القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

  

سكريبت زينب كاملة 


أمانى سيد
زينب
كانت زينب، مرات ابني الصغير، داخلة بيتنا من عيلة على قد حالها، ومن أول أسبوع شيلتها البيت كله فوق كتافها عشان أعرفها إنها داخلة على عز مش عزها. كنت بشوف طيبتها وهدوءها ضعف وخنوع، فكنت أسلط عليها سلايف…

كانت زينب، مرات ابني الصغير، داخلة بيتنا من عيلة على قد حالها، ومن أول أسبوع شيلتها البيت كله فوق كتافها عشان أعرفها إنها داخلة على عز مش عزها. كنت بشوف طيبتها وهدوءها ضعف وخنوع، فكنت أسلط عليها سلايفها وأفهمهم إنها مش من توبنا، وإن وجودها بينهم مجرد مساعدة مش أخت.لما سلفتها الكبيرة كانت بتجهز لجواز أختها، زينب وقفت في المطبخ تلات أيام تطبخ وتخبز للضيوف، رجليها ورمت وهي شايلة الصواني طالعة نازلة، والكل كان قاعد حاطط رجل على رجل بيتأمر عليها كأنها مستأجرة بالساعة.

وحتى لما سلفتها التانية جالها دور برد شديد، زينب كانت تنزل الفجر تسخن الشوربة وتغسل الهدوم وتذاكر لعيالها عشان ترتاح، وكل ده عشان تشتري خاطرنا وتكسب كلمة حلوة تبل ريقها بعد التعب.كنت دايمًا أقلل من كل لقمة تعملها ومن كل خطوة تخطيها، وأقول لابني: "مراتك ملهاش أصل وبتعمل كده عشان عارفة مقامها". ولادي وسلايفها اتعودوا على المشهد، لدرجة إن عيالهم في البيت بقوا يرموا القشر والورق على الأرض ويقولوا لبنت زينب الصغيرة: "نضفي مطرحنا، ماهي أمك بتنضف لستك وأمهاتنا كل يوم ومبتقولش لأ".

القشة اللي كسرت الضهر كانت يوم عزومة الجمعة الكبيرة، البنت الصغيرة دخلت المطبخ تطلب حتة لحمة من الصينية، قامت سلفتها الكبيرة زقتها على الأرض وقالتلها بصوت عالي: "إنتِ تاكلي من بواقي الأطباق بعد ما نخلص، أمك لسه مخلصتش غسيل الحلل عشان تمدي إيدك!". البنت قامت تبكي وراحت لأمها مسكت في جلابيتها ووشها كله قهر.زينب في اللحظة دي وقفت، سابت المواعين اللي في إيدها، وبصت للكل بنظرة عمري ما شفتها فيها. قلعت المريلة ورمتها على الأرض بهدوء، ومسكت إيد بنتها وقالت بصوت هادي كسر البيت كله: "أنا خدمتكم بما يرضي الله عشان حبي لجوزي، بس لحد كرامة ضنايا وكل شيء خلص".

نزلت شقتها ورمت المفتاح تحت الباب، ومن يومها الباب اتقفل ومبقاش ينفتح، وعرفت ساعتها إن اللي ينكسر بافتراء عمره ما يتصلح بكلمة اعتذار.مرت الأيام بعد قفلة الباب دي، والبيت اللي كان حسه عالي بحركتها وخدمتها بقى عامل زي المقبــ,,ـــــرة، كئيب وملهوش طعم ولا بركة. كنت فاكرة إنها يومين وهتيجي تبوس إيدي وتطلب السماح، لكن عدى أسبوع واتنين وهي قاطعة الخبر تمامًا، متطلعش خطوة بره عتبة شقتها، حتى جوزها لما يرجع من شغله يدخل تحت وميطلعش يسهر معانا زي عوايده.

سلايفها اللي كانوا واخدين على الراحة والأكل الجاهز والمطابخ المتنضفة على الفرازة، بدأوا يضــ,,ـــــربوا في بعض. دي تقول دي نوبتها في غسيل السلم، والتانية تصوت من تراكم الغسيل وطبيخ العزومات، وابتدت المشاكل والخناقات تدب في كل ركن، وبقوا يترموا في وشي بدل ما كان كلامهم معسول.وفي يوم، وقعت في الصالة ورجلي اتلوت ومقدرتش أتحرك من مكاني. فضلت أنده وأستغيث، سلفتها الكبيرة قالتلي من ورا باب شقتها: "معلش يا حجة ضهري وجعني ومش قادرة أنزل"، والتانية خرجت عملت نفسها مش سامعة ورايحة مشوار لأهلها.

في اللحظة دي بالذات، حسيت بالكسرة والذل اللي كنت بدوقهولها كل يوم بإيدي.سمعت صوت خطوات سريعة على السلم، الباب اتفتح، ولقيت زينب داخلة تجري ووشها مخطوف. شالتني من على الأرض، سندتني بحنية، وعملتلي كمادات ودهنتلي رجلي وهي ساكتة تمامًا، مفيش في عينيها شماتة، بس كان فيها حزن يهد جبال.جيت أمد إيدي أطبطب عليها وأقولها سامحيني يا بنتي، قامت راجعة خطوة لورا، وقفت وبصتلي والدمعة محبوسة في عينيها وقالت: "أنا قومت بيكي دلوقتي عشان خاطر ربنا وتربيه ابويا أبويا اللي رباني عليه، مش عشان مستنية منك رضا ولا خايفة من غضبك.. بس اللي اتكسر في قلبي وفي نفس عيالي، عمره ما هيتلم تاني يا حجة".

لفت ضهرها ونزلت بهدوء، وسابتني وسط البيت الواسع اللي مليان جدران وبرد، وعرفت وقتها إن أصعب عقاب ممكن تعيشه، هو إنك تخسر إنسان أصيل ظلــ,,ـــــمته بإيدك.بعد الليلة دي، حسيت إن البيت كبر عليا فجأة، وبقت كل حيطة فيه بتفكرني بقسوتي. سلايفها اللي كنت بعملهم حساب وبراضيهم على حسابها، بقوا يتخانقوا على أتفه الأسباب، وكل واحدة فيهم شايفة نفسها أميرة ومحدش يطلب منها كوباية مية. ابني الكبير جه في يوم يزعق ويشتكي إن البيت مهمل ومحدش بيطبخ لأمه، مردتش عليه، لأني كنت عارفة إن اللي بنى العز ده كله بحسّه وطيبته كان زينب، واحنا بأيدينا طردنا البركة من البيت.

ابني جوزها، اللي كان دايمًا ساكت وواطي الراس عشان ميزعلنيش، جه قعد قدامي في يوم وبص في عيني بوجع عمري ما شفته فيه، قالي: "أنا سكتت كتير يا أمي وقولت رضاكي بالدنيا، بس سكوتي كسر مراتي وذل عيالي، وأنا مش هقبل أعيش هنا دقيقة واحدة تانية". كان مجهز شقة إيجار على قده، بعيد عن بيت العيلة، جهز شنطهم في هدوء من غير ما يعملوا دوشة ولا يوجهوا كلمة عتاب لواحدة من السلايف.

 

شفت ابنهم ماشي رافع راسه، ماسك إيد أمه وفرحان، وزينب ماشية بهدوء ووقار، ولا التفتت وراها ولا بصت على البيت اللي عاشت فيه سنين تخدم وتهان. في اللحظة دي، البيت حقيقي فضي عليا، مبقاش فيه غير صدى صوت الخناقات وسواد القلوب اللي زرعته بنفسي، وفهمت بعد فوات الأوان إن الطيب لما بيمشي بياخد معاه كل النور والستر، ومبيسبش وراه غير الندم.

عدت شهور على خروجهم، والبيت بقى كأنه بيت مهجور رغم إن الكل عايش فيه. الخناقات بين السلايف ولعت أكتر؛ اللي كانت واخدة على الراحة مبقتش طايقة تطبخ ولا تغسل مدخل العمارة، وولادهم اللي كانوا متنمرين بقوا يتخانقوا مع بعض ليل نهار بعد ما لقوا مفيش حد ضعيف يمارسوا عليه قسوتهم.

ابني التاني والتالت بدأوا يحسوا بالفرق، أكلهم مش جاهز، بيوتهم مكركبة، والجو في البيت بقى سم وغل. في يوم قعدوا معايا وقالولي: "يا أمي ما تكلمي أخونا يرجع، البيت فضي والعيشة بقت جحيم". بصيتلهم بمرارة وقولت: "إنتوا مش عايزين أخوكم يرجع، إنتوا عايزين الخدامة اللي كانت شايلة وساكتة هي اللي ترجع، بس خلاص، اللي كان شايل الحمل ومستحمل الإهانة عشان خاطرنا مشي ومش هيرجع".عرفت من بعيد إن ربنا فتحها على ابني الصغير وزينب، ربنا رزقه بشغلانة أحسن، وابنهم دخل مدرسة كويسة وبقى متفوق ووشه منور بعد ما بعد عن القهر والكلام اللي يكسر النفس.

زينب فتحت مشروع صغير من بيتها، وكل الناس بقت تشكر في ذوقها وأصلها وطيبتها.وفي يوم العيد، كنت قاعدة لوحدي بعد ما سلايفها كل واحدة فيهم خدت عيالها وراحت عند أهلها وسابوني وحيدة في شقتي. الباب خبط، قومت بلهفة وافتكرت إن حد افتكرني، فتحت لقيت ابني الصغير واقف ومعاه ابنه لابس لبس العيد وجايبلي علبة كعك. ابني باس راسي وقالي: "كل سنة وإنتِ طيبة يا أمي".مديت إيدي للواد، قرب وسلم عليا وباس إيدي، بس نظرة عينه مكنتش زي زمان، كانت نظرة حد واثق في نفسه ومش مكسور، بس في نفس الوقت بعيد.

دورت بعيني وراهم، ملقيتش زينب. ابني فهم اللي في بالي وقالي بهدوء: "زينب بتقولك كل سنة وإنتِ طيبة يا حجة، بس طلبت مني أعفيكِ وأعفيها من المقابلة، عشان مفيش كلام يتقال يرجع اللي راح".مشوا وسابوني للسكوت اللي مبيفارقش البيت، وقعدت أبص للعلبة المقفولة قدامي، وعرفت إن الكرم لما ييجي من حد إنت ظلــ,,ـــــمته، بيبقى وجعه أشد من الإهانة، وإن الحساب في الدنيا قبل الآخرة.مرت السنين وبقى العجز ينهش في عضمي يوم بعد يوم، والبيت اللي كنت مفكراه عزوة وعمار اتهد على روس أصحابه.

سلايفها اتطلقوا؛ كل واحدة فيهم ملقيتش اللي يخدمها ولا يشيل عنها، وبانت حقيقتهم المرة لما الفلوس قلت والمسؤولية زادت، فسابوا البيت وخربوا عيشة ولادي ومشوا. ولادي الكبار كل واحد فيهم اتلهى في مشاكله وهمومه، وبقيت مرمية في شقتي بالساعات ومحدش بيعبرني ولا يمدلي كباية مية إلا بقرف وتأفف.وفي يوم، المرض هد حيلي خالص ودخلت المستشفى في غيبوبة سكر ومشاكل في القلب، ولادي الاتنين الكبار وقفوا قدام الدكتور يسألوا عن التكلفة قبل ما يسألوا عن علاجي، وكل واحد يرمي الحمل على التاني ويقول "معيش أدفع".

فتحت عيني بعد أيام على نور خافت في أوضة نظيفة ومريحة، لقيت ابني الصغير قاعد على الكرسي وجنبه ابنه اللي بقى شاب ماليمكانه راجل. ولما الدكتور دخل يطمن عليا، عرفت إن ابني الصغير هو اللي شال كل المصاريف ونقلني لأحسن مستشفى، وإن مراته زينب هي اللي فضلت سهرانة تطبخله الأكل وتبعتلي الشوربة والعلاج بإيده من غير ما تحط اسمها في الصورة.

طلبت من ابني برجاء ودموعي على خدي إني أشوفها، قولتله: "أبوس إيدك يا ابني، خليها تيجي تخليني أطلب منها السماح وأردلها جزء من اعتبارها، أنا بمــ,,ـــــوت ونفسي أغمض عيني وهي مسامحاني".تاني يوم الباب اتفتح، ودخلت زينب. كانت وشها سمح وجميل زي ما هو، هادية ولابسة عباية شيك، وقفت بعيد خطوتين عن السر,,ـــــير. مديت إيدي المرتجفة ليها وأنا بنهار من البكا: "حقك عليا يا بنتي.

. ظلــ,,ـــــمتك ودوقتك القهر، وربنا ردلي كل كسر كسرتهولك في الدنيا قبل ما أمــ,,ـــــوت.. سامحيني عشان ربنا يسامحني".زينب عينيها دمعت بهدوء، قربت خطوة واحدة ومسكت طرف إيدي وقالت بصوت هادي نبرته كلها وجع عتيق: "أنا مسامحاكي لله يا حجة عشان خاطر جوزي وولادي، وعشان مش عايزة أشيل في قلبي نقطة غل تقفل بيني وبين ربنا.. بس قلبي اللي اتجرح مش هيقدر يرجع زي ما كان، وعمري ما هنسى اللحظة اللي اتذليت فيها وسطكم".

طبطبت على إيدي بحنية وسابتني وخرجت، ومع كل خطوة كانت بتبعدها عن الأوضة، كنت بحس إن الحمل اللي عليها نزل على كتافي أنا، وعرفت ساعتها إن في ذنوب ممكن الناس تسامح فيها لوجه الله، بس أثرها بيفضل يعلم في الروح لحد آخر العمر، وإن الظلــ,,ـــــم ظلــ,,ـــــمات، وأمرّ حاجة فيه إنك تمــ,,ـــــوت وإنت حاسس بقلة قيمتك قدام حد كان شاريك بالدنيا ورميته بالرخيص

 

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close