القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

رواية العطارين الفصل السادس وعشرون والسابع وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه

 رواية العطارين الفصل السادس وعشرون والسابع وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه 



رواية العطارين الفصل السادس وعشرون والسابع وعشرون بقلم الكاتبه فريدة الحلواني حصريه 


صباحك بيضحك يا قلب فريده 



إوعي تفتكري إن قوتك معناها إنك ما تتعبيش… قوتك الحقيقية 

إنك كل ما الدنيا توقعك تقومي تاني وتقولي... لسه بدري عليا عشان  أستسلم

أنا ليا حلم ولسه هحققه... هتحققي حلمك باذن الله 

و هتكوني احسن ما بتتمني... انا واثقة فيكي 

و بحبك.







كانت السيارة تشق طريقها في شوارع القاهرة بهدوء بينما جلس سليمان في المقعد الخلفي مسندًا رأسه إلى الزجاج وعيناه معلقتان بالمدينة التي تغيرت كثيرا منذ آخر مرة وطئت قدماه أرضها

لم يكن ينظر إلى المباني... كان ينظر إلى الماضي

ذلك الماضي الذي ظن يومًا أنه دفنه إلى الأبد

رفع هاتفه مرة أخرى وأعاد فتح الصورة القديمة

خمسه رجال يقفون أمام دار العطارين

دياب... خميس... أدهم ... رجب... وهو معهم

ظل إصبعه يتوقف عند وجه دياب ابتسم ابتسامة خافتة ثم قال:

- كبرت يا دياب ...كبرت أوي وحسابك انت بالذات كبر معايا


 أغلق الصورة رن هاتفه نظر إلى الشاشة فظهر اسم لم يكن محفوظ

أجاب دون مقدمات:

- أيوه

جاءه الصوت من الطرف الآخر:

-انت  وصلت؟

- في الطريق

- متأكد إنك عايز تدخل المستشفى بنفسك؟

ضحك سليمان بسخرية ثم قال:

- هو أنا بخاف و لا إيه ؟

صمت الرجل لحظة ثم قال:

- أنا مش قصدي كده... بس المكان ده ممكن يفتح نار قديمة


تغيرت ملامح سليمان قليلًا وهو يقول:

- وأنا رايح علشان احرقهم بالنار دي

- ولو اللي هتسمعه غير اللي في دماغك؟

نظر سليمان من النافذة و قال بشرود:

- يبقى نغير اللي في دماغنا  إحنا كمان


في مكان آخر من القاهرة... جلس رجل خمسيني خلف مكتب خشبي ضخم

لم يكن المكان فاخر مثل فيلا سليمان لكنه كان أكثر برودة

أوراق مرتبة بعناية ملفات مغلقة وصورة قديمة موضوعة داخل إطار أسود

كان الرجل يحدق فيها منذ دقائق... شاكر الدمنهوري 

رفع يده وأمسك بالصورة كان فيها شاب في مقتبل العمر يقف بجوار فتاة تبتسم بخجل

مرر إصبعه فوق وجه الشاب ثم قال بصوت منخفض:

- لسه فاكرها... بعد كل السنين دي منستهاش و لا نسيت طارك 

فتح درج مكتبه وأخرج ملف طبي قديم

على غلافه اسم رجل قرأه للحظة ثم أغلق الملف بعنف و قال بغل:

- ضيعت عمرك بسببهم...

توقف لحظة ثم ابتسم ابتسامة باردة وأكمل بوعيد:

- وأنا هخليهم يدفعوا تمن كل يوم عشته  ميت وإنت عايش

رن هاتفه أجاب سريعا:

- أيوه يا ايمان

- بابا... إنت فين؟

- في الشغل

- كنت عايزة أسألك على حاجة

- قولي

ترددت للحظة ثم قالت:

- إنت متأكد إن اللي طلبت مني أعمله صح؟

صمت شاكر ثم قال ببرود:

- إنتي عمرك ما سألتي السؤال ده قبل كده

- المرة دي مختلفة

- مختلفة إزاي؟

- حاسة إن الموضوع كبر أوي  يا بابا و هيدمره

ابتسم أبيها بشر ثم قال:

- هو ده المطلوب و اللي بخططله من خمسة و عشرين سنة

- بس...

قاطعها بغضب:

- إيمان...  اسمعيني كويس

- إحنا مش داخلين حرب علشان نكسب فلوس ولا أرض

- أومّال علشان إيه؟

شد أصابعه حول القلم ثم قال:

- علشان حساب قديم وحق لا يمكن أتنازل عنه

ثم أغلق الخط ظل لحظات ينظر إلى الهاتف قبل أن يقول لنفسه:

- ولسه الحساب ما بدأش أصلًا... أنا هحرقهم بالنار اللي حرقوني بيها.



في دار العطارين... كان الصباح قد بدأ يعلن عن نفسه

الحركة عادت إلى الدار تدريجيًا... لكن في غرفة سعد لم يكن هناك شيء طبيعي

جلس أمام المكتب وأمامه الورقة التي كتب عليها بالأمس

سليمان عبد الحي غنيم ظل يحدق في الإسم ثم فتح أحد الملفات القديمة

قلب الصفحات لا شيء فتح ملفًا آخر لا شيء

ثم أخرج صورة قديمة وجدها بين الأوراق نظر إليها

تجمد للحظة كانت صورة جماعية قديمة رجال من العائلة يقفون أمام الدار

اقترب بالصورة من عينيه ثم قال:

-  يلعن ميتين أبوكم كلكم 

أمسك الهاتف واتصل بحمزة جاءه صوته بعد لحظات:

- أيوه يا جن

- تعالى عندي إنت وإخواتك... عايزكم كلكم دلوقت

- في إيه. ..قلقتني؟

خفض سعد صوته و قال:

- لقيت حاجة

سكت حمزة لحظة ثم قال:

- تخص إيه؟

نظر سعد إلى الصورة مرة أخرى و قال:

- تخص سليمان


بعد أقل من عشر دقائق... دخل حمزة الغرفة وأغلق الباب خلفه

و كان معه كلًا من نصر و جلال معهم صالح  ومصطفى 

أما زيزو وأيمن فكانوا خارج المنزل يأتون ببعض الطلبات وعلى وشك العودة


نظر الأول إلى سعد ثم إلى الأوراق و قال:

- في إيه؟

أعطاه سعد الصورة أمسكها حمزة و قال: 

- دي صورة قديمة لأبويا وعمامي

- بص كويس وركز 

اقترب حمزة منها و حوله باقي الشباب

- بص على الراجل اللي واقف وراهم

رفع نصر عينيه و قال:

- مين ده؟

ابتسم سعد ابتسامة صغيرة و قال بدهاء:

- ده المشكلة...

أخرج ورقة أخرى وأكمل

- الإسم ده موجود في سجل قديم

- سليمان؟

- أيوه

- طب ما إحنا عارفين أن كان عندنا عم صغير و مات 

هز سعد رأسه و قال:

- لأ...  إحنا فاكرين إننا عارفين

اقترب جلال منه و سأل بعدم فهم:

- يعني إيه... ما ترسينا على الدور يا جن

رفع سعد عينيه إليه وقال:

- التاريخ مش راكب مع اللي حصل... في حاجة غلط

ساد الصمت ثم أخذ حمزة الورقة من يده قرأها مرة... ثم مرة ثانية

ثم قال بدهشة:

- مستحيل

- أنا قلت كده

- يعني إيه إن تاريخ الورقة قبل تاريخ ميلاده؟

ابتسم سعد دون فرحة ثم قال:

- يعني يا نصر... يا إما حد لعب في الورق...

-أو إن إحنا بندور على الشخص الغلط من البداية

رد عليه صالح بجنون :

- يحرج ابو اللي جابهم كلياتهم آني عجلي شت مني خلاص


في الناحية الأخرى من الدار... كانت فرحة تقف في الحديقة حين سمعت صوت خلفها

- فرحة

التفتت كان أيمن... نظرت إليه للحظة ثم حاولت الانصراف

أمسك ذراعها سريعًا ثم قال:

- رايحة فين؟

-داخله جوه  عند ماما

- إستني عايزك يا فرحة 

- من إمبارح وإنتي  بتتهربي مني

- مش بهرب و لا حاجة

- أومّال بتعملي إيه هااااا... فهميني

التفتت إليه أخيرًا و قالت بحزن:

- بحاول أفهم ياأيمن

-عايزه  تفهمي إيه طيب وأنا أفهمك

ابتسمت بمرارة ثم قالت:

- ليه كل حاجة بينا لازم تبقى غلط؟

سكت أيمن اقترب خطوة ثم قال بحنان:

- فرحة...

- لأ يا أيمن متكملش

رفعت يدها تمنعه ثم قالت:

- متقولش إنك بتحبني... أنا عارفة

مش محتاجة إنك تعترف بيها

خفض عينيه فقالت بصوت مكسور:

- المشكلة إن الحب مش كفاية

نظر إليها بحزن ثم قال:

- وأنا مش مستعد أصدق ده

- لازم تصدقه

- لأاااااا

- ليه؟

رفع عينيه إليها ثم قال:

- علشان أنا لأول مرة في حياتي ألاقى حاجة تستاهل أحارب علشانها

ارتجفت عيناها لكنه لم يقترب أكثر فقط قال:

- ولو هما شايفين إن فيه سبب يمنعنا... أنا عايز أعرفه

أمسك ذراعها مرة أخرى  ثم سحبها نحو مكان متواري

لف ذراعه حول خصرها و قال بعشق :

- انا أول مرة اعترف بحبي ليكي يا فرحة 

ولأول مرة أقولك إني مش فاهم سبب رفض أهلنا لجوازنا من زمان

بس أنا خلاص مش قادر... هحارب لحد ماعرف السبب

قرب وجهه من خاصتها ثم أكمل بجنون: 

- و لو معرفتش هاخدك غصب عن الكل 

أعقب قوله بالتهام شفتيها في قبلة جامحة أودع فيها عشقه و خوفه من ضياعها .



وفي غرفة أخرى... كان نصر  يتصل بشفاء 

و قد كان يقول بغيظ:

-  هتبطلي تهربي مني إمتى؟

ردت عليه بتلجلج:

- أنا مش بهرب... إيه اللي يخليني أعمل كده

- أومّال كل ما أقرب خطوة ترجعي خطوتين ليه؟

تنهدت بهم ثم قالت بصراحة:

- نصر....  اللي حصل بينا بدأ غلط

انت عملت معايا موقف شهامة مقدرش أصدق أنه يتقلب لحقيقة

اختفت ابتسامته و قال بحسم:

- لأاااااااا... اللي حصل بدأ بموقف غلط

 إنما أنا حبيتك بجد وما صدقت أن ده يحصل 

عشان اخده حجه وأخليكي ملكي 

شوفتي بقى أنا صريح إزاي

ارتبكت و رغم صدمتها قالت برفض:

- متقولش كده تاني لو سمحت

- ليه؟

- علشان أنا مش عارفة أصدقك

حاسة إنك بتقول كده عشان تراضيني مش أكتر 

ابتسم بحزن ثم قال بصدق:

- يبقى هفضل أقولها لحد ما تصدقي

أكمل بهمجية وقد اشتعل صدره بنار لم يتحملها:

- و لو مصدقتيش هكسر دماغ امك واحط كلامي جواها عافية... ااااامين.



في المساء... رن هاتف منة نظرت إلى الشاشة وجدته جلال:

حدقت في الإسم ثواني ثم أجابت:

- نعم يا أستاذ جلال

جاءها صوته ببرود متعمد:

-إنتي فين يامنة؟

- في البيت

-خلصتي الشغل  بدري و لا إيه؟

- آيوه يا فندم

- مين سمحلك  تخلّصى

اتسعت عيناها و قالت بغيظ:

- نعم؟

ضحك برجولة ثم قال:

- اهدى يا وحش أنا  بهزر بس

- هزارك بارد

- طب اسمعي... بقى ملف الصفقة اللي طلبته منك ناقص

- مش ناقص استحالة انا مراجعة عليه تلات مرات

- متأكدة؟

- جدااااا

- طب بقولك إيه... انا عايز اتكلم معاكي دلوقت ينفع

نظرت إلى الساعة وجدتها قاربت على الثالثة فجرًا فقالت باستغراب:

- دلوقت؟

- أيوه فين المشكلة أنا بقولك نتكلم مش نخرج

- الساعة تلاته الفجر  يا جلال بيه و بعدين انت سالت

على الشغل و انا جاوبتك معتقدش في كلام تاني بينا

رد عليها بجدية لأول مرة:

- عارف ان الوقت متأخر بس مخنوق ومش عارف أعمل إيه 

سألته باهتمام و قد اشفقت عليه:

- هو انتوا لسه عندكم مشاكل في الصعيد

شادي قالي إنكم مش جايين دلوقت

اشتعلت النار داخل صدره فقال بجنون:

- ميتين أم الواد الطري ده... هو مال امه

 قالت بغيظ:

- إنت مستفز بجد... هو عملك إيه عشان تغلط فيه

- احااااااا... إنتي بتدافعي عنه ولا إيه يا روح أمك


أغلقت الهاتف في وجهه بعدما عجزت عن الرد عليه 

لكنها اشتعلت غضبًا و قالت لنفسها:

- طب وحياة امي لأربيك وأقطعلك لسانك الطويل ده يا سافل. 


أمّا هو... نظر أمامه بجنون ثم قال بهمجية: 

- بتقفلي السكة فوشي يابنت الكلب 

طيب يااااا منة... هرجعلك وأعرف أربيكي 

أبو أم الحريم على اللي عايز يعرفها.




وفي مستشفى الشروق... توقفت سيارة سليمان أمام البوابة

نزل منها ببطء رفع عينيه إلى المبنى لم يظهر على وجهه أي انفعال

دخل إلى الاستقبال وأخرج بطاقة صغيرة

نظر إليها الموظف ثم تغيرت ملامحه

- حضرتك... سليمان بيه؟

ابتسم و قال بهدوء:

- أيوه

- الدكتور فؤاد مستني حضرتك

رفع سليمان حاجبه و قال باستغراب:

- الدكتور فؤاد؟

- أيوه يا فندم

سكت لحظة ثم قال:

- تمام

تحرك خلف الموظف لكن قبل أن يدخل المصعد... توقف

نظر إلى الممر الطويل الممتد أمامه وكأن شيئا في المكان أعاد إليه صوتًا قديم

صوت امرأة صوت بكاء طفل وصوت رجل يقول:

- إنت مش هتعيش هنا

أغمض عينيه للحظة ثم فتحهما وعادت ابتسامته الباردة

- مش النهارده...

قالها لنفسه ثم دخل المصعد ولم يكن يعلم... أن الشخص الذي جاء من أجله لم يكن ينتظره وحده بل كان هناك رجل آخر في الطابق الثالث... رجل يعرف إسم سليمان

ويعرف إسم دياب ويعرف سرًا... لو خرج من فمه الآن... لن تبقى عائلة العطارين كما كانت.



لم يكن الصباح قد اكتمل بعد حين كانت الشمس تلقي بخيوطها الأولى فوق أرض الصعيد

بينما خفتت حركة الرجال في مضيفة الحاج عمران

كان عمران جالسًا وحده على دكة خشبية قديمة أمام المضيفة يحتسي قهوته ببطء

وعيناه معلقتان بالطريق الممتد أمامه

منذ انتهت الجلسة العرفية... والرجل لم يذق راحة

كان يعلم أن ما حدث لم ينتهي بانتهاء الجلسة

بل ربما كان قد بدأ للتو رفع صوته:

- يا ولد

جاء أحد رجاله مسرعًا:

- نعم يا حاج

- روح هاتلي سعفان... جوله إني رايده دلوك

تردد الرجل لحظة ثم قال:

- دلوك يابا الحج

رفع عمران عينيه إليه و قال:

- أيوه... جوله الحاج عمران رايدك ضروري

أومأ الرجل وانصرف بعد قرابة نصف ساعة... توقفت سيارة أمام المضيفة

ترجل سعفان منها بخطوات ثقيلة ودخل دون أن يلقي السلام إلا بعد أن رأى عمران أمامه:

- السلام عليكم يا حاج

رد عمران بهدوء:

- وعليكم السلام... تعالى يا سعفان

جلس سعفان أمامه وبقي صامتًا

وضع عمران فنجان القهوة على الطاولة ثم نظر إليه بهدوء و قال:

- إنت عارف أنا طلبتك ليه؟

رد سعفان دون تردد:

- لو أعرف... مكنتش جيت أسأل يا حج

ابتسم عمران ابتسامة صغيرة ثم قال :

- لسه زي ما إنت... راسك يابسه

- اللي عنده حج يا حاج... مبيغيرش حديته

تنهد عمران و قال :

- حج... هو لسه في حج بيتاخد بالدم بعد كل اللي حصل

شد سعفان فكه و قال بغل:

- عيلتي اتظلمت وآني مهسيبش حجهم

- وأني مجولتش غير إكده يا ولدي

- أومّال إيه مش فاهم يا حج... اتحددت طوالي 

اقترب عمران قليلًا منه وقال:

- أنا رايد تنهي الطار

تجمدت ملامح سعفان و قال بهدوء خطر:

- أنهي إيه؟

- الدم اللي بينك وبين العطارين

ضحك سعفان بسخرية ضحكة قصيرة و قال:

- إكده مافيش حديت بينا... خلصنا

لااااه... لسه مخلصناش

- أنا جولت كلمتي يا حج و خلاص

ضرب عمران كفه على الطاولة ضربة خفيفة و قال بقوة:

- وأني بجولك اسمعني للآخر

سكت سعفان فتابع عمران:

- إنت فاكر إن الدم ده لو اتفتح... هيبجى نصر ليك؟

فاكر إنك هتجدر تدخل حرب مع العطارين وتطلع منها سالم؟

ظل سعفان صامتًا فقال عمران بهدوء أشد:

- يا سعفان... إنت مش جد العطارين

رفع سعفان عينيه إليه بغضب و قال:

- آني مش بخاف منيهم

- وأنا مجولتش إنك خواف

اقترب عمران منه وأكمل بحكمة:

- آني بجولك إنك عاجل 

العطارين مش بيتين ولا تلاتة... دول عيلة كبيرة

 وراها رجال وأرض وإسم وسنين عشان إكده الكل بيعملهم ألف حساب

كلت ديه كوم و عدنان الجبالي اللي في صفهم كوم تاني لوحده يا ولدي

أشار إلى صدر سعفان وأكمل:

- وإنت عنديك رجالتك صوح... بس مش كد حرب طويلة وياهم

هز سعفان رأسه و قال بتردد:

- واللي عملوه فينا يتنسي... ديه جطع راس أبوي وعلّجها في البلد 

- محدش جال يتنسي يا ولدي

- أومّال أعمل إيه؟

- تسامح

خرجت الكلمة كأنها صفعة ظل سعفان ينظر إليه ثم قال ببطء:

- أسامح؟

- أيوه يا ولدي

- بعد الدم اللي بناتنا

- أيوه

- بعد اللي حوصل؟

- أيوه يا سعفان لازمن ديه يوحصل 

أشاح سعفان بوجهه ثم قال:

- سهلة عليك يا حاج عمران... إنت مش مكاني

ابتسم عمران بحزن ثم قال:

- ولا إنت مكاني... آني شايف الصورة كاملة

 وإنت شايف جرحك بس

رفع سعفان عينيه فقال عمران:

- بص حواليك... عبدالعزيز ولد عمك خاطب  بنت دياب

تغير وجه سعفان قليلًا فأكمل الآخر:

- وسعد... متجوز بت عمك

توقف عمران لحظة ثم قال:

- خابر ديه معناته ايه

يعني النسب دخل بين العيلتين

ظل سعفان صامتًا فتابع عمران:

- بكرة عبدالعزيز يبجى جوز بت دياب رسمي

وسعد بجي جوز بت من عيلتك

وعيالهم هيبقوا ولادنا وولادهم

ثم انحنى نحوه وقال:

- هتفضل فاتح باب الدم لحد ميته يا ولدي ؟

خفض سعفان عينيه و قال :

- عبدالعزيز اختار طريجه

- لاااه

رفع عمران صوته قليلًا و هو يكمل:

- عبدالعزيز اختار إنه يصلح حاجة لساتك مصمم تخربها

لم يرد سعفان فقال عمران:

- وإنت لو كملت في الطار... أول واحد هيتحرج هو ولد عمك

رفع سعفان عينيه فجأة و قال بغل :

- عبدالعزيز ملوش صالح بينا 

هوَّ اختارهم و باع أهله 

سكت عمران للحظة ثم قال:

- البت بجت من عيلتكم من اللحظة اللي عبدالعزيز حط إسمه جنب اسمها

يعني برضاك أو غصبن عنك ولادها هيشيلوا اسم عيلتك 

تنهد سعفان لكن الغضب لم يخرج من عينيه ثم قال:

- ولو وافجت أنهي الطار و العطارين هما اللي بدأوا العداوة تاني

أجابه عمران سريعًا:

- وجتها لكل حادث حديث

- يعني أسيب حجي؟

- لاااه تجفل باب الدم... وتسيب باب الحج مفتوح

قطب سعفان حاجبيه و قال:

- مش فاهم... تجصد ايه؟

ابتسم عمران و قال بحكمة:

- الحج بيتاخد بالعجل يا سعفان... مش بالرصاص

صمت طويل مر بين الرجلين ثم قال عمران:

- وبعدين إنت خابر العطارين أكتر مني

لو بحر الدم ده اتفتح... همّا اللي هيكسبوا

هما أكتر منيك يا ولدي كيف ما جولتلك

 لو ضربت واحد منيهم.. هتلاجي عشرة واجفين مكانه

- وكل واحد فيهم هيبجى شايل طار  في رجبته

 أضاف بهدوء:

- وجتها مش هتبجى حرب بين عيلتين

هتبجى حرب بين أجيال

ساد الصمت كانت الكلمات تدخل إلى عقل سعفان رغم مقاومته

قال عمران:

- إنت عندك فرصة دلوجت محدش كان يتخيلها

- إيه هي؟

النسب... خلي عبدالعزيز  يبجي باب للصلح

ثم ابتسم وأكمل:

- وخلي سعد و مرتو يبجوا شاهدين إن الدم ممكن يتحول لنسب

سعفان لم يبتسم لكنه لأول مرة لم يجادل بقي ينظر إلى الأرض

ثم قال بصوت منخفض:

- بس أنا مش هجدر أطلب السماح

- محدش جالك اطلبه

- ولا هجدر أنسى

- ولا تنسى

- ولا أجدر أجول إن اللي حصل زمان مكنش حاصل

- ومحدش طالبك باكده

رفع عمران فنجان القهوة و قال:

- كل اللي بطلبه منيك... إنك تكون أول واحد  يجفل باب الدم

مش لجل العطارين... لجل عبدالعزيز ولد عمك يا ولدي

كانت تلك أول كلمة أصابت المكان الصحيح خفض سعفان رأسه

فهو يستطيع أن يخسر أرضًا... ويستطيع أن يخسر مال...

حتى يستطيع أن يخسر معركة

لكن أن يكون سبب في أن يقف عبدالعزيز يومًا بين عائلته وخطيبته

 لا يعرف إلى أي جهة ينتمي... تلك كانت خسارة لا يريدها

هو يكنّ لإبن عمه حبًا خفي بل كان يتمنى أن يكونوا معًا منذ الصغر

لكن أبيه الراحل منعه من ذلك بل و حاول زرع الكُره داخله تجاهه

بعد لحظات قال:

- هفكّر وأرد عليك يا حج

ابتسم عمران و قال:

- أنا مش طالب أكتر من إكده يا ولدي

وقف سعفان وقبل أن يتحرّك  أوقفه الشيخ قائلا:

- سعفان... لو وافجت... يبجى موافجتك لازم تكون من جلبك

لأن لو همّلت باب الطار موارب... الدنيا مسيرها تخرب يا ولدي


نظر إليه سعفان لفتره ثم أومأ برأسه و قال:

- فاهم يا عم الشيخ... فاهم

خرج من المضيفة وظل عمران يراقبه من خلف الباب

وما إن اختفى الرجل عن عينيه حتى زفر ببطء وتمتم:

- يا رب... يكون لسه في وجت

ثم نظر نحو دار العطارين البعيدة وأكمل:

- لأن المرة دي... لو الدم اتفتح محدش هيجدر يجفله

لم يكن سعفان قد ابتعد كثيرًا عن مضيفة الحاج عمران حين أخرج هاتفه من جيبه

ظل ينظر إلى الشاشة... إسم واحد كان أمامه... عبدالعزيز

ضغط على الاتصال لم يكد الهاتف يرن للمرة الثانية حتى جاءه صوت عبدالعزيز ساخرًا:

- أيوه يا ابن عمي... إوعي تقولي وحشتك 

سكت سعفان لحظة كان هناك شيء ثقيل في صدره

كلمات كثيرة يريد قولها لكنه لم يجد بينها كلمة واحدة مناسبة:

- إنت  وين؟

- في الدار

- جابلني دلوك... شرج البلد

تغيّر صوت عبدالعزيز فسأله بتوجس:

- خير في حاجة... مفيش بينا اللي يخلينا نتقابل يا سعفان؟

- لما أشوفك هجولك

-  تمام... عشر دقايق و هكون عندك

أغلق سعفان الهاتف لكنه لم يعد إلى بيته

ظل جالس داخل سيارته يحدق أمامه بشرود

لأول مرة منذ سنوات... كان يفكر في معنى أن يترك الثأر

ولأول مرة أيضًا لم يكن القرار يخصه وحده.



في مكان بعيد عن بيوت القرية... كان عبدالعزيز يقف هناك حين رأى سيارة سعفان تقترب

تقدّم نحوّه وبعد أن ترجل من السيارة ابتسم وقال:

- خير يا ابن عمي؟

نظر إليه سعفان لفترة ثم قال:

- تعالى نمشي شوي

سارا معًا بعيدًا... ظل الصمت بينهما عدة خطوات

ثم قال سعفان:

- إنت بتحبها؟

عرف عبدالعزيز  من يقصد لم يحاول الإنكار

- أيوه

- كد إيه؟

ابتسم عبدالعزيز و قال بصدق:

- قد إني مستعد أخسر أي حاجة علشانها

توقف سعفان نظر إليه وسأله بحزن:

- حتى عيلتك؟

اختفت ابتسامة عبدالعزيز و قال: 

- لااااا... مش عيلتي بس... أنا اخسر نفسي عشانها  

و بعدين هي فين عيلتي اللي بتتكلم عنها يا سعفان

أنا معرفش عنها غير إسمها 

إنتوا بعتونا من زمان... متجيش دلوقت تطلب مني اشتريكم


شعر سعفان بألم حاد داخل صدره فقال بهدوء غريب:

- لو طلبت منك تختار إنك ترجع لعيلتك تاني و لا ...

قاطعه عبدالعزيز دون تفكير:

- مش هختار

- يعني إيه؟

- يعني مش هقبل إنك تحطني في الإختيار ده

لأنه أصلًا مش في محله... العطارين هما اللي ربوني 

انا مقدرش أبيعهم مش عشان خطيبتي لااااا

عشان هما عيلتي بجد

صمت سعفان وإمتلأت عينه بالحزن... يعلم أن لديه كل الحق

بداخله يعلم أن أبيه الراحل هو السبب في كل ما حدث و يحدث

لكنه لا يقوى على الاعتراف بذلك

سحب نفس عميق ثم قال: 

- الحاج عمران كلمني

ارتفع حاجب عبدالعزيز و سأله بتوجس:

- خير... في حاجة و لا  إيه؟

- عايزني أنهي الطار

تجمد عبدالعزيز للحظة ثم سأل باهتمام:

- وإنت... هتوافق؟

أشاح سعفان بوجهه و قال:

- جولتله هفكر

اتسعت عينا عبدالعزيز و قال بعدم تصديق :

- بجد... و رحمة أبوك قولت كده؟!

التفت إليه و قال بغيظ:

- متفرحش جوي إكده

ضحك عبدالعزيز لأول مرة ثم قال:

- يا راجل ده أنا كنت فاكر إني  هفضل في حرب معاكم طول العمر

ابتسم سعفان رغمًا عنه ثم قال:

- بس الموضوع مش علشانك لوحدك

- عارف

- النسب بجى بين العيلتين

- عارف

- ولو حصلت مصيبة... إنت و هي أول ناس هتدفع تمنه.

خفض عبدالعزيز رأسه ثم قال:

- ربنا يهدينا كلنا... على فكرة العطارين دول ناس جدعة

و رجالة أوي خسارة إنك تعاديهم 

و أنا متأكد انك من جواك عارف إن ابوك اللي بدأ بالغلط

و اللي اعرفه من زمان انك كنت رافض تصرفاته عشان كده هجيت و سيبت البلد

هز سعفان رأسه بهدوء ثم قال :

- سيبها على الله... اللي فيه الخير يجدمه ربنا عاد.




داخل الدار... كانت سميحة تجلس بجوار فرحة

لم تتحدث أي منهما في البداية لكن فرحة كانت تراقب وجهها

- مالك يا بت مسهمة كده ليه؟

ابتسمت  و قالت:

- مفيش حاجة

- سميحة...

تنهدت ثم قالت:

- عبدالعزيز كلمني

ابتسمت فرحة و قالت بلهفة:

- وقالك إيه... احكيلي بالحرف

إحمرّ وجهها وقالت:

- معرفش...  كلام كتير

ضحكت فرحة و قالت:

- يعني اعترف اخيرًااااا

- هو تقريبًا قال كل حاجة

- وإنتي يا قلب اختك قولتي اللي جواكي ؟

سكتت للحظة ثم قالت:

- أنا خايفة اوي يا فرحة

- من إيه يا حبيبتي؟

- من إن اللي بينا يبقى سبب مشاكل أكتر

نظرت فرحة إلى الأرض و قالت: 

- الحب عمره ما كان المشكلة

رفعت سميحة عينيها إليها و سألتها باهتمام:

- أمال إيه المشكلة؟

ابتسمت  بحزن ثم قالت:

- الناس هما المشكلة

انا بحب أيمن  بس إحنا مش لبعض

سألتها سميحة بعدم فهم:

- مين قال الكلام ده؟

- الكبار اللي قالوا يا سميحة 

من يومين كان بيكلمني و قالي لو بايدي هتجوزك 

دلوقت بس للأسف أهالينا مش هيوافقوا

- وإنتي مصدقة الكلام ده... طب إزاي و صالح اتقدملي كذا مرة؟!


رفعت فرحة عينيها و قالت بحيرة:

- و ده اللي هيجنني بجد... بس انا لازم اصدّق الكلام ده

لأن أيمن هو اللي قالي وأكيد مش بيكدب عليا


وضعت سميحة كفها فوق يدها و قالت بتعقل:

- يمكن هما عارفين حاجة إحنا منعرفهاش

نظرت فرحة إليها و قالت بحزن:

- وأنا خايفة أعرفها لان لو عرفتها هتاكد أن مفيش أمل اخد اللي بحبه.


في غرفة سعد... كان حمزة يقف أمام المكتب

أمسك الورقة القديمة التي أعطاها له سعد:

- إنت متأكد من التاريخ؟

-متأكد.

- ومحدش شاف الورقة دي؟

- لأخالص 

قلب حمزة الورقة و قال بحيرة:

- طب نعمل إيه؟

قال سعد:

- نرجع للمصدر

- يعني إيه مش فاهم؟

- الشخص اللي كتب السجل

ضحك حمزة بسخرية ثم قال:

- وإنت فاكر إن الراجل ده لسه عايش؟

رفع سعد عينيه إليه و قال :

- لو مات...  هندور على أهله

- ولو أهله مش عارفين حاجه

- هندور على اللي كان موجود وقتها

قال حمزة:

- إنت ناوي تقلب التاريخ كله و لا إيه يا شقيق

ابتسم سعد و قال بقوة:

- لو التاريخ هو اللي مخبي الحقيقة...  يبقي هحفر لحد ما اطلعها


طرق الباب دخلت نوارة و قالت بصوت منخفض:

- الأكل جاهز

نظر سعد إليها:

-هياكلوا  دلوقت

- أيوه دلوقت

نظر إلى  حمزة و قال بوقاحة: 

- حصّل اخواتك بقى يا حبيب أخوك وأنا خمسة كده و نازل

نظر له الآخر بغيظ لكنه ذهب في الحال 

كادت أن تنهره برقة إلا أنه رفعها سريعًا بين ذراعيه وإلتهم شفتيها الصغيرة بجنون

خجلت في البداية لكنها بادلته بجهل بل لفت ساقيها حول خصره 

ابتعد و قال بفرحة من بين أنفاسه اللاهثة: 

- هو انا وحشتك أوي كده يابا؟

إحمرّ وجهها خجلا لكنها قالت بهمس:

- وحشتني أوي يا سعد 

أين سعد... سعد يتجه بها الآن نحو الفراش بعد أن ذهب عقله بهذا الاعتراف الصغير 

بمجرد أن وضعها و كاد أن يتخلص من ثيابه... رن هاتفه باسم كان ينتظره منذ ساعات

تغيرت ملامحه إلى  أخرى  شيطانية حينما رد عليه قائلا :

- اخيرااااا... كنت متأكد إنك هتكلمني.



وفي القاهرة... كان سليمان يقف أمام باب غرفة مغلقة داخل مستشفى الشروق

وقف الطبيب أمامه و قال:

- قبل ما تدخل...  لازم تعرف إن الراجل ده بقاله سنين مش بيتكلم

نظر إليه سليمان و قال باستغراب:

- ولا كلمة؟

- نادر جدًا 

-طب  فاكر الناس يعني و لا لأ؟

- أوقات

- فاكر الماضي؟

صمت الطبيب للحظه ثم قال:

- أوقات أكتر مما تتخيل و ده اللي مستغربه 

ان الماضي محفور جواه بشكل غريب

ابتسم سليمان و قال :

- يبقى كفاية... انا مش عايز أكتر من كده

فتح الطبيب الباب دخل سليمان كانت الغرفة هادئة

رجل مسن يجلس قرب النافذة ينظر إلى الخارج

لم يلتفت اقترب سليمان ببطء و قال بهدوء:

- مساء الخير

لا رد... إقترب أكثر ثم قال:

- أنا سليمان

توقفت يد الرجل تحركت أصابعه فوق ذراع الكرسي

ثم رفع رأسه ببطء نظر إلى سليمان ثواني مرت ثم تغير وجهه بالكامل

اتسعت عيناه ارتجفت شفتاه وقال بصوت مبحوح خرج بصعوبة:

- إنت...

توقف الرجل فاقترب سليمان و قال:

- أنا مين؟

رفع الرجل يده المرتعشة وأشار إليه ثم قال كلمة واحدة:

- أمك

تجمد سليمان لم يفهم اقترب أكثر

- إيه؟

لكن الرجل بدأ يصرخ فجأة

- خدوا البنت

انتفض الطبيب ودخل مسرعا أمسك الرجل برأسه وهو يصرخ:

- خدوا البنت...  متخلوهمش ياخدوها

وقف سليمان مكانه وعيناه لا تفارقان الرجل

- البنت؟


أي بنت... ولماذا يناديه وكأنه يعرفه

قبل أن يخرج التفت سليمان إلى الطبيب وقال ببرود:

- الراجل ده كان يعرف أمي؟

تردد الطبيب وهنا... عرف سليمان أن الإجابة أخطر من السؤال




ظل سليمان واقف أمام الطبيب وعيناه ثابتتان عليه لم يكن في وجهه شيء

لا دهشة... ولا غضب... فقط ذلك الهدوء المخيف الذي يسبق العاصفة

- الراجل ده كان يعرف أمي؟

ابتلع الطبيب ريقه وقال:

- أنا معرفش تفاصيل حياته قبل ما يدخل المستشفى

اقترب سليمان خطوة و قال بهدوء خطر:

- بس إنت قلت إنه فاكر الماضي

- أيوه قولت كده

- يبقى أكيد تعرف حاجة

- أعرف إنه بقاله سنين عنده نوبات مرتبطة بحادثة قديمة بس 

محدش قدر يفهم تفاصيلها كاملة

- حادثة إيه؟

تردد الطبيب لكنه قال بتحفظ:

- هو ساعات بيتكلم عن ست... وساعات عن طفل

 وساعات عن بيت في الصعيد


تغيرت عينا سليمان وسأل باهتمام

- بيت... بيت مين... إسمه إيه؟

- مش واضح

اقترب سليمان أكثر و قال بغضب حاول كبته:

- حاول تفتكر

أجاب الطبيب بحذر:

- كان بيقول إسم...  زين

ساد الصمت


للحظة شعر سليمان بأن شيئ بارد مر داخل صدره.....زين

نفس الاسم الذي قضى سنوات يطارده سأل بهدوء:

- قال إسم تاني؟

- لأ.

- متأكد؟

- متأكد

استدار سليمان ناحية الباب وقبل أن يخرج قال الطبيب:

- سليمان بيه... الراجل ده ممكن يكون مفتاح لحاجة إنت مش عارفها

انا حبيت اقولك كده لان اللي كلمني وصاني عليك 


التفت إليه سليمان و قال:

- أنا طول عمري بدور على المفاتيح

ثم ابتسم ابتسامته الباردة و أكمل:

- بس عمري ما بخلي حد يفتح الباب قبلي



تركه و غادر... و في الممر أخرج سليمان هاتفه

اتصل برقم محفوظ جاءه الصوت:

- أيوه يا كبير؟

- عايز كل حاجة عن الراجل اللي في الدور التالت

- اسمه إيه يا باشا

- هبعتهولك

- حاضر  طلباتك أوامر

- ومن غير ما حد يعرف إني سألت

- مفهوم متقلقش يا باشا


أغلق الهاتف ثم توقف فجأة أعاد النظر إلى باب الغرفة

شيء واحد ظل يضرب داخل رأسه... أمك


منذ خمسة وعشرين عام... لم يسمح لنفسه أن يسأل كثيرا عن أمه

كان كل شيء واضح في رأسه كما حكى له

أم ماتت... وأب مات... وإخوة أخذوا حقه... وحياة انتهت


لكنه لأول مرة شعر أن هناك صفحة لم يقرأها أحد له

رفع عينيه نحو باب الغرفة ثم قال لنفسه:

- لو إنت فاكر أمي...

ابتسم ببطء

- يبقى عندك كلام أنا مستعد أسمعه.



في دار العطارين... كان صالح يقف في فناء الدار والهاتف في يده

فتح قائمة الأسماء ظل إصبعه فوق إسم مي لفتره

ثم ضغط اتصال رن الهاتف مرة مرتين ثلاث

كاد يغلقه حين جاء صوتها:

- ألو؟

تغير وجهه و هو يقول:

- مي...  إنتي  كنتي نعسانة؟

- لااه

- طب ليه مردتيش عليا طوالي

ضحكت بخفة و قالت:

- كت بفكر أرد عليك ولا لااه

ابتسم و قال

- و جررتي تردي صوح

سكت لحظة ثم قال:

- وحشتيني

ساد الصمت قالت بسرعة:

- صالح...  متجولش الحديت ديه تاني

- ليه؟

- علشان أني مخطوبة

-  خابر

- وأنت عارف إن الموضوع ديه مش هينفع

- خابر

- أومّال بتكلمني ليه؟

تنفس صالح ببطء ثم قال:

- علشان أني  حاولت أبعد ومجدرتش

سكتت فأكمل:

- حاولت أجنع نفسي إن اللي بيناتنا وجت...  وإنه هيروح

- وراح؟


- لااااااه... عشجك بيزيد يوم عن يوم 

لو هجتل ولد المحروج ديه هعملها لجل ما تيبجي ليا 

ردت عليه باختناق:

- اني من يوم ما اتحددت وياي و جولتلي الحجيجة وآني هتجن

مبجيتش طايجه ألمح طيفه يا صالح 

بس أخوي هيضربني لو رفضت اجعد وياه 

و اللي زاد وغطى... دعاء بت عمي اللي هتعشجك دي

جات هي و امها في العصرية و جالت لامي لازمن 

نتمم الجواز لجل البلد متجيبش سيرتي 

لأن طولت في الخطوبة 


اشتعلت النار داخل صدره و قال بجنون:

- آني بحبك... خابره ديه معناته اااااايه 

ابتلعت لعابها بخوف فأكمل: 

- إني هحرج البلد كلياتها لجل عويناتك يا جلب صالح


- صالح...  إنت مجنون إعجل الله يخليك 

-  من وجت ماعشجتك و حبة العجل اللي حيلتي طارو

ضحكت رغمًا عنها وكانت تلك الضحكة الصغيرة كافية ليبتسم 

ثم قالت:

- تصبح على خير

- وإنتي من أهله يا جلبي

أغلقت الهاتف لكنها لم تتحرك ظلت تنظر إلى الشاشة.

ولأول مرة منذ خطبتها... بدأ سؤال صغير يخيفها:

- ماذا لو كان صالح صادقًا؟



كان دياب يقف أمام باب غرفته لم يكن يعلم شيئ عن أوراق سعد

ولا عن المستشفى ولا عن الرجل الذي بدأ يبحث في الماضي.

لكن شيئ واحدًا  كان يشعر به منذ الصباح... أن الماضي لم يعد بعيد

دخل إلى غرفته وأغلق الباب جلس على طرف الفراش

فتح درج قديمًا وأخرج منه صورة صغيرة

صورة احتفظ بها أكثر من ثلاثين عام نظر إليها ثم قال:

- يا رب...  ما يرجعش اليوم اللي كنت فاكر إني دفنته

وفي اللحظة نفسها... رن هاتفه نظر إلى الشاشة

رقم غريب ظل الهاتف يرن مرة... إثنتين... ثلاث ثم أجاب:

- ألو؟

لم يسمع رد قطب حاجبيه:

- ألو؟

جاءه صوت رجل خافت... متقطع كأنه يتحدث من مكان بعيد:

- دياب...

تجمدت ملامحه وسأل بتوجس:

- مين  معايا؟

صمت الرجل لحظة ثم قال:

-انت  لسه فاكرها... صح؟

سقط الهاتف من يد دياب وتوقفت أنفاسه لأن هذا السؤال...

لم يكن من الممكن أن يسأله أحد إلا شخص واحد فقط.


ماذا سيحدث ياترى.....


سنرى.......


انتظرووووني......


بقلمي/فريده الحلواني


صباحك بيضحك يا قلب فريده


إنتي أقوى من كل حاجة حاولت تكسرِك وكل مرة وقعتي فيها وقومتي

 تاني كانت بتثبت إنك لسه قادرة تكملي️

متستعجليش وصولك… طول ما إنتي بتتحركي حتى لو بخطوة صغيرة

 إنتي بتقربي من حلمك ويوم نجاحك هيخلي كل التعب يستاهل

انا واثقة فيكي.

و بحبك.



مرّ يومان منذ جلسة سعفان مع الحاج عمران لكن كلماته لم تفارقه لحظة

منذ أن خرج من المضيفة وهو يعيش حربًا لم يسمع بها أحد

 حرب بين ما تربى عليه وما بدأ يراه بعينيه لأول مرة

كان جالسًا في صدر مضيفة عائلته وحوله عدد من رجال البيت وأبناء عمومته لم يتحدث أحد فقد عرف الجميع من نظرة وجهه أن هناك أمر جلل سيقال


وضع سعفان فنجان القهوة أمامه ثم رفع عينيه إلى الرجال و قال بقوة:

- جبتكم النهارده لجل ما أجول كلمتين... واللي عنديه حديت بعدي يجوله

تحركت العيون نحوه باهتمام قال أحد الرجال:

- خير يا سعفان

ظل صامت للحظات ثم أخذ نفس عميق وقال:

- أني موافج ننهي الدم اللي بينا وبين العطارين

ساد الصمت كأن الرجل ألقى في منتصف المجلس قنبلة ولم يعرف أحد كيف يتعامل معها

رفع أحد كبار العائلة رأسه بسرعة وقال:

- إنت جولت إيه؟

كرر سعفان بهدوء:

- جولت ننهي الطار

ضرب الرجل كفه على ركبته وقال بغضب:

- بعد كل اللي حوصل... بعد  ما جطعو راس أبوك 

إشتد فك سعفان لكنه لم يرفع صوته و هو يقول:

- أبوي مات... وحجه مش هيروح

- أومّال كيف تنهي الطار؟

نظر إليه سعفان للحظه ثم قال:

- لأن الدم لو فضل مفتوح... مش هيرجّع أبوي

- بالعكس... هيجيب دم جديد وبعدها 

إبن هيطالب بطار أبوه وحفيد هيطالب بطار جده

 ونفضل ندفن في بعض لحد مهيفضلش حدى واصل


تدخّل رجل آخر قائلًا:

- العطارين مش هينسوا اللي  حوصل و لا حرج أرضهم

- ولا أني  هنسى دم أبوي

- يبجى ليه؟

خفض سعفان عينيه للحظة ثم قال:

- علشان النسب دخل بيناتنا

لم يفهم بعضهم ما يقصد قال أحدهم:

- نسب إيه ديه اللي بتتحددت عنيه؟

رفع سعفان رأسه وقال:

- عبدالعزيز.... عبدالعزيز واد عمنا خاطب بت دياب

- وسعد... متجوز   بتنا و لا انتوا محاسبنهمش منينا و لاايه

صمت قليلا قبل أن يقول:

-  من النهارده مفيش حاجة إسمها عيلتين بجينا نسايب

قال أحد الرجال بحدة:

- عبدالعزيز اختارهم  هو حر إنما إحنا ملناش  صالح بيه

نظر إليه سعفان وقال:

- لاااااه لينا... لأن يوم ما عبدالعزيز يكتب كتابه عليها

 هيبجى جوز بنت العطارين... وهيبجى واحد من العيلة دي مهما عاندنا


تدخل رجل آخر:

- وإحنا نسيب حجنا علشان واحد  باع أهله واتجوز من عدوينا؟

رفع سعفان عينيه إليه وقال:

- لااااه... إحنا بنجفل باب الدم علشان منخليش

 ولادنا يدفعوا تمن حاجة حصلت قبل ما يتولدوا.


ساد الصمت من جديد كان الحديث مختلفًا هذه المرة

لم يكن سعفان يتحدث كرجل يريد الانتصار بل كرجل بدأ يشعر بثقل المستقبل فوق كتفيه

قال أحد الرجال بنبرة ساخرة:

- باين  الحاج عمران عرف يلعب بعجلك صوح

ابتسم سعفان ابتسامة خافتة وقال:

- عمران جال حديت أني  كت عارفه... بس مكنتش رايد أسمعه

اعتدل في جلسته وقال بحسم:

- أني موافج

رفع الجميع رؤوسهم إليه بصدمة فأكمل:

- ننهي الطار  ونجعد مع العطارين جعدة صلح جدام الناس

 وكل واحد يحط السلاح في جيبه

ثم نظر إلى كبير رجال العائلة وقال:

- واللي عنديه  إعتراض... يجوله دلوك

لم يتفوّه أحد بحرف انتظر سعفان لحظات ثم قال:

-  إكده زين جوي

وقف من مكانه وأكمل:

- ابعتوا للعطارين... جولولهم سعفان موافج على الصلح

ثم توقف عند الباب وأردف:

- والصلح يكون جبل فرح سعد  و بت عمنا

التفت إليه أحد الرجال باستغراب:

- وليه جبل الفرح؟

نظر سعفان إليه وقال:

-  لما الناس تدخل الفرح... تدخل وهي عارفة إن الدم اتدفن

خرج من المضيفة لكن قبل أن يصعد سيارته أخرج هاتفه

ظل ينظر إلى الإسم أمامه لثوان ثم ضغط على الاتصال

جاءه صوت ابن عمه بعد لحظات:

- أيوه يا سعفان

قال  بهدوء:

- جولتلك جبلا كده إنك بتحبهم أكتر منينا يمكن علشان إنت عشت  وياهم

بس المرة دي... أني اللي اخترت

سأله عبدالعزيز بحذر:

- اخترت إيه؟

أجاب سعفان:

- أنهي الدم يا واد عمي

ساد الصمت على الطرف الآخر ثم جاء صوت عبدالعزيز غير مصدق:

- بجد؟

ابتسم سعفان لأول مرة منذ يومين:

- أيوه يا واد عمي... بجد

- والله العظيم دي أحسن كلمة سمعتها منك من سنين

ضحك سعفان رغمًا عنه ثم قال:

- متفرحش جوي... لسه عيندي حديت كتير مع العطارين

- المهم إنك بدأت 

صمت سعفان لحظة ثم قال:

- عبدالعزيز... لو يوم من الأيام حصلت حاجة

 متجفش بين عيلتك وبين مراتك

تغير صوت عبدالعزيز و هو يقول:

- ليه بتقول كده... مش فاهم قصدك؟

أجابه  بهدوء:

- علشان أني  عارف يعني إيه الواحد يتحط بين نارين

ثم أغلق الهاتف ظل واقف للحظات أمام المضيفة يحدق في الطريق المؤدي إلى دار العطارين

ولأول مرة منذ سنوات لم يري أمامه عدو

رأى بيت... بيت سيصبح قريبًا جزءًا من بيته شاء من شاء وأبى من أبى

لكن ما لم يكن يعرفه سعفان... أن الرجل الذي دفعه طوال الشهور الماضية نحو الحرب لم يكن يريد للصلح أن يحدث من الأساس.




لم تكن دار العطارين قد شهدت حركة كهذه منذ سنوات

منذ الصباح والرجال يتوافدون إلى الدار تباعًا بعضهم جاء من القرى المجاورة

 وبعضهم جاء فقط ليشهد اللحظة التي كان الجميع يظن أنها مستحيلة

جلس كبار العائلة في المضيفة بينما انتشر الرجال في الفناء الواسع

كان الحاج دياب يجلس في صدر المجلس وإلى جواره إخوته بينما جلس سعد وحمزة ونصر وجلال معهم أيمن و عبدالعزيز في الصف الثاني

لم يتحدث أحد كثيرًا فإسم سعفان وحده كان كافي ليعيد إلى المكان رائحة سنوات طويلة من الدم دخل أحد الرجال مسرعًا وقال:

-  سعفان وصل يا كبيرنا

رفع دياب رأسه لم يتحرك وبعد لحظات ظهر سعفان عند باب المضيفة

دخل بخطوات ثابتة وخلفه عدد من رجال عائلته

تلاقت عيناه بعيني دياب ثوان طويلة مرت دون كلمة

ثم تقدم سعفان وقال:

- السلام عليكم

رد دياب بهدوء:

- وعليكم السلام... تعالى يا سعفان

جلس  في الجهة المقابلة كان بين الرجلين تاريخ أكبر من أن تختصره جلسة واحدة

رفع الحاج عمران يده وقال:

- جبل ما حدي منيكم يتحددت... إحنا مجتمعين النهارده 

لجل ما نجفل باب إنفتح من سنين و كلياتنا خابرين إن الباب

 ديه لو ضل مفتوح مش هيطلع منيه غير الخراب


نظر إلى سعفان ثم أكمل:

- إنت طلبت الجعدة... جول اللي عنديك يا ولدي

ظل سعفان صامت للحظات ثم قال:

- أني موافج أنهي الطار اللي بينا وبين العطارين

تحرك همس خافت بين الرجال فتابع:

- ومش جاي أجول إن اللي حصل منا محصلش

 ولا جاي أجول إن عيلتي نسيت دمها


رفع عينيه إلى دياب وأكمل:

- بس الدم عمره ما رجّع ميت... واللي ماتوا مش هيرجعوا لو جتلنا بعض

ظل دياب يستمع بصمت فقال سعفان:

- وأني مش رايد ولادنا يدفعوا تمن حرب إحنا ورثناها

هنا تحدث دياب لأول مرة:

- والصلح عندينا مش حديت يتجال في جعدة ويتنسي بكرة

- خابر زين جصدك يا حج

- يعني مفيش سلاح يتشال على حد من عيلتك

ولا حدى من رجالتك يجرّب من حد من العطارين

- موافج

ولو حصل خلاف؟

أجاب سعفان:

- يتحل بين الكبار

هز دياب رأسه ثم قال:

وأنا موافج

ساد صمت ثقيل كأن كلمة دياب كانت آخر حجر في بناء الصلح

رفع عمران صوته:

- يبجى نشهد جدام الناس إن الدم اتجفل

ثم نظر إلى الطرفين وأكمل:

- لا العطارين يطلبوا دم سعفان ولا سعفان يطلب دم من العطارين

قال أحد الرجال:

- طب والجديم يا حج؟

رد عمران:

- الجديم اتدفن مع اللي ماتوا

نظر سعفان إلى الأرض للحظة ثم قال:

- موافج... ومن النهارده ملناش صالح بأراضي العطارين و لا بمصالحهم 

كل واحد ياخد رزجه

رفع دياب يده و قال:

- وأني موافج... وكماني لو رايدين تبجى بيناتنا شراكة معنديش مانع

اقترب رجلان يحملان إناء صغير من الماء ووضعاه أمام كبار العائلتين

 كإشارة قديمة إلى انتهاء الخصومة

ثم نهض دياب وقف سعفان في اللحظة نفسها

نظر الاثنان إلى بعضهما لم يكن بينهما ود ولم يكن مطلوبًا أن يكون

لكن دياب مد يده تردد سعفان لحظة ثم صافحه

ضجت المضيفة بالتكبيرات والدعوات لكن عمران لم يكتفي بذلك

قال:

- لسه في كلمة أخيرة عيندي

نظر الجميع إليه ابتسم وقال:

- النسب

تعالت بعض الابتسامات قال عمران:

سعد كاتب كتابه من زمان  ودلوك عبدالعزيز  داخل على كتب كتاب

نظر سعفان إلى دياب فأكمل الشيخ:

- وعشان إكده... لازم الفرح يكون أول علامة إن الدم خلص

قال دياب:

- فرح سعد ولدي بكرة

التفتت الأنظار إلى سعد رفع حاجبه بدهشة و قال بفرحة:

- بكرة؟

انفجرت بعض الضحكات ضحك عمران وقال:

- أيوه يا عريس... بكرة

هتف أحد الشباب:

- مبروك يا سعد

ضحك سعد بينما التفت إلى نوارة التي كانت تقف بعيد بين النساء وقد وصل إليها الخبر

 فاحمرّ وجهها بشدة

أما دياب فتابع:

- وعبدالعزيز يكتب كتابه على بتي و الدخله بعد ما يجهّز شجته

قال سعفان:

- وأني موافج... إكده إحنا خوال وعمام ولادهم 

و بجينا عيلة وحدة

للمرة الأولى ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه دياب قال:

- ربنا يتمم بخير

تعالت الدعوات في المكان لكن وسط كل هذا كان هناك رجل واحد لا يشاركهم الفرحة

ألا وهو... عدنان كان واقف في آخر المضيفة يراقب سعفان بصمت

لم تكن عينه على الصلح بل على الرجل نفسه

كان يعرفه منذ سنوات ويعرف أن سعفان رغم غضبه وعناده لم يكن يومًا بهذه الطريقة

اقترب منه بعد أن بدأ الرجال ينصرفون قال بهدوء:

- سعفان... تعالى معاي شوي

نظر إليه سعفان ثم أومأ خرج الاثنان من المضيفة

وبمجرد أن ابتعدا عن أعين الرجال أغلق عدنان الباب خلفهما

ثم استدار إليه وقال بصوت منخفض:

- دلوك... هنسأل سؤال واحد بس

رفع سعفان عينيه إليه ابتسم عدنان ابتسامة لم تحمل أي ود و قال:

- دلوك... هسأل سؤال واحد بس

رفع سعفان عينيه إليه فأكمل:

- مين كان بيحركك؟

لم يتغير وجه سعفان لكنه سكت ابتسم عدنان بسخرية ثم قال

- متفكرش كتير... أنا مش بسألك سؤال معرفش إجابته

رد سعفان ببرود:

- ومين جالك إن حدى كان بيحركني؟

اقترب عدنان خطوة و قال:

- أني اللي بجولك

- وإنت عرفت من وين؟

- علشان أني  خابرك زين

تجمدت ملامح سعفان للحظة أكمل عدنان:

- عارف غضبك... وعارف دماغك... وعارف إنك لما

 بتجرر تاخد حجك بتواجه بنفسك

ثم أشار إليه وأكمل:

- لكن اللي حصل الفترة اللي فاتت مكنش طبعك

- يعني إيه؟

- يعني إنك كنت بتتحرك في الوجت اللي حدى  رايده

وبالطريجة اللي حدى رسمهالك

صمت سعفان فقال عدنان:

- أول مرة حصلت مشكلة  ظهرت بعدها مشكلة تانية

- وكل ما العطارين يهدوا  يحصل شيء يخلي النار تولع من جديد

- وكل مرة كت إنت في النص

ضحك سعفان بسخرية وقال:

- يمكن علشان  اللي بينا وبينكم

- لاااااااه

قالها عدنان بحسم ثم أكمل:

- علشان إنت كت بتتحرك بأوامر 

تغير وجه سعفان و قال بغضب:

- خد بالك من حديتك يا عدنان

- واخد بالي زين يا واد عمي

اقترب منه أكثر وقال:

- وأني مش بتهمك بالخيانة بالعكس... أني عارف إنك

 كت بتحاول تعمل اللي شايفه حج  أهلك

رفع سعفان عينيه إليه قال عدنان:

- بس في حدى تاني كان بيزجك ناحية النار

أشاح سعفان وجهه و قال كذبًا:

- مفيش حدى يجدر يزوجني

- سعفان... أني خابر إنك غير أبوك

تغيرت ملامح سعفان فتابع الآخر:

- عارف إن جواك حاجات كتير كنت رافضها

- وعارف إنك حتى يوم ما مشيت من البلد كان عندك أسبابك

- يبجى متخلينيش أغير نظرتي ليك

تنفس سعفان ببطء و قال:

- وإنت عايز تعرف إيه بالظبط؟

- عايز أعرف مين كان بيحركك

- ولو جولتلك؟

- هسمعك زين

- وبعدها؟

- بعدها ربنا يسهل

ضحك سعفان ضحكة قصيرة بلا فرح ثم قال:

- إنت عمرك ما بتعرف تسيب حاجة يا عدنان

- ولا إنت


ساد الصمت كانت لحظة طويلة حتى إن سعفان نفسه بدا وكأنه يصارع شيئ داخله

ثم قال أخيرا:

- سليمان

لم يتحرك عدنان لكن عينيه تغيرت وسأل بشك

- سليمان مين؟

ابتلع سعفان ريقه ثم قال:

- سليمان عبد الحي غنيم

تجمد مكانه لم يتحدث لثوان ثم قال بصوت منخفض:

- إنت متأكد؟

- أيوه

- إنت جابلته؟

-أيوه...  أكتر من مرة

- وكلمك بنفسه؟

- أيوه

- طلب منك تعمل إيه؟

أشاح سعفان بوجهه و قال بخزي:

- حاجات كتير

- زي إيه... انطج انت هتنجطني بالحديت و لااييه؟

- كان بيوصلني معلومات... عن تحركات العطارين

- يجولي مين رايح فين ومين داخل ومين خارج

- وكان كل مرة يخليني أفتكر إن العطارين بيجهزوا حاجة ضدي

ضيق عدنان عينيه و قال:

- وإنت صدجته؟

قال سعفان بمرارة:

- وجتها ايوه... علشان كان بيجول كلام أنا أصلًا عايز أصدجه


صمت عدنان الجملة كانت كافية قال سعفان:

- كان بيلعب على وجعي... وعلى غضبي

-  وكنت عارف هو عايز إيه؟

- لاااااه مكنش خابر حاجة واصل

- ولا مرة سألت؟

- سألته... جالي إنت خد حجك وأني  هاخد حجي

رفع عدنان حاجبه و قال بدهشة:

- حجه من مين؟

- مخابرش يا عدنان بس كان محروج جوي

- وإنت صدجته؟

- مكنتش محتاج أعرف شي انا كت رايد

أخد طار أبوي و بس 

نظر عدنان إليه للحظات ثم قال:

- إنت فاهم إن اللي حصل ديه معناتو إيه؟

- فاهم

- لااااااه... إنت لسه مش فاهم

اقترب عدنان منه وقال:

- لو سليمان هو اللي كان بيحركك يبجى اللي حصل 

بين العطارين وعيلتك مش مجرد طار قديم

يبجى في حد كان رايد الحرب تكبر

أومأ سعفان ببطء ثم قال:

-  عنديك حج في كل اللي جولته

سأله عدنان باهتمام شديد: 

- من ميته وإنت تعرفه؟

- من جبل ما تبدأ الحكاية كلها

-  جابلته وين و ميته؟

تردد سعفان ثم قال:

- القاهرة... بعد ما وصلت من بره طوالي 

حتي جبل ما اعاود البلد إهنيه

- و كيف عرفت شكله ؟

- هو اللي عرفني بنفسه

 وجالي إنه يعرف العطارين  زين

ضاقت عينا عدنان و هو يقول:

- جالك إنه يعرفهم  كيف يعني؟

- جالي... إنه عنده حساب جديم  وياهم

لمعت عينا عدنان و قال:

- حساب... طب جالك إسمه الحجيجي اول ما جابلك؟

-لاااااه... جالي سليمان  وبس و لما جالي 

على اللي رايده مني صممت أعرف هو مين

وجتها جالي أنه اخوهم وأني افتكرته طوالي

ظل عدنان يفكر ثم قال:

- اسمعني  زين يا واد عمي

اقترب حتى أصبح صوته لا يصل إلى أحد

- اللي حصل النهارده خلص حرب بين عيلتين

 لكن ممكن يكون بدأ حرب أكبر

نظر إليه سعفان بقلق و قال:

- تجصد إيه؟

-أجصد إنك من النهارده متكلمش سليمان

- ليه؟

- علشان لو هو صوح اللي كان بيحركك...

 يبجى مش هيكون مبسوط إنك جفلت الباب اللي كان فاتحه

سأل سعفان:

- وإنت هتعمل إيه؟

نظر عدنان ناحية دار العطارين ثم قال:

- لازمن أعرف ليه بينتجم من اخواته 

و كيف زيف موته زمان

بس في حاجة واحدة لازم تعملها

- إيه؟

- لو كلمك تاني... متجولوش إنك حكيتلي شي واصل

- حاضر... اللي تشوفه يا واد عمي

استدار عدنان عائدًا نحو المضيفة لكنه توقف بعد خطوات

ثم قال دون أن يلتفت:

- سعفان... يمكن إنت النهارده نهيت طار عيلتين...

 بس لسه في حد تالت... عايز يفتح ألف طار


ثم تركه وحده ظل سعفان واقف مكانه

أخرج هاتفه من جيبه وفتح سجل المكالمات

توقف عند اسم واحد... سليمان

ظل ينظر إليه للحظات ثم أغلق الهاتف

ولأول مرة منذ أن عرفه... شعر سعفان بالخوف منه. 


منذ أن علمت  النساء  بخبر الصلح و حفل الزفاف تبدلت ملامح الدار بالكامل

كأن سنوات من الغضب و الخوف انزاحت عن الجدران فجأة  وحل مكانها شيء يشبه الفرح حتى وإن كان الجميع يعرف أن الحكاية لم تنتهي تمامًا.



في الصالة الكبيرة كانت أماني تجلس على الأرض أمام مجموعة من الأقمشة بينما جلست دلال إلى جوارها تقلّب في دفاتر صغيرة كتبت فيها كل ما يخص الفرح

أما السيدة فكانت تضع قائمة طويلة من الأشياء أمامها وتراجعها  

وبهية... كانت جالسة في صدر المكان تمسك فنجان القهوة وتراقب

 الجميع بعينين ضيقتين

قالت أماني:

- يا جماعة إحنا كده عندنا فرحين ورا بعض لازم نقسّم الشغل

ردت دلال بحماس:

- أنا من دلوقت هبدأ أجهز حاجات نوارة العروسة لازم كل حاجة فيها تبقى توب

رفعت بهية حاجبها وقالت:

- توب إيه يا دلال.... دي نوارة اصلًا عايشه معاكم

و بتنام مع سعد في أوضة واحدة

يعني مش رايحة تقدم على مسابقة ملكة جمال

نظرت لها دلال بغيظ ثم قالت:

-  سيبينا نفرح ياختي... ده أول فرحتنا 

- أفرحوا... أفرحوا أني بس بجول الكلام بعجل

رفعت أماني رأسها إليها وقالت:

- وإنتي هتعملي إيه بقي ياختي؟

هتفضلي قاعده تتفرجي علينا كتير

ارتشفت بهية من فنجانها وقالت:

- أني... أني هجعد مكاني مهتحركش منيه 

مفياش صحة للمرار الطافح ديه

أعقبت قولها بالتحرك من مكانها ثم صعدت للأعلى  سريعًا 

نظرت لها أماني بغل ثم قالت:

- إلهي تشربي المرار لوحدك يا بعيدة 

خليكي كده تاكلي في نفسك من غيرتك لحد ما تولعي 


أغلقت الباب خلفها ثم أمسكت هاتفها و اتصلت بأحدهم

و حينما رد عليها قالت بهمس:

- الصلح تم يا سليمان... و بكره فرح سعد و زيزو

سألها بهدوء خطر رغم غليانه الداخلي :

- إمتى  حصل الكلام ده... الفرح ده لازم يخرب على دماغهم 

ردت عليه بخوف شديد:

- اسمعني زين يا واد عمي... أني نفذت كل اللي 

جولتلي عليه جبل سابج 

الصورة والعكاز و كل حاجة بتحوصل في الدار بجولهالك بالحرف 

إنما تجولّي اخرب الفرح يبجي انت رايدهم يطخوني عيارين

رد عليها بغيظ شديد: 

- مليش فيه... الفلوس اللي بتاخديها تخليكي 

تعملي أي حاجة سااااامعه 

- غووووري دلوقت وإستني مني تليفون 

و فقط... أغلق الهاتف في وجهها و جلس يفكر في خطوته القادمة.





كانت الدار قد هدأت أخيرا بعد يوم طويل امتلأ بالأحاديث والاتفاقات والتحضيرات

غدا سيكون فرح سعد ونوارة الفكرة وحدها كانت كافية لتجعلها غير قادرة على النوم

جلست أمام المرآة تفك ضفيرة شعرها ببطء بينما كانت ابتسامة صغيرة معلقة على شفتيها دون أن تشعر غدًا ستصبح زوجته أمام الجميع...

رغم أنها زوجته بالفعل إلا أن الغد كان يحمل شيئًا مختلف

فتح الباب ببطء رفعت عينيها إلى المرآة ثم قالت:

- سعد

قامت من مكانها و اتجهت نحوه فوجدته واقف أمامها بملامح هادئة

 لكن عينيه كانتا تقولان عكس ذلك تمامًا

نظرت إليه باستغراب و قالت:

- مالك... انت كويس؟

ابتلعت لعابها بصعوبة حينما رأت النار المشتعلة داخله فأكملت:

- انا كنت هنام

اقترب منها خطوة وقال بابتسامة:

- كدابة

ضحكت بخفوت ثم قالت ببراءة:

- عرفت منين؟

- انا حافظك وبعدين... هو ينفع حد فينا ينام  وأنا عارف

 إن مراتي هتبقى عروستي بكرة

احمرّ وجهها بشدة و هي تقول:

- سعد... بطل بقى

ضحك واقترب أكثر ثم قال بعد أن لف ذراعه حول خصرها

- مالك يابا .....

- انت بتكسفني أوي على فكرة

- وإنتي فاكرة إني هبطل و لا إيه 

استعد يا بطل المعركة اللي بجد هتبدأ بكره خلاص

عضت شفتها السفلى بخجل فأكمل بجدية و بصوت أكثر هدوءا:

- عارفة أكتر حاجة فرحاني؟

- إيه؟

- إن بكرة الناس كلها هتبقى شاهدة إنك بتاعتي

رفعت حاجبها وقالت بمشاكسة:

- بتاعتك إيه يا سعد... هو كل ده و مبقتش بتاعتك

ضغط على خصرها بقوة ثم قال بهوس:

-   أنا مش عايز أمتلكك... أنا عايز أكسبك كل يوم

نظرت إليه بحب واضح ثم قالت: 

- كفاية كلام حلو بقى

- ليه يابا بس... مش عاجبك كلامي و لا إيه؟

- عشان هصدقك

- وأنا مش عايز  حاجة غير إنك تصدقيني

رفعت عينيها إليه وقالت بهمس:

- أنا مصدقاك من زمان

تغيرت ملامحه و قال بجنون:

- قوليها تاني... عشان خاطري

ابتسمت بخجل  فمال عليها وقبّل شفتيها قبلة طويلة هادئة

ثم ابتعد قليلًا ونظر إلى عينيها ثم قال بحنان:

- خايفة من بكرة؟

هزت رأسها و قالت بصدق:

- لأ مش خايفه من بكره... أنا خايفة من حاجة تاني

-  من إيه يا حبيبي 

تنهدت وقالت:

- من إن السعادة دي تخلص

اختفت ابتسامته أمسك وجهها بين كفيه وقال بجدية:

- بصيلي يا نوارة

رفعت عينيها إليه فأكمل:

- أنا مش هسمحلك تخافي من حاجة وإنتي معايا

ثم ابتسم وأضاف بوقاحة:

- وبعدين يابا اللي لازم تخافي منه هو دخلتها 

دانا هدغدغ عضم أمك و كل صبري عليكي 

هيطلع على جتتك

ضحكت وهي تضرب صدره بخفة و تقول بشجاعة واهية

-مانا عارفه إنك قليل الأدب و سافل

أمسك يدها التي ضربته بها ثم قربها منه و قال:

- وأنا عارف حاجة واحدة عنك

- إيه؟

- إنك مهما حاولتي تخبي اللي جواكي ليا

أول ما أبص في عينيكي بتفضحي نفسك


اقترب منها وقبّلها قبلة قصيرة ثم ابتعد وكأنه يتعمد استفزازها

فتحت عينيها ونظرت إليه بغيظ:

- سعد....

ضحك برجولة ثم قال باستفزاز:

- نعم يا قلبه

- إنت بتستعبط صح

- شوية

أمسكته من قميصه وجذبته إليها ثم قبلته سريعًا وهي تبتسم

تجمد للحظة ثم ضحك بصوت مليء بالفرحة و قال:

- أيوه كده أيووووووو يا جدعان 

انا دوبت خلاص

احمرّ وجهها بشدة فألصقها به و نظر لها بعيون تلمع عشقًا ثم قال :

- بقيتي بتبتدي يا نوارة من غير خوف و لا كسوف

لمستك دي... بالدنيا و ما فيها 

و البوسه اللي اديتهالي يا نواره خلعت قلبي من جوه

 ملّس على مقدمة صدرها ثم أكمل بجنون: 

- لو هدفع عمري كله قصاد إني أعيش جوه حضنك... أنا راضي 

إلتمع العشق والتصميم داخل عينه و هو يكمل :

- دُخلتي عليكي بكره يا نور عين سعد و عمره كله 

 همست بابتسامة:

- ربنا يخليك ليا يا سعد...

هل يتحمل سعد كل هذا العشق الذي ضخّم قلبه 

أم يتحمل اقترابها منه و تلك النظرة التي أهلكته 

لا والله... لن يتحمل أكل ثغرها أكلا تحرك بها وألصقها بالحائط 

حاولت أن تصرخ بعد أن سحق جسدها بينه و بين الحائط و لكنها فشلت بعدما ابتلع صرختها داخله

ابتعد عنها بصعوبة ثم قال بهمس متحشرج 

- أنا لو كمّلت دلوقت هدخل عليكي و مش هقدر أمسك نفسي 

تركها وإبتعد سريعًا ثم قال بجنون :

- أنا مش هبات هنا النهارده... مش قادر 

نظرت له بحزن يشوبه الهياج ثم قالت ......


ماذا سيحدث ياترى.......


سنرى.......


انتظرووني........


بقلمي/فريده الحلواني



تعليقات

التنقل السريع
    close