القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية العطارين الفصل العشرون والحادى وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه

 رواية العطارين الفصل العشرون والحادى وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه 





رواية العطارين الفصل العشرون والحادى وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه 




صباحك بيضحك يا قلب فريده

أوعى تستنى حد يقولك إنت قوية... القوة الحقيقة انك تقومي

كل مرة لما الدنيا توقعك وكأنك أول مرة تبداي

الثقة بالنفس مش إنك تبقى شايفه نفسك أحسن من الناس

لا طبعا... الثقة إنك تبقى عارفه قيمتك حتى لو الدنيا كلها حاولت تقلل منك

ارفعي راسك... مش غرور عشان اللي عرف قيمته عمره ما هيسمح لحد يقلل منه

و متخليش حد يقنعك إنك ضعيفه الجبل عمره ما يتهز

متستنيش حد ينقذك... لما تصدقي بنفسك هتكتشفي إن أقوى سند في حياتك.. هو انتي

انا واثقة... و بحبك

كان الصمت الذي خيم على مجلس الحاج دياب أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة

توقفت المسبحة بين أصابعه بينما ثبت نظره على الرجل الواقف أمامه ذلك الذي جاء يحمل رسالة لم يجرؤ أحد على حملها من قبل

أما الرجال... فكانت أيديهم تستقر فوق أسلحتهم وأنفاسهم خرجت بطيئة وعيونهم تتبادل النظرات في حذر وقبل أن ينطق أحد...

دوى صوت محركات سيارات ضخمة خارج الدار أعقبه صرير فرامل عنيف

ثم أصوات أبواب تفتح تباعًا

نظر سعد ناحية الباب وقال بحدة:

ـ دول وصلوا

تحرك حمزة تلقائيا نحو النافذة المطلة على الساحة ثم أزاح الستارة قليل

لعن بصوت خافت:

ـ يلعن ميتينك يابن الكلب... ده سعفان و جايب معاه نص رجالة البلد

نهض الجميع دفعة واحدة

أما دياب... فظل جالس مكانه وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة منذ سنوات

رفع رأسه ببطء وقال بصوت ثابت:

ـ محدش يضرب طلقة... إلا بأمري

رد سعد بعصبية وهو يلتقط بندقيته:

ـ يابا... الراجل جاي يتحدانا قدام الدار

ضرب دياب الأرض بعصاه ثم قال بحسم:

ـ قولت... محدش يضرب

تبادل الرجال النظرات ثم خرجوا جميعا إلى الفناء

كانت عشر سيارات ربع نقل مصطفة أمام البيت الكبير

وراء كل سيارة وقف رجال يحملون بنادق آلية لكن فوهاتها كانت متجهة إلى الأرض

رسالة واضحة... جئنا مستعدين للحرب... لكننا لم نبدأها

فتح باب السيارة الأمامية ببطء وترجل سعفان

يرتدي جلباب أسود وعباءة داكنة وعلى وجهه ملامح لا تعرف الخوف

وقف في منتصف الطريق ثم رفع بصره نحو بيت العطارين

في اللحظة نفسها... خرج الحاج دياب يتقدمه أبناؤه وأشقاؤه

وقف سعد في المقدمة وبجواره حمزة وعبدالعزيز معهم نصر و ايمن و جلال

بينما تمركز عدنان الجبالي على الجانب يراقب كل حركة بعين صقر

ساد صمت للحظات ثم ابتسم سعفان ابتسامة باردة وقال بصوت وصل إلى الجميع:

ـ السلام على أهل الدار

لم يرد أحد... تقدم دياب خطوة واحدة فقط وقال بجمود:

ـ وعليكم السلام... خير يا سعفان

ابتسم الأخير ابتسامة خبيثة ثم قال:

ـ خير... طول عمرنا أهل ومهندخلش بيوت بعض إلا بالخير و الاصول

ضحك سعد بسخرية وهو يشير إلى الرجال الواقفين خلفه:

ـ أهل إيه اللي داخلين علينا بالسلاح؟

حول سعفان نظره إليه وقال ببرود:

ـ دول رجالتي كيه ما دول رجالتك

ثم أعاد بصره إلى دياب وأكمل:

ـ جاي أتكلم وياك... راجل لراجل و بعيد عن الطار اللي بيناتنا

رد دياب دون أن يهتز:

ـ جول اللي عنديك يا سعفان اني سامعك

تنهد سعفان ثم قال بنبرة هادئة على غير المتوقع:

ـ أني النهارده ماجتش آخد تار... ولا جاي أفتح حرب

ثم نظر مباشرة إلى عبدالعزيز وأكمل بقوة:

ـ وجاي كمان أجولك... خليك محتفظ بولد عمي حداك

انعقد حاجبا دياب أما عبدالعزيز فثبت عينيه عليه دون أن ينطق

أكمل سعفان بغل ظاهر:

ـ من النهارده... عبدالعزيز معادش من لحمي

لم يهتم سعد بكل ذلك بل قال بحدة:

ـ خلص اللي عندك و هات من الآخر

ابتسم سعفان ابتسامة مستفزة ثم قال الجملة التي قلبت المكان كله:

ـ إنما... نورا... دي بنت عمي ولحمي... جيت آخدها معاي

ساد الصمت... حتى الهواء توقف من حولهم و تحولت ملامح سعد إلى

أخرى شيطانية قبل أن يتفوه بحرف قال دياب بهدوء غريب:

ـ و انت رايدها ليه؟

رد عليه بثقة:

ـ لأنها من دمي... ومالهاش جعدة إلا وسط أهلها

ثم أضاف وهو ينظر إلى الجميع:

ـ هترجع معايا النهارده... لحمنا مهيجعدش حَدى الأغراب

وقبل أن يتحدث أحد... انفجر سعد اندفع نحوه كالإعصار

لم يفكر... لم ينظر لأحد... هوى بقبضته بكل قوته على وجه سعفان

ارتدّ الرجل للخلف وسقط أرضًا وسط ذهول الجميع

وفي اللحظة التالية... كان سعد يجذبه من جلبابه صارخًا بجنون:

ـ احااااااا على ميتين امك

ثم هزه بعنف وهو يزمجر:

ـ جاي تاخد مراتي من وسط بيتي يا ابن الكلب

تجمد الجميع اتسعت عينا الحاج دياب وانعقد حاجبا خميس

أما حمزة وعبدالعزيز فنظرا إلى سعد بعدم استيعاب

حتى عدنان الجبالي... رفع رأسه لأول مرة بدهشة حقيقية

أما سعفان... فنظر إليه مذهولا والدم يسيل من شفته السفلى

 قال بصوت خرج متقطعًا يملأه الصدمة:

ـ مرتك... كيف ديه؟

قبض سعد على جلبابه بقوة أكبر حتى كاد يمزقه وصاح أمام الجميع

ـ أيوه... مراتي كتبت كتابي عليها... واللي يقرب منها هقطع إيده قبل ما توصلّها

وفي تلك اللحظة... بدأت أبواب الدار تفتح... إنتفضت النساء على صوت الصراخ...

وكانت نورا أول من نظر من خلف النافذة... رأت سعد يقف أمامه كالسد

وفي المقابل... وقف سعفان يمسح الدم عن فمه

ثم... ابتسم ابتسامة لم تُطمئن أحد



ظل  ينظر إلى سعد لثواني ثم مسح الدم الذي سال من شفته بطرف إصبعه... نظر إليه ثم ابتسم مرّة اخرى ابتسامة باردة أرعبت الواقفين أكثر من أي صراخ

بصق الدم أرضًا وقال بصوت منخفض:

ـ إنت ضربتني... يا سعد؟

كان صدر سعد يعلو ويهبط بعنف  وعيناه تشتعلان كالجمر

اقترب منه خطوة أخرى ثم صاح:

ـ وأقتلك كمان لو نطقت اسمها تاني... دي مراااااتي واللي هيمد عينه عليها هعميه

إرتفعت همهمة بين رجال سعفان أما رجال العطارين فكان الذهول يكسو وجوههم

إلتفت خميس إلى دياب وقد اتسعت عيناه:

ـ مش اتفقنا محدش يعرف دلوقت ؟

أما جلال فنظر إلى سعد ثم إلى أبيه وقد فهم أخيه من نظرة واحدة

بينما وقف عبدالعزيز مذهول وهو يتمتم:

ـ الله يخربيتك يا جن

رفع سعفان رأسه ببطء نحو الحاج دياب

اختفت الابتسامة من وجهه تمامًا وقال بصوت خرج كالفحيح

ـ الكلام ديه صوح يا حج دياب... كتبتوا علي بت  عمي من وري أهلها ؟

ساد الصمت للحظات حتى أجاب دياب بثبات:

ـ صوح... جوزت بتي وأمانة عمك ليا لولدي الكبير 

ـ وأني... آخر واحد يعرف؟

لم يرد دياب فاختنق صوت سعفان من شدة الغضب:

ـ يعني بنت عمي تتجوز... وكبيرها ما يعرفش

ضرب كفا بكف وهو يضحك بمرارة:

ـ الله أكبر... الله أكبر على الزمن و على اللي بيعمله ولد الأصول 

 أشار ناحية سعد بعصبية وأكمل: 

ـ الواد ديه خد بت عمي من ورا ضهر أهلها... وإنت يا دياب وافجته

قال دياب بهدوء لكن كلماته كانت حاسمة:

ـ وافجت على  الحلال... واللي حصل حصل برضاها وبرضاي

صرخ سعفان:

ـ برضاك إنت... إنما برضا العُرف و العوايد لااااااااه

ثم استدار ناحية الرجال الواقفين خلفه وكأنه يخاطب البلد بأكملها:

ـ اسمعوا يا رجال... الحاج دياب بنفسه بيجول إنه جوز سعد لبت عمي من غير ما يرجع لكبيرها

ثم عاد ينظر إلى دياب وأكمل بغل شديد:

ـ والله لأجمع كبار البلد كلياتهم... و الكل هيعرف إنكم كسرتوا عوايدنا قبل ما تكسروا كلامي

تحرّك سعد نحوه من جديد لكن عدنان الجبالي مد ذراعه في هدوء وأوقفه دون عنف

همس له:

ـ إرجع ورا... اللي هيكسب النهارده مش اللي يضرب... اللي هيعرف يسكت

 شعر أنه  يكاد يختنق و هو يقول بجنون:

ـ أسكت إيه يا عدنان..... ده جاي ياخد مرتي

رد عدنان دون أن يرفع صوته:

ـ ومحدش هيعرف ياخدها... طول ما إحنا واجفين سيب الكبير يتحددت


في الداخل... كان صدى الصراخ يصل إلى أرجاء الدار

وقفت نورا خلف باب الغرفة ترتجف بالكامل

كلما سمعت اسمها إزداد إرتجافها همست بصوت باكي:

ـ هوَّ... هوَّ عايز ياخدني

أسرعت أماني تحتضنها و هي تقول:

ـ لاه يا بتي... محدّش يقدر ياخدك من حضن جوزك

لكنها كانت ترتعش كعصفور مبتل دفنت وجهها في صدرها وهي تبكي

ـ خايفة... والله خايفة يا خالتي... خايفه يجرى لسعد حاجة

ربتت أماني على شعرها بينما وقفت سميحة وسندس و فرح عند النوافذ يحاولن معرفة ما يحدث بالخارج وقلوبهن تكاد تخرج من صدورهن

وفي الخارج... رفع سعفان سبابته في وجه دياب وقال بقسم:

ـ من النهارده... ليا عنديكم تلات حجوج

 عدها بأصابعه و هو يكمل:

ـ حج التار...

ثم رفع إصبعًا  ثاني وأكمل:

ـ وحج بت عمي اللي اتجوزت من غير علم أهلها

ثم رفع الإصبع الثالث ونظر مباشرة إلى عبدالعزيز:

ـ وحق راجل من دمي... باع أهله ووقف مع عدوينا.

ساد الصمت... لكن النظرة التي تبادلها دياب وعدنان في تلك اللحظة كانت تقول شيئ واحد

المعركة الحقيقية... لم تبدأ بعد




ظل الحاج دياب واقف مكانه... لم يهتز... لم يغضب

بل ظل ينظر إلى سعفان نظرة طويلة حتى شعر الأخير أن صمته أثقل من أي رد

وأخيرًا... قال بصوت هادئ لكنه خرج مهيبًا:

ـ خلصت يا سعفان

قطب  حاجبيه و قال بغضب شيطاني:

ـ لسه مخلصتش... ولسه عندي كتير

هزّ دياب رأسه ببطء ثم قال بقوة:

ـ يبجى اسمعني زين... لأنك من دلوك مش هتعرف تجاطعني


إحتل الصمت المكان... حتى رجال سعفان ثبّتوا أنظارهم على كبير العطارين

قال دياب وهو يخطو خطوة للأمام:

ـ أول هام... نورا عمرها ماكانت  بيعة و شروة

دي ست البنات... وليها ولي والولي وافج


ثم أشار إلى نفسه وأكمل :

ـ وأني كنت وليها

ارتفعت نبرة سعفان قائلًا بجنون:

ـ وأني كبيرها...هيَّ ليها عيلة و ناس يا ولد الأصول

ردّ دياب دون أن يرفع صوته:

ـ الكبير اللي يغيب عن لحمه... ميجدرش يرجع يجول أني أولى بيه

تجدر تجولي بجالك كد إيه غايب عن البلد ؟

هوَّ انت كت فاكر أن حِداك بت عمي من الأساس


ساد صمت ثقيل كانت الضربة موجعة... لأن الجميع يعلم أن سعفان هو من ابتعد عن أهله سنوات طويلة

احمرّ وجه سعفان وقال بغضب:

ـ بتلومني على اللي فات ؟

ـ لاااااه... آني بفكرك بيه

قالها دياب في هدوء ثم أكمل:

ـ يوم ما البت كانت محتاجة راجل يسندها... مجيتش

ويوم ما كانت خايفة... مجيتش

 ويوم ما اتكسرت... مجيتش

ثم ضرب عصاه في الأرض وأكمل بغضب: 

و يوم ما كان أبوك رايد يخطفها و يكسر بيها أخوه

ولد أمه وأبوه مكتش إهنيه يا سعفان 

 دلوجت... بعد ما ربنا سترها... جاي تاخدها؟


خفض كثير من الرجال رؤوسهم حتى بعض رجال سعفان تبادلوا النظرات في حرج

أما سعد... فكان ينظر إلى أبيه بفخر كبير

ابتسم عدنان الجبالي ابتسامة خفيفة وهمس لعبدالعزيز:


ـ عمك دياب لساته  هيعرف يحط السكين في مكانها

و لكن سعفان لم يكن ممن يتراجعون ضحك فجأة... ضحكة خالية من الفرح

ثم قال:

ـ حلو... جوي الحديت ديه

اقترب حتى أصبح لا يفصل بينه وبين دياب سوى خطوات وأكمل:

ـ يعني بتجول إن اللي حصل شرع ربنا صوح؟

ـ صوح

ـ و عوايدنا؟

سكت دياب لحظة فابتسم سعفان بانتصار و قال بتشفي:

ـ أهه... سكت ليه عاد ما ترد عليّ 

ـ لأن العوايد... إنكسرت يا ولد عويضه


قالها دياب دون مواربة فتعالت همهمة الرجال

و دياب أكمل بقوة:

ـ وإنكسرت بيدي... لأني فضّلت ستر بت على عادات ساعات بتظلم الناس

و حاميتها من عمها اللي كان هيضيعها 


ساد صمت مهيب... حتى سعد نفسه لم يكن يتوقع أن يقول والده ذلك أمام الجميع

أما سعفان... فانفجر ضاحكًا كالمجذوب ثم صرخ بكل قوته:

ـ سمعتوا.... الحاج دياب بنفسه بيعترف إنه كسر عوايدنا

ثم استدار ناحية رجاله و قال:

ـ من النهارده... التار بجي تنين

 عاد ينظر إلى دياب بعينين تشتعلان وأكمل:

ـ هنجمع كبار البلاد كلياتها... كل شيخ وكل كبير فيهم هيحكم بيناتنا

رد دياب في هدوء أثار جنون الجميع:

ـ اجمع مصر كلها لو رايد... محدّش هيغير حكم ربنا

و لا هيبعد مرت ولدي عن دار العطارين


إشتعل وجه سعفان و قال :

ـ يبجى متلومش غير نفسك لو الدم سال

وفي لحظة...صدر صوت تكتكة سلاح إستدار الجميع

كان أحد رجال سعفان قد رفع بندقيته دون قصد وهو يحاول التقدم

وفي أقل من ثانية... تحرك نصر... ومن الناحية الأخرى اندفع عبدالعزيز

وفي اللحظة نفسها... كان سعد قد أشهر سلاحه وصوبه مباشرة إلى رأس الرجل

صرخ بصوت هز المكان كله:

ـ قسمًا بالله... أول طلقة هتخرج... هقتل قصادها عشرة قبل ما توصل لحد من أهلي


ساد قلق رهيب... وأصبحت أصابع الجميع فوق الزناد

أما عدنان الجبالي... فكانت عيناه تتحركان بين الوجوه بسرعة

لكنه لم يكن ينظر إلى رجال سعفان بل كان يراقب رجال العطارين أنفسهم

وكأن شيئ ما لفت انتباهه... وكأن هناك رجلًا وسطهم لا يقف في المكان الذي ينبغي أن يقف فيه فلمعت عيناه... وهمس لنفسه

- إوعىاك تكون...  أول حركه من الخاين

اشتعلت العيون... وانتفض الرجال في أماكنهم وكل طرف ينتظر شرارة واحدة فقط

لكن قبل أن ينطق أحد... خرج صوت نسائي يبكي بقهر من داخل الدار

كانت نورا... لم تستطع أن ترى ما يحدث لكنها سمعت اسمها يتردد أكثر من مرة

 ثم سمعت صوت سعد وهو يصرخ... دي مراتي

فانهارت باكية ارتمت في حضن أماني مره أخرى  وهي ترتجف

ـ هيموتوه... هيقتلوه بسببي... يا خالتي إعملي حاجة... بالله عليكي

إحتضنتها أماني بقوة وهي تمسح على رأسها ثم قالت بيقين:

ـ إهدي يا بتي... طول ما دياب العطار عايش

 محدش يقدر يمد إيده على واحد من ولاده


أما في الخارج... فقال سعفان وهو يخلع عمامته ويلقيها أرضًا في غضب:

ـ يبجى اسمعني يا دياب... من النهارده مفيش حديت غير لما  كبار البلد

يحكموا  بيناتنا

ثم أشار إلى سعد وأكمل بغل:

ـ والواد ديه هيتحاسب جدام الناس كلها

لم يحتمل سعد أكثر... حاول الإنقضاض عليه من جديد لكن هذه المرة أمسكه أيمن من ذراعه بينما أمسك عبدالعزيز بالذراع الأخرى

صرخ سعد وهو يحاول الإفلات:

ـ سيبوني...  والله ما هطلّعه من هنا إلا على نقاله

واد مين يابن الكلب يا ### ده انا #####

أخذ يسب سباب لازع جعلهم يصدمون بينما

قال حمزة بجنون وهو يضغط عليه بكل قوته:

ـ كفايه يا سعد... هو عايزك تغلط متوصلهوش للي عايزه


  ضحك سعفان بإستهزاء ثم قال:

ـ خليه ياخوي... خليه يوري الناس تربية العطارين و يزود في غلطه

وهنا... حدث ما لم يتوقعه أحد رفع الحاج دياب عصاه عاليًا

وضرب بها الأرض ضربة دوي صوتها في الساحة

ثم صاح بصوت زلزل المكان:

ـ كفاااااية

حل الصمت في لحظة حتى سعد تجمد مكانه

نظر دياب إلى سعفان نظرة حادة وقال:

ـ إنت دخلت داري برجليك... وده ليه حرمة

ثم أشار إلى الباب الكبير وأكمل:

ـ اطلع منها برجليك قبل ما حد يشيلك على نجاله 

كيف ما ولدي جالك


ابتسم سعفان ابتسامة باردة ثم قال وهو يتراجع للخلف:

ـ ماشي يا دياب... أني ماشي... لكن المرة الجاية... مش هاجي لوحدي

ـ هجيب عُمد البلاد... وكبارها... وهجيب وياي الدليل إنكم كسرتوا عوايدنا

 ثبت عينيه في عيني سعد وأكمل بغل:

ـ وافتكر كلامي يا ولد... جوازتك منيها في السر... يا إما هنخلصها... يا إما هيتدفع تمنها دم

إستدار متجه نحو سيارته... وقبل أن يفتح الباب... ظهرت ابتسامة غامضة على وجهه

إبتسامة لم ينتبه لها أحد... إلا عدنان الجبالي

ظل يتابعه حتى ركب سعفان سيارته وتحرّك الموكب مبتعدًا

وقف عدنان ينظر خلف السيارات حتى اختفت تمامًا ثم همس لنفسه:

ـ لااااااه... الراجل ديه ماكنش جاي عشان البت بس

 كان جاي يعمل حاجة تانية... وإحنا مخابرينش إيه هيا


ظل الجميع واقفون في أماكنهم حتى اختفى آخر أثر لسيارات سعفان وسط الطريق الترابي

لم يتحرك أحد... وكأن رحيله لم ينهي المعركة بل تركها معلقة فوق رؤوسهم

قطع الحاج دياب الصمت وهو يقول دون أن يلتفت لأحد:

ـ ادخلوا... كِلياتكم جوه خلاص فضيناها


لم يعترض أحد دخل الرجال إلى المجلس من جديد لكن هذه المرة لم يجلس أحد

حتى المسبحة التي لم تكن تفارق يد دياب وضعها أمامه على الطاولة

جلس عدنان  في هدوء بينما ظل سعد واقفا يتحرك ذهابًا وإيابًا كذئب حبيس

وفجأة... إستدار دياب إليه و قال بأمر :

ـ اجعد يا سعد

رد على أبيه بعصبية:

ـ مش قادر يابا... نار جوايا مش هيطفيها غير دمه

انا مقدرتش أعمل حاجة إحترام لوجودك 

مخدتش حقي 

ـ جولتلك اجعد

كانت كلمة واحدة... لكنها حملت أمرًا لا يرد

جلس سعد وهو يزفر بقوة بينما نظر إليه دياب ثم قال:

ـ أني كنت ناوي أعلن كتب الكتاب بعد ما تهدى الدنيا... بس ربنا أراد إنه يتعرف بالطريجة دي

خفض سعد رأسه قليلا ثم قال بندم:

ـ غصب عني يا با... أول ما سمعته بيقول هياخدها... الدنيا اسودت في وشي

ابتسم دياب ابتسامة هادئه لم تدم أكثر من لحظة و قال بعدها:

ـ لو كنت سكت... كان زمانه فاكر إنها حاجه يضغط بيها علينا

 أردف وهو ينظر في عينيه:

ـ بس اللي عملته النهارده هيخليهم يطلعوا  علينا كلام كتير

تدخّل خميس وهو يضرب كفًا بكف:

ـ والله يا خوي... سعفان مش هيسكت

رد عدنان بهدوء:

ـ حجه لو مسكتش... اللي حوصل النهارده

في عرف الصعيد كبير جوي هو دلوك معاه حجة يجف بيها جدام كبار البلد

زفر حمزة بضيق ثم قال:

ـ يعني كنت عايزنا نسكت و لا نسبهاله؟

نظر إليه عدنان باستغراب و قال:

ـ مين جال اكده... الفرج كبير بين إن يبجى معاه حج

وبين إنه ياخد اللي عايزه


هنا تكلم عبدالعزيز لأول مرة منذ انتهاء المواجهة

كان صوته منخفض...:لكن الجميع انتبه له:

ـ أنا مش مطمن..... سعفان عمره ما كان بيتحرك بالشكل ده

 الراجل ده كل كلمة قالها كأنه حافظها

 وكأنه داخل يمثل دور مكتوب ليه بالملي

هزّ عدنان رأسه موافقًا ثم قال: 

ـ وأني جولت نفس الحديت ديه

ـ الراجل ماكانش جاي عشان للبت بس

قال سعد بغل يشوبه القلق:

ـ يعني إيه... كان عايز ياخد بطاره جوه بيتنا مثلًا؟

رفع عدنان بصره إلى الجميع و قال بذكاء:

ـ كان رايد حاجة تانية... وخدها

انعقدت الحواجب... قال نصر بعدم فهم:

ـ خد إيه... ماهو ماشي قفاه يقمر عيش قدامك 

تنهد عدنان ثم قال :

ـ بصوا لبعض إكده

التفت الجميع إلى بعضهم  فأكمل:

ـ قبل ما ييجي... كنا كلنا يد واحدة

دلوجت... كل واحد بيفكر في التاني و لاا  بيبصله بشك.


ساد الصمت...لأن كلماته أصابت الحقيقة حتى خميس...

بدأ يسترجع حديث دياب عن وجود خائن

نظر دياب إلى عدنان بإعجاب خفي ثم قال:

ـ كمل يا عدنان .... آني سامعك

إعتدل عدنان في جلسته وأكمل:

ـ الضرب بالنار امبارح... وبعديه رسالة... وبعديها زيارة سعفان... دي مش صدف

دي خطوات مترتبة

همس عبدالعزيز:

ـ تقصد إن فيه حد بيحركه؟

رد عدنان دون تردد:

ـ أيوه.... إكده يبجى سعفان نفسه مش هو العدو الأكبر


وفي تلك اللحظة... دوى طرق خفيف على باب المجلس

دخل أحد رجال دياب انحنى باحترام وقال:

ـ يا حج... الراجل اللي مسكناه في الغيط... بيجول إنه مش هينطج غير جدامك

نظر دياب إلى عدنان ثم قال بهدوء:

ـ هاتوه

خرج الرجل... وبعد لحظات دخل أربعة من رجال العطارين يتوسطهم رجل مُكبّل اليدين

 وثيابه مغطاة بالتراب وعلى وجهه آثار ضرب واضحة

كان يمشي بصعوبة لكن... الغريب أنه كان يبتسم

ابتسامة واسعة... وكأنه هو من أوقعهم في الفخ... وليس العكس

رفع رأسه ببطء... ونظر مباشرة إلى الحاج دياب

ثم قال بهدوء أربك الجميع:

ـ السلام عليكم... يا كبير العطارين

 بعدهاتقدم الرجل  حتى وقف في منتصف المجلس

ألقى نظرة بطيئة على الوجوه من حوله...

الحاج دياب... خميس... أدهم... رجب

سعد... حمزة... عبدالعزيز... جلال و نصر وأيمن


 توقفت عيناه عند عدنان الجبالي لثانية واحدة وابتسم ابتسامة صغيرة كأنه يعرفه

التقط عدنان تلك النظرة لكن ملامحه لم تتغير

قال الحاج دياب بصوته الوقور:

ـ إسمك إيه؟

ابتسم الرجل وقال بهدوء

ـ وهيفرج معاكم في إيه اسمي؟

دوي صوت سعد وهو يندفع نحوه بغل و يقول:

ـ يعني إيه ميفرقش يا روح امك 

وقبل أن يصل إليه أشار دياب بعصاه

ـ مكانك يا سعد

توقف سعد بصعوبة بينما واصل الرجل ابتسامته المستفزة

قال دياب:

ـ أسألك وترد... ده أحسنلك

رد الرجل بثقة غريبة:

ـ ولو مردتش هتعمل إيه؟

قال دياب دون أن يرفع صوته:

ـ يبجى هتخليني أعمل حاجة مبحبهاش

ضحك الرجل ضحكة قصيرة لكنها باردة ثم قال:

ـ والله يا حاج... لو جت على الموت... إحنا ميتين من زمان

تبادل الرجال النظرات... قال عدنان بهدوء وهو يتأمله:

ـ إنت مش من البلد صوح؟

نظر إليه الرجل بإعجاب ثم قال:

ـ بتفهم  يا كبير


ـ لا لهجتك من إهنيه... ولا وشك شوفناه جبل كده

ابتسم الرجل و قال:

ـ صح....عندك حق

تقدم عبدالعزيز خطوة و قال:

ـ مين اللي باعتك... إنطق وإخلص

رفع الرجل رأسه ثم نظر إلى سقف المجلس للحظة وكأنه يسترجع شيئًا قديم

ثم قال بهدوء:

ـ لو قولتلكم... مش هتصدقوا

قبض سعد على قبضته و قال بغضب جم:

ـ عليّا الحرام من ديني لو ما نطقت لأفلقك نصين

التفت الرجل إليه ثم قال جملته ببطء... كأنه يتعمد أن تقع كل كلمة كالحجر:

ـ اللي باعتني... راجل... المفروض إنه ميت


تجمد المجلس نظر خميس إلى دياب

أما أدهم... فقد قطب حاجبيه وهو يحاول أن يتذكّر

لكن... كانت الصدمة الحقيقية على وجه الحاج دياب

لأول مرة... تغيرت ملامحه ولم يفُت ذلك عدنان

إقترب قليلًا وهو يراقب دياب قبل الرجل

ثم قال:

ـ مين الراجل ديه انطج... كيف واحد ميت هيبعتك؟

ابتسم الأسير ابتسامة واسعة هذه المرة وقال:

ـ أصل شكله... معرفش يموت

وفي لحظة... صاح سعد بغضب:

ـ اسمه اااااااايه؟

نظر إليه الرجل مباشرة ثم قال:

ـ مش من حجي أجول اسمه  لكن من حجي أوصل رسالته

ضرب دياب بعصاه الأرض و قال بجنون:

ـ جولها و خلصنا بدال الحديت الماسخ ديه

أخذ الرجل نفس عميق ثم قال بصوت ثابت:

- جول لدياب... الحساب اللي بدأ من عشرين سنة... جات ساعة   سداده


حل صمت ثقيل... شعر الجميع وكأن هواء المجلس اختفى

نظر خميس إلى أخيه و قال باستغراب:

ـ عشرين سنة؟!

أما أدهم... فبدأ القلق يظهر في عينيه

بينما ظل دياب ينظر إلى الرجل دون أن يرمش

قال الرجل وهو يبتسم:

- و بيجولك كمان... الميت لما يرجع... أول حاجة بيدور عليها... هي اللي دفنوه


هنا... وقف الحاج دياب ببطء واقترب منه حتى أصبح لا يفصل بينهما سوى خطوة واحدة

نظر في عينيه بقوه... ثم قال لأول مرة بنبرة خرجت مختلفة:

فيها خوف قديم لم يسمعه أولاده من قبل

ـ إنت شوفته؟

ابتسم الرجل وهز رأسه بالإيجاب

في تلك اللحظة... شعر عدنان الجبالي أن الدم تجمد في عروقه

لأن السؤال الذي سأله دياب... كان معناه شيئ واحد

أن الحاج دياب... يعرف جيدًا من يقصده الرجل

لكن السؤال هو... هل يكون  سليمان... أم أن هناك شخصًا آخر من الماضي لم يمت كما ظن الجميع



ماذا سيحدث يا ترى



سنرى


انتظروووووني 


بقلمي / فريده الحلواني

صباحك بيضحك يا قلب فريده 


إوعي تخافي من الطريق الطويل... خافي بس إنك توقفي

النجاح مش حظ... النجاح قلب جامد  عنده إصرار وعقل رفض يستسلم

 وخطوة بتتاخد كل يوم حتى لو كانت صغيرة... يلا خدي الخطوة بسرعة 

هتوصلي و هتنجحي... نا واثقه فيكي 

و بحبك .




ساد صمت ثقيل داخل مجلس الحاج دياب  صمت لم يكن يشبه أي صمت عرفه رجال العطارين من قبل

كان الرجل الغريب لا يزال واقف في منتصف المجلس ويداه مكبلتان خلف ظهره بينما إبتسامته الباردة لم تغادر وجهه و كأنه  صاحب المكان لا أسير ينتظر مصيره

أما الحاج دياب... فقد ظل واقف أمامه عصاه تستقر على الأرض وعيناه ثابتتان في عينيه دون أن يرف له جفن

ولأول مرة... رأى أولاده شيئ لم يعتادوا رؤيته... الخوف

لم يكن خوف ظاهر... بل ارتباك خاطف مر فوق ملامحه لكنه لم يخفى  عن عين عدنان الجبالي

نظر عدنان إلى دياب ثم أعاد بصره للرجل المكبل وقال بهدوء:

ـ يعني بتجول إنك شوفته بعينك صوح ؟

ابتسم الرجل ابتسامة خبيثة ثم قال:

ـ أيوه... وشوفته زين كمان

قال سعد بحدة وهو ينهض:

ـ مين ياإبن الكلب... إنطق بدل ما...

رفع دياب يده دون أن ينظر إليه و قال بأمر :

ـ مكانك يا سعد... متتكلمش 

توقف سعد على مضض لكن صدره كان يعلو ويهبط من شدة الغضب

اقترب دياب خطوة أخرى من الأسير وقال بصوت منخفض:

ـ آخر مرة... شوفته إمتى؟

أجابه الرجل دون تردد:

ـ من أسبوعين

ساد الصمت... خميس تبادل النظرات مع أدهم و رجب

أما صالح فتمتم:

ـ يعني... الراجل اللي بيحكي عنه الحج... عايش بجد

لم يرد أحد... اقترب عدنان هذه المرة حتى أصبح بمحاذاة دياب

وقال وهو يراقب ملامحه:

ـ انت تعرف الراجل ديه ؟

ظل دياب صامت لثوان طويلة ثم قال دون أن يرفع عينيه:

ـ أعرف الماضي... إنما الحاضر... لسه مش عارف عنه حاجة

انعقد حاجبا عدنان لم تعجبه الإجابة بل زادت شكوكه

إلتفت نحو الرجل وقال:

ـ إنت مرسال ... ولا واحد من رجالة اللي باعتك؟

ابتسم الأسير ثم قال: 

ـ مرسال... ومعرفش حاجة غير اللي أمرني أجوله

ـ وخلّصت رسالتك

ـ لاااااه... لسه فيه كلمتين فاضلين

إرتفعت أعين الجميع إليه ابتسم الرجل أكثر وهو يقول:

ـ بيجولكم...

وتوقف متعمدًا حتى بدأ الغضب يتسلل إلى وجوه الرجال

ثم أكمل ببطء:

- دي أول خطوة بس... ولسه اللي جاي... هيخليكم تتمنوا

إن السنين معدتش بيكم لجل ما تشوفوا اليوم ديه

صرخ سعد بغل:

ـ والله لأدفنك مكانك يا ######

  أوقفه دياب  مرة أخرى ثم نظر إلى الرجل وقال:

ـ اللي باعتك... رايد مني إيه؟

رد بثقة:

ـ الحساب

ـ حساب إيه؟

ـ حساب الدم... والخيانة... والسنين

أغمض دياب عينيه للحظة كانت لحظة قصيرة جدًا... لكن عدنان لمحها

ولمح معها شيئ آخر... يد دياب... كانت ترتجف

إرتجافة خفيفة... لكنها موجودة

وهنا... تيقّن عدنان أن الأمر أكبر بكثير مما يتخيل الجميع

قال دياب فجأة:

ـ خدوه

نظر الجميع إليه بإستغراب و قال سعد بعدم فهم:

ـ يعني إيه ناخده يابا .....نوديه فين؟

ـ يتحبس

ـ ويتساب حي؟

رد دياب بحسم:

ـ أيوه... حي

إعترض جلال:

ـ يابا... ده جاسوس إزاي نسيبه بس

ـ وعشان كده هيفضل عايش

نظر إليه الجميع بعدم فهم أما عدنان... فابتسم لأول مرة وقال:

ـ صوح... إكده عين العجل 

نظر إليه سعد بضيق و قال:

ـ صح إيه يا عمده بس 

أجاب عدنان وهو يقترب من الأسير:

ـ اللي باعته... أكيد مستني يعرف إحنا هنعمل فيه إيه

لو اختفى... هيعرفوا إنه مات لكن لو فضل عايش

هيفضلوا مستنيين

نظر دياب إلى عدنان وقال:

ـ هو ده اللي كنت رايده

 التفت إلى نصر و مصطفى و قال بأمر :

ـ خدوه المخزن القديم محدّش يعرف مكانه غيركم

لا أكل من برا... ولا شربة مي ولا حد يكلمه غير بأمري

هز نصر و مصطفى رؤسهم بموافقة وأشار لإثنين من الرجال

ثم اقتادوا الأسير خارج المجلس لكن... قبل أن يخرج إستدار فجأة

ونظر إلى دياب ثم قال بابتسامة أرعبت الموجودين:

ـ سلملي على سليمان... لو شوفته


في اللحظة نفسها... وقف سعد بعنف و قال: 

ـ سليمان... هو قصده  عمي سليمان؟

لم يرد دياب و لكن الصمت هذه المرة... كان إجابة

بعد خروج الجميع...لم يبقي داخل المجلس سوى

دياب... وخميس... وأدهم... وعدنان معهم رجب

أغلق عدنان الباب بنفسه ثم عاد وجلس

وقال بهدوء:

ـ دلوك... محدش يسمعنا

رفع دياب رأسه إليه فقال عدنان بصوت منخفض:

ـ من ساعة ضرب النار لحد رسالة الراجل ولحد زيارة سعفان

كلها مربوطة ببعض

قال خميس:

ـ يعني سعفان ليه يد فاللي بيحصل

هز عدنان رأسه بالنفي

ـ لااااه ملوش صالح... عفان بيتحرك بأوامر من حدى تاني 

ساد الصمت فأكمل بذكاء :

ـ الضرب بالنار كان علشان يزرع الشك

وزيارة سعفان علشان يكسر البيت من جوه

و المرسال علشان يرجع الماضي قدام الحج دياب

 نظر مباشرة إلى دياب وأكمل :

ـ والسؤال دلوك... مين اللي يعرف السر اللي من  خمسة عشرين سنة؟

لم يجب دياب ظل ينظر إلى الفراغ وكأنه عاد بعقله إلى زمن دفنه بيده

لكنه عاد الآن... ليطالب بثمنه

 وفي تلك اللحظة... في مكان بعيد عن دار العطارين كان سعفان يجلس وحده داخل غرفته

أمامه ورقة صغيرة كتب فيها أربعة أسماء فقط

عمدة البلد... الشيخ عبدالرازق... الحاج منصور... الحاج عمران

 رفع رأسه وقال لرجل يقف أمامه:

ـ ابعتلهم وجولهم...سعفان ولد عويضة طالب قعدة عرفية

والحكم هيكون على دياب غنيم  نفسه

و فقط... إرتسمت إبتسامة باردة  فوق شفتيه... وكأنه واثق أن الجولة القادمة لن تُحسم بالسلاح... بل بكلمة واحدة أمام كبار البلد.



في الطابق العلوي... كان الهدوء يخيم على جناح النساء لكنه لم يكن هدوء راحة... بل هدوء بيت يخشى أن يسمع خبر يقلبه رأسًا على عقب

جلست نورا في ركن الغرفة تضم ركبتيها إلى صدرها وعيناها ما زالتا حمراوين من كثرة البكاء

كلما أغمضت عينيها... رأت سعد وهو يهجم على سعفان كالإعصار وهو يصرخ أمام الجميع

- دي مراتي... واللي يقرب منها هقطعه

كانت الكلمات تمنحها شعور بالأمان... وفي اللحظة نفسها تزرع داخلها خوف أكبر

همست بصوت مرتجف:

ـ انا السبب... كل ده حصل بسببي

جلست أماني بجوارها وربتت على كتفها برفق:

ـ يا بتي... بطلي جلد في روحك اللي حصل ده كان لازم يحصل يوم من الأيام

هزت نورا رأسها بسرعة و قالت :

ـ لا يا خالتي... لو مكانش كتب كتابنا مستخبي... مكانش حصل اللي حصل

دخلت سميحة وهي تحمل كوب من الينسون

ابتسمت بحنان وجلست أمامها ثم قالت:

ـ اشربي يا نورا... جسمك كله بيرتعش

أخذته منها بيد مرتجفة لكن الكوب كاد يسقط منها

أمسكت سندس يدها بسرعة:

ـ بالله عليكي اهدي... إحنا كلنا معاكي يا حبيبتي

رفعت نورا عينيها إليهن ثم انفجرت باكية مرة أخرى

ـ أنا خايفة عليه...

قالتها بصراحة جعلت النساء ينظرن إليها في صمت

أكملت وهي تنتحب:

ـ أول مرة أشوفه بالشكل ده... كان هيقتل سعفان قدام الناس كلها

ابتسمت أماني رغم قلقها ثم قالت: 

ـ لأنه بيحبك يا بتي... ده غير أن سعد راجل 

و دمه حامي ميقبلش حد ينطق إسم حد من حريم بيته 

احمرّ وجه نورا خجلًا لكن دموعها لم تتوقف فقالت برعب:

ـ لو جراله حاجة... أنا هموت

ساد الصمت للحظات قبل أن يفتح الباب ببطء... دخل سعد

كان شعره مبعثر وجلبابه ممزق عند الكتف وعلى يده اليمنى آثار دم جف فوق أصابعه

ما إن رأته نورا... حتى وقفت بسرعة ثم جرت نحوه دون أن تشعر

وتوقفت قبل أن تصل إليه بخطوة واحدة وكأنها تذكرت وجود النساء

خفضت رأسها في خجل

أما سعد... فلم يهتم بوجود أحد اقترب حتى وقف أمامها مباشرة

نظر إليها بعشق ثم رفع يده برفق ومسح دموعها بإبهامه

وقال بصوت خرج مبحوح:

ـ بلاش عياط... والله ما بحب أشوف دموعك

متخلنيش اروح أولع في أمه دلوقت

ارتعشت شفتاها و قالت بخوف:

ـ كنت... كنت هتموت

ابتسم ابتسامة صغيرة و قال بقوة رغم حنان نبرته:

- أموت... والله لو كانوا ألف واحد

كنت هدوس عليهم كلهم وأطلع ميتين أبوهم  قبل ما حد فيهم يفكر يبصلك

إزدادت دموعها فقال بضيق وهو  يلف ذراعه حول كتفها و يقربها منه:

ـ يا بت... متعيطيش بقى ده عيل إبن كلب ديّته طلقة و يغور في داهية

- همست:

ـ خوفت يا سعد

ـ وأنا خوفت أكتر يا قلب سعد

نظرت إليه بدهشة فابتسم بحزن و قال :

ـ أول ما سمعت ابن الكلب بيقول... هاخد نورا.. 

- حسيت إن روحي بتتسحب مني

أول مرة أعرف يعني إيه واحد يخاف علي حد بالشكل ده

شهقت نورا وهي تحاول منع دموعها

ـ سعد...

قطعها وهو يضمها داخل صدره:

ـ اسمعيني يا نواره

رفعت عينيها إليه فقال وهو ينظر داخل عينيها مباشرة:

ـ من النهارده... متخافيش من حد لا سعفان

ولا غير سعفان طول ما أنا عايش محدش هيقدر يقرب منك

ولو الدنيا كلها وقفت قصادي... هقف قصادها

ارتجف جسدها كله ثم قالت بصوت بالكاد يسمع:

ـ وأنا مش عايزة غيرك

ساد الصمت حتى النساء تأثرن بالكلمات

ابتسم سعد لأول مرة منذ ساعات ثم مد يده... وأخذها بين ذراعيه

احتضنها بقوة وكأنه يريد أن يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها

دفنت وجهها في صدره وهي تبكي بصمت

بينما كان يمسد على شعرها بحنان لم يره فيه أحد من قبل

ابتسمت أماني وهي تنظر إليهما ثم قالت وهي تشير لباقي النساء

ـ يلا بينا... خليهم يتكلموا براحتهم

خرجت النساء بهدوء وأغلقت أماني الباب خلفها

بقي سعد ونورا وحدهما لأول مرة منذ انتهاء المواجهة

ابتعد عنها قليلا ثم نظر إلى وجهها كانت عيناها متورمتين من البكاء

تنهد بحزن ثم قال بقهر :

ـ عملوا فيكي ايه  يا نوارة قلبي  علشان تخافي بالشكل ده

ابتسمت وسط دموعها:

ـ الدنيا كلها خوفتني... إلا إنت

شعر وكأن قلبه توقف لحظة اقترب منها ثم قبل جبينها قبلة طويلة

وقال:

ـ أوعدك... آخر مرة  الخوف ده يبقي  في عينك

طالما أنا بتنفس... هتفضلي في حمايتي

إنتي مرات سعد الجن يابا... يعني تمشي تكسري  في الدنيا وأنا أجبس وراكي 

إفتري على خلق الله وأنا في ضهرك  و اللي أبوه دكر يفكر يقرّب منك 

رفعت يدها الصغيرة ولمست الكدمة التي بدأت تظهر على وجنته

همست بألم:

ـ وجعتك... صح 

ابتسم وهو يميل برأسه على يدها ثم قال بجنون:

ـ الضربة الوحيدة اللي وجعتني... كانت لما قال إنه عايز ياخدك

 ضحك بخفة وأضاف:

ـ غير كده...  يضربوا براحتهم #### ميشغولنيش

ضحكت لأول مرة ضحكة صغيرة... لكنها أعادت الحياة إلى وجهها

وفي تلك اللحظة... دق  الباب ثم دخل الحاج دياب

إعتدل سعد بسرعة أما نورا... فخفضت رأسها في حياء

نظر إليهما دياب ثم ابتسم ابتسامة هادئة نادرة

وقال بصوته الوقور:

ـ من النهارده... محدش في الدار ديه هيجول على نورا غير مرت سعد

سكت لحظة... ثم أكمل وهو ينظر إلى إبنه:

ـ واللي حصل النهارده خلى الرجوع مستحيل... فاستعدوا

رفع سعد حاجبيه و قال:

ـأستعد لإيه يابا فهمني؟

أجاب دياب وعيناه تحملان ثقل السنين:

ـ لأن سعفان مش هيكتفي بالقعدة العرفية

سعفان داخل على حرب... والحرب دي مش هتكون آخرها كلام

نظر لولده بعيون تحمل هم السنين ثم قال :

- تعالي معايا يا سعد

في حاجات كتير لازم تعرفها عشان تفهم انا بعمل ايه 

بس اللي هيتقال بينا... مفيش مخلوق يعرفه 

تطلّع إلى  أبيه بقوة ثم ضرب جانب عنقه و قال برجولة

- رقبتي يابا... و لا حرف هيطلع وإنت عارف


لم يكن الليل قد انتصف بعد... لكن بيت العطارين كان مستيقظ بالكامل

مصابيح المجلس الكبيرة ألقت ضوء أصفر فوق الوجوه المتجهمة بينما جلس الحاج دياب في مكانه المعتاد واضع مسبحته أمامه دون أن يحركها

حوله جلس خميس وأدهم ورجب وعدنان الجبالي بينما ظل سعد واقف عند النافذة يراقب

 ظلام الطريق وكأن سعفان قد يعود في أي لحظة

و عقله شارد في تلك الحقائق التي قصّها أبيه عليه

رغم أنها صادمة و لا يصدقها عقل... إلا أنه قررّ أن يقف في ظهر  أبيه مهما حدث

قطع الصمت صوت دياب الهادئ:

ـ اتفضل يا عدنان... جول اللي كان واجف في زورك من الصبح

رفع عدنان رأسه ببطء ظل صامت للحظات... ثم قال:

ـ اللي حوصل النهارده... مش عاجبني

ابتسم صالح  بسخرية ثم قال :

ـ هو فيه حاجه تعجب حد من أساسه يا عدنان 

اللي احنا فيه ديه مرار طافح 

هز عدنان رأسه و قال :

ـ لا... أني بتحددت عن ترتيب اللي حوصل

نظر الجميع إليه فأكمل بهدوء:

ـ الضرب بالنار... وبعدين الراجل اللي مسكناه وبعدين رسالة الميت

وبعدين زيارة سعفان... وبعدين القاعدة العرفية اللي هتتعمل

رفع إصبعه وأكمل بدهاء:

ـ أربع حركات... ورا بعض دي مش صدفة

قال عبدالعزيز:

ـ هو كتير اااه بس عادي كلها مترتبه على بعضها

نظر إليه عدنان و قال :

ـ لااااااه... مش ديه جصدي

آني اجصد فيه مخ... مخ كبير جوي

- جاعد يحرك كل واحد فينا كيه العرايس اللعبة

سأله رجب بحيرة :

ـ تجصد سعفان يعني؟

ابتسم عدنان لأول مرة و قال:

ـ لااااه... سعفان نفسه بيتحرك بأوامر 

انعقد حاجبا سعد و قال:

ـ مستحيل... حسب علمي الراجل ده عمره ما سمع كلام حد

رد عدنان بهدوء:

ـ إلا لو اللي جدامه ماسك عليه حاجة

نظر إليه دياب بإهتمام و قال:

ـ كمل... جول اللي في دماغك 

تنهد بهم ثم قال:

ـ سعفان من ساعة رجع البلد... وهو بيتصرف بعصبية

لكن النهارده... كان هادي زيادة كل كلمة جالها كانت مجصودة

حتى وجت ما سعد ضربه ما ردش... ليه

لأنه كان عايز الضربة دي

قال حمزة بدهشة:

ـ يعني كان مستنيها؟

- ايوه... لأن الضربة خلت الموضوع كله

 يتجلب من طلب إنه ياخد نورا... لعار و غلط  جدام كبار البلد

يعني خد اللي هو عايزه

ضرب خميس كفه بكفه و قال :

ـ يا ساتر يا رب... الطف بينا يا رب

إبتسم عدنان ابتسامة صغيرة ثم قال:

ـ الراجل خرج خسران في الظاهر... وكسبان في الحجيجة

هنا... تحدث دياب لأول مرة:

ـ طب هيستفاد إيه من ديه كله؟

نظر إليه  مباشرة و قال بذكاء:

ـ إنه شتتنا... كل واحد فينا دلوجت بيفكر في حتة

سعد بيفكر في مرته... عبدالعزيز بيفكر في كلامه

إنت بتفكر في الجاعدة وأني بفكر في الراجل اللي جال

اللي باعتني واحد ميت

ساد الصمت للحظات ثم قال دياب فجأة:

ـ أني كمان بفكر فيه

رفع الجميع رؤوسهم قال أدهم ببطء:

ـ يا خوي...جولنا إنت تعرف مين ديه

لم يرد عليه ظل ينظر إلى الأرض ثم قال بصوت خافت:

ـ معرفش... بس الحديت فكّرني بحاجة كنت فاكرها ماتت

نظر إليه عدنان و قال :

ـ سليمان... صوح؟

ساد الصمت... حتى الهواء توقف رفع دياب عينيه إليه ببطء

ثم قال:

ـ متستعجلس يا واد عمي الأسامي دي... ليها تمن

قال سعد بحدة:

ـ ولو سليمان حي

نظر إليه دياب بحزن ثم قال:

ـ يبجى البلد كلها هتتجلب و العيلة اللي بحافظ عليها 

طول عمري... هيتشجلب حالها يا ولدي

فجأة... دخل أحد رجال العطارين مسرعًا و قال:

ـ يا حج... الراجل اللي ممسوك طالب يشوفك لحالك

قال سعد بغيظ:

ـ مستحيل إنت أهبل ياض و لا إيه أبويا ميقعدش لوحده معاه

ابتسم الرجل بخوف ثم قال

ـ بيجول... الكلام اللي عندي لو اتجال قدام الناس هيبجى فيه دم

نظر الجميع إلى بعضهم أما عدنان... فلم تعجبه الجملة

وقف بهدوء و قال:

ـ أني هدخل وياك 

هز الرجل رأسه و قال:

ـ رفض بيجول... الحاج دياب بس

نظر سعد إلى أبيه و قال:

ـ متدخلش يابا 

قال حمزة:

ـ يمكن فخ

  نهض دياب بهدوء أخذ عصاه ثم قال:

ـ اللي خايف من كلمة... مينفعش يبجى كبير

انا رايح لحالي... مهيجدرش يعمل حاجة و هو مربّط

و في جلب داري

اتجه نحو الغرفة الخلفية داخل المخزن الصغير

كان الرجل المكبل يجلس فوق كرسي خشبي رأسه منخفض

و حينما دخل دياب...رفع رأسه مبتسمًا و قال:

ـ اتأخرت ليه يا حج؟

وقف دياب أمامه:

ـ جول اللي عندك وإخلص بلاها رط فاضي

ابتسم الرجل و قال:

ـ الأول... جاوبني

قطب دياب حاجبيه

ـ أجاوبك على إيه؟

ـ إنت نمت مرتاح... بعد اللي حصل من خمسه عشرين سنة

تصلبت ملامح دياب  لكنه لم يتحدث ضحك الرجل و قال:

ـ يبجى لسه فاكر

اقترب دياب خطوة و قال: 

ـ مين اللي  باعتك؟

همس الرجل:

ـ هو

ـ مين هو؟

رفع الرجل وجهه أكثر... حتى أصبحت عينه تناظر عيناه   

ثم قال بهدوء شديد:

ـ اللي  دفنته... وشاف بعينه التراب وهو بيتردم عليه

إتسعت عينا دياب أما الرجل... فابتسم ابتسامة واسعة

وأكمل:

ـ بيجولك... الجبر كان فاضي

ساد صمت مرعب ولأول مرة منذ سنوات طويلة

شعر الحاج دياب ببرودة تسري في جسده

بينما خارج الغرفة... كان عدنان الجبالي يقف مستند إلى الحائط

لم يسمع ما دار... لكنه رأى شيئا أخطر حين خرج دياب بعد دقائق

لم يكن وجهه هو وجه الرجل الذي دخل

كانت عيناه تحملان ذلك الخوف القديم الخوف الذي لا يصنعه إلا شبح من الماضي

إبتسم عدنان في داخله ابتسامة صغيرة وهو يهمس لنفسه:

- يبجى إكده صوح... وسليمان مش آخر السر... ده أوله.


مع أول خيوط الفجر... بدأ الخبر ينتشر في البلد كالنار في الهشيم

- سعفان  بيلم  كبار البلد

- هيعمل قاعدة عرفية والحكم هيكون في جوازة نورا

وأحاديث أخرى  كثيرة... لم يتبقى في القرية بيت إلا ووصل إليه الخبر

داخل مضيفة الحاج دياب... دخل أحد الرجال مسرعًا وبعد أن ألقى السلام قال وهو يلهث:


ـ يا حج... سعفان بعت رسايل لكل العمّد والمشايخ

والقعدة بعد بكرة في مضيفة الشيخ منصور

رفع خميس رأسه وقال بضيق:

ـ كنا خابرين أنه هيعمل إكده... ماهو جالها امبارح

أما سعد فنهض بعنف حتى كاد المقعد ينقلب:

ـ وأنا هروح أجيب الواد ده من وسط رجالته

هقطع رأسه و اعلقها جنب راس أبوه

قال دياب دون أن ينظر إليه:

ـ تقطع راس مين يا سعد؟

ـ سعفان ال ### ده

ـ وبعدها... إيه اللي هيحصل؟

صمت سعد فأكمل دياب بهدوء:

- وبعدها... هتقتل كل اللي وراه


لم يجد سعد جوابًا فتنهد دياب ثم قال:

ـ المصيبة اللي احنا فيها دي محتاجه عقل مش عضلات 

نظر أدهم إلى أخيه بإعجاب ثم قال:

ـ الحاج عنده حق لو روحنا لسعفان دلوقت

هنبقى اديناله اللي هو عايزه زي ما عدنان قال امبارح


قال عبدالعزيز:

ـ أومّال نسكت يعني... ده واحد وسخ شبه أبوه

- ممكن يسوء سمعة اختي عشان بس يوصل للي عايزه

دخل عليهم في ذلك الوقت عدنان و الذي قال سريعًا :

ـ لاااااه... ميجدرش يعملها مش عشان شهم 

لاااه عشان محدش يحط عليه غلط 

المهم عندينا دلوك نعرف مين اللي وراه .

وفي الجهة الأخرى... كان سعفان يجلس في مضيفته

حوله عدد من كبار عائلته وأمامهم دفتر قديم يكتب فيه أحد الرجال أسماء المدعوين

قال  وهو ينظر إلى القائمة

ـ محدش يتنسي الشيخ منصور العمدة سلامة الحاج محفوظ

الشيخ عمران... كلهم يحضروا الجاعدة

قال أحد الرجال:

ـ وحتى رجالة الجبل

إبتسم سعفان و قال بخبث:

ـ أيوه كل ما العدد يكبر... يبجى كسرة دياب تبقى أكبر


 أخرج من جيبه ورقة مطوية فتحها ببطء

كانت نسخة من عقد زواج سعد ونورا ناولها للرجل الجالس بجواره

ـ دي أول ضربة

نظر الرجل إليها بدهشة و قال :

ـ جبتها منين دي يا كبيرنا؟

ابتسم  ابتسامة غامضة ثم قال :

ـ اللي يهمك إنها وصلتني لكن السؤال اللي لازم تسأله...

مين اللي وصلهالي؟

 أكمل وهو يطرق بأصابعه على الطاولة

ـ دياب فاكر إنه بيحاربني وهو مش واخد باله

إن اللي بيحاربوه ناس من لحمه و دمه.


في بيت العطارين...كان عدنان يراجع كل ما حدث خلال الأيام الماضية

امسك ورقه بيضاء ورسم عليها عدة دوائر

كتب في الأولى... الطلقات

وفي الثانية... الراجل الغريب

وفي الثالثة... سعفان

وفي الرابعة... الخاين


وقف الجميع ينظرون إليه قال أيمن باستغراب:

ـ هو إنت بتعمل إيه؟

إبتسم و قال :

ـ بفكر

 رسم خط يصل بين الدوائر وقال:

ـ بصوا... كل واحدة من دول مربوطة بالتانية

بس فيه نجطة ناجصه

سأله نصر باهتمام:

ـ إيه هيا؟

أمسك القلم   كتب في منتصف الورقة كلمة واحدة... الماضي

نظر الجميع إليها فقال:

ـ كل اللي بيحصل سببه حاجة حصلت من خمسه عشرين سنة

سأل خميس:

ـ وإنت عرفت منين كل ده؟

ابتسم  و قال بذكاء :

ـ لأن الراجل اللي اتمسك... ولا مرة سأل عن الطار

ولا عن نورا ولا عن سعفان

كل كلامه كان عن السنين اللي عدت 

يعني... الماضي هو الجضيه كلياتها

أما اللي بيحصل دلوك... فهو مجرد وسيلة


ساد الصمت بشكل خطر أما دياب... فظل ينظر إلى الكلمة المكتوبة

الماضي... ثم أغلق عينيه للحظة

وكأن ذكريات دفنها منذ سنوات بدأت تخرج من تحت التراب



وفي مكان بعيد... داخل منزل مهجور على أطراف الجبل

كان رجل يجلس في الظلام لم يظهر من وجهه شيء

أمامه مصباح كيروسين صغير

دخل إليه الرجل الذي كان أسير لدى العطارين ثم أطلق سراحه ليلًا في ظروف غامضة

انحنى باحترام و قال :

ـ  الرسالة وصلت يا باشا

خرج صوت الرجل الجالس في الظلام هادئ وخشن:

ـ شوفت الخوف في عينيه؟

ابتسم المبعوث و قال بفخر:

ـ أول ما قلتله... الجبر كان فاضي... وشه اتغير


ساد صمت قصير ثم... خرجت ضحكة منخفضة من الرجل المجهول

وقال:

ـ كويس... لسه فاكر يعني كده حلو أوي

اقترب المبعوث وسأل:

ـ والخطوة الجاية ايه يا كبير؟

مد الرجل يده من الظلام... فظهر خاتم فضي قديم يحمل نقش على شكل حية تلتف حول خنجر وقال بصوت مليء بالحقد:

ـ نخليه يشك في أقرب الناس ليه... ولما يبقى واقف لوحده

ساعتها... هيبدأ الحساب الحقيقي.


كان الليل قد عاد ليبسط عباءته السوداء فوق القرية

لكن هذه المرة لم يكن الهدوء طبيعي

كل بيت يتحدث عن القعدة العرفية وكل مجلس يردد اسم العطارين

داخل بيت الحاج دياب... كانت النساء قد إجتمعن في المندرة الداخلية

جلست أماني تقلّب سبحتها وهي تهمس بالأذكار بينما كانت سميحة تحاول أن تبدو قوية لكن أصابعها المرتجفة فضحت قلقها

أما نورا... فكانت تجلس في ركن الغرفة تضم ركبتيها إلى صدرها

منذ مواجهة سعفان... لم تنم إلا دقائق متقطعة

كلما أغمضت عينيها... رأت سعد واقفًا أمامها وهو يصرخ

- دي مراتي... ثم ترى البنادق موجهة إليه

فتنتفض من نومها باكية

اقتربت منها سيدة  وجلست بجوارها ثم أمسكت يدها بحنان

ـ مالك يا بتي؟

همست نورا وعيناها ممتلئتان بالدموع:

ـ خايفة...

ـ من إيه؟

ـ يكون اللي حصل بسببي لو مكنتش اتجوزته مكنش كل ده حصل

ربتت  على رأسها بحنان أم ثم قالت:

ـ اسمعيني كويس الرجالة دي لو كانت عايزة حرب... كانت هتلاقي أي سبب

إنتي مش السبب يا نورا... إنتي الحِجة اللي  أهل ابوكي اخدوها عشان  يوصلوا للي عايزينه 

رفعت نورا عينيها إليها و قالت بعدم فهم:

ـ يعني ايه ياما مش فاهمه؟

ـ يعني اللي ولّع الدنيا دي... مش جوازك... في حاجةأكبر بكتير و انا متأكدة 

إن الزفت سعفان جاي يعمل اللي ابوه معرفش يعمله معانا 

بس اللي مطمني إنك بقيتي في حِمى راجل  هياكل اللي يقرب منك... ربنا يحميكم يا بنتي.

في الخارج... كان سعد يجلس وحده فوق سطح البيت

بندقيته إلى جواره وسيجارة تحترق بين أصابعه

نظر إلى السماء ثم همس:

ـ والله لو الدنيا كلها وقفت قصادي... ما حد هيلمسك

سمع خلفه صوت خطوات التفت... فوجد الحاج دياب

إقترب الأب وجلس إلى جوار ابنه دون أن يتكلم

ظل الإثنان صامتين دقائق ثم قال دياب:

ـ انت زعلان مني يابني؟

هز سعد رأسه سريعًا و قال:

ـ لا يابا... أزعل منك ايه بس

ـ أومّال مالك ؟

تنهد سعد ثم قال بصراحة:

ـ حاسس إني السبب....

ابتسم دياب ابتسامة هادئة ثم قال :

ـ الراجل اللي يدافع عن مراته... عمره ما يبقى غلطان

بس لازم يعرف إمتى يضرب... وإمتى يصبر

خفض سعد رأسه و قال :

ـ والله حاولت بس لما قال... هاخدها.... حسيت إن روحي بتتسحب مني

وخرجت الكلمات من قلبه قبل لسانه أكمل بصدق:

ـ أول مرة أعرف يعني إيه أخاف أخسر حد بالطريقة دي

قلبي كان هيتخلع مني يابا و الدنيا اسودت في وشي 

نظر إليه دياب ثم وضع يده على كتفه و قال :

ـ انت كده بقيت راجل كامل من كله يا جن

 لأن الراجل... مش اللي يعرف يقتل

الراجل... اللي يعرف يحافظ على اللي بيحبه

إبتسم سعد ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ أيام ثم قال :

- دي نور عيني اللي بشوف بيه يابا مش بحبها بس 


ابتسم دياب براحة لكن سرعان ما ارتسم الحزن على  ملامحه و هو يسأله بتوجس

- شايفني ازاي يا سعد بعد ما حكتلك الحقيقه كلها؟ 

إعتدل سريعًا و قال بقوة:

- شايفك أجدع أب وأرجل راجل فالدنيا 

و محدش غيرك ينفع يبقي كبير يا حج.



وفي الناحية الأخرى من البلد... كان عدنان الجبالي يقف وسط الغيطان

وبجواره اثنان من رجاله انحنى أحدهم وأخرج شيئ من بين الأعشاب

ناوله لعدنان نظر إليه... فتغيرت ملامحه

كانت... فوارغ طلقات قلبها بين أصابعه ثم ابتسم ابتسامة و قال:

ـ زي ما فكرت بالتمام

سأله الرجل:

ـ فكرت في ايه يا كبيرنا؟

رفع عدنان الظرف الصغير الذي وضع فيه الفوارغ ثم قال:

ـ ديه مش من سلاح رجالة سعفان ولا من سلاح العطارين

ساد الصمت للحظه وأكمل:

ـ يعني اللي ضرب النار ليلة الهجوم... كان طرف تالت

شعر الرجل بالدهشة فسأله باهتمام:

ـ تجصد إن اللي بيولع الدنيا... مش سعفان؟

ابتسم و قال:

ـ من أول يوم وأني بجولها... سعفان مجرد حجر شطرنج

لكن الملك... لسه مستخبي



وفي مكان مجهول... كانت غرفة يغمرها الظلام

لا يرى منها سوى شعلة نار صغيرة داخل موقد قديم

إمتدت يد رجل إلى طاولة خشبية... وأمسكت بصورة قديمة

نظر إليها طويلا كانت الصورة تجمع أربعة رجال شباب

أحدهم كان الحاج دياب في مقتبل عمره

والثاني خميس أما الثالث... فقد مزق وجهه من الصورة عمدًا

ولم يبق منه سوى جزء من كتفه

أما الرابع... فكان يقف واضع يده على كتف الرجل الذي مزق وجهه

مرر الرجل أصابعه فوق الصورة... ثم همس بصوت مبحوح:

ـ خمسة وعشرين سنة... وأخيرًا جه وقت الحساب 


رفع الصورة نحو النار لكن قبل أن يحرقها  


ظهرت في الضوء لمحة من وجهه


ندبة طويلة  تمتد  من صِدغه حتى أسفل رقبته 


ثم إنطفأ الضوء... ولم يظهر شئ آخر



ماذا سيحدث ياترى.......


سنرى........


انتظروووووني


بقلمي/فريده الحلواني

تكملة الرواية من هناااااااا 


تعليقات

التنقل السريع
    close