رواية العطارين الفصل الثاني وعشرون والثالث وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه
رواية العطارين الفصل الثاني وعشرون والثالث وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه
صباحك بيضحك يا قلب فريده
في ناس بتحاربك علشان تكسرك... وناس بتحاربك علشان تكشفك
والذكي هو اللي يعرف الفرق قبل ما يضيع عمره بيضرب في الهوا
خليكي ذكيه و اقرئي اللي بين السطور ...مش كل اللي يضحك في وشك يبقي صافيلك من جواه
ربنا يكفيكي شر النفوس السوده
انا بحبك
رغم أن الدار كانت تغلي بالأحاديث عن القعدة العرفية والرسائل وسعفان والرجل الغامض
إلا أن الحياة لم تتوقف
في الفناء الداخلي...كانت فرح تنشر بعض الملابس على الحبل بينما تتحرك بعصبية
تشد قطعة القماش بقوة وكأنها تنتقم منها
رفعت سميحة حاجبها وهي تراقبها من بعيد ثم همست لسندس
- البت دي فيها حاجه من الصبح مش طبيعيه
ابتسمت سندس بخبث وقالت
- شكلها عامله كده بسبب ايمن اخويا
بس معرفش عملها ايه الصراحه
ضحكت سميحة ثم قالت
- وأنا اللي فاكرة إنها هتربيه اتاري هو اللي
حارق دمها
في تلك اللحظة...دخل أيمن من الباب الخارجي وهو يحمل كيس ورقي صغير
بمجرد أن لمح فرح...اتجه إليها مباشرة
أما هي...فما إن رأته حتى أدارت له ظهرها وأكملت ما تفعله وكأنها لم تره
ابتسم وهو يهز رأسه ثم قال بمزاح
- يا ساتر... شكلك عايزه تولعي فيا و لا ايه
لم ترد اقترب أكثر و قال بحده زائفه
- السلام عليكم
لم يتبقي ردا منها فقال
- طب ردي سلامي ربنا حتي
رفعت إحدى الملايات بعنف ونشرتها دون أن تنظر إليه
تمتم بضيق مصطنع
- لا كده الموضوع اكبر من المصايب مالي احنا فيها
كادت تبتسم...لكنها تماسكت اقترب أكثر حتى أصبح بجوارها
رفع الكيس أمامها و قال بحنان
- جبتلك حاجة ممكن تقبليها
أخذت الكيس من يده...ثم وضعته على الأرض دون أن تفتحه
نظر إليها بصدمه و قال
- حتى مش هتبصي عالي جواه
قالت ببرود وهي تعطيه ظهرها
- لاااااا.....مش هبص
- ليه طيب كده
- مالييش نفس عندك مانع
حك رأسه بحيرة ثم قال
- طب افتحيه... يمكن يعجبك اللي فيه
استدارت أخير ونظرت إليه بنظرة جامدة و قالت بغضب
- قولت مش عايزه هو بالعافيه
تنهد بهم ثم قال
- إنتي زعلانة اوي كده
رفعت حاجبها و قالت بحزن
إنت شايف إيه
ابتلع ريقه و قال محاولا تلطيف الجو
والله لو كنت أعرف إنك هتبقي حلوه بالشكل ده
و انتي زعلانه ..... كنت زعلتك من زمان
اتسعت عيناها و قالت بغيظ
- انت بتقول إيه
ضحك و قال بسرعة
- بهزر... بهزر والله
أمسكت الكيس وألقته في صدره و قالت بغصب
- خد حاجتك وامشي من وشي
التقطه بصعوبة و قال
- ليه بس.....في ايه بس يا فرح
قالت وهي تشير إلى باب المنزل
- عشان مش طايقه أشوفك أصلا
ساد الصمت لثوان ثم قال بهدوء هذه المرة
- طب أعرف عملت إيه بس و انا اراضيكي
التفتت إليه فجأة وكانت عيناها تمتلئان بعتاب لم تستطع إخفاءه
- بجد مش عارف ايه اللي مزعلني
هز رأسه اقتربت خطوة و قالت بحزن
- يوم ما الدنيا ولعت هنا... ويوم البنادق اتوجهت على ولاد عمك
ويوم البيت كله كان مقلوب... كنت فين
عقد حاجبيه و قال
- كنت معاهم يا فرح
- وبعدين
- وبعدين...
قاطعته
- ولا مرة جيت سألت عليا لفيت على الدار كلها
سألت على اخواتك... وعلى خالتي... وعلى الرجالة
حتى البهايم سألت عليها يمكن... إلا أنا
رفع رأسه بسرعة و قال
- مين قال إني مسألتش عليكي
ضحكت بسخرية و قالت
-يعني سألت عليا
- أيوه و الله سالت
- سالت مين بقي .....و قالو لك ايه
ارتبك للحظه فقد كان يسأل عنها عشرات المرات
لكن في الخفاء كلما رأى سميحة سألها
- فرح عاملة إيه....وكلما قابل سندس...أكلت
وكلما مر بجوار الغرفة...كان يطمئن أنها بخير
لكنه لم يجرؤ أن يقف أمامها.....خفض عينيه و قال
- سألت.....البنات عليكي
قالتها وهي تعقد ذراعيها
- و انا مكنتش محتاجه تسال حد عليا يا ايمن
كنت عايزاك تسالني انا
رفع رأسه إليها و قال بحزن
- كان المهم عندي اني أطمن إنك بخير
ابتسمت بسخرية و قالت
- من بعيد....صح
لم يجد جواب فهمست بمرارة
- إنت شاطر قوي في البعد يا أيمن
أوجعته الجملة أكثر مما توقع اقترب خطوة
- فرح...اسمعيني
تراجعت خطوة للخلف و قالت
- خليك مكانك ...... متقربش
توقف في الحال نظر إليها حزن ثم قال بصوت خافت
- أنا خفت
رفعت حاجبها باستغراب و قالت بعدم تصديق
- خفت.....من ايه مش فاهمه
هز رأسه و قال بصدق
- أيوه
صمت فجاه لانه وكاد يقول
- خفت أقف قدامك وأبان قد إيه كنت مرعوب عليكي
لكنه ابتلع الكلمات وقال بدلا منها
- خفت تكوني زعلانة مني و مش حابه تكلميني
نظرت إليه باستغراب ثم هزت رأسها و قالت
وبدل ما تيجي تصالحني... اختفيت
حك مؤخرة رقبته بحرج ثم قال
والله... معرفتش أبدأ منين
سكتت لحظة...ثم قالت بعناد
- يبقى متبدأش يا ايمن ....خليك واقف مكانك كده
استدارت لتغادر لكن قبل أن تبتعد...ناداها
- يا فرح.....اسمعي بس
توقفت...دون أن تنظر إليه
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
- عارفه أنا جبتلك إيه
قالت بملل
- مش فارق.....و لا يهمني
فتح الكيس وأخرج منه كيس صغيرا من اللب السوري
وقطعة شوكولاتة وربطة شعر زرقاء كانت رأتها علي أحد المواقع
منذ أسبوعان و قد اعجبتها للغاي
تجمدت مكانها لقد تذكرت كانت تريد شراؤها لكن وجودها في الصعيد
منعها من ذلك
نظر إليها وهو يحاول إخفاء ابتسامته ثم قال
- افتكرتك وإنتي بتبصي عليها
لم تلتفت...لكن دموع خفيفة لمعت في عينيها
اقترب ووضع الأشياء على المقعد بجوارها دون أن يلمسها
ثم قال وهو يستعد للمغادرة
- اعملي اللي يريحك... ازعلي يوم... واتنين... وشهر كمان
صمت لحظة...ثم أضاف وهو يعطيها ظهره
- بس بالله عليكي... متناميش وإنتي زعلانة
ابتلعت غصتها أما هو فأكمل وهو يسير نحو الباب
- لأني...توقف وأغمض عينيه ثم ابتسم لنفسه وقال بدل الحقيقه
- لأني مبعرفش أنام والدنيا بينا مش مظبوطة
وغادر ظلت فرح واقفة مكانها تنظر إلى ربطة الشعر فوق المقعد
مدت يدها ببطء...أخذتها بين أصابعها
ورغما عنها...ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها
همست بخجل وهي تنظر إلى الباب الذي خرج منه
- يا غبي... هو إنت فاكر إن الزعل كان على ربطة شعر
ثم ضمتها إلى صدرها...بينما كان قلبها لأول مرة يعترف بما لم يجرؤ لسانها على قوله
لم تكن الشمس قد ارتفعت كثيرا...لكن بيت العطارين كان قد استيقظ منذ ساعات
رجال يدخلون ويخرجون...أسلحة تنظف و تجهز وأعين لا تعرف النوم
أما الحاج دياب...فكان يقف وحده في فناء الدار يطعم حصانه بنفسه
اقترب منه عدنان الجبالي بخطوات هادئة
وقف إلى جواره دون أن يتحدث
ظل الاثنان صامتين لدقائق...إلى أن قال عدنان وهو ينظر إلى الحصان
- اللي يشوفك دلوجت... يفتكر إن الدنيا رايجه معاك
ابتسم دياب ابتسامة باهتة و قال
- وقت الشدة... الكبير لو اتهز... الدار كلها تقع
هز عدنان رأسه بإعجاب ثم قال فجأة
- أني عايز أسألك سؤال... و جسما بالله لو مش رايد تجاوب مش هزعل
التفت إليه دياب و قال
- اسأل يا عدنان علي طول
تنهد ثم قال
- إنت... خبيت علينا إيه من خمسة وعشرين سنة
ساد الصمت حتى الحصان توقف عن الحركة
أما دياب...فاكتفى بالنظر أمامه ثم قال بهدوء
- لما ييجي وجته... هتعرف
ابتسم عدنان و قال بمكر
- يعني فيه حاجة صوح
لم يرد دياب فاكتفى عدنان بقوله
- تمام... كفاية عليا السكوت ديه
وفي تلك اللحظة...دخل نصر مسرعا يا حج... لقينا حاجة
التفت الجميع إليه فأخرج نصر قطعة قماش سوداء ملفوفة بعناية
ناولها لعدنان فتحها ببطء.....فتجمدت ملامحه
كانت بداخلها...رصاصة مستخرجة من جذع الشجرة التي ضربت ليلة الهجوم
أخذها عدنان بين أصابعه...وقلبها أكثر من مرة
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة سأله سعد بلهفة
- ايه ده .....شكلك عرفت حاجه
رد بهدوء
- عرفت إن اللي ضرب النار... مكانش عايز يجتل حد
انعقدت الحواجب و قال حمزة
- يعني إيه
رفع الرصاصة أمام أعينهم و قال
- بصوا عليها زين
اقترب الجميع فأكمل عدنان بدهاء
- الطلجة دخلت جذع الشجرة بزاوية غريبه
ولو اللي ضربها كان رايد يجتل... كانت دخلت المجلس نفسه
سأله عبدالعزيز باهتمام
- يعني كان عايز يخوفنا بس و لا ايه
- لاااااه...كان بيجولنا أني أجدر أوصلكم في أي وجت
ساد الصمت ثم أكمل
- دي رسالة... مش محاولة جتل
نظر دياب إلى الرصاصة بتركيز ثم قال
- يعني اللي بيحاربنا... صابر
- وأذكى مما نتخيل
قالها عدنان ثم التفت إلى نصر و اكمل
- الرصاصة كانت فين بالظبط
- في الشجرة اللي جنب المجلس
- حد لمسها جبلك
- لا.....انا بس
هز عدنان رأسه ثم قال فجأة
- هاتلي حصان
تعجب سعد و قال
- رايح فين يا عدنان ما تفهمنا يا جدع
ابتسم و قال
- مكان الضرب
بعد دقائق...كان عدنان يقف وسط الأرض التي شهدت إطلاق النار
انحنى على ركبته...وبدأ ينظر إلى التراب بينما وقف رجاله بعيدا يراقبونه
مرر أصابعه فوق الأرض ثم توقف فجأة كانت هناك...آثار حذاء
لكنها ليست بلدية ولا تشبه أحذية أهل الصعيد
نظر إليها بتركيز ثم قال لنفسه
- غريبة...
اقترب أحد رجاله و قال
- في إيه يا كبيرنا
أشار إلى الأثر
- شايف......تعرف حد هيلبس جزمه اكده
- لااااه يا كبير
ابتسم عدنان و قال
- وأني كمان
ثم أخرج منديل أبيض...ورفع منه شيئ صغير جدا
قطعة معدنية لامعة...تكاد لا تري
سأله الرجل
- إيه ديه كماني
نظر إليها تحت ضوء الشمس ثم قال
- زرار.... بس مش زرار جلابية
قلبه بين أصابعه ثم ضاقت عيناه فجأة
- ده زرار جاكت عسكري
اتسعت أعين الرجال
- يعني اللي كان هنا...
قاطعه عدنان
- مش من البلد ولا حتى من الصعيد كلياته
وفي اللحظة نفسها...كان رجل يجلس داخل سيارة قديمة متوقفة أعلى التل
يراقب عدنان بمنظار صغير ابتسم وهو يراه يلتقط الزر
ثم أمسك جهاز لاسلكي وقال بهدوء
- الجبالي بدأ يقرب
جاءه صوت خشن من الطرف الآخر
- يسيبه يقرب
- ليه
- لأننا عايزينه يوصل... للمكان الغلط
ابتسم الرجل ثم أغلق الجهاز وأدار محرك السيارة ببطء
لتختفي وسط طرقات الجبل...
بينما كان عدنان لا يزال ممسك بذلك الزر المعدني...دون أن يعلم
أن هناك من يقوده عمدا إلى أول فخ خطير
لم يكن الليل قد انتصف بعد...لكن دار العطارين كانت مضاءة بالكامل
رجال ينتشرون في الساحات...وبنادق تستند إلى الجدران
وكل عين تنظر للأخرى وكأنها تبحث عن إجابة لا تعرفها
داخل المجلس...كان الحاج دياب يجلس صامت
أمامه كوب الشاي الذي برد منذ ساعة لكنه لم يمد يده إليه
أما عدنان...فكان يقلب الزر المعدني الذي عثر عليه بين أصابعه وعقله لا يتوقف عن التفكير
قطع الصمت دخول مصطفى مهرولا كان يلهث بشدة
حتى إنه لم يستطع التحدث
نهض سعد بعنف و قال
- في إيه يا مصطفى
حاول التقاط أنفاسه ثم قال بصوت متقطع
- الراجل...اللي محبوس في المخزن اختفى
ساد صمت مرعب وقف دياب فجأة
- كيف يعني اختفى
- والله يا حج... دخلتله بالعشا... ملجيتوش
صرخ سعد بجنون
- إنت بتخرف و لا ايه
- ورب الكعبة يا سعد ... المخزن فاضي
انطلق الجميع نحو المخزن القديم
بعد دقائق...وقفوا جميعا أمام الباب الحديدي
القفل ما زال في مكانه لم يكسر ولم يفتح
نظر نصر بدهشة و قال
- والله ما حد فتح الباب غيري
اقترب عدنان فحص القفل ثم انحنى نحو الأرض
لا توجد آثار أقدام لا كسر لا دم لا شيء
فتح الباب ببطء دخل الجميع الغرفة كما هي المقعد الخشبي في مكانه
الحبال مقطوعة...لكن بطريقة نظيفة جدا
وكأنها قطعت بسكين حاد اقترب سعد من المقعد
قبض على الحبل ثم قال بغضب
- في حد طلعه
رد نصر بسرعة
- مستحيل... والله العظيم محدش دخل
أشار عدنان إلى الأرض و قال
- اصبر ياخوي
اقترب الجميع كان هناك شيء صغير جدا قطعة شمع سوداء ذابت فوق الأرض
التقطها عدنان...شمها ثم تغيرت ملامحه
- ريحة لبان
نظر إليه خميس باستغراب و قال
- يعني إيه
أجاب وهو يفكر
- يعني اللي دخل... كان معاه شمعة سودا مخصوص
عقد سعد حاجبيه و قال بذكاء
- يعني كان داخل وهو عارف إنه مش هيلاقي نور
نظر الجميع لبعضهم ثم أكمل
- يعني حافظ المكان كويس اوي
ساد الصمت حتى قال دياب بهدوء مخيف
- حد من البلد.....أو من الدار
وفجأة...قطع الصمت صوت أحد الرجال من خارج المخزن
- يا حج... تعالى بسرعة
خرج الجميع كان الرجل يحمل شئ ملفوف بقماش أبيض
فتحه أمامهم ظهر بداخله...الحبل الذي كان يقيد الأسير
لكن...كان مربوط عليه شيء آخر ورقة صغيرة
تناولها دياب فتحها ببطء لم يكن مكتوب فيها سوى سطر واحد
- قلتلك... القبر كان فاضي
ضغط دياب على الورقة بقوة حتى كادت تتمزق
بينما قال سعد بغضب
- ولاد دخلوا دارنا وخرجوا واحنا مش حاسين
رد عدنان بصوت هادئ...لكنه كان أخطر من الغضب
- لااااه...اللي عمل اكده... مطلعش من الدار أصلا
ساد الصمت التفت ادهم إليه و قال بشك
- تقصد إيه
أجاب وهو ينظر في عيون كل رجل يقف أمامه رجل... رجل
- أجصد... إن اللي فك الأسير كان واحد من اللي
كانوا واجفين معانا النهارده
تجمدت الوجوه ولأول مرة...نظر رجال العطارين إلى بعضهم
بعين الشك أما دياب...فأغمض عينيه للحظة
ثم قال بصوت موجوع
- ربنا يستر... لو الشك دخل بين الرجالة
يبجى العيلة دي هتجع قبل ما العدو يضربها
وفي مكان بعيد...كان الأسير يجلس داخل عربة كارو مغطاة بالقش
إلى جواره الرجل صاحب الندبة
ابتسم الرجل وهو ينظر إلى الورقة نفسها ثم قال بهدوء
- أول ضربة كانت خوف...
رفع رأسه نحو الطريق المؤدي إلى القرية
وأكمل بابتسامة باردة
- أما الضربة دي... فهي الشك
ولما الإخوات يشكوا في بعض... يبقي هكون كسبت نص الحرب
بدت القرية وكأنها تحبس أنفاسها
حتى أصوات الأطفال التي كانت تملأ الأزقة كل يوم... اختفت
كل بيت يتحدث عن القعدة العرفية...وكل رجل ينتظر ما سيحدث غدا
في مضيفة الحاج دياب...كان الجميع مجتمعين حول مائدة طويلة لكن الطعام بقي كما هو
لا أحد يملك شهية رفع خميس قطعة خبز... ثم أعادها مكانها وهو يتمتم
- والله اللجمة ناشفة في حلجي
رد عبدالعزيز وهو ينظر إلى الأرض
- الواحد مش عارف هيصحى بكرة على إيه
أما سعد...فكان يطرق بأصابعه على الطاولة بعصبية شديده
وفجأة...وقف و قال بجنون
- كفاية كده
نظر الجميع إليه فقال وهو يزفر بقوة
- إحنا قاعدين مستنيين الضربة... ليه
ليه منروحش إحنا نجيب آخره
قال صالح بهدوء
- وبعدين؟
- نخلص عليه ونخلص من وجع الدماغ ده
رد عدنان الذي كان صامت منذ بداية الجلسة
- ولو سعفان مات... هتعمل إيه مع اللي بيحركه
ساد الصمت نظر سعد إليه
- إنت لسه مصمم إن فيه حد وراه
ابتسم عدنان ابتسامة خفيفة ثم أخرج الورقة التي رسم عليها الدوائر في الليلة الماضية
ووضعها أمامهم و قال
- تعالوا نفتكر بالعجل كلت ديه بيحصل
في وجت واحد
كل ديه خطوات... مش مصايب
سأله رجب
- ايه الفرق مش فاهم
أجابه بهدوء
- المصيبه بتوجع و خلاص ... أما الخطوة فوراها عجل
أومأ دياب برأسه في صمت بينما أكمل سعد بذكاء
والعقل ده... كل مرة بيخلينا نجري ناحية اللي هو عايزه
في تلك اللحظة.......دخل نصر مسرعا و قال
- يا حج... في راجل برة بيقول إنه تاجر خيل... و عدي يسلم عليك
نظر عدنان إلى دياب...ثم ابتسم ابتسامة لم تعجب أحدا و قال
- تاجر خيل.... في حدي شافه جبل سابج
- لا
- دخل البلد كيف و ميته
- وصل من شوية
وقف سعد سريعا و قال
- متدخلوش
اكمل وهو يتجه إلى الباب و الباقي لحقوق به سريعا
- لأن البلد كلها واقفة على رجل وآخر حاجة ممكن
تحصل إن تاجر خيل يفتكر يزور العطارين النهارده
خرج الجميع إلى الفناء كان الرجل يقف بجوار عربة صغيرة يمسك لجام حصان عربي جميل
بمجرد أن رأى دياب...ابتسم و قال بهدوء
- السلام عليكم يا حج
رد دياب
- وعليكم السلام
اقترب الرجل و قال
سمعت عن خيلك... وحبيت أتشرف بمعرفتك
و قبل أن يرد دياب...كان عدنان قد اقترب من الحصان نفسه
مرر يده على رقبته ثم انحنى...ونظر إلى الحافر
ابتسم وقف ثم التفت إلى الرجل وقال بهدوء
- إنت مش تاجر خيل
ارتبك الرجل لكنه رد بثبات
- ليه يعني و انت ايه عرفك
أجاب عدنان وهو يشير إلى الحصان
- لأن اللي يربي خيل... عمره ما يهمل الحدوة بالمسمار المكسور ديه
تغير لون وجه الرجل أما عدنان...فأكمل
- ولا يسيب الحصان عطشان بالشكل ديه
نظر إليه الرجل في صمت ثم فجأة...قفز فوق العربة
وضرب الحصان بالسوط وانطلقت العربة بأقصى سرعة
صرخ سعد
- امسكووووووه
قفز أيمن وعبدالعزيز خلفه بينما انطلق سعد على حصانه في لحظات
أما عدنان...فلم يتحرك ظل ينظر إلى الغبار الذي خلفته العربة
ثم قال بهدوء
- هو خد اللي كان عايزه خلاص
ساد الصمت ثم قال دياب بقلق
- يعني إيه.....كان عايز ايه
نظر عدنان إلى باب الدار.....ثم إلى الرجال الواقفين
وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقهم
- الراجل ديه... ماكنش جاي يشوفك
كان جاي يعرف عددنا
نظر الجميع حولهم بعدم فهم أما عدنان...فهمس لنفسه
- دلوك عرف عدد الرجالة... وعدد البنادق ومداخل الدار ومخارجها
التفت إلى دياب وقال بجدية
-اللي بيخطط للحرب... عمره ما يبدأها قبل ما يعرف زين
ارض المعركه
ساد صمت ثقيل...بينما كانت الشمس تغيب خلف الجبل
وكأنها تُعلن انتهاء آخر يوم هادئ...قبل أن تبدأ الحرب الحقيقية
كان الليل قد أرخى سدوله على القرية...
واختفت الأصوات إلا من نباح كلب بعيد وصوت الريح وهي تعبث بأوراق الأشجار
داخل مضيفة الحاج دياب...لم يبق سوى هو وعدنان الجبالي
أما باقي الرجال، فقد خرجوا كل لينفذ ما كلف به
جلس عدنان يقلب فنجان القهوة بين يديه بينما كان دياب ينظر إلى النار المشتعلة في الموقد
قطع عدنان الصمت قائلا
- من ساعة ما الراجل جال ...الجبر كان فاضي... وإنت مش إنت يا حج
لم يجب دياب ظل ينظر إلى النار ثم قال بعد صمت طويل
- في جراح... الزمن ما بيعرفش يداويها يا عدنان
نظر إليه عدنان باهتمام و قال
- بس يمكن المواجهة تداويها
ابتسم دياب ابتسامة موجوعة و قال
- أوقات... المواجهة بتفتح الجرح من أول وجديد
وقبل أن يضيف كلمة...دوى طرق عنيف على باب المضيفة
دخل نصر مسرعا كان وجهه شاحب
- يا حج... لازم تيجي معايا حالا
نهض دياب و قال بقلق
- خير يابني في ايه
- بلع نصر ريقه و قال
-تعالى بس
بعد دقائق...توقفت سيارة دياب أمام المقابر القديمة
ترجل الجميع كان المكان خالي إلا من ضوء الفوانيس التي يحملها الرجال
اقترب سعد وهو يقطب حاجبيه
- إيه اللي جابنا الترب دلوقت ما تنطق يا نصر
انت خلينا نجري وراك من غير ما نفهم حاجه
لم يرد نصر بل أشار بيده فقط
اتجهت الأنظار إلى قبر قديم...يقع في آخر المدفن
توقف دياب فجأة وشحب وجهه
همس رجب برعب
- يا ساتر...
كان القبر.....مفتوح والتراب متناثر حوله ركض سعد إليه
ثم انحنى ينظر داخله تجمد مكانه رفع رأسه ببطء
ونظر إلى أبيه ثم قال بمغزي
- القبر فاضي
ساد الصمت اقترب دياب بخطوات ثقيلة وقف أمام القبر
لم ينظر داخله وكأنه يعرف ما سيجده أو بالأحرى...ما لن يجده
قال عدنان بهدوء
- جبر مين ديه
ظل دياب صامت لكن خميس أجاب بصوت مرتجف
- قبر... سليمان
بعد ما لجينا العربيه محروجه و مافيهاش جثه
عملنا العزا من غير دفنه
بعديها بشهر جالنا صاحبه اللي كان وياه
جالنا أن جتته في المشرحه و هو كان متصاب و معرفش
ياجي يبلغنا ....وجتها دفناه من سكات
ارتجف الرجال جميعا أما سعد فنظر إلى أبيه بعدم تصديق
- يعني ايه ....
أغمض دياب عينيه ثم قال بصوت مبحوح
- محدش يجرب من الجبر
نظر إليه عدنان باستغراب
- ليه.....ما تجول في ايه يا حج
أني اول مره اسمع انكم لجيته جتت سليمان و دفنتوه
فتح دياب عينيه...وكانتا ممتلئتين بألم عمره خمسة وعشرون عام
- لأن اللي فتحه... كان عايزنا نشوفه
ساد الصمت ثم أكمل
- وأني... مش هديه اللي هو عايزه
عدنان...لم يقتنع اقترب من القبر انحنى ببطء...ثم أخرج مصباح صغير من جيبه
سلط الضوء داخل الحفرة وفجأة...قال
- بص يا حج
اقترب الجميع وأشار إلى شيء في قاع القبر
كانت هناك...ورقة مطوية بعناية نظر دياب إليها ثم قال
- متلمسهاش
ابتسم سعد بشر ثم قال
- لو كان فيها موت... كان حطهولك في الدار مش هنا يابا
أخرج منديل من جيبه والتقط الورقة بحذر فتحها ببطء
لم يكن فيها سوى سطر واحد
- دوروا على الحقيقة... بعيد عن القبور
تبادل الجميع النظرات قال سعد بغضب
- يعني بيلعب بينا ابن الكلب ده و لا ايه
عدنان...ظل ينظر إلى الجملة ثم أعاد قراءتها مرة أخرى
وفجأة...اتسعت عيناه همس
لااااااه...نظر إليه دياب و اكمل بثقة
- دي مش رسالة تهديد...
سأله جلال
- أمال إيه انا دماغي لفت و ربنا
نظر إلى دياب مباشرة وقال
- ديه... نصيحة
ساد الصمت أما دياب...فأول مرة منذ بداية الأزمة
ظهرت الدهشة على وجهه لأن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه أصبح أخطر من كل ما سبق
هل الرجل الذي يحاربهم... يريد الانتقام فعلا
أم يحاول أن يكشف لهم الحقيقة التي دفنت منذ خمسة وعشرين عام
كان القمر ينعكس فوق القبر المفتوح...وكأن الماضي
خرج بالفعل من تحت التراب
كان الليل قد ألقى ستاره الأسود فوق القرية واختفت الأصوات إلا من نباح كلب بعيد وصوت الريح وهي تعبر بين أشجار الجميز العتيقة
داخل مضيفة الحاج دياب...كانت الخريطة الورقية التي رسمها عدنان الجبالي لا تزال ممدودة فوق المنضدة دوائر وأسهم وكلمة واحدة في المنتصف...الماضي
وقف عدنان ينظر إليها ثم أمسك الفحم وكتب تحتها
- ليلة الحريج
رفع خميس عينيه إليه وقال باستغراب
- بتكتب إيه يا عدنان
رد وهو ما زال يحدق في الورقة
- الليلة اللي اختفى فيها سليمان... هي مفتاح كل اللي بيحصل دلوك
قال سعد وهو يعقد ذراعيه
- وإحنا هنعرف بعد خمسة وعشرين سنة ايه
اللي حصل يومها ازاي
ابتسم عدنان ابتسامة هادئة ثم قال
- لو الحجيجه ماتت... مكنش حد رجع يدور عليها
ساد الصمت ثم التفت فجأة إلى دياب و قال
- جولي حج... العربية اتحرجت فين بالظبط
رفع دياب رأسه ببطء وكأن السؤال أعاده خمسة وعشرين عام إلى الوراء
قال بصوت منخفض
- عند طريج الجبل الجديم... قبل وادي الحجر بشوية
نظر عدنان إلى أيمن وقال
- هات بندقيتك... وتعالي معاي
قال أيمن باستغراب
- دلوقت....هنروح فين
قال سعد بسرعة
- وأنا كمان جاي معاكم
هز عدنان رأسه و قال بحسم
- لااااه... أنت خليك جنب الحج
أنا رايد عين هادية... مش حد داخل الحرب بقلبه
ابتسم سعد بسخرية و قال
- يعني أنا متهور و لا معنديش عقل افكر
رد بمزاح عدنان وهو يخرج من المضيفة
من ساعة دخلت مرتك حياتك... وأنت بجيت بتفكر بقلبك جبل عجلك
ابتسم سعد رغما عنه بينما خرج عدنان ومعه أيمن
بعد نصف ساعة...كانت سيارة عدنان تتوقف عند بداية الطريق الترابي المؤدي للجبل
ترجل الرجلان أضاء أيمن الكشاف وقال وهو ينظر حوله
- معقول بعد السنين دي نلاقي حاجة
انحنى عدنان ولم يجب ظل يتفحص الأرض ببطء...شجرة صخرة
بقايا طريق قديم ثم قال فجأة
- اوجف اهنيه
اقترب أيمن وجد عدنان ينظر إلى جذع شجرة ضخمة
مرر أصابعه فوق أحد الفروع ثم ابتسم و قال
- الحمد لله لجيتها
اقترب أيمن أكثر و قال باستغراب
- لقيت إيه؟
أشار عدنان إلى أثر دائري صغير داخل الجذع
ثم أخرج سكين صغير وبدأ يحفر حوله بحذر
وبعد لحظات...سقط جسم معدني صغير على الأرض
التقطه أيمن نظر إليه باستغراب ثم قال
- دي... رصاصة؟
هز عدنان رأسه
- أيوه....الرصاصة دي دخلت الشجرة من خمسة وعشرين سنة
سأل أيمن
- وإيه يعني مش فاهم
ابتسم عدنان و قال بذكاء
- يعني النار ما كانتش أول حاجة حصلت
نظر إليه أيمن بعدم فهم فأكمل
- العربية اتحرجت بعد ضرب نار
مش الأول
اتسعت عينا أيمن و قال بدهشه
- يعني كان فيه اشتباك طب عرفت ازاي
- أيوه صوح...ومش اشتباك صغير كماني
بدأ الاثنان يفتشان المكان وبعد دقائق...توقف عدنان فجأة
كانت الرمال بجوار صخرة كبيرة مختلفة عن باقي الأرض
ركع على ركبتيه وأزاح التراب بيديه ثم سحب قطعة قماش سوداء متآكلة
فتحها بحذر وبداخلها...قطعة معدنية صغيرة
أخذها أيمن و قال
- ايه ده
نظر إليها عدنان ثم تغيرت ملامحه
كانت...شارة معدنية قديمة وعليها نقش واضح حية تلتف حول خنجر
ارتجف أيمن و قال
- نفس العلامة...
همس عدنان
- أيوه...نفس الخاتم
يعني اللي كان هنا ليلة اختفاء سليمان
نفس الناس اللي رجعت النهارده
في الوقت نفسه...كان الحاج دياب يقود سيارته وحده
لم يخبر أحدا إلى أين يذهب كأنه يسير خلف ذكرى لا خلف طريق
حتى توقف أمام مكان مهجور...أرض جرداء تتوسطها شجرة ضخمة
ترجل ببطء ظل ينظر حوله ثم همس
- خمسة وعشرين سنة...ورجعتني لنفس المكان تاني يا سليمان
اقترب من الشجرة مد يده يلامس جذعها وأغمض عينيه
لكن فجأة...توقفت يده كان هناك شيء مثبت بخنجر صغير في جذع الشجرة
ورقة مطوية تجمد مكانه نظر حوله بسرعة لم يكن هناك أحد
انتزع الورقة فتحها ببطء ولم يكن مكتوب فيها سوى سطر واحد
- دورت على الحقيقة وسط الرماد... مع إن النار عمرها ما كانت هي القاتل
ارتجفت يد دياب ثم قلب الورقة...فوجد على ظهرها نفس الرمز
حية... تلتف حول خنجر تراجع خطوة ولأول مرة منذ خمسة وعشرين عام
شعر أن الماضي...لم يكن مدفون بل كان يراقبه في صمت
وينتظر اللحظة المناسبة...ليعود
فصل طويل اووووي اهووووو عشان اعوضكم عن يوم السبت
مش هنزل عشان تسليم السفيره
ماذا سيحدث يا تري
سنري
انتظروووووني
بقلمي / فريده الحلواني
صباحك بيضحك يا قلب فريده
مهما الدنيا ضاقت... افتكري إن ربنا عمره ما يقفل باب إلا وهو فاتحلك باب أحسن منه
متستعجليش الفرج... لأن لكل حاجة ميعاد ولكل تعب نهاية ولكل دعوة رفعتيها في سرك رب كريم سمعها ومستني الوقت المناسب عشان يجبر قلبك
خليكي مؤمنه... إن بعد كل عتمة نور وبعد كل وجع راحة وإن اللي جاي بإذن الله هيكون أجمل من كل اللي فات
ثقي في ربنا... وكملي طريقك لأن الأمل عمره ما خذل حد كان قلبه متعلق بربه
هيعطيكي حتى يرضيكي... أنا واثقة
و بحبك.
لا تخش الحقيقة... حتى وإن هدمت كل ما كنت تؤمن به
فالخداع قد يمنحك راحة مؤقتة لكنه لا يصنع نجاة
أما الحقيقة... فقد تؤلمك وقد تسقط أقنعة أحببتها لكنها وحدها القادرة على أن تضع قدميك على الطريق الصحيح
تذكّر دائما... ليس أخطر عدو هو الذي يقف أمامك بل الذي يجعلك تحارب الأشخاص الخطأ.
لم يكن الطريق الجبلي سهلًا في الليل بل كان مرعب للغاية
جلس أيمن خلف المقود يرمق الطريق بعين ويختلس النظر إلى عدنان بالأخرى
أما عدنان الجبالي... فكان يجلس إلى جواره صامت يقلّب الشارة المعدنية بين أصابعه للمرة العاشرة
الرمز نفسه... حية تلتف حول خنجر لم يكن مجرد نقش كان توقيع
همس لنفسه بصوت بالكاد سمعه أيمن:
- بعد خمسة وعشرين سنة... رجعتوا تاني
نظر إليه أيمن ثم قال:
- من ساعة ما لقينا الشارة وإنت ساكت... قولي دماغك وصلت لإيه؟
تنهّد عدنان دون أن يرفع عينيه ثم قال:
- وصلت لحاجة مخوفاني
- إيه هيّا؟
رفع الشارة أمام عينيه وقال بهدوء:
- اللي كان بيطارد سليمان زمان... هو نفسه اللي بيطاردنا دلوك
ساد الصمت قبض أيمن على المقود بقوة و قال :
- يعني... إحنا داخلين على حرب
ابتسم عدنان ابتسامة باهتة ثم قال:
- لااااه ياخوي... إحنا داخلين على حاجة اوسخ من الحرب.
في الناحية الأخرى... كان سعد يقف في فناء الدار ينظر ناحية الباب الخارجي
مر أكثر من ساعة وعدنان وأيمن لم يعودا اقترب منه عبدالعزيز وقال:
- مالك يا سعد؟
لم يرد ظل ينظر للطريق فكرر عبدالعزيز سؤاله:
- إنت قلقان عليهم؟
زفر سعد بضيق ثم قال:
- قلبي مش مطمن يا زيزو مينفعش يطلعوا الجبل لوحدهم
في الوقت ده وأيمن لسه طري مش هيعرف يتصرف لو حصل حاجة
ابتسم عبدالعزيز محاولًا تهدئته و قال:
- عدنان الجبالي معاه... والراجل ده لو دخل وسط نار يطلع منها سليم
هز سعد رأسه ثم قال:
- المشكلة مش في عدنان... المشكلة في اللي بنحاربه
ساد الصمت ثم التفت فجأة إلى عبدالعزيز و قال بحسم:
- بقولك إيه... أنا رايح وراهم خد بالك من الدنيا هنا
عقد حاجبيه و سأل بصدمة:
- رايح فين... إنت اتجننت يا سعد؟
لم يجبه اتجه مباشرة إلى الإسطبل أخرج حصانه الأسود وربت على عنقه
همس له:
- الليلة شكلها طويلة يا صاحبي
وفي أقل من دقيقة... كان يمتطي الحصان وينطلق خارج الدار
وقف عبدالعزيز ينظر لأثر انطلاقه بذهول ثم ضرب كف على الآخر و قال بغيظ:
- حتى مدانيش فرصة اقوله جاي معاك... ربنا يستر.
على بعد عدة كيلومترات... أبطأ أيمن السيارة فجأة نظر حوله باستغراب و قال:
- الطريق فاضي أوي... مش المفروض بيكون بتوع الكاوتش
قاعدين هنا عشان خدمات العربيات و لا إيه؟
رفع عدنان رأسه و قال بحيرة:
- وده اللي مقلقني
في اللحظة نفسها... إنعكس ضوء قوي في المرآة سيارة خلفهم
ثم ثانية ثم ثالثة اقتربت بسرعة غير طبيعية فقال أيمن:
- في عربية جاية ورا...
لم يكمل جملته إذ اندفعت السيارة الخلفية بقوة واصطدمت بمؤخرة سيارتهم
اهتزت السيارة بعنف صرخ أيمن وهو يحاول السيطرة على المقوّد:
- امسك كويس يا عدنااااااان
لكن قبل أن يستعيد توازنه... ظهرت سيارة أخرى من منعطف جانبي
لتغلق الطريق بالكامل ضغط أيمن الفرامل بعنف
توقفت السيارة على بعد أمتار قليلة ساد صمت ثقيل
ثم... انفتحت أبواب السيارتين وترجّل ستة رجال ملثمون
كل واحد منهم يحمل سلاح آلي
ابتسم أحدهم ابتسامة باردة ثم رفع بندقيته صرخ عدنان:
- انزل يا أيمن
في اللحظة التالية... انفجر الليل بصوت الرصاص
قفز الإثنان خلف صخرة كبيرة تناثرت الحجارة حولهما
وأخذ الرصاص يحصد التراب في كل اتجاه
التقط أيمن أنفاسه بصعوبة و قال:
- دول كتير أوي هنعمل إيه؟
أخرج عدنان مسدسه بهدوء ثم ألقى نظرة خاطفة
عاد بسرعة قبل أن تخترق رصاصة الصخرة و قال:
- ستة...
ثم صحح لنفسه
- لاااااه... سبعة
قال أيمن بدهشة:
- شفت السابع فين
ابتسم و قال بذكاء:
- اللي بيدي الأوامر... عمره ما يوجف وسط رجالته
في تلك اللحظة... خرج رجل طويل من خلف إحدى السيارات
لم يكن يحمل سلاح بل كان يراقب فقط
ثم صاح بصوت قوي:
- الشارة... سلّمها... وامشوا
قال أيمن بغضب:
- تعالى خدها بنفسك
ابتسم الرجل ابتسامة ساخرة ثم رفع يده لتنطلق دفعة جديدة من الرصاص
كان سعد يقترب من المكان بعدما سمع دوي الطلقات يتردد بين الجبال
شد لجام حصانه وقف فوق مرتفع صغير ومن هناك... رأى ألسنة النار الخارجة من البنادق
ورأى سيارة عدنان ورجالًا يطوقونها اتسعت عيناه
همس بغل :
يا نهار ابوكوا إسود يا ولاد الكلب
نزل عن الحصان بسرعة وربطه خلف صخرة وسحب بندقيته
لم يندفع مباشرة بل انبطح على الأرض... وبدأ يراقب
عد الرجال واحدا واحدا حدد أماكنهم لاحظ قائدهم
ولاحظ أن إثنين يقتربان من عدنان من الجهة اليمنى دون أن ينتبه لهما أحد
ابتسم سعد ابتسامة خطيره وقال لنفسه:
- أول غلطة يا روح امك
ثبت بندقيته على كتفه أخذ نفس عميق ثم... دوى أول إطلاق نار من بندقيته
أصاب الرصاص يد أحد الملثمين فسقط سلاحه وهو يصرخ
وقبل أن يستوعب البقية ما حدث... أطلق سعد طلقة ثانية
ثم ثالثة في ثوان تحول الكمين كله إلى فوضى
رفع عدنان رأسه بسرعة... وحين لمح مصدر الطلقات...
ارتسمت على شفتيه ابتسامة يعرفها جيدًا وقال بصوت خافت:
- كت خابر إنك مش هتجعد في الدار يا سعد...
غير سعد مكانه سريعًا ليقف خلف صخره أخرى و هو يصرخ بأعلى صوته:
- أيمن... خد اليمين
نصر... لف من وراهم
جلاااال... إوعى تطلع من مكانك
هنا عدنان ابتسم لأول مرة و قال في نفسه:
- مش بس جلبه جامد... ده عجله سابج سنه
عاد الاشتباك مره أخرى بقوة فانتقل عدنان إلى مكان آخر و أثناء ذلك... وقعت الشارة منه
للحظة فكر أن يعود و يأخذها لكن قائد المجموعة كان الأسرع و التقطها من فوق
الأرض
وأخذ يطلق الرصاص حتى يمنع الآخر من العودة
أصبح الثلاثة رجال على مقربة من بعضهم و هم يطلقون الأعيرة النارية على المهاجمين الذين انسحبوا سريعًا بعد ما حصلوا على ما يريدون
تحرك أيمن تجاه سعد بعد أن أصبح المكان خاليًا إلا من ثلاثتهم
عانقه بقوة ثم قال بغضب:
- إنت اتجننت يا سعد... إزاي تطلع الجبل لوحدك
لو كان جرالك حاجة كنت هعمل ااااااايه؟
ضحك وهو ينظف التراب من فوق ملابسه ثم قال برجولة:
- ولو كنتوا إنتوا اللي جرالكم حاجة... كنت هعمل مع نفسي إيه
أما عدنان فاقترب منه ثم نظر له لثواني و قال:
- آني دلوك فهمت ليه الحاج دياب معلج آماله عليك.
مع أول خيوط الصباح... كانت ساحة المضيفة الكبيرة قد امتلأت برجال القرية وكبار العائلات جلس كل رجل في مكانه المعتاد بينما انتشرت الفِراشات العربية على الأرض وتوسط المجلس موقد كبير تتصاعد منه رائحة القهوة السادة
لم يكن أحد يتحدث بصوت مرتفع... فالكل يعلم أن هذه القعدة قد تنهي خصومة امتدت خمسةً وعشرين عام... أو تشعل حربًا لن تبقي ولن تذر
وقف نصر عند باب المضيفة يراقب الداخلين بينما كان سعد يقف إلى جوار والده الحاج دياب ملامحه جامدة إلا أن عينيه كانتا لا تتوقفان عن متابعة كل وجه يدخل المجلس
اقترب عدنان الجبالي وهمس في أذن دياب:
- البلد كلياتها حضرت... حتى اللي بينهم خصومات مع بعض
سابوها وجم النهارده
هز دياب رأسه في صمت ثم دوى صوت أحد الرجال من الخارج:
- سعفان جه...
ساد الصمت... والتفتت كل الرؤوس نحو الباب
دخل سعفان بخطوات ثابتة وخلفه عدد من رجال عائلته حتى وقف في منتصف المجلس
ثم رفع عينيه نحو الحاضرين و قال :
- السلام عليكم
ردد الجميع السلام في صوت واحد ثم تقدم كبير البلد الحاج عمران وأشار إليه و قال:
- اجعد يا ولدي... إحنا النهارده جاعدين علشان
نسمع من الكل والحج هيرجع لصاحبه
جلس سعفان لكنه ظل مستقيم الظهر وكأنه جاء مستعدا لمعركة أكثر من كونه جاء إلى مجلس صلح... أخذ الحاج عمران نفس عميق ثم قال:
- يا رجالة... اللي بين العيلتين كفاية عليه خمس وعشرين سنة دم ونار
والنهارده كل واحد هيجول اللي عنده
من غير سلاح ومن غير صوت يعلى على صوت العجل
التفت إلى سعفان وأكمل:
- اتفضل... جول اللي عندك يا ولدي
ساد المجلس صمت ثقيل رفع سعفان رأسه وأخذ ينظر إلى وجوه العطارين واحدا تلو الآخر حتى استقرت عيناه على الحاج دياب ثم قال بهدوء أربك الجميع:
- أنا مش جاي افتح باب حرب جديدة
ولا جاي أتحددت على الدم اللي بيناتنا
تار أبوي هاخده إكده و لا إكده
تنهد وأكمل:
- أنا جاي آخذ حجي و حج لحمي.
تبادل الرجال النظرات فقال أحد كبار البلد:
- حجك في إيه يا سعفان و لحم ايه اللي هتجول عليه ديه
رد دون تردد:
- حجي في أبويا يا كبير
ساد الصمت أكمل وهو يثبت نظره في دياب:
- أبويا مات... وآني اتجالي لما عاودت من السفر إنه كان المجرم
واتجال إن العطارين خدوا حجهم منيه
واتجال إن الدنيا خلصت لكن الحجيجه
ضرب بيده على ذراع المقعد ثم أكمل بغضب:
- الحجيجه إن ولا حد فينا عرف اللي حصل ليلة الحريج
نظر الحاج عمران إلى دياب و قال:
- عندك رد يا حاج؟
تنهد دياب وقال بهدوء:
- اللي حصل يومها... حصل جدام البلد كلها
قاطعه سعفان سريعًا:
- لااااااه... البلد كلياتها شافت آخر الليلة
إنما أولها... محدش يعرفه
بدأ الهمس يدور بين الحاضرين فقال خميس بغضب:
- يعني عايز تجول إن إحنا ظلمناكم ؟
التفت إليه سعفان و قال :
- أني مجلتش ظلمتونا أني بجول...
إنكم خدتوا بالحكاية اللي اتجالت لكم
ومحدش دور على الحجيجه إذا كان أبوي
هو اللي حرج أرضكم و لا حدى غيره
رد سعد لأول مرة بصوت هادئ:
- والحقيقة دي عندك إنت بقى؟
نظر إليه سعفان طويلا ثم ابتسم ابتسامة خبيثه و قال:
- يمكن ليه لاااه
اشتعلت أعصاب سعد لكنه تمالك نفسه أما عدنان... فاكتفى بمراقبة الحوار في صمت
قال الحاج عمران بحزم:
- يا سعفان... متلفش بينا جول اللي عنديك دوغري
أخذ سعفان نفس عميق ثم قال:
- بعد موت أبويا... عاودت البلد لجل ماخد بتاره
الناس كلها كانت بتبصلنا و تجول اللي مخدوش تار أبوهم
اللي ابوهم حرج أرض العطارين
و حديت كتير ملوش عازه ومحدش فكر يسمع منينا
أشار نحو سعد ثم قال بغل:
-و اللي جطع راس آبوي عيميل ااااااايه؟
رفع أحد الرجال حاجبه فأكمل سعفان:
- سعد... اتجوز بنت عمي
همهمات قوية ملأت المجلس أكمل وهو يرفع صوته:
- اتجوزها في السر من غير ما يبلغ أهلها
ولا يحترم كبير من كبارها
رد سعد بهدوء شديد:
- مين قال أنه فالسر... اظبط الكلام أحسنلك
أنا طلبتها من أخوها وإتجوزتها بالحلال
ابتسم سعفان بسخرية ثم قال بخبث:
- بالحلال.....
نظر إلى كبار البلد وأكمل:
- يا كبارات البلد ... أنتم أدرى مني
لما راجل ياخد بت من عيلتها في السر
من غير راجلها ولا كبيرها... ده اسمه إيه؟
قال شيخ كبير من آخر المجلس:
- العرف ميجبلش إكده
وقال آخر:
- مهما كانت الأسباب... كان لازم الكبارات تعرف
ساد الصمت رفع دياب رأسه لأول مرة وقال بثبات:
- وجتها حصلت ظروف اضطرينا نكتب عليها طوالي
وقف سعفان و قاطعه بعنف:
- وأنا مالي بظروفكم... أني اللي شيلت العار جدام الناس
وأني اللي كل يوم أسمع إن بنت عمي
راحت للعطارين من غير علم أهلها
سكت لحظة... وانخفض صوته فجأة:
- والنهارده... أنا جاي آخد حجي بالعرف
تبادلت العيون النظرات وشعر الجميع أن الجملة القادمة ستحدد مصير المجلس كله
مال الحاج عمران بجسده إلى الأمام وقال بهدوء:
- وإيه هو طلبك يا سعفان؟
رفع سعفان رأسه... ونظر مباشرة إلى الحاج دياب ثم إلى سعد
وقال ببطء شديد حتى كأن كل كلمة كانت تقع فوق صدور الرجال كالصخرة:
- زي ما سعد خد بنت عمي... أني رايد بت دياب... تبجى مرتي
ساد صمت ثقيل... حتى إن صوت احتراق الحطب داخل الموقد أصبح مسموعًا
اتسعت عينا خميس وقف جلال بعنف و انتفض أكثر من رجل واقفًا في لحظة واحدة
بينما ظل سعد... جالس في مكانه لا ينطق بكلمة وعيناه لا تفارقان وجه سعفان
الآن... لا نسمع الا صوت أنفاس الرجال
ظل سعفان واقفًا في منتصف المجلس يحدق في الحاج دياب بثبات
بينما كانت عيناه تمتلئان بتحد واضح
أما الحاج عمران... فأطرق بعصاه الخشبية على الأرض مرتين ثم قال بصوت جهوري
- معايزش اسمع نفس... محدش ينطج كلمة من غير إذني
هدأت الهمهمات تدريجيًا ثم التفت إلى سعفان و قال:
- أني سمعت طلبك يا ولدي... وديه عرف المجالس
كل راجل يجول اللي عنده
دلوك... نسمع رد العطارين
نظر الجميع إلى الحاج دياب لكنه لم يتحدث
ظل ينظر إلى الأرض وكأنه يزن كل كلمة قبل أن تخرج
وقبل أن ينطق... وقف سعد رفع الجميع رؤوسهم إليه
حتى سعفان... عقد حاجبيه وهو يراقبه
قال سعد بهدوء:
- ممكن أتكلم يا حاج عمران... ده بعد اذنك يابا طبعًا
أومأ الرجل برأسه و قال:
- اتفضل يا ولدي جول اللي رايده
نظر إلى أبيه الذي هز رأسه بهدوء:
أخذ نفس عميق ثم نظر إلى رجال البلد جميعهم و قال:
- أنا هقول كلمتين... وبعدها اللي تشوفوه صح اعملوه
ساد الصمت من جديد أكمل سعد بقوه و دهاء:
- سعفان قال إننا اتجوزنا في السر... وإننا كسرنا العرف
ثم التفت إليه مباشرة وأكمل:
- وأنا مش هكدب
اتسعت أعين بعض الرجال فأكمل سعد بثبات:
- أيوه... جوازي حصل في ظروف محدش
فيكم كان يتمناها تحصل عنده وكان
فيه أسباب أكبر من إننا نحكيها وقتها
رفع صوته قليلًا وأكمل بقوة:
- لكن عمرنا ما فكرنا نهين حد... ولا نكسر كبير
إحنا رجاله ولاد اصول وإتربينا عليها
هنا قال أحد كبار البلد:
- طب وطلبه يا سعد؟
نظر سعد إليه ثم قال بمكر شديد:
- قبل ما أرد على طلبه... لازم الناس كلها تعرف حاجة
التفت ناحية الصفوف الخلفية و قال :
- عبدالعزيز... تعالى يا شق عشان إنت صاحب الليله دي
إرتبك عبدالعزيز و نظر إلى دياب... ثم إلى سعد
لم يكن يفهم ما ينوي فعله لكنه تقدم بخطوات هادئة حتى وقف إلى جواره
ابتسم سعد ابتسامة خطيرة ثم وضع يده على كتف عبدالعزيز
وقال:
- الراجل ده... كلكم عارفينه
نظر الحاضرون إلى عبدالعزيز
فأكمل سعد:
- كلكم عارفين إنه ابن عم سعفان...
لكن كلكم برضه عارفين إنه اتربى وسط العطارين
من وهو عيل صغير ... ووصية أبوه كانت إنه يفضل بينا
هز أكثر من رجل رأسه بالموافقة فقال سعد:
- من شهر... عبدالعزيز جه بنفسه دخل بيتنا من بابه
وطلب إيد أختي...
ساد الصمت التفتت كل الوجوه ناحية عبدالعزيز
حتى دياب رفع رأسه فجأة أما عبدالعزيز... فاتسعت عيناه من الصدمة
لم يكن يتوقع أن يقول سعد هذا الحديث أمام الجميع
لكن داخله دقت طبول الفرح و ظهر هذا جليًا على ملامحه
أكمل سعد بهدوء:
- طلبها بالحلال وأنا وافقت
وكنا مستنيين الدنيا تهدى... علشان نجمع
كبار البلد ونعلن الخطوبة قدامكم
ثم نظر إلى دياب مباشرة وكان المفروض أول واحد يعرف... هو أبويا
ابتلع ريقه وأنا غلطت لما أجلت كلامي معاه
لكن لو كنت سكت النهارده... كنت هظلم أختي... وهظلم عبدالعزيز
ساد المجلس همس خافت أحد الرجال قال:
- معجول؟!
ورد آخر:
- والله دي أول مرة نسمع بالكلام ديه
رفع الحاج عمران يده و قال :
- اسكتوا... نسمع الراجل بنفسه
نظر الجميع إلى عبدالعزيز كان لا يزال مذهولًا ثم أخذ نفس عميق
وقال بصوت ثابت:
- الكلام اللي قاله سعد... كله صحيح
ثم نظر إلى الحاج دياب وأكمل بصدق:
- والله يا حاج... أنا كنت ناوي أول واحد
أقعد قدامه وأطلب منه ايدها... هو حضرتك
بس سعد قال نستنى لما البلد تهدى وأنا وافقته
خفض رأسه باحترام ثم أكمل:
- ولو حضرتك شايف إني ما استحقهاش... فأنا هقبل حكمك
لكن... رفع عينيه إليه وأكمل بصراحه أدهشت الجميع
- والله ما عايز غيرها وما هبص لبت غيرها طول عمري
تأثر أكثر من رجل داخل المجلس
ظل دياب ينظر إلى عبدالعزيز حتى ظن الجميع أنه سيرفض
ثم نهض ببطء اقترب من عبدالعزيز حتى أصبح أمامه مباشرة
وقال بلهجته الصعيدية:
- زعلت منك يا ولدي... إنك مخبرتنيش
انخفض رأس عبدالعزيز و قال:
- حقك عليا يا حاج
ابتسم دياب لأول مرة منذ أيام ثم وضع يده على كتفه
- بس أثبتّلي إني ربيت راجل وسط ولادي... يوم ما اخترت تدخل بيتي
دخلت من بابه
التفت إلى كبار البلد وقال بصوت ملأ المضيفة كلها:
- وأني... موافج
انفجرت الهمهمات داخل المجلس وقف أكثر من رجل في مكانه
بينما تجمد سعفان للحظات... قبل أن ينهض بعنف
وضرب كفه في الطاولة:
- لااااه... إكده بتلعبوا بالعرف
نظر إليه سعد بهدوء ثم قال بخبث:
- بنلعب... طب ابلع ريقك بقى بدل ما أقل منك
قدام الرجالة دي كلها
أشار سعفان إلى عبدالعزيز و قال بغل:
- ديه ولد عمي... بس من سنين ما لوش صالح بينا
رد سعد دون أن يهتز:
- بس من دمكم و النسب حصل خلاص
يبقى الطلب اللي طلبته... بقى ملوش لازمه
لأن إبن عمك طلبها قبلك
اشتعل وجه سعفان و قال:
- أني ما خلصتش كلامي يا سعد
ابتسم سعد ابتسامة هادئة وقال وهو ينظر في عينيه مباشرة:
- وأنا كمان... لسه مخلصتش
ظل سعد واقفًا في مكانه... ملامحه هادئة لكن كل من يعرفه كان يدرك أن هذا الهدوء يسبق العاصفة أما سعفان... فكانت أنفاسه تتسارع من شدة الغضب
ثم أشار بإصبعه نحو عبدالعزيز وقال بصوت غليظ:
- إنت بتجول إن النسب تم صوح
على مين يا سعد... ديه راجل باع دمه ومبقاش له مطرح
وسطينا من يوم ما اختار يعيش وياكم
تحرك عبدالعزيز خطوة إلى الأمام لكن سعد رفع يده يمنعه
نظر إليه وكأنه يقول... سيبهولي
ثم أعاد بصره إلى سعفان وقال بهدوء:
- عبدالعزيز ما باعش دمه... ولا عمره نكر أصله
ابتسم سعفان بسخرية و قال:
- لااااه... اومّال أني عمري ما شوفته واجف
في عزى واحد من أهله ولا عمره حضر مجلس من مجالسنا
رد عبدالعزيز لأول مرة بغضب شديد:
- لأنكم أنتم اللي قفلتوا الباب في وشي... وأنا عندي خمس سنين
ساد الصمت... حتى سعفان نفسه لم يجد ردًا للحظة
أكمل عبدالعزيز وهو ينظر في عيون رجال عائلته:
- أبويا قبل ما يموت سلّمني للحاج دياب
وقاله... الولد ده أمانة في رقبتك ومن يومها
عمر حد فيكم سأل عليا... ولا خبّط على بابي؟
ثم أشار إلى العطارين وأكمل:
- الناس دي هي اللي ربتني... هي اللي علمتني
وهي اللي وقفت جنبي أنا وامي و أختي
رفع رأسه بكبرياء و قال برجولة:
- لكن ده ما يمنعش إن دمي من دمكم
همهم عدد من كبار البلد وأخذ بعضهم يتبادل النظرات
قال أحد الشيوخ الجالسين في آخر المجلس:
- عداك العيب يا ولدي... الولد مجالش غير الصوح
لكن سعفان ضرب الأرض بعصاه و قال بغل:
- الصوح... الصوح إن اللي يسيب أهله
ميجيش يجول دمي من دمكم
وقبل أن يرد عبدالعزيز... وقف عدنان الجبالي لم يرفع صوته...
لكنه قال بهدوء جعل الجميع يلتفت إليه:
- إحنا النهارده جاعدين علشان نطفي نار... مش نزودها
نظر إلى سعفان وأكمل:
- وأني عندي سؤال واحد ليك
رد سعفان بحدة:
- اسأل
قال عدنان :
إنت رايد البت... لأنها بت دياب
ولا رايدها علشان تحل الدم
تردد سعفان للحظة ثم قال:
- علشان ينتهي اللي بينا
هز عدنان رأسه و قال بقوة:
- يبجى انتهى
عقد سعفان حاجبيه و قال بعدم فهم:
- كيف يعني انتهي... تجصد إيه؟
أشار عدنان إلى عبدالعزيز و قال:
- الراجل ديه من دمكم... وهي من دمهم
- و النسب حوصل و خلاص لو قصدك الصلح
يبجى سبب الصلح موجود
رد سعفان بعصبية:
- وأني مجولتش رايد الصلح وبس.
ساد الصمت... وهنا ضاقت عينا عدنان وقال بنبرة مختلفة تمامًا:
- أومّال رايد إيه يا سعفان؟
نظر سعفان إلى الأرض للحظة... ثم رفع رأسه ببطء
وكانت نظرته هذه المرة مختلفة... خالية من الغضب
ومليئة بشيء أشبه بالوجع قال بصوت منخفض:
- أني رايد أعرف... ليه جتل أبوي؟
ساد المجلس صمت لم يعرفه أحد من قبل حتى دياب رفع رأسه فجأة
أكمل سعفان:
- لما عاودت من السفر كل الناس جالوا... العطارين جتلوا أبوك
بس ولا مرة... ولا مرة جدرت أصدج إن الحكاية سهلة للدرجادي
كيف يجطع راس أبوي و يعلجها على باب البلد
لجل ما أبوي حرج الأرض
مدخلاش دماغي الحكاية دي
بدأ الهمس يدب بين الرجال أما سعد... فنظر إليه باهتمام لأول مرة
واصل سعفان حديثه:
- كل ما أجرب أمسك طرف... ألاجي حد يبعدني
أخرج من جيب جلبابه قطعة قماش قديمة ملفوفة بعناية
ووضعها فوق الطاولة تبادل الجميع النظرات سأله الحاج عمران:
- إيه ديه يا ولدي؟
رد سعفان:
- الحاجة اللي خلتني أرجع أدور من أول وجديد
فتح القماش ببطء... فظهرت طلقة نحاسية قديمة
المنقوش على قاعدتها كان نفس الرمز الذي رآه عدنان فوق الشارة
حية تلتف حول خنجر تغير لون وجه عدنان أما دياب...
فوقف من مكانه دون أن يشعر همس بصوت خرج رغمًا عنه:
- مستحيل...
رفع سعفان الطلقة بين أصابعه وقال وهو ينظر إلى الجميع:
- دي الطلجه اللي خرجت من جسم أبويا... يوم ممات
وإحنا بنغسّله لجيناها محشوره جوه صدره
طب ليه حدى يضربه بالنار و هو رأسه مقطوعه من الأساس
أشار إلى عدنان ثم أكمل :
- ولو إنت لقيت نفس العلامة... يبجى أني
وإنت بندور على نفس العدو... من غير ما نعرف
تجمد المجلس بالكامل ولأول مرة... لم يعد السؤال
من ينتقم من العطارين بل أصبح... من هو صاحب الحية والخنجر
الذي اختفى قبل خمسة وعشرين عام... ثم عاد اليوم ليشعل النار بين الجميع.
غادر سعفان المضيفة... لم يلتفت خلفه رغم أنه كان يشعر بعشرات الأعين تراقبه
كان صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب كل ما حدث داخل المجلس لم يكن في حسبانه
كان واثق أن طلبه سيضع العطارين في مأزق أمام كبار البلد...
لكن سعد قلب الطاولة عليه في لحظة
ضغط على فكيه بقوة وهو يفتح باب سيارته
ألقى عقاله فوق المقعد المجاور ثم جلس خلف المقود وأغلق الباب بعنف
ظل للحظات ينظر أمامه في صمت ثم ضرب المقود بكفه:
- إبن الكلب... لعبها صح... طيب يا واكل ناسك
آني هعرف كيف اعدل كفة الميزان من جديد
أدار المحرك... وانطلقت السيارة مبتعدة عن المضيفة
لم يكد يبتعد مئات الأمتار حتى بدأ الطريق يخلو من البيوت
أصبح وحده... لا يسمع سوى صوت المحرك واحتكاك الإطارات بالطريق الترابي
وفجأة... رن هاتفه نظر إلى الشاشة رقم خاص
انعقد حاجباه ظل الهاتف يرن تردد لثوان ثم ضغط زر الإجابة
رفع الهاتف إلى أذنه دون أن يتحدث
ساد صمت قصير... قبل أن يأتيه صوت رجل هادئ...
هادئ إلى درجة بعثت القشعريرة في جسده
تجمدت أصابع سعفان فوق المقود واتسعت عيناه همس دون إرادة
- إنت...؟!
جاءه الصوت هادئًا كعادته:
- اسمعني زين يا سعفان... ومتجاطعنيش
ابتلع ريقه وأخذ ينظر في المرآة الخلفية وكأن أحدا يراقبه
قال بصوت خافت:
- إنت فين؟
لم يجبه الرجل بل قال:
- أني عرفت اللي حصل في الجعدة... وعرفت طلبك
و فهمت ليه جولتلي إنك هتحلها وحدك
قطب سعفان حاجبيه و قال بغيظ:
- إنت كنت بتراجبنا؟
تجاهل السؤال ثم قال بنبرة غريبة... كأنها تحمل تحذير أكثر من كونها تحمل حديثًا
- أوعى تخلي غضبك يعميك
رد سعفان بعصبية:
- خلصني... إنت عايز إيه؟
ساد صمت قصير... ثم خرجت الجملة التي جعلت الدم يتجمد في عروقه
- أني... مش صاحب الحية والخنجر
ضغط سعفان على الفرامل بعنف توقفت السيارة في منتصف الطريق
ظل ممسكًا بالهاتف...كأنه لم يستوعب ما سمعه ثم صاح:
- يعني إيييييه.....؟
- يعني اللي سمعته يا سعفان
- لو مش إنت... أمال مين اللي بيبعت الرسائل؟
- مش أني
- ومين اللي فتح الجبر؟
- مش أني برضك
ازدادت أنفاس سعفان اضطرابًا و قال بجنون:
- يبجى مين؟!
ضحك الرجل ضحكة قصيرة... لكنها كانت كافية لتزيد ارتباكه ثم قال:
- السؤال الصح... مش مين
السؤال... ليه
أغمض سعفان عينيه حاول أن يستوعب ما يحدث ثم قال:
- إنت بتكدب علي
جاءه الرد حاسمًا:
- لو كنت أني اللي بحرك الدنيا... مكنتش هسيبك تعيش للنهارده
و كيف ما ولد اخوي جطع راس أبوك
آني كت هحرج عيلتك كلياتها وإنت خابر زين إني أجدر اعملها
ساد الصمت ثم أردف سليمان بنبرة أصبحت أكثر جدية:
- اسمع الكلمة ديه زين...
قبض سعفان على الهاتف
- إنت... والعطارين... وحتى أني...
توقف لثوان ثم قال ببطء شديد:
- كلياتنا... بنترجّص على نفس المسرح
شعر سعفان ببرودة تسري في أطرافه
- في واحد... بيلعب بينا كلنا
انعقد حاجباه و سأل بتوجس:
- مين هو؟
تنهد سليمان ثم قال:
- لما تعرف اسمه... هتعرف إن الحرب اللي
بينكم عمرها ما كانت هيّا الحرب الحجيجيه
وقبل أن ينطق سعفان بحرف... قال سليمان آخر جملة:
- خلي عينك على اللي واجف جنبك... مش اللي واجف قدامك
ثم... انقطع الاتصال ظل سعفان ينظر إلى الهاتف... ثم أنزله ببطء
رفع رأسه نحو الطريق المظلم ولأول مرة منذ سنوات... شعر بالخوف
ليس من العطارين... ولا من الماضي... بل من عدو لا يعرف حتى إسمه
وفي الجهة الأخرى... داخل مضيفة الحاج دياب... كان الجميع قد غادر
لم يبق سوى الحاج دياب وعدنان الجبالي و معهم سعد
همس دون أن يشعر عدنان:
- إحنا من أول يوم... بندور في المكان الغلط
رفع دياب رأسه إليه و قال:
- جصدك إيه؟
- جصدي... إن عدونا... لا هو سعفان... ولا سليمان
من هنا... سيتغير كل شئ في تلك القصة و ستكون بدايتها من تلك النقطة المُظلمة
هناك فتيات يعشقن حد الجنون
و هناك رجال يذوبون عشقًا لكن... من منهم سيكمل قصته
و من منهم سيُكتب عليه الألم
حقًاااااااا... لا نعلم
فالقادم... مرعب للغاية.
ماذا سيحدث ياترى.....
سنرى......
إنتظروووووني....
بقلمي/فريده الحلواني
تكملة الرواية من هناااااااا


تعليقات
إرسال تعليق