القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية العطارين الفصل الرابع وعشرون والخامس وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه

 


رواية العطارين الفصل الرابع وعشرون والخامس وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه 




رواية العطارين الفصل الرابع وعشرون والخامس وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه 


صباحك بيضحك يا قلب فريده



في ناس بتفتكر إن النهاية بتبدأ لما الطريق يقفل... لكن الحقيقة إن أقوى البدايات بتطلع من أصعب اللحظات أوعى تيأسي لو الدنيا ضاقت بيكي

 يمكن ربنا بيقفل باب علشان يفتحلك باب أكبر عمرك ما كنتي تتخيليه خليكي ثابتة

 لأن اللي بيكمل هو اللي في الآخر بيوصل انا واثقة

و بحبك.




لم يكن داخل دار العطارين أقل اضطرابًا من المضيّفة التي شهدت القعدة العرفية

منذ عودة الرجال... والنساء يتنقلن بين الغرف كخلية نحل منذ أن قص الرجال عليهم ما حدث

و داخل كلا منهن آلاف الأسئلة التي لا تجد لها إجابة 


في المطبخ الكبير كانت سيدة تعد الشاي بصمت بينما جلست فرح على حافة الطاولة تراقب الباب بين الحين والآخر أما سندس... فكانت أول من كسر الصمت:

- يا ترى هو صحيح اللي سمعناه أنا خايفه أوي بجد

ردت السيدة وهي تضع الصينية على الطاولة:

- وإحنا سمعنا إيه من أصله يا بتي

 كل واحدة داخلة تقول كلام غير التانية مع أن الحج قال اللي حصل كله

دخلت نوارة وهي تخلع طرحتها وما إن جلست حتى قالت:

- أنا سمعت إن اللي اسمه سعفان ده طلب سميحة قدام البلد كلها

شهقت فرح و قالت برعب:

- نعم... يا نهار إسود طب و بعدين 

نظرت إلى  السيدة ثم قالت بعتاب:

- كنتي خلتينا نقعد يا خالتي و نسمع اللي حصل

كان هيجرا إيه يعني أول ما مرات عمي زعقت و قالت 

البنات تطلع فوق إنتي برضه قولتي نفس الكلام

أكملت نوارة وهي ما تزال تحت تأثير ما سمعته

- وسعد وقف قدام الناس وقال إن عبدالعزيز طالب

 إيدها... وإن الحاج وافق



ساد الصمت نظرت سندس إلى سميحة التي كانت تقف عند النافذة ظهرها للجميع وكأن الحديث لا يعنيها اقتربت منها وهي تبتسم ثم قالت برقة:

- مبروك يا عروسة

لم ترد... ضحكت فرح وهي تقول بخبث:

- هو إنتي الفرحة خلت القطة أكلت لسانك و لا إيه

الصراحه زيزو ده  راجل يتشال فوق الراس



بقيت سميحة صامتة اقتربت السيدة منها وربتت على كتفها بحنان:

- مالك يا بتي... ساكته ليه كده ؟

استدارت ببطء وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع تجمدت الابتسامات على الوجوه

قالت بصوت مخنوق:

- هو... أنا ماليش رأي يا خالتي 

ساد صمت ثقيل أكملت وهي تنظر إلى أمها بحزن

- يعني يتطلب إيدي... ويتوافق... ويتحدد مصيري

 وأنا آخر واحدة تعرف ده لو كان اصلًا هو اللي طلبها

مش عملوا كده عشان يخلّصوا الموضوع



قالت نوارة بهدوء:

- يا سميحة... الظروف كانت صعبة وأكيد كانوا هياخدوا رأيك

قاطعتها بسرعة:

- وأنا مالي بالظروف أنا بني آدمة... مش ورقة يلعبوا بيها وقت ما يحبوا

حاولت فرح تهدئتها فاقتربت منها و قالت بهمس:

- بس إنتي بتحبيه يا سميحة

نظرت إليها سميحة بقهر ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وردت بهمس:

- أيوه... بحبه ويمكن أكتر مما تتخيلوا كمان

لكن حبي ليه... ميخلينيش أقبل إني أكون كبش فدى

وإن الكل يعرف قبل ما حتى هو ييجي

 يقف قدامي ويقولي... تتجوزيني



ساد الصمت من جديد قالت سندس بحذر:

- يمكن زيزو  نفسه مكانش يعرف إن سعد هيقول كده

رفعت سميحة رأسها إليها و قالت بحيرة:

- وأنا أعرف منين... طول عمري كنت بحلم باليوم ده

كل بنت بتحلم إن الراجل اللي بتحبه يخبط

على باب بيتها... يقعد قدام أهلها... ويطلبها

ابتسمت بحزن وأكملت:

- مش يحطني وسط مشكلة بين عيلتين

نظرت أم عبد العزيز إليها بعطف وقالت:

- يا بتي... سعد عمل كده علشان يحميكي

و أنا عارفه أن إبني بيحبك من زمان بس كان خايف لترفضيه

رفعت سميحة عينيها بسرعة و قالت بجنون:

- يحميني... طب ما كان يحميني بعد ما ياخد رأيي

أنا مش زعلانة إنه قال كده قدام الناس

أنا زعلانة إن محدش فكر يسألني

و لما إبنك بيحبني من زمان... متكلمش ليه 

قال خايف قال بس و النبي يا خالتي 

اللي بيحب ميعرفش الخوف


خرجت الكلمات منها كأنها كانت حبيسة سنوات أكملت بقهر:

- هو كل ما تحصل مصيبة... البت هي أول حد يدفع تمنها

انخفضت رؤوس النساء حتى فرح... لم تجد ما تقوله

اقتربت نوارة منها وجلست بجوارها ثم قالت بهدوء:

- طيب... لو زيزو جه بنفسه دلوقت 

وقالك إنه فعلا عايزك... وإنه مكانش يعرف... هتعملي إيه؟



صمتت سميحة نظرت إلى الأرض ثم قالت بصوت خافت:

- هزعقله الأول

ضحكت فرح رغم توتر الأجواء ثم قالت بغيظ:

- بس كده... طب و الله كتر خيرك ياام قلب حنين

ابتسمت سميحة وسط دموعها ثم قالت:

- وبعدها... هسمعه

سألتها سندس بخبث:

- ولو قالك إنه بيحبك من زمان

احمرّ وجه سميحة فحاولت إخفاء ارتباكها وهي تقول:

 - يبقى... يبقى يتفضل يقول اللي جواه كله بدل مانا حاسة أنه اخدني تخليص حق


انفجرت البنات بالضحك حتى السيدة ابتسمت لكن سميحة عادت تنظر إلى الباب في صمت

وفي قلبها دعاء واحد فقط...

- يارب... المرة دي... ييجي هو... مش حد يتكلم مكانه

يارب ييجي يقولهالي صريحة مش ينقطني بالكلام.


وفي الخارج... كان عبدالعزيز يقف  يرفع يده أكثر من مرة ليطرق باب المطبخ المطبخ... ثم يعيدها إلى جواره

ابتسم بمرارة وهو يهمس لنفسه:

- يا رب... دي البنادق كانت أهون من وقفة الباب دي

أخذ نفس عميقا... ورفع يده ليطرق الباب... دون أن يعلم أن سميحة في الجهة الأخرى

 كانت تتمنى في هذه اللحظة أن يكون الطارق... 


زفر بضيق وهو يمرر يده بين خصلات شعره و يقول بغل بعد أن خفض يده دون أن يطرق الباب

- يا نهار أسود... أهونلي أدخل وسط ضرب نار  ولا أقف قدام سميحة دلوقت

استدار متجها نحو الإسطبل فهو المكان الوحيد الذي كان يهرب إليه كلما ضاقت الدنيا

أخرج فرشاة صغيرة وبدأ ينظف ظهر الحصان بصمت لكن عقله كان بعيد تمامًا

بعد دقائق... وصل سعد وقف عند باب الإسطبل لحظات يتأمله دون أن يتحدث

كان يعرف صديقه منذ الطفولة... ويعرف من طريقة حركته أنه يحمل في صدره حديثًا كثيرًا... اقترب منه بهدوء و قال:

- زيزو

رفع عبدالعزيز رأسه ثم ابتسم ابتسامة باهتة و قال:

- أهو جلاب المصايب بنفسه جاي يقعد معايا

ضحك سعد بخفة و قال: 

- أيوه... أنا مصيبة متحركة عالأرض ليك شوق في حاجة

 صمت قليلا قبل أن يقول بجدية:

- حقك عليا

عاد الصمت وضع عبدالعزيز الفرشاة جانبا والتفت إليه ثم قال بحيرة:

- على إيه يا صاحبي؟

تنهد سعد ثم قال:

- دبستك  في موضوع كبير من غير ما آخد رأيك

خفض رأسه قليلا ثم أكمل: 

- كنت مزنوق... والله ما لقيت حل غير ده

ظل عبدالعزيز ينظر إليه دون أن يقاطعه أكمل سعد:

- قلت أهو نعدي الأزمة... تخطبها شهر ولا إتنين

وبعدها نقول محصلش نصيب... وكل واحد يكمل حياته

ما إن انتهى من جملته... حتى سمع ضحكة خافتة من عبدالعزيز

رفع سعد حاجبيه و قال بغيظ:

- بتضحك على إيه يا روح أمك على المسا

هز عبدالعزيز رأسه وهو يبتسم ثم قال:

- أيوه بضحك طبعًا.... مين قالك إني عايز أفسخ الخطوبة

عقد سعد حاجبيه و قال:

- يعني إيه؟

ابتسم عبدالعزيز ابتسامة هادئة ثم قال بصدق:

- يعني... أنا بجد عايز سميحة

ساد الصمت ظل سعد ينظر إليه لثوان كأنه ينتظر أن يكمل مزاحه

لكن ملامح عبدالعزيز كانت جادة قال سعد بدهشة:

- إنت بتتكلم بجد يالا؟

هز رأسه و قال :

- بجد طبعًا هو الكلام ده فيه هزار

- من إمتى؟

ابتسم عبدالعزيز وهو ينظر إلى الأرض ثم قال باعتراف:

- من زمان... يمكن من يوم ما بدأت أكبر وأفهم 


سكت لحظة ثم ضحك على نفسه:

- كنت كل شوية أقول لنفسي... بلاش يا عبدالعزيز... فوق لنفسك

سأله سعد:

- ليه... تفوق لإيه مش فاهم؟

أطرق برأسه و قال:

- علشان هي بنت الحاج دياب وأنا...

قاطعه سعد سريعًا و قال بهدوء خطر:

- وإنت إيه... كمّل؟

ابتسم عبدالعزيز بمرارة و قال:

- مهما كان... أنا مش زيكم

وقبل أن يكمل... جذبه سعد من قميصه بعنف و قال بغضب:

- إنت اتهبلت يااااض

نظر إليه عبدالعزيز باستغراب قال سعد بانفعال:

- مش زينا إيه يا ابن المجنونة

إحنا اتربينا في حضن واحد أكلنا من نفس الطبق

واتضربنا بنفس العصاية وأبويا عمره ما فرق بيني وبينك

ثم ضربه بخفة على كتفه وأكمل:

- تيجي دلوقت تقولي مش شبهكم ياخي  احاااا عليك يا جدع

خفض عبدالعزيز رأسه و قال: 

- الناس بتفرق يا سعد... الناس هي اللي 

بتقول اتجوزت صبي عند ابوها و اني غريب عنكم 

مش من دمكم يعني

ابتسم سعد بسخرية و قال بهمجية:

- الناس... يلعن #### الناس

ثم اقترب منه أكثر و قال:

- بص في عيني كده

رفع عبدالعزيز رأسه قال سعد بحزم:

- لو حد في البلد كلها قال إنك غريب... أول واحد هقف في وشه أنا

ولو حد قال إنك أقل مننا... والله لأدفنه مكانه

اتسعت عينا عبدالعزيز ابتسم سعد وهو يكمل:

- إنت أخويا يا غبي مش صاحبي... أخوياااااا فاهم 

خرجت الكلمات بسيطة... لكنها أصابت عبدالعزيز في مكان لم يلمسه أحد منذ سنوات

ابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح:

- عمري ما حسيت إني يتيم طول ما إنت موجود

ابتسم سعد وربت على كتفه:

- وأنا عمري ما حسيت إن ليا أخ واحد

ثم ضحك فجأة و قال:

- بس عندي سؤال

نظر إليه عبدالعزيز:

- إيه؟

ابتسم سعد بخبث و قال:

- بتحبها بقالك كل السنين دي... وساكت؟

حك عبدالعزيز مؤخرة رأسه بخجل ثم قال:

- أعمل إيه... غصب عني

- تيجي تطلبها يا حمار 

- كنت بخاف

ضحك سعد بصوت عالي ثم قال بعدم تصديق:

- زيزو  بيخاف احااا بجد

قال الآخر بسرعة:

- آه بخاف

- من مين؟

تنهد عبدالعزيز:

- منها

انفجر سعد ضاحكًا حتى أمسك بطنه

- يخربيت امك يا جدع... إنت اللي بتقف في ضهري

في أي عركة و ميهمكش السلاح اللي في وشنا... خايف من سميحة

ابتسم عبدالعزيز وهو يهز رأسه ثم قال:

 - الرصاص أهون من وقفتي قدامها و ربنا

مسح سعد دموع الضحك من عينيه ثم قال وهو يربت على كتفه

- خلاص... طالما اعترفت يبقى الموضوع ده يخلص 

ابتسم عبدالعزيز و قال بعدم فهم:

- يعني ايه رسيني على الدور ؟

نظر إليه سعد بثقة وقال:

- يعني من النهارده... مفيش خطوبة شهرين

في فرح  زيزو... والجن

- وإنت اللي هتروح بنفسك تقولها إنك بتحبها  و تطلب إيدها مرة تانية

ابتسم عبدالعزيز لأول مرة من قلبه... وقال بثقة لم يشعر بها منذ سنوات

- حاضر... بس ادعيلي تعدي المقابلة دي من غير ما ترميني بطبق ولا شبشب

ضحك سعد وربت على ظهره بقوة:

- لو رمتك بحاجة... يبقى اعرف إنها وافقت

اختي غشيمة بس مفيش أطيب من قلبها.



كانت شمس العصر تميل إلى الغروب وألقت أشعتها الذهبية على فناء دار العطارين

جلست سندس فوق المصطبة الحجرية تمسك طبق كبير من البامية تفرز حباتها في هدوء بينما كانت فرحة بجوارها تقشر الثوم وسميحة ما زالت شاردة منذ ما حدث

فجأة وقفت الأولى بعد أن شعرت بغصة داخل قلبها 

تركت ما بيدها و قالت بصوت مخنوق:

- أنا طالعه اوضتي يا بنات... هغير هدومي وانزل على طول 

لم تعطي أحدهم فرصة للرد عليها 

إتجهت إلى  الداخل و منها للأعلى  و بمجرد أن اختفت... ظهر حمزة.


ذلك الضغط الذي يتعرض له الإنسان... يجعله يتمنى الهروب و الإختباء يختبيء داخل ذراعي حبيبه كي يلتقي بنفسه من جديد 

و هذا ما فعله حمزة بعد تلك الليلة العصبية و ما تلاها من أحداث ساخنة

علم أنها صعدت للأعلى  كي تبدل ثيابها و تعود مرة أخرى للفتيات 

لم ينتظر لحظة... أخذ يهرول فوق الدرج و بمجرد أن وصل أمام غرفتها اقتحمها بهمجية جعلتها تصرخ رعبًا 

اغلق الباب خلفه... تقدم منها مع تراجعها للخلف و هي تنظر له بخوف 

التصق ظهرها بزجاج الشرفة المغلق

نظر لها بجنون ثم بمنتهى الهدوء الذي يسبق العاصفة ألصق جسده بها و قال بصوت خطر:

- أنا محتاجلك... الدنيا ضاقت بيا أوي 

رفع كفيه وأسندهم حول رأسها ثم مال برأسه لينظر داخل عيناها وأكمل: 

- عايز ارتاح جوه حضنك ياسندس 

- مش محتاج غيره دلوقت... هتحرميني منه و لا هتخبيني جواه؟

نظرت له بحزن ثم قالت بهمس رغم خفقان قلبها الشديد: 

- إشمعنى  انا اللي محتاجني يا حمزة؟

- ماانت بعدت و عايش حياتك و لا كأني موجودة

وضع جبهته فوق خاصتها و قال بعشقًا خالص:

- ببعد بجسمي... بس قلبي و روحي معاكي و عمرهم ما بعدوا 

- حتي لو مقولتش بحبك... كل نفس طالع مني بيصرخ بيها 

- إوعي تفكري بعدك كان سهل عليا... أنا كنت بموووت من غيرك 

دمعت عيناها و قالت بعتاب: 

- و المفروض إنك تبعد بمزاجك و ترجع تلاقيني زي مانا 

تطلّع لها بشر ثم قال بهمجية أقرب للهوس:

- زي مانتي... و لا هتتحركي خطوة واحدة

 أنا بحبك عارفه يعني إيه

يعني ملكي و بتاعتي و متتنفسيش من غيري 

تطلّعت له بغضب ثم قالت :

- ليه بقى هو أنا جارية عندك؟ 

- لااااا.... إنتي حبيبتي و بعشقك 

أعقب قوله بالتهام شفتيها بجنون... لأول مرة يتذوق طعم العشق مذابًا بينهما 

اقتحم ثغرها بجنون رغم مقاومتها الضعيفة 

و بعد أن روى عطش شوقه ابتعد ثم نظر إليها و قال بجنون:

- من النهارده... لو الدنيا كلها وقفت ضدي هاخدك غصب عن الكل


رغم أنفاسها اللاهثة و غضبها من فعلته الجريئة و قد كانت تنوي أن توبخه

إلا أن كلماته استوقفتها فقالت بعدم فهم:

- مين الدنيا كلها... قصدك على مامي يعني ؟


تنهد بهم دون أن يبتعد ثم قال بصدق:

- يا ريت تيجي على رفض امك بس 

نظرت له بعدم فهم يشوبه الخوف فأكمل: 

- أبويا و عمامي مقررين من زمان إن محدش فينا يتجوز 


شهقت برعب ثم قالت: 

- يعني إيه... المفروض انهم هما اللي يجوزونا لبعض زي الصعايده و كده يعني

ابتسم بِهَم ثم قال بحيرة:

- و الله ما عارف... كلنا هنتجنن لأن الطبيعي

إن هما يقرروا ده عشان العيلة تكبر من غير ما يدخل فيها حد غريب 

سألته و عيناها مليئة بالعذاب :

- عشان كده بعدت عني فجأة... مفكرتش حتى تحاول عشاني 

أو تسألهم إيه سبب القرار الغريب ده؟


هز رأسه بيأس ثم قال:

- دماغي وقفت... والمصايب اللي عماله ترف على

دماغ اللي جابونا خلتني مش لاقي وقت أكلم أبويا أو عمي دياب 


كوّب وجهها بقوة ثم قال بحسم :

- بس خلاص مش هسكت أكتر من كده 

يكش الدنيا تولع أكتر ماهي والعة

أنا  هقعد مع عم دياب وأسأله... وهعرفه إني بحبك و مش هاخد غيرك 

و اللي يحصل يحصل بقى أنا عايزك و مش هبعد تاني

نظرت له بحب و لم تستطع المقاومة أكثر

خرجت منها ضحكة صغيرة... سرعان ما حاولت إخفاءها

لكنه رآها ولأول مرة منذ أيام... ابتسم من قلبه

التصق بها أكثر  وقال بهدوء:

- أهو... الضحكة دي بالدنيا كلها

الضحكة دي كفيلة إنها تخليني أحارب الدنيا عشان تبقي ليا

احمرّ وجهها خجلًا... دفعته بضعف و هي تقول: 

-  طب ابعد بقى عشان البنات متقلقش عليا عشان اتأخرت

أعقبت قولها بالهرولة تجاه الباب و قبل أن تفتحه سمعته يقول:

- سندس

توقفت دون أن تلتفت فقال بابتسامة:

- انا بعشقك... مش بحبك بس

خرجت سريعًا  وهي تخفي ابتسامة واسعة... بينما هو

هز رأسه راضيًا وقال لنفسه:

- الحمد لله... كسبت ضحكة و بوسه ملهاش حل يخربيت جمال أمك يا شيخة

بالنسبة له... كانت الضحكة تلك... انتصارًا  أكبر من أي معركة

و قُبلتها أفضل من كنوز العالم أجمع.



في الجهة الغربية من الدار... كانت غرفة أدهم أكثر هدوء من بقية الغرف

 بينما كان أدهم يجلس في الفناء الخارجي مع الحاج دياب وبعض الرجال يتحدثون فيما جرى في القعدة العرفية كانت  إيمان  داخل غرفتها تجمع الملابس في حقيبة صغيرة بعصبية


فتحت الخزانه بعنف وأخرجت ملابسها ثم ألقتها داخل الحقيبة وهي تتمتم:

- كفاية... كفاية لحد كده

دخلت إبنتها الصغيرة وهي تقول باستغراب:

مامي... إنتي بتعملي إيه؟

التفتت إليها بسرعة وابتسمت رغم غضبها و قالت :

- ولا حاجة يا حبيبتي... رتبت هدومي بس

اقتربت تاليا منها و قالت بتوجس:

- هو إحنا هنمشي خلاص؟

تجمدت إيمان لثوان ثم احتضنتها بقوة و قالت:

- يا رب...

أغلقت الحقيبة بسرعة حتى لا ترى الصغيرة ذلك الهاتف الصغير

ثم قالت بارهاق مفتعل:

- أنا هنام شوية عندي صداع و مش قادرة أتحمله

تركتها تاليا و داخلها خوف لا تعرف سببه.


بعد دقائق... خرجت إلى الفناء الخلفي للدار بعدما تأكدت أن الجميع منشغلون

أخرجت الهاتف الصغير كانت تخفيه داخل جيب بنطالها

نظرت حولها بحذر... ثم ضغطت على رقم محفوظ باسم واحد فقط... بابا

لم يمر سوى ثوان حتى جاءها صوته:

- أيوه يا إيمان

قالت بسرعة وهي تخفض صوتها:

- ايوه يا بابا... أنا بكلمك من الجنينة لأن البنات كل شويه يدخلو اوضتي 

سألها مباشرة دون أي مقدمات:

- حصل إيه في القعدة؟

أغلقت عينيها بضيق حتى الآن... لم يسألها كيف حالها

ولا كيف حال أحفاده ولا إن كانت خائفة تنهدت وقالت:

- القعدة انتهت... ومفيش تار 

سكت لحظة ثم قال بغل:

- وسعفان... إتنازل عن حق أبوه بسهوله كده؟

- اتفقوا يكون بينهم نسب 

- والعطارين... هيناسبوهم عادي كده 

- كلهم رجعوا الدار وأه موافقين 

سعد أصلًا متجوز نورا بنت عم سعفان 

و في القعدة قالوا إن أخوها طلب إيد سميحة

ساد صمت قصير ثم جاءها صوته:

- وسعد؟

عقدت حاجبيها و قالت بعدم فهم:

- ماله؟

- عمل إيه.....وافق يجوزهاله؟

أجابت باقتضاب:

- هو اللي قلب القعدة كلها... ده خبيث بشكل مكنتش أتخيله

قال الرجل في نفسه:

- توقعت أن الجن هيلفهم كلهم على صباعه الصغير


شعرت إيمان بشيء يضغط على صدرها فسألته فجأة:

- هو إنت ليه كل مرة تسأل على سعد... وعلى دياب... وعلى عدنان

سكتت لحظة قبل أن تكمل بمرارة:

- عمرك سألتني أنا عاملة إيه؟

ساد الصمت ثم جاءها صوته ببرود:

- إنتي كويسة؟

ابتسمت بسخرية موجوعة ثم قالت:

- بعد ما سألت... عليهم كلهم 

إطّمن يا بابا ... كويسة

قال بلهجة عملية :

- اسمعيني كويس... أنا محتاج أعرف كل حركة بتحصل جوه الدار

نظرت إلى الأرض و قالت:

- يا بابا...

قاطعها بحدة:

- دياب بدأ يشك وعدنان قرب من الحقيقة

وأي غلطة... هتضيع تعب سنين

تجمدت مكانها و قالت برعب:

- تعب سنين... إيه اللي هيضيعه؟

رفع صوته قليلّا و هو يقول:

-  متنسيش إنتي بنت مين... و ايه هدفنا من جوازك ده اصلّا

أغلقت عينيها بقوة ثم قالت:

- أنا تعبت

رد باستغراب:

- من إيه؟

خرجت الكلمات منها دفعة واحدة:

- تعبت من الخوف كل يوم ضرب نار كل يوم حد بيموت

كل يوم ولادي يصحوا مفزوعين أنا مش قادرة أكمل هنا

قال ببرود:

- استحملي شوية

هزت رأسها بعنف وكأنه يراها:

- لااااااا... أنا عايزة أمشي عايزة أرجع القاهرة

عايزة ولادي يعيشوا الحياة اللي أنا رسمتهالهم

دي سندس كانت قاعدة بتنضف الخضار معاهم تخيل

جاءها صوته حاد هذه المرة:

- بقولك مش دلوقت بطلي دلع بقى و حسي بالمسؤولية شوية

قالت وهي تكاد تبكي:

- إمتى طيب... أنا إتخنقت و عايزه ارجع لحياتي يا بابا

- لما أقولك 

ضغطت على الهاتف حتى ابيضت أصابعها و قالت:

- ولو رفضت اقعد تاني؟

ساد صمت طويل... ثم قال جملة جعلت قلبها ينقبض:

- ساعتها... إنتي عارفة كويس مين اللي هيدفع التمن.


انقطع الاتصال ظلت تنظر إلى الهاتف لثوان ثم انهمرت دموعها بصمت

في تلك اللحظة... فُتح باب الفناء التفتت بسرعة ومسحت دموعها

كان أدهم ابتسم لها وهو يقترب و قال:

- بتعملي إيه هنا لوحدك؟

أخفت الهاتف داخل بنطالها بسرعة و قالت:

- ولا حاجة... زهقت و خرجت أشم هوا

اقترب منها أكثر ثم لاحظ إحمرار عينيها

رفع يده ومسح دمعة كانت لا تزال عالقة على خدها و قال:

- إيمان... مالك؟

نظرت إليه بحزن و لأول  مرة منذ سنوات... شعرت برغبة أن تعترف له بكل شيء

أن تقول له إنها تخونه... وأن أباها يستغلها... وأنها لم تعد تحتمل

لكنها ابتلعت الكلمات وقالت فقط:

- نفسي نمشي من الصعيد يا أدهم

ضمها إلى صدره بهدوء و قال:

- أول ما الدنيا تهدى... هسفرك أسبوع ايطاليا لو ده يريحك

أغمضت عينيها داخل حضنه... وشعرت بوخز الضمير يمزق قلبها

فالرجل الذي يحتضنها بهذه الطمأنينة... لا يعلم أن الخطر الحقيقي

ينام كل ليلة تحت سقف بيته.



حل الليل أخيرًا... وسكنت دار العطارين بعد يوم كان أطول من العمر

أغلقت الأبواب وإخفتت الأصوات ولم يبقى سوى ضوء القمر ينساب فوق أسطح البيوت الطينية أما سعد... فلم يعرف النوم خرج من غرفته بهدوء وصعد درجات السلم المؤدية إلى السطح

وقف هناك وأسند ذراعيه إلى السور وأخذ يتأمل الجبال البعيدة

كان يفكر في كل شيء... في القعدة... وفي سعفان وفي سليمان

وفي صاحب الحية والخنجر ثم زفر ببطء:

- يا رب... دلني

جاءه صوت ناعم من خلفه:

-  انا قولت و الله  هلاقيك هنا

التفت... فوجد نوارة تقف عند باب السطح تحمل كوبين من الشاي

ابتسم رغم تعبه و قال:

- إنتي لسه منمتيش

اقتربت منه وهي تناوله أحد الكوبين ثم قالت بعتاب:

- وأنام إزاي... وإنت طلعت من الأوضة من غير ما تقول


أخذ الكوب منها و قال:

- كنت عايز أقعد مع نفسي شوية

وقفت بجواره ساد بينهما صمت مريح لا يحتاجان فيه إلى أي حديث

قالت نوارة وهي تنظر إلى السماء:

- تعرف... أنا كنت هموت من الخوف النهارده

سحبها سريعًا ثم الصقها به و قال بقلق:

- ليه يابا بس مش قولنا متخافيش

نظرت إليه بحدة ثم قالت:

- بجد بتسأل؟

تنهد ثم قال:

- علشان طلعت الجبل يعني؟

هزت رأسها و قالت بصدق:

- لما سمعت ضرب النار... حسيت روحي خرجت مني

ابتسم محاول التخفيف عنها فقال:

- أهو... رجعت زي القرد دانا الجن يابت ميتخافش عليا

ضربته بخفة على كتفه و قالت بغيظ:

- متستهونش يا سعد

نظر إليها باستغراب قالت وعيناها امتلأتا بالدموع:

- إنت كل مرة تخرج... بخاف تكون آخر مرة أشوفك

اختفت الابتسامة من وجهه الصقها به أكثر ثم قال:

- حبيبي...

قاطعته وهي تشير إلى صدرها:

- إنت شايفني قوية؟

- أيوه

ابتسمت بحزن وأكملت:

- أنا بقيت  قوية قدام الناس من ساعة ما عرفتك

إنما قدام ربنا... كل يوم بدعيله ميوجعش قلبي عليك

خفض سعد رأسه ثم مد يده وأمسك كفها ثم قال:

- حقك عليا يابا .....

ابتسمت وسط دموعها و سألته بعدم فهم:

- على إيه؟

- على كل مرة خوفتك فيها بس والله... لو خيروني بين إني أحميكم 

أو أعيش مرتاح... هختاركم كل مرة

نظرت إليه بعشق ثم همست:

- وأنا عمري ما هطلب منك تبقى جبان

بس بلاش تبقى متهور

ابتسم و قال:

- حاضر 

رفعت حاجبها و قالت بعدم تصديق:

- بجد؟

ضحك ثم ضغط على جسدها و قال:

- لأ طبعًا إنتي هبله يا بت

نظرت إليه بغيظ و قالت:

- سعد

رفع يديه مستسلمًا بمزاح ثم قال:

- خلاص... حاضر

ابتسمت رغمًا عنها ثم أسندت كفيها على كتفه

ثم نظرت له بعشق و قالت بهمس:

- متخوفنيش عليك... أنا مليش غيرك 

قبّل ثغرها بسطحية ثم قال بهم:

- عارفة... أكتر حاجة مخوفاني

إني كل ما أقرب من الحقيقة... ألاقيها أبعد

قالت بثقة لا تعلم من أين أتت بها:

- المهم إنك ما توقفش... أنا واثقة إنك هتوصل

نظر إليها و قال بفرحة:

- واثقة فيا أوي كده؟

ابتسمت ابتسامة هادئة و قالت:

- أكتر من ثقتي في نفسي

ساد الصمت من جديد ثم قالت فجأة وهي تبتسم بخجل:

- على فكرة... أنا زعلت منك

رفع حاجبيه و قال باهتمام:

- ليه يا حبيبي مقدرش  أزعلك؟

- لأنك طلعت الجبل... وماخدتنيش معاك

نظر إليها ثانيتين... ثم إنفجر ضاحكًا وقال:

- آخدك في ضرب النار؟

هزت كتفيها و قالت بطفولة:

- أهو كنت أموت معاك

إختفت الضحكة من وجهه سريعًا ووضع يده على فمها و قال بجنون:

- إوعي... متقوليش الكلمة دي تاني

نظرت إلى عينيه لأول مرة... رأت فيهما خوف حقيقي قال بصوت خافت

- لو في يوم حصل حاجة... أنا اللي أموت إنما انتي... لاااااا أبداااااا

امتلأت عيناها بالدموع فاحتضنها بهدوء وظلا واقفين هكذا... لا يتحدثان

وكأن الحضن وحده... كان كافيًا ليقول كل ما عجزت عنه الكلمات.

وبينما كان القمر يضيء السطح... لم يكن أيا منهما يعلم... أن رجل آخر على بعد مئات الكيلومترات كان يستعد لتحريك أول قطعة في لعبة ستغير مصير الجميع

فيلا معزولة على أطراف شرم الشيخ... كان الليل هادئ بصورة تثير الريبة

لا يُسمع سوى صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور أسفل التل بينما كانت الفيلا الضخمة تغرق في ظلام لا يقطعه إلا ضوء خافت يتسلل من إحدى الغرف

فتح باب غرفة النوم ببطء... خرج سليمان مرتديًا بنطالًا أسود فقط يمرر المنشفة فوق شعره المبتل ألقى نظرة خلفه... كانت امرأة في أوائل الثلاثينات نائمة فوق الفراش ينسدل شعرها فوق الوسادة وقد غطت نصف جسدها بالملاءة البيضاء

توقف لحظة يتأملها... ثم ابتسم ابتسامة باهتة و همس لنفسه:

- لو كنتي تعرفي أنتي نايمة جنب مين... كنتي هربتي

نعم لا تعلم أن سليمان إبن العطارين يعشق السادية و يمارسها مع جميع النساء اللاتي يتمنين مضاجعته و لو لساعة واحدة فقط.


أغلق الباب بهدوء... واتجه إلى الشرفة الواسعة

كانت السيجارة قد اشتعلت بين أصابعه قبل أن يصل حتى إلى السور الحجري

وقف ينظر إلى البحر... لكن عينيه لم تكونا تريان الماء

بل كان يرى... ليلة الحريق رأس عوض الملقى على الأرض...

أغمض عينيه بعنف... ثم نفث الدخان طويلًا

في تلك اللحظة... خرج رجل خمسيني من داخل الفيلا

كان يرتدي بدلة بسيطة ويحمل ملفًا أسود

اقترب حتى وقف بجواره قال باحترام:

- كنت مستنيك يا كبير

أجابه سليمان دون أن ينظر إليه:

- ايه الأخبار؟

فتح الرجل الملف و قال:

- القعدة العرفية خلصت وسعفان قلبها خناقة

ابتسم سليمان ابتسامة ساخرة و قال:

- طبيعي... ده غبي زي أبوه لو كان عمل اللي قولتله عليه بالحرف كان طلع كسبان من القعدة

قال الرجل:

- بس سعد سبق بخطوة... أعلن خطوبة عبدالعزيز من سميحة

ساد الصمت... ثم إنفجر سليمان ضاحكًا ضحكة قصيرة...

لكنها خرجت بإعجاب حقيقي

قال وهو يهز رأسه:

- الواد ده خطر... خطر بجد

نظر إليه الرجل باستغراب و قال:

- انت بتضحك؟

قال سليمان:

- سعد لعبها لعبة كبار بدل ما يرفض الطلب...

سحب السجادة من تحت رجليه

هز الرجل رأسه و قال:

- سعفان إتجنن

أجاب سليمان بهدوء:

- وأنا لو مكانه كنت هتجنن برضه بس ده مش المهم

أغلق الرجل الملف و سأل باهتمام:

- أومال إيه المهم؟ 

استدار  إليه لأول مرة اختفت الابتسامة تماما وقال بصوت منخفض:

- الشارة... المهم انها رجعت بعد ما عدنان لقاها و شاف الرمز

زفر  ببطء ثم أكمل بغيظ:

- كنت عارف إن اليوم ده هييجي

- كويس اني لمّحت لسعفان أن في حد تالت بينا 

اقترب الرجل خطوة وأكمل :

- هو الرمز ده فعلا...

قاطعه سليمان بسرعة:

- متكملش... إياااااااك

ساد الصمت ثم قال الرجل:

- يعني إيه؟

رفع  عينيه إليه ولأول مرة... ظهر الخوف داخله و هو يقول:

- يعني... لو الجماعة دول رجعوا يبقى اللي فات كله كان بروفة

ابتلع الرجل ريقه و قال بخوف:

- للدرجة دي.....؟!

أجابه سليمان:

- إنت متعرفش إحنا حاربنا مين زمان 

ولا تعرف كام واحد مات... عشان يوصل للشعار ده

قال الرجل:

- طيب... نعمل إيه؟

ألقى سليمان عقب السيجارة بعيدًا ثم قال بحسم:

- ندور

- على مين؟

نظر إليه و قال :

- صاحب الحية والخنجر

رد الرجل

- هندور إزاي وإحنا منعرفش إسمه

ابتسم سليمان و قال بخبث:

- بس أعرف واحد... ممكن يعرف

قطب الرجل حاجبيه

- مين ده... أنا اعرفه؟

نظر سليمان إلى الأفق ثم قال:

- الراجل الوحيد... اللي اختفى قبل خمسة وعشرين سنة ورجع من أسبوعين مصر

اتسعت عينا الرجل و قال بخوف:

- تقصد...

هز سليمان رأسه و قال:

- أيوه... جهّز العربية

- رايح فين؟

ابتسم سليمان ابتسامة غامضة:

- هسافر القاهرة

- دلوقتي؟

- ايوه دلوقت... قبل ما حد غيرنا يوصله.



وفي تلك اللحظة... رن هاتف المساعد نظر إلى الشاشة ثم قال بدهشة:

- ده الراجل بتاعنا اللي في الصعيد

أشار سليمان برأسه بمعنى أن يرد عليه

وضع الهاتف على مكبر الصوت جاء الصوت متوترًا:

- يا كبير... في حاجة لازم تعرفها

قال سليمان:

- انطق

- في واحد بيسأل على إسم ... الحية والخنجر... من جوه البلد

تغيرت ملامح سليمان و قال سريعًا:

- مين؟

- منعرفش يا بيه

- شكله إيه؟

- محدش شافه

ساد صمت طويل ثم قال سليمان ببطء شديد:

- سبقونا...

نظر إليه المساعد بقلق و قال:

- مين دول يا سليمان؟

أجاب وعيناه معلقتان بظلام البحر

- هو...

ابتسم ابتسامة باردة للغاية ثم أكمل:

- واضح إن الكبير... إبتدى يتحرك بنفسه

سأله مساعده بقلق بالغ:

- طب انت كده هتركز في انتقامك من اخواتك 

و لا مع صاحب الحية و الخنجر؟

نظر له بشرود ثم قال .........

ماذا سيحدث ياترى.....


سنرى......


انتظرووني....


بقلمي/فريده الحلواني

صباحك بيضحك يا قلب فريده 





لكل واحدة لسه بتحارب بصمت... أوعى تفتكري إن تعبك رايح هدر

 يمكن الطريق طويل ويمكن النتيجة لسه متأخرة

 بس كل خطوة بتقرّبك من اللي نفسك فيه

 خليكي ثابتة وثِقي إن ربنا عمره ما بيضيع تعب حد

هتوصلي و هتنجحي... أنا واثقة

وبحبك.




كانت الشمس تميل إلى المغيب  بينما بدأت الحركة تخف شيئ فشيئ داخل الدار بعد يوم طويل أثقل الجميع

في المطبخ... كانت سميحة تقف أمام الموقد تقلّب الشاي بشرود بينما تتردد كلمات النساء داخل رأسها للمرة

 الألف

- يا رب... قلبي واجعني و مش قادرة أتحمّل 

فكرة إني أكون كبش فدى 

يارب هونها عليّا... إنت عارف إني بحبه 

تنهدت بصمت ثم حملت الصينية واتجهت نحو الباب الخلفي المؤدي إلى الحديقة

ما إن فتحت الباب... حتى اصطدمت بجسد صلب

شهقت بفزع وكادت الصينية تسقط من يدها لولا أن يد قوية امتدت سريعًا وأمسكتها:

- بالراحة... بالراحة على مهلك هتقعي

رفعت رأسها... فتجمدت وجدت عبدالعزيز

وقف أمامها مرتبكًا يرفع الصينية بيد بينما ينظر إليها كأنه نسي كل الكلمات التي حفظها طوال الطريق

ساد الصمت ثوان... بدت لكل منهما كأنها عمر كامل

أخذ منها الصينية بهدوء ووضعها فوق المصطبة المجاورة ثم عاد ينظر إليها

أما هي... فاكتفت بالنظر إليه دون كلمة دون ابتسامة دون حتى سلام

ابتلع ريقه بصعوبة... ثم حك مؤخرة رأسه كعادته كلما توتر و قال:

- إزيك... يا سميحة

جاءه الرد بارد:

- الحمد لله

ثم همت أن تتجاوزه لكنه تحرّك خطوة ليسد الطريق دون قصد

نظر إليها مرتبكًا وقال:

- استني... لو سمحتي

رفعت عينيها إليه أخيرًا كانت نظرتها هادئة... لكنها أوجعته أكثر من أي صراخ

قالت بهدوء شديد:

- خير؟

تنفس بعمق... ثم قال بصوت خرج متقطعًا:

- أنا... جاي أعتذر

عقدت حاجبيها و قالت باستغراب:

- تعتذر؟

هز رأسه بسرعة و قال:

- أيوه... والله العظيم أنا مكنتش أعرف إن سعد هيقول اللي قاله

أنا أول واحد إتفاجئ ولو كنت أعرف... والله ما كنت أسمح إنها تحصل بالطريقة دي

ظلت تنظر إليه في صمت ثم قالت:

- وبعدها؟

ارتبك و قال بعدم فهم:

- بعدها إيه... مش فاهم؟

- يعني اعتذرت... وبعدين؟

خفض رأسه... ولم يجد إجابة

ابتسمت ابتسامة صغيرة... لكنها كانت موجوعة ثم قالت:

- عارف يا عبدالعزيز... أنا من إمبارح مستنية

رفع رأسه بسرعة و سألها بلهفة:

- مستنية إيه؟

- مستنية تيجي

اتسعت عيناه فأكملت بصوت خافت:

- مش علشان تعتذر... علشان تقول لي إن اللي حصل كان غلط وإنك هتصلحه

سكت أما هي فأردفت والدموع بدأت تلمع داخل عينيها:

- أنا زعلت من الكل... بس أكتر واحد وجعني... إنت

كلماتها أصابته في صدره مباشرة شعر كأن أحدهم انتزع الهواء من رئتيه

قال بصوت مبحوح:

- أنا؟

هزت رأسها و قالت بقوة:

- أيوه لأنك الوحيد... اللي كان المفروض يجيلي قبل أي حد

يسألني... يراعي كسرتي حتى لو مفكر إنك هتترفض

على الأقل كنت هحس إن ليا قيمة

أغمض عينيه للحظة... ثم قال بندم حقيقي:

- عندك حق... والله عندك حق أنا غلطت

غلطت لما خوفت وغلطت لما سكت

وغلطت لما سيبت غيري يتكلم مكاني

ساد الصمت ثم رفع عينيه إليها... وقال لأول مرة دون خوف:

- بس فيه حاجة واحدة... مغلطش فيها

نظرت إليه باستفهام اقترب خطوة... وقلبه يكاد يقف ثم قال :

- إني بحبك

تجمدت مكانها أما هو... فأكمل بابتسامة مرتبكة:

- بحبك من سنين كل يوم كنت أقول... بكرة كل مرة كنت أقول... لسه بدري

و كل ماأنوي أخد خطوة أقول ياض بلاش

انت مش قد المقام... بلاش تخسرهم لما يرفضوك

حتى لما اتكلمت معاكي قبل كده و لا لما متحكمتش

في غيرتي... مكنتش قادر أقولها صريحة

فضلت خايف لحد ما لقيت نفسي هضيّعك بإيدي

أنا... مستعد أتحمل أي عقاب منك

- تزعليني... تزعقيلي تضربيني حتى بس متحرمنيش

 من إني أحاول أصلح اللي حصل و لا إنك تبعدي عني

نزلت دمعة وحيدة من عين سميحة فسكت... ينتظر حكمها

ولأول مرة... كان عبدالعزيز الذي لم يخف يومًا من رصاصة أو سلاح

يرتجف... من انتظار كلمة واحدة... منها.



في المضيّفة... كان الحاج دياب يجلس وحده

انصرف الرجال منذ قليل ولم يبقى إلا صمت ثقيل يملأ المكان

أمامه فنجان قهوة برد منذ وقت طويل بينما كانت سبحته تدور بين أصابعه ببطء

لم يكن يفكر فيما حدث في القعدة... بل فيما سيأتي بعدها

كلما أغمض عينيه عاد إليه وجه عدنان وهو يخبره بالحقيقة:

- متخليش حد من العيال يعرف دلوقت

زفر ببطء وهمس لنفسه:

- يا رب... استرها.



قطع الصمت صوت طرقات خفيفة على الباب رفع رأسه وقال:

- ادخل

دلف حمزة بخطوات ثابتة لكنه كان يخفي خلف ثباته معركة كاملة

وقف أمام الحاج دياب ثم انحنى يقبل يده

ابتسم دياب بحب وربت على كتفه و قال:

- تعالى يا ولدي واقف ليه... اقعد

جلس حمزة لكن يديه ظلتا متشابكتين بقوة لاحظ دياب ارتباكه

 فابتسم ابتسامة صغيرة و قال:

- مالك ياض... أول مرة أشوفك مش على بعضك كده ؟

حاول حمزة أن يبتسم لكنه فشل ظل صامت للحظات

ثم أخذ نفس عميق وقال:

-  عمي... أنا جايلك في طلب

اتسعت ابتسامة دياب و قال بحنان:

- خير يا ولدي... اطلب

نظر  في عينيه مباشرة وقال دون تردد:

- عايز أتجوز سندس


اختفت الابتسامة توقفَت السبحة بين أصابع دياب

وساد صمت ثقيل لم يكن صمت رفض... ولا صمت دهشة

بل صمت رجل يعرف شيئ لا يستطيع البوح به


ظل ينظر إلى حمزة لفتره ثم سأله بهدوء:

- ليه دلوقت يابني ليييه؟


ابتسم حمزة لأول مرة و قال بقوة:

- مش من دلوقت يا عمي 

- من مدة... ويمكن داخل علة سنة وأنا بحبها أنا مش هقدر أخد غيرها يا حج

مرضتش أتكلم من فترة كنت مستني الوقت المناسب


خفض دياب رأسه وأغمض عينيه للحظة ثم قال بهمس:

- يا رب... ليه الامتحان ده دلوقت

رفع رأسه مرة أخرى كانت نظراته مليئة بالحزن قال بصوت خافت:

- لو كان الأمر بإيدي يا حمزة... والله كنت كتبت كتابكم النهارده قبل بكرة

انعقد حاجبا حمزة و قال بعدم فهم:

- يعني إيه؟

تنهد دياب تنهيدة خرجت من أعماق قلبه و قال:

- يعني... فيه أمور أكبر مني

وقف حمزة فجأة و قال بغضب مكتوم:

- أكبر منك إزاي يا عمي؟

إنت كبير الدار... وكلمتك بتمشي على الكل

هز دياب رأسه ببطء و قال بحزن:

- مش كل مرة يا ولدي في حاجات... حتى أنا واقف قدامها متكتف


نظر إليه حمزة بعدم استيعاب و سأله بحيرة:

- يعني القرار اللي سمعناه زمان صح... إنتوا مش هتجوزوا عيالكم لبعض

رفع دياب بصره إليه... ثم سكت وكان هذا الصمت إجابةً أوضح من أي رد

شعر حمزة بأن الأرض تميد تحت قدميه لكنه لم يتراجع

اقترب من دياب خطوة وقال بحزم:

- وأنا مش هتنازل عنها حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي... أنا مش هشوف غير سندس مراتي.


ارتجفت شفتا دياب للحظة ورأى أمامه شاب يشبه نفسه قبل ثلاثين عام

بنفس العناد... ونفس النار فابتسم رغم ألمه ثم وقف

 ووضع يده على كتف حمزة وقال بصوت يحمل حب الأب وخوفه:

- وأنا عمري ما هكسر قلبك بإيدي

بس إديني يومين... يومين بس

لا أوعدك بحاجة... ولا أوعد نفسي

لكن أوعدك... إني هحارب عشانكم لو لقيت للحرب باب



خرج حمزة من المضيفة وقلبه معلق بين الأمل والخوف

أما دياب... فبقي واقف مكانه

ثم نظر إلى صورة أبيه المعلقة على الحائط وقال بصوت بالكاد خرج:

- سامحني يا حاج... واضح إن السر اللي دفناه زمان إبتدى ياكل في عيالنا.



في القاهرة... كانت إحدى السيارات السوداء الفارهة تشق طريقها بثبات في شوارع التجمع الخامس

توقفت السيارة أمام بوابة فيلا ضخمة يحيط بها سور حجري مرتفع وكاميرات مراقبة في كل إتجاه

ترجّل السائق أولا ثم أسرع يفتح الباب الخلفي

نزل سليمان... يرتدى بدلة رمادية أنيقة ونظارة سوداء أخفت نصف ملامحه

بينما علت شفتيه تلك الابتسامة الهادئة التي تخدع كل من يراها

اقترب منه أحد رجال الأمن فقال بأدب:

- حمد الله على السلامة يا فندم

أومأ برأسه دون أن يرد ثم دخل الفيلا بخطوات واثقة


في الداخل... كان كل شيء يعكس الثراء الفاحش

لوحات أصلية وتحف نادرة وسجاد فارسي يغطي الأرضية

ألقت إحدى العاملات التحية فانحنت باحترام و قالت:

- صباح الخير يا باشا

اكتفى بإيماءة صغيرة بعد أن تفحصها بعينه الفاجرة ثم صعد إلى الطابق الثاني


دخل مكتبه... غرفة واسعة تطل على حديقة خلفية

تتوسطها مكتبة ضخمة وخلف المكتب صورة قديمة لرجل في الستين من عمره

تملأ ملامحه الهيبة

توقف سليمان أمام الصورة لثوان نظر إليها لفترة ثم قال بصوت خافت:

- انا رجعت... بس المرة دي مش هرجع زي كل مرة


جلس خلف مكتبه وما هي إلا لحظات حتى طرق السكرتير الباب

- اتفضل

دخل رجل في الأربعين من عمره يحمل جهاز لوحي و قال:

- صباح الخير يا فندم

- صباح النور

- اجتماع المستثمرين الساعة اتناشر وبعده مقابلة مع وفد إماراتي وبالليل حفلة غرفة التجارة


كان سليمان يستمع بهدوء ثم قال:

- تمام

وقبل أن يخرج السكرتير استوقفه:

- كريم

- أفندم؟

خلع سليمان نظارته ببطء ثم قال بنبرة هادئة... لكنها حملت معنى آخر تمامًا:

- عايز ملف عيلة العطارين يبقى عندي قبل آخر النهار

تجمًد كريم للحظة فهو يعرف أن هذا الاسم... لا يذكر إلا في الاجتماعات المغلقة

أخفض رأسه سريعًا و قال:

- حاضر يا فندم



خرج وأغلق الباب خلفه أما سليمان... فدار بكرسيه ناحية النافذة

وأخذ يتأمل أُفق القاهرة ثم همس لنفسه بابتسامة باردة:

- زمان... كنت أنا اللي بجري وراهم... لكن دلوقت هما اللي هيجروا ورا الحقيقة

والمشكلة... إن الحقيقة أنا اللي كاتبها.


رفع هاتفه وضغط على رقم محفوظ دون إسم لم يرن الهاتف سوى مرة واحدة ثم جاءه صوت رجل خشن:

- أوامرك يا كبير

ابتسم سليمان ابتسامة لم تصل إلى عينيه ثم قال:

- راقبوا كل حركة في دار العطارين... بس محدش يقرب منهم لسه... الوقت مجاش

أغلق الخط ثم فتح أحد الأدراج وأخرج صندوق خشبي صغير

ظل يتأمله لحظات... قبل أن يفتحه ببطء

وفي داخله... استقرت حية سوداء صغيرة ملتفة حول نفسها في هدوء

ترفع رأسها ما إن شعرت بوجوده

مد إصبعه وربت برفق على رأسها كأنها حيوان أليف

ثم ابتسم وهو يهمس:

- قرب الوقت... يا... بركه...


أغلقت الحية عينيها ببطء... بينما كان صاحبها يبتسم وكأنه يرى المستقبل كله أمامه.


في دار العطارين حل منتصف الليل... وسكنت الدار من جديد

انطفأت الأنوار تباعًا ولم يبقى سوى ضوء خافت يتسلل من غرفة سعد

كان يجلس على الأرض وقد أسند ظهره إلى الفراش

أمامه عشرات الأوراق القديمة التي أعطاها له الحاج دياب

وأوراق أخرى بيضاء بدأ يكتب عليها بخط يده

لم يكن يقرأ... بل كان يحاول أن يفهم رفع إحدى الصور القديمة...

تأملها بتركيز ثم وضعها جانبا

وأخذ قلم أسود وكتب في منتصف الورقة:

- مين المستفيد

ظل ينظر إلى السؤال ثم بدأ يكتب أسفله أسماء متفرقة

عوض... سليمان... صاحب الحية و الخنجر... النار... القعدة

ثم توقف زفر بضيق وألقى القلم بعيدًا ثم قال:

- لأ... أكيد في حاجة ناقصة

مررَّ يده في شعره بعصبية ثم أعاد ترتيب الأوراق من جديد

كان كلما وصل إلى خيط... انقطع أمامه عشرة خيوط أخرى

طرقات خفيفة على الباب رفع رأسه و قال: 

- ادخل

دخلت نوارة تحمل كوب من القهوة

ابتسمت وهي تنظر إلى الفوضى التي تملأ الغرفة

- يا ساتر... دي أوضه نوم و لا قلبتها  مكتب محاماة

ابتسم  ابتسامة مرهقة ثم قال:

- الإتنين

وضعت القهوة أمامه وجلست بجواره نظرت إلى الورق ثم إليه و قالت:

- منمتش ليه... مش قولتلي هتريح ساعتين؟

هز رأسه و قال بغلب:

- النوم رفاهية اليومين دول انا دماغي مش عايزه تفصل

ظلت تراقبه لحظات ثم قالت بهدوء:

- من ساعة ما رجعت من عند الحج... وإنت مش إنت

رفع عينيه إليها ابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال:

- هو قالي شوية حاجات... قلبوا الدنيا جوا دماغي

مدت يدها وأمسكت كفه ثم قالت برقة:

- هتقولي؟

نظر إلى أصابعها المتشابكة مع أصابعه ثم ابتسم بحزن و قال:

- نفسي... بس مقدرش... مش هينفع يابا تعرفي حاجه من البلاوي دي

لأول مرة... يشعر سعد أن بينه وبين زوجته سر

وشعر بثقل ذلك السر فوق قلبه تنهد وقال:

- سامحيني متزعليش

ابتسمت نوارة برقة ثم قالت بحكمة:

- أنا مش زعلانة إنك مخبي عليّا

أنا زعلانة عشان الحمل تقيل عليك لوحدك

نزلت كلماتها على قلبه كالماء رفع يدها وقبّلها برفق ثم قال:

- ربنا يخليكي ليا يا قلب سعد 

ابتسمت ثم أشارت إلى الأوراق و قالت:

 - طيب... وصلت لإيه؟

ظل صامت لحظة ثم قال وكأنه يحدث نفسه:

- اللي عمل كل ده... ذكي أوي

ذكي لدرجة إنه سايبنا نبُص ناحية ناس... وناسيين نبص على حد تاني

عقدت حاجبيها و قالت بعدم فهم:

- قصدك إيه؟

هز رأسه و قال:

- مش عارف... بس حاسس إننا بندور على اللي بيضرب

وسايبين اللي بيديله الأوامر

ساد الصمت ثم فجأة... اعتدل سعد في جلسته

وسحب ورقة بيضاء جديدة وكتب في أعلاها:

- سليمان عبد الحي غنيم

ثم ظل ينظر إلى الإسم لفترة قبل أن يرسم تحته خط أسود عريض

همس لنفسه:

- لو إنت حي... فأنا هعرف أوصلك

ولو ميت... فهعرف مين اللي عايش بإسمك


في تلك اللحظة... طرق أحدهم الباب بعنف انتفض الإثنان

ثم جاء صوت حمزة من الخارج:

- سعد... إنت صاحي؟

نظر سعد إلى نوارة... ثم جمع الأوراق بسرعة وأخفاها داخل درج المكتب

قال بصوت مرتفع:

- ادخل يا حمزة

فتح  الباب لكن ملامحه لم تكن مطمئنة دخل وأغلق الباب خلفه...

ثم قال وهو ينظر إلى سعد مباشرة:

- أنا كلمت أبوك

 اعتدل سعد  في جلسته:

- وقالك إيه؟

أخذ حمزة نفس عميق ثم قال:

- طلع الموضوع أكبر من اللي كنا فاكرينه... وأنا مش ناوي أسكت.



حل الصمت بينهما لثوان... نظر سعد إلى وجه حمزة فوجد فيه الغضب لأول مرة منذ سنوات

غضب رجل ضاق به الطريق لكنه لم ينكسر بعد

أشار له بالجلوس

- اقعد يا حمزة... مالك؟

جلس الآخر وهو يزفر بقوة ثم مرر يده فوق وجهه:

- روحت لعمي دياب طلبت إيد سندس


ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه سعد ثم قال بجدية:

- ودي خطوة كان لازم تعملها من زمان 

مانت مش هتقعد تحب في بت عمك كده في السر


 لم يبتسم حمزة بل قال بصوت خافت:

- مرفضش... بس برضه موافقش و لا قال حتى إنه هيفاتح عمي أدهم فالموضوع



اختفت ابتسامة سعد و سأل باهتمام:

- قالك إيه بالظبط ؟

- قال إن في حاجة أكبر منه وإن الموضوع مش بإيده


عقد سعد حاجبيه لكنه لم يتحدث أكمل حمزة بمرارة:

- لأول مرة أشوف أبوك بالشكل ده يا جن

كان موجوع... كأنه نفسه يجوزنا بس مربوط

صمت للحظة ثم نظر إلى سعد وأكمل:

- إنت فاهم حاجة؟

تجمّد سعد للحظة تذكّر وصية أبيه

- مهما حصل... محدش يعرف باللي حكتهولك يابني... إوعى يا سعد


خفض بصره وقال بهدوء:

- لأ... مش فاهم

ابتسم حمزة بسخرية ثم قال بغيظ:

- الكدب مش لايق عليك يا شِق

رفع سعد رأسه نظر إليه بغموض ثم قال:

- في حاجات... لو عرفتها دلوقتي هتتعب أكتر

اقترب حمزة منه و قال بحزن:

- انا تعبان أصلًا يا حبيب اخوك لأول مرة أحس إني عاجز

أنا طول عمري أعرف أتصرف وأفوت في الحديد

إنما دلوقت... واقف مستني قرار مش فاهم سببه


اقترب سعد وربت على كتفه و قال:

- اصبر يا شِق... هتتعدل 

هز حمزة رأسه بعنف:

- لأ... أنا مش هسكت أنا هعرف السبب... حتى لو هقلب العيله  كلها


نظر إليه سعد بعينين ضيقتين ثم قال بهدوء يحمل تحذير:

- إوعى... في فرق كبير بين إنك تدوّر على حقك

وإنك تخبط في حيطة وإنت مغمض


أشار حمزة إلى صدره و قال بجنون:

- أنا قلبي بيقول إن في مصيبة مستخبية.


ساد الصمت ولأول مرة... شعر سعد أن حمزة يقترب من الحقيقة بالفطرة

فغير الحديث سريعًا:

- فوكّك من كل ده... قابلت البت بعد ما كلمت الحج؟

ابتسم حمزة رغم تعبه ابتسامة صغيرة... لكنها كانت كفيلة أن يقرأ سعد ما حدث

ضحك بخفة و قال:

- أيووووو... الوش ده أنا حافظه و المصحف

رفع حمزة حاجبه و قال بغيظ:

- ماله وشي يا جن؟ 

- ده وش واحد... رقع حبيبته بوسه مشبك

احمرّ وجه حمزة فجأة و ظهر عليه الغضب:

فرفع سعد يديه مستسلمًا وهو يضحك ثم قال:

- خلاص يا عم ... فهمت كل حاجة و مش هتكلم.



ضحك حمزة لأول مرة منذ دخوله الغرفة ثم قال بخجل حاول إخفاءه:

- يا أخي... هي ضحكت بس معملتش حاجه تاني و الله

اقترب سعد منه وربت على رأسه:

- يا ابني... ضحكة البت اللي بتحبها تساوي الدنيا كلها


 اعتدل في جلسته وعادت الجدية إلى ملامحه و هو يقول:

- اسمعني كويس مهما حصل... متعملش أي خطوة من دماغك

ولا تواجه حد ولا تسأل حد لحد ما أنا أفهم الدنيا ماشية إزاي

نظر إليه حمزة باستغراب و قال:

- إنت ناوي على إيه يا سعد؟

ابتسم سعد ابتسامة غامضة وقال وهو ينظر إلى الأوراق المخفية داخل الدرج:

- ناوي أفتح باب... محدش فتحه من سنين.



في القاهرة... لم تكن كل الأسرار تدفن في المقابر

بعضها يدفن داخل خزائن حديدية لا يملك مفاتيحها سوى أصحاب النفوذ

في مبنى قديم يقع بوسط القاهرة... توقفت سيارة سوداء أمام بوابة ضخمة تعلوها لافتة نحاسية كُتب عليها... دار المحفوظات التاريخية

ترجّل سليمان من سيارته بخطوات هادئة بينما كان في استقباله رجل تجاوز الستين

 يرتدي نظارة سميكة وبدلة رمادية قديمة

ابتسم الرجل وهو يمد يده و يقول:

- نورتنا يا باشا

صافحه سليمان بابتسامته المعتادة ثم قال:

- عامل إيه يا دكتور فؤاد؟

- الحمد لله... تحت أمرك 

تقدما معا داخل الممرات الطويلة

على الجانبين امتدت أرفف خشبية تحمل آلاف الملفات والسجلات التي مر عليها عشرات السنين قال الدكتور فؤاد وهو يسير بجواره:

- الملف اللي طلبته... طلّعته بنفسي

توقف سليمان نظر إليه بهدوء ثم قال: 

- محدش شافه؟

- لأ طبعًا... زي كل مرة

أومأ سليمان برأسه ثم دخلا غرفة صغيرة في آخر الممر

أغلق الدكتور الباب بالمفتاح ووضع ملف جلدي قديم فوق الطاولة

ظل سليمان ينظر إليه للحظات... دون أن يلمسه

قال الدكتور فؤاد باستغراب:

- مش هتفتحه؟

ابتسم سليمان ابتسامة باردة ثم قال: 

- انا حافظه


فتح الملف بهدوء كانت أول صفحة تحمل تاريخ يعود إلى أكثر من ثلاثين عام

وتحت التاريخ... عدة أسماء توقف إصبعه فوق اسم واحد

- دياب  زين الدين العطار

ثم تحرك إلى الإسم الذي يليه

- عدنان... وبعده... إسم ثالث

ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت ثم أغلق الملف مرة أخرى

قال الدكتور فؤاد:

- طول السنين دي... وإنت كل فترة تيجي تبص عليه

كأنك مستني حاجة

رفع سليمان عينيه إليه وقال بهدوء أخاف الرجل:

- مش مستني... أنا بتأكد

- بتتأكد من إيه؟

وقف سليمان وهو يحمل الملف بين يديه واتجه نحو النافذة ثم قال:

- إن كل واحد... لسه ماشي في الطريق اللي أنا رسمته

ساد الصمت ثم أعاد الملف إلى مكانه و قال:

- رجعه مكانه زي ما هو ولو في يوم... أي حد سأل عليه

حتى لو كان وزير... تبقي تكلمني الأول سامع

ابتلع الدكتور فؤاد ريقه و قال بخوف:

- حاضر يا باشا



غادر سليمان الغرفة وبقي الرجل العجوز ينظر إلى الباب المغلق ثم همس لنفسه:

- يا ترى... إيه اللي مستخبي في الملف ده

يخلي راجل زي سليمان يرجعله كل كام سنة


وبعد خروجه... ركب سليمان السيارة

لم يطلب العودة إلى الفيلا بل قال للسائق بهدوء:

- على مستشفى الشروق

التفت السائق باستغراب و قال:

- دلوقت يا فندم؟

- أيوه

انطلقت السيارة وبينما كانت تشق شوارع القاهرة... أخرج سليمان هاتفه

ونظر إلى صورة قديمة محفوظة داخله كانت الصورة باهتة... أربع رجال يقفون بجوار بعضهم

اقترب بإصبعه حتى اختفى ثلاثه منهم... ولم يبقي على الشاشة سوى وجه دياب

نظر إليه لفترة... ثم همس بابتسامة لا تحمل أي دفء و قال:

- قرّبت يا دياب... قربت تعرف إن اللي هربت منه زمان... راجع ياخد حقه

 أغلق الهاتف... وأغمض عينيه في هدوء بينما كانت السيارة تواصل طريقها

إلى وِجهة لا يعلم أحد... أنها ستكون بداية سقوط أول حجر دومينو في الحكاية بأكملها.


ماذا سيحدث ياترى.......


سنرى.......


انتظروووووني.......


بقلمي  / فريده الحلواني 





بعتزر أن الفصل قصير بس كان لازم اقفله هنا لأن اللي جاي 

جااااااحد 

تسريبه صغننه 

الفصل اللي جاي كله فراشات و سليمان هيطفحهالكم في آخره بساديته😂😂😂😂😂😂

تكملة الرواية من هناااااااا 


تعليقات

التنقل السريع
    close