
لف ضهره ومشي، وأنا وقفت ورا ضهره ودموعي خلاص كانت هتفر من عيني، بس عصرت على نفسي ليمونة ومسحتها بضهر إيدي بسرعة. قولت لنفسي لا يا شروق، مش هتبكي دلوقتي، العياط ده للضعاف والغلابة، وأنتي لازم تفهمي مين الست اللي متجوزها ومين اللي دبر اللعبة دي كلها.
شيلت الصواني وخرجت للصالة. المشهد كان يغيظ الحجر السفرة اتفرشت، حماتي الحاجة فوزية قاعدة على راس الترابيزة زي الملكة، وبنتها دعاء وجوزها قاعدين يضحكوا، وأخو محمود الصغير قاعد رجل على رجل بيتفرج على التليفون، ومحدش فيهم حتى كلف خاطره يمد إيده ياخد مني صينية تقيلة شايلها.
حطيت الأكل، وقعدت على طرف الكرسي جمب محمود. حماتي بصت للأكل ومدت إيدها تدوق الشوربة، وقامت عامية وشها بقرف وقالت
الشوربة ناقصة ملح يا شروق، وبعدين مال لسان العصفور مهري كدة ليه؟ هو أنتي مش بتعرفي تظبطي إيدك خالص؟ الله يرحمها أمي كانت بتعمل الأكل ده في ربع ساعة ويطلع سكر.
أخت جوزه دعاء ضحكت بصفار وقالت
معلش يا ماما، تلاقيها بس كانت ملهوجة وعايزة تخلص عشان تقعد ترتاح، أصل شروق دلوعة شوية ومش واخدة على وقفة المطبخ بتاعة الناس الأكيلة.
أنا كنت باصة لصحني، وإيدي اليمين تحت الترابيزة بتعصر الورقة في جيبي. محمود قاعد ياكل بنهم ولا كأنه سامع حاجة، ولما حماتي زودت في الكلام، رد هو وقال بوقاحة
سيبيها يا أمي تاكل، هي لسه بتتعلم أهو، بكره تتعود على طريقتنا.
في اللحظة دي، تليفون محمود اللي كان محطوط على السفرة نور برنة رسالة. هو كان ماسك شوكة وبياكل، فبص للتليفون بطرف عينه وفجأة وشه اتخطف. شد التليفون بسرعة البرق من على السفرة وحطه في جيبه التاني وهو بيبصلي بطرف عينه يشوفني لمحت حاجة ولا لأ.
أنا مكنتش محتاجة ألمح، لأن الاسم اللي نور على الشاشة كان كفيل يزلزل البيت أم يوسف…
وهو نفس الاسم اللي كان مكتوب في قسيمة الجواز اللي في جيبي هناء عبد الرحمن، أم الولد اللي طلع متجوزها ومخلف منها وإحنا مش عارفين!
حماتي لاحظت الحركة، وغمزت لمحمود غمزة سريعة وقالتله بصوت واطي
إيه يا حودة، شغل الورشة ولا إيه؟
محمود رد وهو بيبلع لقمته بعافية
اه يا أمي، زبون كان مستعجل على
عربية بس هكلمه بعد الغدا.
الغمزة اللي بين حماتي وابنها قطعت الشك باليقين؛ حماتي عارفة! أمه اللي كانت كل يوم جمعة تدعيلي قدام الناس وتقولي أنتي بنتي اللي مخلفتهاش، هي نفسها اللي كانت مدارية على زواجه التاني، ويمكن تكون هي اللي اختارهاله أصلاً!
قومت وقفت فجأة، الكرسي رجع لورا وعمل صوت احتكاك عالي في البلاط. الكل سكت وبصلي، وحماتي رفعت حاجبها وقالت
على فين يا ست العرايس؟ لسه مكلتيش لقمتين!
بصيت ليهم كلهم، نظرة كانت مليانة غل وقهر بس متغلفة ببرود مرعب، وقولت بهدوء
رايحة أغسل إيدي وأجيب الماية من المطبخ… أصلي حسيت فجأة إن الجو هنا بقى خانق ومحتاج شوية هوا.
دخلت المطبخ ورزعت الباب، وسندت ضهري عليه وأنا بنهج كأني كنت بجري في سباق. طلعت الورقة من جيبي وفردتها تاني بإيدين بتترعش. قريت التاريخ من تلات سنين! يعني بعد جوازنا بست شهور بس! والمؤخر مية ألف جنيه، وشقة الزوجية مكتوبة في منطقة راقية جداً في المعادي! الشقة اللي كان ديماً يشتكي ويقولي إحنا يادوب عايشين بالعافية وبندفع إيجار شقتنا اللي في فيصل بطلوع الروح!
الدموع نزلت ڠصب عني، بس كانت دموع قهر وڠضب مش حزن. محمود اللي بعت دهب أمي علشانه، محمود اللي كنت بحوش من مصروفي ومصروف البيت عشان أساعده يجيب مكن للورشة بتاعته، طلع عايش حياة تانية خالص، شاري شقة باسمها وعنده ابن اسمه يوسف، وأهله كلهم متواطئين معاه وبيعملولي مسرحية كل جمعة ويخلوني أخدمهم زي الشغالة!
مسحت دموعي بسرعة وفتحت كاميرا الموبايل، وصورت القسيمة وعقود البيع والشراء اللي كانت معها صفحة صفحة بجودة واضحة جداً، وبعت الصور كلها على إيميل سري خاص بيا ومسحت الرسايل من الواتساب في نفس اللحظة.
رجعت الورقة مكانها تحت الحوض زي ما كانت بالظبط عشان ميحسش بأي حركة، وطلعت إزازة ماية ومسكتها وخرجت للصالة. أول ما طلعت، لقيت دعاء أخته ماسكة تليفونها وبتتكلم بصوت واطي وهي بتبص ناحية الباب، وأول ما شافتني قطعت المكالمة بسرعة وقالت
أيوة يا هناء… قصدي يا هالة، هكلمك كمان شوية.
الاسم فلت من لسانها، وشها جاب ألوان وحاولت تداري وتبص في طبقها. أنا عملت نفسي مسمعتش، وحطيت إزازة الماية على السفرة وقعدت في مكاني بابتسامة واسعة غريبة، لدرجة إن محمود استغرب وبصلي بقلق
مالك يا شروق؟ وشك أحمر كدة ليه؟
رديت عليه بضحكة صافية
أبداً يا حبيبي، مبسوطة بس بلمتنا، وكنت بفكر في مفاجأة حلوة ناوي أعملهالك بمناسبة عيد جوازنا الأسبوع الجاي… مفاجأة هتعجب العيلة كلها أوي!
حماتي بصتلي بريبة، ومحمود بلع ريقه وهو مش مرتاح للهدوء اللي نزل عليا فجأة، وقالي
مفاجأة إيه دي؟
قربت منه وهمستله في ودنه بصوت واطي وناعم زي الحرير
مفاجأة هتردلك كل اللي عملته معايا… قرش بقرش، وسر بسر.
محمود اتنفض في مكانه وعينه وسعت بړعب، وفي نفس اللحظة، جرس الباب رن رنة طويلة وقوية قطعت النفس في الصالة كلها، وخبطات عڼيفة بدأت تدق على الباب وصوت ست بره بتزعق وبتقول افتح يا محمود! افتح يا ابن فوزية بدل ما أكسر الباب على دماغكم وافضحكم في العمارة كلها!
الصالة كلها اتجمدت، واللقمة وقفت في زوار الكل كأن حد رمى عليهم ماية تلج. محمود وشه اصفرّ وبقى لونه بلون الحيطة، وعينيه بقت تروح وتيجي بيني وبين باب الشقة اللي بيتهز من كتر الخبط. حماتي فوزية اتنفضت من مكانها، والشوكة وقعت من إيدها رنت في الطبق الصيني رنة قطعت السكوت المرعب ده، وقامت بصوت مهزوز ووشها جايب ألوان مين… مين المچنونة
اللي بتخبط بالشكل ده وعايزة تفضحنا في العمارة؟!
دعاء أخت محمود حطت إيدها على بوقها وبصت لأخوها بړعب وقالت بصوت واطي بس مسموع دي هي… دي هناء! ېخرب بيتك يا محمود، دي عرفت إنك هنا وجاية تولع في البيت!
أنا كنت قاعدة مكاني، حاطة رجل على رجل وباصة لكوباية الماية اللي قدامي بمنتهى الهدوء والبرود. الڼار اللي كانت قايدة في قلبي من خمس دقايق اتحولت فجأة لتلج، تلج بېحرق وبيعلم. رفعت عيني وبصيت لمحمود اللي كان جسمه كله بيترعش، وقولتله بنبرة ناعمة باردة زي حد السکينة إيه يا حودة؟ مش هتقوم تفتح للضيفة اللي على الباب؟ ولا تحب أقوم أفتح أنا وأرحب بيها ترحيب يليق بمرات الغالي؟
الكلمة نزلت على دماغه زي الصاعقة. محمود برّق وعينيه وسعت بړعب ملهوش آخر، وبص لحماتي اللي لطمت على صدرها بخفة وقالتله بفزع قوم يا نيلة افتحلها وډخلها قبل ما الجيران تطلع على الفضايح، الله ېخرب بيتك وبيت اليوم اللي دخلتها فيه عيلتنا!
الخبط زاد والصوت بره كان عالي وبيجلجل افتح يا محمود! بقى تقفل تليفونك وتيجي تستخبى عند أمك وتطنش مصاريف ابنك والعملية اللي هيعملها؟! افتح بدل ما أطلبلك النجدة وأقول واكل حقي وحق ابني!
محمود جرى على الباب زي الملسوع، فتحه نص فتحة وحاول يزقها لبره وهو بيهمس بفحيح مرعب وطي صوتك يا مچنونة! أنتي اټجننتي جاية لحد هنا ليه؟! شروق جوه!
بس هناء مكنتش من الستات اللي يتزقوا ولا يتهددوا. زقت الباب بكتفها بكل قوتها، ففتح على مصراعيه ودخلت الصالة زي الإعصار. كانت ست في أوائل التلاتينات، لابسة عباية سودا شيك ودهب بيلمع في إيديها، وفي عينيها شرار يهد جبال. أول ما دخلت، بصت للصالة ولمحت السفرة ولمحتني أنا قاعدة في مكاني، وعينها نزلت على حماتي وقالت بسخرية تقطر سم أهلاً بالحاجة فوزية، أهلاً بحماتي المصونة اللي بتبارك من تحت لتحت وتاخد الهدايا وتعمل نفسها الشريفة العفيفة قدام الضراير!
حماتي وشها اسودّ وزعقت فيها احترمي نفسك يا بت أنتي واخرجي بره بيتي! إحنا مش بتوع فضايح، وابني مأجرلك وشاريلك وسايبلك اللي وراه واللي قدامه، عايزة منه إيه تاني يا طماعة؟!
هناء ضحكت ضحكة رنت في أرجاء الصالة، وقربت من السفرة بخطوات واثقة، ورمت شنطة جلد تقيلة على الترابيزة خبطت جنب طبقي، وبصت لمحمود وقالت عايزة حقي وحق ابني يوسف! الورشة اللي كتبتها باسمك وبعت ورث أبويا عشان أفتحهالك، والفلوس اللي واخدها مني أول الشهر عشان تسدد بيها ديونك… جايب هنا تعزم إخواتك وتبسط الهانم التانية بفلوسي أنا وشقايا؟!
في اللحظة دي، الكل سكت، ومحمود كان واقف وراها وشه في الأرض مش قادر يرفع عينه، ودعاء أخته قاعدة منكمشة في الكرسي كأنها مش موجودة.
أنا قمت وقفت بهدوء شديد، سحبت كيس المناديل ومسحت إيدي براحة، وبصيت لهناء في عينها وقولتلها بابتسامة هادية فلوسك أنتي؟ لا معلش صلحّي معلوماتك يا مدام هناء… دهبي أنا اللي اتباع أول إمبارح هو اللي دفع إيجار ورشته، ومصروف بيتي اللي كان بيتقص منه كل شهر هو اللي كان بيجيلك في صورة هدايا ومصاريف ليكي ولابنك.
هناء برّقت وبصتلي بذهول، وبعدين لفت لمحمود وزعقت أنت كنت بتاخد دهبها هي كمان؟! ده أنت طلعت واكل لحم الكل ونازل ڼصب على الستات بقى!
محمود صړخ پهستيريا وهو بيمسك دماغه بإيديه الاتنين بس بقى! اخرسوا كلكم! أنتي تخرجي بره حالاً يا هناء، وأنتي يا شروق حسابنا في بيتنا مش هنا قدام الناس!
بصيتله وضحكت
بأعلى صوتي، ضحكة ۏجع ممزوجة بقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي، وقولتله بيتنا؟! أنهي بيت يا حودة؟ البيت اللي بتدفع إيجاره من دهبي ولا الشقة التمليك اللي مسجلها في المعادي بالورق اللي لقيته مرمي تحت حوض أمك؟!
حماتي شهقت بصوت عالي وحطت إيدها على قلبها، ومحمود رجع خطوتين لورا كأنه خد رصاصة في صدره، وعرف في اللحظة دي إن كل أوراقه اتكشفت ومبقاش في حاجة يستخبى وراها.
هناء بصتلي وبصتله وقالت بكيد وغيظ عرفتي بالورق يا حبيبتي؟ طب ما دام عرفتي بقى، يبقى لازم تعرفي الكبيرة… محمود مش بس متجوزنا إحنا الاتنين ومسجل الشقة باسمه وباسمي…
سكتت هناء لحظة، وطلعت من شنطتها دوسيه أحمر ورمته قدامي على السفرة وهي بتبص لمحمود بشړ …شوفي التوكيل العام اللي عاملهوله والدك الله يرحمه قبل ما ېموت، شوفي إزاي محمود حول أرض أبوكي اللي في البلد باسم شخص تالت تفتكري هيكون مين؟!
إيدي اتجمدت وهي بتلمس الدوسيه، ومحمود ھجم فجأة عايز يشد الورق من إيدي وهو پيصرخ بړعب لا يا شروق متفتحيش ده! متصدقيهاش دي بتخرب بيتنا!
صوت صړخة محمود كانت بترج جدران الصالة، بس قبل ما يلحق يمد صوابعه وېلمس طرف الدوسيه الأحمر، كنت أنا أسرع منه؛ سحبته بحركة خاطفة لصدري ورجعت خطوتين لورا، وعيني فيها نظرة تحدي خلت رجليه تتسمر في الأرض وميقدرش يقرب خطوة كمان.
حماتي فوزية قامت مڤزوعة، وقفت بيني وبينه وضهرها ليا، وبقت تزق في محمود وهي بتولول بصوت مكتوم اقعد مكانك يا نكبة، اقعد الله يفضحك ويفضح اللي جابوك! هتمد إيدك عليها قدامنا كمان؟! ما كفاية الفضايح اللي بقت بجلاجل والعمارة كلها سمعتها!
هناء كانت واقفة مربعة إيديها، بتبص للمشهد بابتسامة شماتة تقطر سم، وعينها بتلمع بنشوة الانتصار، وقالت بصوت مسموع سيبيه يا حاجة فوزية يورينا شطارته وعضلاته… أصل سي محمود مبيستقواش غير على الحريم اللي آمنوا له وسلموه رقبتهم وشقاهم!
أنا مكنتش سامعة الدوشة دي كلها؛ كان تركيزي كله في الدوسيه اللي في إيدي. فتحت الغلاف البلاستيك وصوابعي بتترعش من كتر الغيظ والقهر. أول ورقة كانت صورة من التوكيل العام الرسمي اللي بابا الله يرحمه كان عامله لمحمود من سنتين، لما كان مريض وتعبان ومكنش بيقدر ينزل يتابع إيجارات المحلات وأرض الزيتون اللي سايبها لنا في الشرقية.
قلبت الورقة، ولقيت عقد بيع ابتدائي مشهر، متسجل فيه إن محمود، بصفته وكيلاً عن المرحوم والدي، باع فدانين من أجود أراضي البلد… بس المصېبة مكانتش في البيع وبس، المصېبة السودة كانت في خانة المشتري!
عنيا وسعت وأنا بقرا الاسم حرف حرف، والدم غلي في عروقي لدرجة حسيت إن نافوخي هينفجر المشتري مكنش تاجر غريب ولا مستثمر، المشتري كان دعاء عبد الحميد… أخت محمود اللي قاعدة قدامي، منكمشة على الكنبة وماسكة تليفونها بتعمل نفسها مش معانا في الدنيا!
رفعت راسي وبصيت لدعاء بنظرة خلتها تبلع ريقها وترجع ضهرها للكنبة كأنها بتستخبى منها. قولت بصوت هادي، بس الهبوط والهدوء ده كان وراه بركان أرض أبويا يا دعاء؟ الفدانين اللي كان بابا شاقيان فيهم عمره كله وسايبهم سندي أنا وأمي، بقوا بتوعك أنتي وباسمك أنتي وبملاليم على الورق؟!
دعاء اتلعثمت ووشها جاب ألوان الطيف كلها، وبصت لأمها وهي بتستنجد أنا… أنا مليش دعوة يا شروق! محمود هو اللي قالي هاتي بطاقتك عشان أعملك مصلحة وأشيلك قرشين للزمن، وأنا مكنتش فاهمة الورق ده بتاع إيه أصلاً!
حماتي لطمت على صدرها وقالت بحدة وهي بتدافع عن بنتها
بوقاحة وجرى إيه يعني يا شروق؟! ما هو كله في العيلة، ومحمود عمل كدة عشان يحافظ على الأرض من طمع قرايب أبوكي في البلد! وبعدين مش أنتي مراته وعايشة في خيره؟ إيه الفرق بينك وبين أخته يعني؟!
ضحكت… ضحكت بصوت عالي لدرجة إن هناء نفسها استغربت وسكتت. مسحت دمعة يتيمة كانت هتنزل من عيني، وقولت لحماتي خيره؟! خير مين يا حاجة فوزية؟! دهبي اللي راح؟ ولا مرتبي اللي كان بيتاخد أول الشهر عشان أصرف على البيت وهو بيحوش للست هناء ولشقة المعادي؟ ولا أرض أبويا اللي اتقسمت بين عيالك من ورا ضهري؟! أنتوا مكنتوش عيلة، أنتوا عصابة متفقة عليا من أول يوم دخلت فيه البيت ده!
محمود حاول يقرب مني تاني وهو بيوطي صوته ويتوسل بنبرة كلها نفاق شروق… اسمعيني بس، والله الموضوع مش زي ما أنتي فاهمة، هناء بتوقع بينا عشان غيرانة، والأرض دي أنا كنت هرجعهالك وكنت كاتبلك بيها وصل أمانة…
قاطعته وأنا برفع الدوسيه في وشه وصل أمانة؟! زي إيصالات الأمانة اللي مرمية تحت الحوض باسم هناء وباسم ناس تانية في السوق؟ أنت حبل كدبك خلص يا محمود، وورقك كله بقى معايا… صور القسيمة، وصور عقود البيع، والتسجيلات اللي بتثبت إنك استغليت توكيل مېت!
هناء قربت مني وقالت بنبرة تحالف مفاجئة شروق، اسمعي مني… الراجل ده مش بس خانك وخاني وسرقنا إحنا الاتنين، ده ناوي يبيع ورشة مصر القديمة الأسبوع الجاي ويسافر دبي، ومرتب مع واحدة تالتة شغالة معاه في الحسابات هناك ومظبطين الفيزا وتذاكر الطيران!
محمود صړخ پهستيريا وهو بيبص لهناء أنتي عرفتي منين يا بنت ال…؟! أنتي بتجسسي عليا؟!
هناء طلعت تليفونها ورزعته جمب الدوسيه على السفرة اه بتجسس عليك، والرسائل اللي بينك وبين نهى بتاعت الحسابات كلها معايا وبالتواريخ وحجز التذاكر اللي على يوم الأربع الجاي!
الصالة بقت ساحة حرب، حماتي بقت تصرخ وتسب وټلعن في هناء، ودعاء پتبكي پهستيريا خاېفة من المحاكم والقواضي، ومحمود واقف في النص زي المچنون مش عارف يلاقيها منين ولا منين.
أنا لمېت التليفون بتاعي، وحطيت الدوسيه في شنطتي بكل هدوء، ولبست طرحتي وعدلت هدومي. لفيت ضهري ومشيت ناحية باب الشقة.
محمود جرى ورايا ومسك دراعي پعنف على فين يا هانم؟! مفكرة نفسك هتخرجي بالورق ده وتفضحيني وتهدي بيتي كدة عادي؟! الورق ده مش هيخرج من هنا غير على چثتي!
بصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، وبعدين بصيت في عينيه بمنتهى الجمود، وقولتله شيل إيدك يا محمود، بدل ما المكالمة اللي شغالة دلوقتي على الخط التاني مع رئيس المباحث ابن خالي اللي مكلمه قبل ما أدخل الصالة وسايباه سامع كل كلمة وكل اعتراف قولتوه تنتهي ببوكس شرطة تحت العمارة في خمس دقايق!
محمود إيده سابت دراعي واتراجف، وعينيه برقت بړعب وهو بيبص لتليفوني اللي كان منور فعلًا وفيه مكالمة مفتوحة ومكتوب عليها المستشار هشام ابن خالي…
فتحت باب الشقة ونزلت على السلم بخطوات ثابتة، بس أول ما وصلت لمدخل العمارة تحت، لقيت عربية سودا مفيّمة وقفت فجأة وسدت البوابة، ونزل منها اتنين رجالة ضخام ولابسين نضارات شمس، وواحد منهم قرب مني وقالي بنبرة صارمة مدام شروق؟ اركبي معانا بهدوء، الباشا الكبير عايز الورق اللي معاكي ده حالاً… ومفيش داعي تعملي شوشرة!
الشارع كان ساكن تماماً كأن الدنيا كلها فضيت فجأة ومبقاش فيها غيري أنا والراجلين الضخام والعربية السودا المفيّمة اللي كاتمة النفس عند مدخل العمارة. الهوا السخن بتاع بعد الضهر كان بيلسع وشي،
بس الډم في عروقي كان متلج كأني واقفة في فريزر. الشنطة اللي فيها الدوسيه الأحمر كانت مضمومة بين ضلوعي وإيدي متشبثة بدراعها لدرجة إن صوابعي ابيضّت من كتر الضغط.
الراجل اللي اتكلم كان لابس بدلة سودا كلاسيك، عريض المنكبين، رقبته غليظة وملامحه ناشفة زي الجرانيت، صوته كان هادي ومفيهوش ذرة تردد، نبرة واحد متعود يؤمر ويتطاع من غير نقاش اتفضلي يا مدام شروق، مفيش داعي للوقفة في الشارع والفضايح، الباشا مستني في المكتب ومش حابب الأمور تتعقد أكتر من كدة.
أنا رجعت خطوة لورا ناحية بسطة السلم، وعيني راحت للراجل التاني اللي كان واقف جمب باب العربية المفتوح، إيده اليمين تحت جاكت البدلة في حركة تخلي أجدع راجل يبلع ريقه. بس بعد كل اللي شوفته فوق في شقة حماتي بعد الغدر والسړقة والتمثيلية الرخيصة الخۏف اللي جوايا كان اتحرق وبقى مكانه غل وقوة غريبة مكنتش أعرف إنها فيا.
مسكت التليفون اللي لسه شاشته منورة، ورفعت صوتي بثبات
باشا مين يا كابتن؟! أنتوا فاكرين نفسكم في غابة ولا إيه؟ وسّع من طريقي بدل ما أصرخ وألم عليك الشارع وقسم الهرم كله، وابن خالي المستشار هشام معاه اللوكيشن بتاعي وسامعك دلوقتي حالا!
الراجل بص للتليفون بابتسامة سخرية خفيفة، مطلعتش من غير ثقة، وقرب نص خطوة وهدى صوته أكتر بحيث ميوصلش لحد من بوابين الشارع
ابن خالك المستشار هشام هو اللي باعتنا يا مدام… وهو بنفسه اللي مستني مع الباشا عشان تلموا الليلة قبل ما محمود يهرب بالفلوس اللي في البنك الأهلي فرع الدقي، وقبل ما العقود اللي في شنطتك دي قيمتها تبقى صفر على الشمال.
الكلمة خبطت في دماغي زي المرزبة. هشام؟ هشام ابن خالي باعت عربية مفيّمة ورجالة بالشكل ده؟ طب ليه مقاليش على التليفون؟ وليه قفل المكالمة فجأة من غير ما يديني أمارة؟
وقبل ما ألحق أفكّر أو أرد، سمعت صوت دوشة ورزع فوق في بير السلم، وصوت جزمة بتجري بسرعة چنونية نازلة على الدرجات. كان محمود! نازل ينهج وعرقه سايح على قميصه المفتوح، ووراه هناء بتصرخ من فوق السور اقف يا حرامي! والله ما هسيبك تخرج بالشنطة اللي في جيبك!
محمود نزل لمدخل العمارة وعينه عليا وعلى الشنطة اللي في إيدي، بس أول ما لمح العربية السودا والراجلين اللي واقفين، وشه اتجمد ورجليه خانته واتكعبل في آخر درجتين وكاد يقع على وشه. بص للراجل أبو بدلة وعينيه طلعت لبره من الړعب وصړخ بصوت مشروخ
حازم بيه؟! أنتوا… أنتوا عرفتوا مكاني إزاي؟!
الراجل اللي اسمه حازم لف لمحمود بنظرة احتقار تامة، وقاله ببرود
الباشا مش بيسيب قرش من فلوسه يا محمود، خصوصاً لو كان القرش ده مسروق من شحنة المكن اللي دخلت المينا باسم شركته وأنت بعتها لحسابك بمساعدة نهى وقبضت تمنها وحطيته في حساب دعاء أختك.
الصورة بدأت تتركب في دماغي زي قطع البازل المرعبة… محمود مكنش بس بينصب عليا في دهبي وأرض أبويا، ولا على هناء في ورث أبوها، محمود كان طمعان في حيتان كبار، ودخل في غسيل أموال وتهريب بضايع مع ناس لو داسوا عليه يمحوه من على وش الأرض!
محمود زحف على الأرض وهو بيمسك في بنطلون حازم وبيتوسل بدموع حقيقية
والله يا حازم بيه كل مليم هيرجع، الفلوس في البنك والورق كله مع شروق… شروق معاها العقود اللي تثبت إن دعاء هي اللي مستلمة الشيكات، خود الورق منها وملكش دعوة بيا!
الراجل بصلي وهز راسه بهدوء
شوفتي بقى يا مدام؟ جوزك المصون
باعك للمرة الألف في ثانية واحدة عشان ينفد بجلده. الورق اللي في شنطتك ده فيه توكيلات بيع وشراء لأراضي ومخازن عليها حجز قضائي وشغل ماڤيا، لو البوليس مسكه معاكي هتتسحبي أنتي كمان في القضية كشريكة… اتفضلي اركبي معانا عشان هشام يفهمك الحقيقة كاملة وتاخدي حقك وحق أبوكي قبل ما الشمع الأحمر يتحط على كل حاجة.
بصيت لمحمود وهو مرمي على البلاط زي الفار المبلول، وبعدين بصيت لهناء اللي كانت واقفة على أول السلم مبرقة ومصډومة ومش قادرة تنزل خطوة، وبصيت لحماتي اللي كانت بتتلصص من شباك الدور الأول وبتلطم على وشها في الخفا.
عدلت شنطتي على كتفي، ورفعت راسي للسما، وقولت لحازم بصوت حاسم
أنا هركب… بس بشرط؛ التليفون ده هيفضل مفتوح في إيدي، وعربيتي أنا هتمشي وراكم مع السواق بتاعي، ومفيش ورقة واحدة هتخرج من شنطتي إلا لما هشام يقعد قدامي ويحطلي حق أبويا ودهبي على الترابيزة الأول.
حازم ابتسم ابتسامة احترام خفيفة، وفتح باب العربية ووسع الطريق
طلبك مجاب يا ست البنات… اتفضلي.
ركبت العربية، والباب اتقفل ورايا برنة تقيلة عزلت صوت صړيخ محمود وتوسلاته بره. العربية اتحركت بسرعة چنونية في شوارع الجيزة، وكل ما نبعد عن العمارة، كنت بحس إن كابوس وخلص وبداية كابوس أكبر بتبدأ…
وبعد نص ساعة من الصمت التام، العربية وقفت قدام فيلا ضخمة ومنعزلة في طريق المنصورية، البوابات الحديد اتفتحت ودخلنا ممر طويل مليان حراسة، ولما نزلت ودخلت الصالون الفخم، كانت المفاجأة اللي هدت كل حساباتي
المستشار هشام ابن خالي مكنش قاعد مستنيني كمحامي بيحميني… هشام كان قاعد رجل على رجل، وفي إيده سېجار كوبي، وقاعد جنبه راجل ستيني هيبته ټرعب، وهشام بصله بابتسامة خبيثة وقال
جابت الورق كله زي ما خططنا بالظبط يا باشا… شروق نفذت اللعبة بالحرف من غير ما تحس!
الكلمة نزلت على راسي زي جردل ماية تلج في عز طوبة شروق نفذت اللعبة بالحرف من غير ما تحس!
وقفت في وسط الصالون الواسع، الثريات الكريستال اللي نازلة من السقف كانت بتلمع بإضاءة فاقعة عمّت عيني للحظات. ريحة خشب الأبنوس الممتزجة بدخان السېجار الكوبي ملَت مناخيري لحد الخنقة. عيني كانت متبتة في وش هشام، ابن خالي، الراجل اللي لجأتله بدموعي واستنجدت بيه على أساس إنه ضهري وسندي والوحيد اللي باقيلي بعد مۏت أبويا. كان قاعد حاطط رجل على رجل، لابس بدلة رمادي مفصلة على مقاسه بالملي، وساعة دهب بتلمع في معصمه، ومبتسم نفس الابتسامة الباردة اللي كنت بشوفها زمان لما كان بيكسب رهان في العيلة.
جمبه كان قاعد الراجل الستيني، ملامحه حادة زي الصقر، شعره أبيض متسرح لورا بدقة، ماسك في إيده كوباية كريستال فيها تلج بيتحرك برنة منتظمة، وعينيه الاتنين فضلوا متثبتين عليا من فوق لتحت بنظرة فاحصة كأنه بيعاين بضاعة.
رجعت خطوة لورا غريزياً، وضميت الشنطة لصدري، وقولت بصوت حاولت أخليه ميهتزش بس الغدر كان كاسر نبرتي
لعبة إيه يا هشام؟! أنت… أنت بتقول إيه ولمين؟! هو مش أنت اللي قولتلي فوق في التليفون صوري الورق وانزلي وأنا مستنيكي في القسم؟! مين ده وبتخططوا لإيه من ورايا؟!
هشام نفخ دخان السېجار لفوق بهدوء مستفز، وقام وقف من مكانه، حط إيده في جيب البنطلون وقرب مني بخطوات بطيئة واثقة، ووقف على بعد متر واحد وقالي بنبرة فيها عطف مصطنع
اهدي يا شروق… متشنجيش أعصابك يا بنت عمتي. أنتي عملتي الصح، وجبتي الورق اللي هينقذ رقبة العيلة كلها، وبدل ما تشكريني إن طلعتك من بين إيدين
النصاب محمود قبل ما الحكومة تكبس عليه وعلى بيت أمه، جاية ټصرخي في وشي؟
الراجل الكبير شاور بإيده لهشام عشان يسكت، وصوته الرخيم طلع يملى الصالة
سيبي الدوسيه يا مدام شروق، وتعالي اقعدي عشان تفهمي أنتي كنتي عايشة مع مين… ومعمية عن إيه طول السنين دي.
بصيت للراجل وقولتله بحدة
أنا مش هسيب ورقة واحدة ولا هقعد في مكان غير لما أعرف مين حضرتك الأول، وبأي حق رجالتك يوقفوني في الشارع ويجيبوني هنا؟!
الراجل ابتسم ابتسامة باهتة ورد ببرود
أنا منصور التهامي… الشريك القديم لوالدك الله يرحمه في شركات الاستيراد وأراضي الشرقية، والرئيس الفعلي لمجلس إدارة الشركة اللي كان سي محمود جوزك ومجموعته بيسرقوها تحت مسمى صيانة وتوريد مكن من المينا.
الاسم رن في دماغي؛ منصور التهامي… الاسم ده أنا شفته قبل كدة كتير في أوراق بابا القديمة وفي وصولات الأمانة اللي كانت متخزنة في درج مكتبه في شقتنا القديمة!
هشام قرب مني أكتر وحط إيده على كتفي، فنفضتها پعنف وبصتله بغل، فكمل كلامه ببرود
شروق، افهمي اللعبة صح عشان متضيعيش نفسك. محمود مكنش شغال لوحده، محمود كان واجهة لمجموعة تانية شغالة في غسيل الأموال وتهريب بضايع متهربة من الجمارك، وكان مستغل التوكيل بتاع خالك الله يرحمه والورشة اللي باسم هناء عشان يدخل الصفقات دي ويسجلها بأسماء حريم، بحيث لو وقع، هما اللي يشيلوا الليلة وهو يخلع بفيزا دبي اللي مجهزها مع نهى.
بلعت ريقي وبصيت للورق اللي في شنطتي
والدوسيه ده؟ وإيصالات الأمانة وأرض أبويا اللي باعها لدعاء؟
منصور التهامي حط كبايته على الترابيزة الرخام وقام وقف، وسحب ملف تاني خالص من على المكتب ورماه قدامي
محمود باع الأرض لدعاء بعقد صوري، بس هو كان كاتب قبلها تنازل رسمي ليا أنا كضمان للبضاعة اللي استلمها ومسددش تمنها… يعني الأرض دي كانت هتدخل في مزاد علني الأسبوع الجاي وتضيع منكم للأبد. الورق اللي في شنطتك هو النسخة الأصلية اللي تثبت إن البيع لدعاء تم بتاريخ قديم ومزور بعد ۏفاة والدك، وده الورق الوحيد اللي يثبت حقك في إبطال التوكيل واسترجاع الفدانين، وفي نفس الوقت هو اللي هيودّي محمود في ستين داهية ويثبت تورطه في الڼصب وغسيل الأموال.
قعدت على أقرب كرسي ورجلي مش شيلاني. بصيت لهشام وقولتله پقهر
وأنتم كنتوا عارفين كل ده؟ سايبيني تلات سنين مخدوعة وبتعامل زي الشغالة وببيع دهبي وبصرف عليه، وأنتم مستنيين الورق يقع تحت إيديكم؟
هشام نزل على ركبته قدامي وبصلي بجدية
والله يا شروق مكنتش هسمح لشعرة منك ټتأذي. محمود كان خبيث ومخبي الأصول كلها في مكان محدش يعرفه غيره هو وأمه، ولما أنتي نزلتي النهاردة وكلمتيني وقولتيلي على الورق اللي تحت الحوض، عرفت إن الفرصة جت عشان نضرب الضړبة القاضية وناخد حقك وحق عمي قبل ما يهرب بالليل.
سكتت لحظات، عقلي كان شغال بأقصى سرعة بيحلل كل نظرة وكل كلمة. مسكت الدوسيه الأحمر، وطلعته من الشنطة وحطيته على الترابيزة قدام منصور وهشام، بس إيدي فضلت متبتة عليه
الورق ده مش هيتسلم للنيابة غير بشرطين مفيش غيرهم.
منصور التهامي رفع حاجبه باهتمام
سامعك يا مدام شروق… إيه شروطك؟
أولاً أرض أبويا ترجع باسمي أنا وأمي بكره الصبح بإقرار تنازل وتصالح موثق في الشهر العقاري من طرفكم ومن طرف دعاء ومحمود بالتوكيلات اللي معاكم. ثانياً دهبي اللي باعه محمود وقيمته اللي مسحوبة من حساباتي ترجعلي كاش ومكتوبة في محضر الصلح كتعويض، ومحمود ياخد جزاءه بالقانون من غير ما اسمي ولا اسم أبويا يتلوث في قضايا التهريب بتاعتكم.
منصور
التهامي بص لهشام، وضحك ضحكة قوية ملَت الصالون، وقال بإعجاب
بنت عبد الرحمن بصحيح… من صلب راجل مكنش بيسيب حقه لآخر نفس في عمره. طلباتك كلها مجابة ومنفذة من قبل ما تطلبيها.
سحب منصور تليفونه واتصل بالمستشار القانوني بتاعه وأمره يجهز عقود التنازل والشيك المصرفي بالمبلغ فوراً.
بعد ساعتين كاملين من مراجعة المحامين وكتابة العقود، وقعت على استلام حقي بالكامل شيك مصرفي بقيمة دهبي ومصروفي، وتنازل مسجل ومختوم يرجع فدانين الزيتون بتوع بابا لاسمي أنا وأمي، ومحضر رسمي يثبت براءتي من كل تعاملات محمود المشپوهة.
وفي نفس اللحظة اللي مسكت فيها العقود في إيدي، الباب اتفتح ودخل ظابط مباحث ومعاه حازم، والظابط شاور لهشام وقال
تم القبض على محمود عبد الحميد في المطار وهو بيحاول يهرب مع المدعوة نهى، وقوة تانية اتحركت للورشة ولبيت والدته للتحفظ على دعاء وهناء لسماع أقوالهم في التزوير وغسيل الأموال.
قمت وقفت، حطيت ورقي وشيكي في شنطتي، ولبست نظارتي الشمسية وعدلت هدومي.
بصيت لهشام وقولتله بابتسامة خلت وشه يتغير
شكراً يا ابن خالي… خدمتني من غير ما تقصد، بس من النهاردة مفيش في حياتي مكان لحد فاكر إني ممكن أكون كارت في لعبة حد.
خرجت من الفيلا وخطواتي بتهز الأرض، ركبت عربيتي وفتحت الشباك عشان يدخل هوا العصر البارد. خدت نفس طويل لأول مرة من سنين؛ نفس حسيت بيه بطعم الحرية والكرامة والانتصار. محمود وأهله خدوا جزاء طمعهم وسواد قلوبهم، والست اللي كانت داخلة الصبح شقيانة ومقهورة في مطبخ حماتها، خرجت وهي قالعة عباية الضعف ولابسة توب القوة، وبترجع حقها كامل مكمل من وسط الوحوش.


تعليقات
إرسال تعليق