أنا كنت خاطب بنت لمدة سنة كاملة انجى الخطيب
أنا كنت خاطب بنت لمدة سنة كاملة انجى الخطيب
أنا كنت خاطب بنت لمدة سنة، وفي بداية الخطوبة حصلت بينا تجاوزات كتير ماكنتش المفروض تحصل. هي كانت رافضة في الأول، وكانت دايمًا تقول إن اللي بيحصل غلط، لكن كل مرة كنت أقنعها بكلام مختلف لحد ما بدأت تسكت وتظاوعني رغم إنها عمرها ما كانت مرتاحة وهي مكنتش تعرف اي حاجة انا اللي كنت بعلمها كل حاجة واستمرينا في الموضوع دا فترة ..
بس هي كانت دابما حاسة بتأنيب ضمير ومن بعدها حياتنا بقت كلها خناقات. أي نقاش بينا كان بينتهي بزعل، وهي كانت بتعيط كتير، وأنا بقيت أشوف إنها نكدية ومش بتفهمني. مع الوقت، معاملتي اتغيرت جدًا، وبقيت حاسس إني خلاص مليت ومابقتش عايز أكمل.
في يوم، حكت كل اللي حصل لأختي. أختي واجهتني، وسألتني بصراحة: “إنت ناوي تكمل ولا لأ؟”
رديت من غير تردد:
“أنا خلاص… معدتش عايزها. معيشاني في هم ومشاكل على طول.”
الغريب إنها بعد الكلام ده حاولت ترجع كل حاجة زي الأول، وكانت بتعمل أي حاجة عشان ترضيني. لكن فجأة، ومن غير أي مقدمات، قالتلي:
“أنا مش هكمل الخطوبة.”
#انجي_الخطيب
اتفاجئت. دي كانت بتحبني حب عمرها، وكل اللي حوالينا كانوا متأكدين إنها مستحيل تكون هي اللي تنهي العلاقة. لكن المرة دي كانت حاسمة، وسابتني ومشيت من غير ما تبص وراها.
بعدها بفترة قصيرة، خطبت واحدة تانية، وكتبت كتابي علبها بسرعة عشان أتجنب أي مشاكل زي اللي حصلت قبل كده. وفضلت أقول لنفسي إن دي بداية جديدة، وإن أخيرًا حياتي استقرت وهي كانت مريحاني جدا وكنت مبسوط معاها .
لكن من كام يوم… سمعت خبر قلب كل حاجة.
واحد قريب جدًا من خطيبتي الأولى قالي إنها اتغيرت تمامًا. بقت ملتزمة، ورافضة أي عريس يتقدم لها، وكل ما حد يفتح معاها سيرة الجواز تقول:
“مش عايزة أظلم حد… وربنا ياخدلي حقي.”
وقال كمان إنها كل يوم بتدعي عليا، وبتحسبن عليا من قلبها.
حاولت أهز دماغي وأقول دي مجرد صدفة… لحد ما اكتشفت صدمة عمري.
وصلتني معلومات عن خطيبتي الحالية خلت الأرض تتسحب من تحتي. اكتشفت إن ليها ماضي مشجين جدا كانت مخبياه عني، وإنها كانت مرتبطة بحد قبل كده، وفي تجاوزات كتير حصلت بينهم و تفاصيل كتير عمرها ما قالتلي عليها، مع إنها كانت قدامي في صورة الملاك البريء.
ومن ساعتها وسؤال واحد مش بيفارقني…
هل اللي أنا فيه دا مجرد سوء حظ؟… ولا دعوة المظلوم فعلًا مابينهاش وبين ربنا حجاب؟
المهم انا عايز اسيبها دلوقتي بس أنا في ورطة… انا كاتب قايمة بمبلغ كبير، وجايب شبكة غالية دفعت فيها كل اللي حيلتي..
طلبت اقابلها برا وواجهتها في البداية نكرت واعدت تعيط وتقولي انت ازاي تشك فيا بس لما افتكرت اسلوبها في التعامل معايا مكنش اسلوب واحدة خام ابدا..
روحت ورتها الدليل انها كانت علي علاقة بشاب قبلي وانها تجاوزت معاه واني خلتص مش عايزها وعايز شبكتي واحسن ليها من الفضايح انها تتنازل عن القايمة اللي كتبتها لاقيتها بصتلي وسكتت وقامت ومشيت من غير ولا كلمة..
تاني يوم لاقيتها بتتصل بيا وبتقولي انها كلمت اهلها وقالت انها خلاص مش عايزاني وقالتلي انها قالت كدا منعا للفضايح وقالتلي تعالي خد شبكتك والقايمة وابقي طلق بعدها..
انا قولت في سري الحمد لله اني هخلص منها بدون خساير وقولتلها الهدايا اللي جبتها مش عايزها هاخد بس الشبكة وهقطع القايمة قالتلي تمام تقدر تيجي دلوقتي..
ركبت عربيتي وروحت علي بيتها طلعت وخبطت فتحتلي ودخلت بس اول ما قفلت الباب حصل اللي مكنتش اتوقعة في حياتي..
سمعت صوت زكة الباب وهي بتقفله بالمفتاح، تكه ورة تكه.. صوت المكان كان ساكن بزيادة، مفيش أي أثر لأهلها في الصالة ولا أي صوت جايب من جوه، البيت كان دافي بس أنا حسيت ببرودة نزلت في جسمي فجأة. التفت ليها وأنا بطلع علبة الشبكة من جيبي وبقولها: “خير يا بنت الناس، كويس إننا بننهي كل حاجة بالحسنى ومن غير شوشرة، فين القايمة عشان أقطعها ونروح للمأذون ونخلص؟”
بصتلي ونظرة الملاك البريء اللي كنت بشوفها زمان كانت اختفت تمامًا.. حل مكانها نظرة جافة، ساقعة، مش مفهومة. ما ردتش عليا، لكنها مشيت بخطوات بطيئة ناحية الكنبة وقعدت، وحطت رجل على رجل وهي بتقولي بصوت هادي جداً يخوف: “قايمة إيه وشبكة إيه اللي تاخدها؟ أنت فاكر إن دخول حمام البيت زي خروجه؟”
اتسمرت مكان في الصالة، وحسيت إن في حاجة غلط بتحصل.. “أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ مش لسه مكلماني في التليفون وقايلالي تعالى خد حاجتك وقايمتك والمسألة تخلص بالستر؟”
ابتسمت ابتسامة سخرية وقالتلي: “أنا فعلاً قولتلك تعالى.. بس قولتلك تعالى عشان نتحاسب على القديم والجديد. الدليل اللي أنت جيت توريهوني امبارح وفاكر إنك بيه بتلوي دراعي، أنا أقدر أطبعه وأحرقه في ثواني، وأنت مش هتقدر تفتح بقك بكلمة واحدة.. عارف ليه؟”
وفجأة من غير أي مقدمات، طلعت تليفونها وسجلت فويس نوت قصيرة بصوت كله صريخ وعياط هيستيري وهي بتستغيث: “الحقوني يا بابا.. الحقني يا حسام.. بيموتني في الصالة وبيضربني!”
وفي أقل من ثانية، مسحت دموعها الوهمية ورجعت بصتلي بنفس البرود وقالتلي: “أخويا وأبويا تحت في الشارع، زمانهم طالعين على السلم حالا.. قدامك خيارين ملهمش ثالث: يا إما هتقول إنك طلقتني شفاهي وتتنازل عن كل حاجة جيبتها، وتسيب الشبكة اللي في جيبك دي كأبسط تعويض عن الأيام اللي ضيعتها معايا وتخرج بأقل الخساير.. يا إما هيدخلوا يلاقوك هنا وأنت معتدي عليا في بيتنا، وندخل في قضايا وهتك عرض وفضايح مش هتعرف تطلع منها طول عمرك، وساعتها مش القايمة بس اللي هتدفعها.. أنت هتدفع عمرك كله.”
الدنيا دارت بيا، وصوت ضربات قلبي بقى أعلى من أي حاجة حواليا. سمعت صوت خطوات سريعة وتقيلة طالعة على السلم بره، وصوت خبط متواصل وقوي على الباب: “افتحي يا بنت… افتحي في إيه?!”
بصيت للباب وبصيت ليها، لقيتها واقفة بتبتسم بثقة وثبات جمد الدم في عروقي. في اللحظة دي بالذات، ورغم الخوف والرعب اللي تملكوا مني، أفتكرت كلمة واحدة بس كانت بتتردد في أذني بصوت خطيبتي الأولى: “ربنا ياخدلي حقي..”
حسيت إن السقف بيقع عليا، وإن كل حيلة وذكاء استخدمتهم زمان عشان أضغط بيهم على مظلومة، بيتردوا ليا أضعاف مضاعفة وفي موقف مفيش منه أي مفر.. الباب كان بيتكسر بره، وهي قربت من الباب عشان تفتح، وأنا واقف أرضي بتتزلزل تحت رجلي ومش عارف الخطوة الجاية هترد عليا بإيه.
حكايات انجى الخطيب 2
صوت خبط الباب بقى زي الدق على دماغي، وفي ثانية واحدة كانت مسكت ياقة بلوزتها وقطعتها، وهرشت في رقبتها بأظافرها لحد ما علمت دم، وكل دا وأنا واقف مذهول.. مش قادر أتحرك ولا حتى أنطق كلمة. الفكرة نفسها كانت أكبر من استيعابي، إزاي البنت اللي كانت لحد امبارح بتتكلم بصوت واطي وبتبكي وهي بتحلفلي إنها مظلومة، تحولت في لحظة لشيطان بالذكاء والشر دا كله؟
فتحَت الباب بسرعة وأول ما الباب اتفتح رمت نفسها على الأرض وهي بتصرخ بصوت يقطع القلب: “الحقني يا بابا! الحقني يا حسام! جايبني بيتنا وبيهددني إنه هيفضحني وهيتهمني في شرفي لو ما تنازلتش عن كل حقوقي وطلبت الطلاق!”
دخل أبوها وأخوها حسام زي الثيران الهاجة. حسام أخوها، اللي طول عمره يبان إنسان هادي ولطيف، وشه اتغير وبقى أحمر زي الدم. ما أداش لنفسه فرصة يسأل ولا يفهم، أول ما شاف المنظر وشاف بلوزتها المتقطعة وشكلها على الأرض، هجم عليا بضربة قلم نزلت على وشي طيرت نظارتي، وبعدها مسكني من قميصي وزقني بكل قوته في الحيطة.
صرخت بكل صوتي وأنا بحاول أدافع عن نفسي وارفض التهمة الباطلة دي: “يا جماعة افهموا! والله العظيم هي اللي عملت كده! هي اللي اتصلت بيا وقالتلي تعالى خد شبكتك والقايمة! أنا ما لمستهاش.. هي بتتفق عليكم وعليا!”
لكن مين يستوعب؟ مين يصدق واحد واقف في صالة بيتهم، وبنتهم مرفوعة هدومها ومربوطة على الأرض بتعيط وبتمثل دور الضحية بإتقان رهيب؟ أبوها مسك عصايا كانت ورا الباب وقرب مني وهو بيتنفض من الغضب، صوته كان بيرعش وهو بيقول: “يا خسارة الرجولة! يا خسارة الأصول يا ابن الناس! إحنا أمناك على بنتنا، تقوم تدل البيت في غيابنا وتيجي تعتدي عليها وتهددها في بيتها؟ إنت فاكرنا مفيش وارانا رجالة؟”
حسام كمل عليا ببوكس في بطني خلاني أركع على ركبي من الوجع. حسيت النفس اتكتم، والدنيا اسودت في وشي. في اللحظة دي، وأنا على الأرض بحاول ألملم نفسي وأخد نفسي، بصيت ليها.. كانت مستخبية ورا أبوها، بتبصلي من تحت لتحت، وعلى وشها ابتسامة نصر جافة.. ابتسامة بتقولي: “أنا عرفتك مقامك.”
أبوها قرب مني ومسكني من شعري عشان أرفع وشي ليه، وقال بصوت حاسم وزي الحديد: “شوف يا روح أمك.. إحنا لو مش بنخاف ربنا وبنعمل حساب للستر والفضايح، إحنا كنا بلغنا Police وحبسناك بتهمة تهجم وهتك عرض في بيت عيلة.. وتخرج من السجن على الترب. لكن عشان إحنا ناس بنشتري الستر وما بنحبش اسم بنتنا يتقال في أقسام، إنت قدامك خيار واحد مفيش غيره.”
تفت الدم من بوقي وقوتله بصوت مكسور: “خيار إيه؟ إنتوا بتظلموني.. ربنا يعلم أنا ما عملتش حاجة!”
حسام ضربني بركبته في صدري وقال: “اخرس خالص! هتسمع اللي هنقوله وتنفذه ورجلك فوق رقبتك! إنت هتوقع حالا على الإقرار دا..”
طلع حسام من جيبه ورقة مطبوعة جاهزة.. ورقة إقرار وتنازل! اتضح إن الترتيب كان معمول بذكاء شديد ومسبق. الورقة كان مكتوب فيها إني بتنازل عن كافة حقوقي، وإني استلمت كل أمتعتي، وإني ملتزم بدفع مبلغ مؤجل الصداق كاش، وإني بطلقها طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه بسبب أضرار وقعت مني عليها.
أبوها قال: “الورقة دي هتتوقع عليها، والشبكة اللي في جيبك هتسيبها، والقايمة هتفضل معانا لحد ما توثق الطلاق رسمياً عند المأذون وتدفع المؤجل.. غير كده، أنا هطلع على القسم فوراً ومعايا تقرير طبي بمحاولة اعتداء، وأختك وعيلتك هيدفعوا ثمن القرف دا كله في الشارع والمحاكم.”
حسيت إن الفخ اتطبق عليا بإحكام. الموقف مكنش فيه أي مساحة للمفاوضة.. أنا لوحدي جوه بيتهم، موبايلي وقع على الأرض وانكسرت شاشته لما حسام ضربني، مفيش دليل معايا يتثبت إنها هي اللي استدعاني، المكالمة اللي بيننا كانت عادية وهي مسحت الفويس نوت اللي سجلتها أول ما أخوها دخل.. كل الأوراق كانت في إيديهم.
افتكرت في ثواني معدودة كبريائي وشوفي لنفسي لما كنت بضغط على خطيبتي الأولى.. لما كنت باستغل خوفها وقيل وقال الناس عشان أمتص إرادتها وأخليها تستسلم للي أنا عايزه. افتكرت إزاي كنت شايف إن الذكاء والفهلوة بيخلوني أطلع من أي موقف كسبان. ودلوقتي؟ ودلوقتي أنا بقيت الضحية المحاصرة في زاوية ضيقة، بتعصر بنفس الطريقة وبنفس القسوة، ومن غير ما يكون ليا أي حق في الدفاع عن نفسي.
إيدي كانت بترعش وأنا بمسك القلم اللي رماه حسام قدامي على الترابيزة. عينيا كانت مليانة دموع قهر وغضب. كتبت اسمي وبصمت على الورقة وأنا حاسس إن كل حرف بكتبه بيقطع جزء من كرامتي. سبت علبة الشبكة على الترابيزة، وقمت وأنا بزق نفسي بالعافية عشان أقف على رجلي.
بصيت لخطيبتي الحالية للقالوبة.. كانت واقفة بتتفرج عليا ببرود، وعينيها بتقول كلام كتير. قربت منها خطوة، وحسام مسك العصايا مستعد يضربني، بس أنا ما اهتميتش، ووجهت كلامي ليها بصوت واطي ومبحوح: “إنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟ فاكرة إنك لما تظلميني وتدبسيني بالطريقة دي وتبتزيني هتعيشي مرتاحة؟ أنا فعلاً كنت جاني زمان.. بس النهاردة أنا مظلوم، ودعوة المظلوم ملهاش باب مقفول.”
هي ما اتهزتش، لكن ابتسامتها اختفت لثانية واحدة، كأن الكلمة لمست جرح جواها أو خلتها تفتكر إن اللي بيتني بيترد. أبوها أخدني من قفاي وزقني بره الباب: “يلا يا روح أمك من غير مطرود.. ورقتك هتتوصلك للمأذون، ولو شفت وشك في الشارع دا تاني مش هترجع بيتك على رجلك.”
نزلت على السلم وأنا بجر رجلي بالعافية. الشارع كان هادي، والشمس كانت ابتدت تغيب. دخلت عربيتي وقعدت ورا الدركسيون.. بصيت في المراية وشفت وشي المورم والدم اللي نازل من شفايقاي. مسكت الدركسيون وإيديا بترعش، وبكيت.. بكيت بكاء عمري ما بكيته في حياتي. مكنتش ببكي بس من كسر النفس والظلم اللي تعرضت له في الساعة الأخير، كنت ببكي لأني لأول مرة في حياتي حسيت بالوجع اللي تسببت فيه لغيري.
حسيت بمرارة اللحظة اللي خطيبتي الأولى كانت بتعيط فيها وهي حاسة إن ملهاش حيلة، وإن كلامي وقدرتي على الإقناع والتلاعب بياخدوا منها أغلى ما تملك بالتدريج. حسيت يعني إيه واحدة تتساب وهي مجبورة، ويعني إيه تتظلم وتتدعى عليها بالكدب إنها نكدية ومبتفهمش، وهي من جواها بتموت كل يوم من تأنيب الضضمير.
سوقت العربية وأنا مش شايف الطريق كويس من الدموع. وصلت البيت، وأمي وأختي أول ما شافوا وشي والدم اللي عليه صرخوا. أختي جرت عليا: “في إيه يا حبيبي؟ مين عمل فيك كده؟! إنت مش كنت رايح تنهي الموضوع مع البنت دي بالحسنى؟”
قعدت على الأرض في الصالة، وما قدرتش أداري حاجة. حكيت لأمي ولأختي كل اللي حصل بالتفصيل.. عن الدليل اللي واجهتها بيه، عن التهديد، عن التمثيلية اللي عملتها، وعن الإقرار اللي اتجبرت أوقع عليه والشبكة والقايمة اللي راحت عليا.
أختي قعدت جمبي على الأرض وحضنتني وهي بتعيط، وقالتلي كلمة نزلت على قلبي زي السكين: “فاكر يا أخويا لما جيتلك من سنة وسألتك عن خطيبتك الأولى؟ فاكر لما قلتلك هي بتشتكي وبتقول إنك بتضغط عليها وإنها مش مرتاحة، وإنت قولتلي بكل جفاء: أنا خلاص معدتش عايزها.. معيشاني في هم ومشاكل؟ فاكر إنت سيبتها إزاي وبأي طريقة؟”
بصيت لأختي وأنا مش قادر أرد. أختي كملت بصوت متأثر: “البنت دي لما مشيت، مشيت ومكسور قلبها.. كانت بتحبك فوق الوصف، وإنت بدل ما تصونها وتحفظها، علمتها حاجة غلط ولما ضميرها صحي استتقلتها ورميتها. البنت دي فضلت تدعي عليك بالشهور، والنهاردة ربك رد لك كل اللي عملته، بس من طريق تاني خالص ومن إيد بنت تانية إنت اخترتها بجمالها وشكلها الخارجي عشان تهرب من مشاكلك.”
كلام أختي كان أشد عليا من ضرب حسام وأبوه. عرفت إن العدالة الإلهية مش بتمشي بمزاجنا.. إحنا بنفكر إننا لما نهرب من غلطاتنا ونقفل الصفحات القديمة ونبدأ جديدة بصفحة بيضا، إن القديم اتمسح. بس الحقيقة إن الحساب كان بيتسجل، ودعوة خطيبتي الأولى كانت بتطوف حواليا لحد ما لقت اللحظة المناسبة اللي تترد لي فيها بنفس القسوة ونفس الحرمات.
عدى أسبوع على الليلة دي.. أسبوع كان أطول من السنين. طلقت البنت رسمياً عند المأذون، ودفعت بقية الفلوس والمؤجل عشان أشتري دماغي وما أدخلش في قضايا وهتك عرض وفضايح. خسرت كل تحويشة عمري.. الشبكة، والفلوس اللي دفعتها، والقايمة اللي اتلغت بالتهديد، والعربية اللي اضطريت أبيعها عشان أسدد الديون اللي اتخلقت عليا فجأة.
بقيت مفلس.. كرامتي متداسة، وسمعتي في المنطقة بقى يتقال عليها كلام رايح وجاي. كل الناس بقت تبصلي بنظرات شك، اللي يقول دا اتبهدل عشان ما صانش أمانة، واللي يقول دا استاهل.
في يوم، قعدت مع نفسي في الأوضة وطلبت رقم خطيبتي الأولى.. الرقم اللي كان متمسح من عندي بس حافظه زي اسمي. إيدي كانت بترعش وأنا بدوس اتصل. الرنة فضلت شغال.. رنة، اتنين، ثلاثة.. لحد ما الجرس خلص وما ردتش.
بعت لها مسج على الواتساب.. كتبتها وأنا بدمع: “أنا عارف إنك مش هتردي، وعارف إن مفيش كلمة أسف في الدنيا تقدر تصلح اللي أنا عملته فيكي. أنا اتبهدلت يا بنت الناس.. حقي اتقطع، وكرامتي أتهانت، وخسرت كل حاجة حيلتي في أيام معدودة. أنا عرفت يعني إيه ظلم، وعرفت يعني إيه واحد يحس إن الأرض بتتسحب من تحته وهو ملهوش حيلة. أنا مش بطلب منك ترجعيلي، ولا بطلب منك تسامحيني لو مش قادرة.. أنا بس بترجاكي توقفي دعا عليا.. أنا خلاص أخدت نصيبي وزيادة.”
بعد ساعتين، شفت العلامتين الزرق.. قريت المسج.
فضلت باصص للشاشة ومستني أي رد.. أي كلمة منها.. شتيمة، عتاب، شفقة.. أي حاجة.
لكن الرد جه في كلمة واحدة بس، كلمة هزت كياني كأنه زلزال..
بعتتلي: “القصة لسه ما خلصتش.”
حكايات انجى الخطيب 3
كلمة واحدة بس كانت كفيلة تخلي الدم يبتدئ يهرب من عروقي. الشاشة كانت مطفية في إيدي وأنا بتنفس بصعوبة، بصيت للرسالة ألف مرة عشان أتأكد إني مش بتخيل: “القصة لسه ما خلصتش.”
يعني إيه ما خلصتش؟ هو فيه إيه تاني ممكن يخرب في حياتي؟ أنا خسرت فلوسي، وكرامتي، وسمعتي، وطلقت، وبعت عربيتي عشان أسدد ديوني، ووشي لسه فيه علامات الضرب.. هو فيه القاع أعمق من كدة؟
الليل دا ما نمتش فيه ولا ثانية. الكلمة كانت بتتردد في دماغي زي صدى صوت في مكان مهجور. بقيت أقوم وأقعد، أروح للشبك وأرجع، وأبص في الموبايل كل دقيقة يمكن تبعت توضيح، أو تحظرني، لكن هي سابت الرسالة مفتوحة وسكتت.. سكتت السكوت اللي يخوف أكتر من أكبر جعد وتهديد.
تاني يوم الصبح، نزلت الشارع وأنا حاسس إن كل الناس بتبصلي بنظرات مريبة. المنطقة عندنا صغيرة، والأخبار فيها بتطير زي النار في القش. اكتشفت إن طليقتي الحالية وعيلتها ما اكتفوش باللي أخدوه مني تحت التهديد والابتزاز؛ دول بدأوا ينشروا في المنطقة إني دخلت بيتهم واستقويت عليهم وحاولت أعتدي عليها، وإنهم “ستروا عليا” ورمولي ورقتي عشان مش عايزين فضايح!
الناس اللي كانت بتسلم عليا وبتحترمني، بقت تتفاداني في الشارع. صحابي اللي كنت بقعد معاهم على القهوة، بقوا ينسحبوا واحد ورا التاني لما أقرب منهم. حسيت بقمة القهر والوحدة.. بقيت ماش في الشارع زي المجذوب، مش عارف أدافع عن نفسي إزاي ولا أقول إيه، لأني لو حكيت الحقيقة محدش هيصدقني، ولو سكت التهمة ثابتة عليا.
في وسط القرف دا كله، جالي اتصال من رقم غريب. فتحت الخط بصوت مبحوح: “ألو؟”
جالي صوت راجل كبير، هادي بس حاسم: “أنت الأستاذ؟”
قلتله: “أيوه أنا.. مين معايا؟”
قاللي: “أنا والد (اسم خطيبتك الأولى).. عايز أقابلك. قدامك ساعة وتجيلي المكان اللي هبعتهولك في رسالة.”
قلبي اتخلع من مكانه. والدها؟ الراجل الطيب المحترم اللي كان بيعاملني زي ابنه، الراجل اللي لما فسخت الخطوبة مع بنته اتعامل معايا بكل أدب ورجولة وما طلبش مني غير إننا نخرج بالمعروف! إيه اللي خلاه يطلب يقابلني دلوقتي؟ وهل الرسالة اللي بنته بعتتهالي ليها علاقة بالدعوة دي؟
وصلت الكافيه اللي حدده. كان قاعد في زاوية بعيدة، حاطط إيده على عصايته وبيبص بره الشباك. قربت منه بخطوات مرتعشة، حسيت إني صغرت أوي قدامه.
“السلام عليكم يا عمي..”
رفع عينه وبصلي. ما شفتش في عينه غضب ولا انتقام، شفت فيهم نظرة أسف وحزن عميق، نظرة وجعتني أكتر من لو كان ضربني.
“اقعد يا ابني.” قالها بصوت واطي.
قعدت وأنا باصص للأرض، مش قادر أحط عيني في عينه.
قاللي بتنهيدة طويلة: “أنا عرفت كل اللي حصل معاك الفترة اللي فاتت.. وعرفت اللي عملته طليقتك وأهلها فيك، وعرفت إنك بعت عربيتك وخسرت تحويشة عمرك وقاعد في بيتك مكسور.”
بلعت ريقي بصعوبة وقلتله: “أنا أستاهل يا عمي.. أنا ربنا بيخلص مني ذنب بنتك. أنا جيت عليها وظلمتها، وربنا ردها لي في أشد حاجة بمتلكها.”
الراجل سكت شوية، وبعدين طلع من جيبه مظروف بني حطه على الترابيزة ودزّه ناحيتي.
بصيت للمظروف باستغراب: “إيه دا يا عمي؟”
قاللي: “دا حقك.. دي بقية فلوسك وقيمتك اللي طليقتك التانية نصبوا عليك فيها وأخدوها منك بالتهديد.”
فتحت المظروف وأنا مذهول، لقيت فيه أوراق القايمة الأصلية، وإيصالات استلام الشبكة، ومبلغ مالي كبير كاش! إيديا اتجمدت مكانها، وبصيت للراجل وأنا مش فاهم أي حاجة: “أنا مش فاهم.. الحاجات دي وصلت لحضرتك إزاي؟! وطليقتي وعيلتها أداهالك إزاي؟!”
ابتسم الراجل ابتسامة خفيفة مليانة حكم المرارة وقاللي: “أنا أختي تبقى متجوزة عم طليقتك الجديدة.. ولما بنتي حكتلي زمان عن اللي عملته فيها، وأنك سيبتها بعد ما وجعت ضميرها وكسرت نفسها، أنا ما دعتش عليك.. أنا بس رفعت إيدي للسما وقلت: يا رب، لو بنتي مظلومة، أريه عدلك في الدنيا قبل الآخرة.”
كمل كلامه وهو بيطبطب على الترابيزة: “ولما سمعت عن اللي حصل معاك من قريبنا (عم البنت)، وأنهم عملوا عليك تمثيلية وابتزوك عشان ياخدوا منك القايمة والشبكة وفلوسك، أنا ما فرحتش فيك.. بس بنتي هي اللي اتحركت.”
أتسمرت مكان في الكرسي: “بنتك؟!”
قاللي: “أيوه.. بنتي اللي أنت فكرت إنها ضعفَت واستسلمت. بنتي عرفت تفاصيل اللعبة كلها من قرايبنا، وقدرت توصل لتسجيلات ومحادثات قoldة بين طليقتك والشاب اللي كانت على علاقة بيه زمان، محادثات فيها اعتراف صريح بإنها بتتفق مع أهلها يعملوا كدة مع أي حد يتقدم لها عشان يبتزوه وياخدوا منه مؤجل وقايمة! بنتي راحت لعم البنت ولأبوها، وواجهتهم بالدلايل دي كلها، وقالتلهم: (يا إما بتردوا للراجل دا حقه وفلوسه بالكامل وتقفلوا بوقكم وتطلعوا تبرأوه قدام الناس، يا إما الفضايح دي والتسجيلات دي هتكون في القسم والنيابة وساعتها بنتكوا وأخوها هيدخلوا السجن بتهمة ابتزاز وتزوير).”
أنا كنت أسمع الكلام دا ودموعي نازلة من غير ما أحس.. الفك بتاعي كان بيرعش. البنت اللي أنا استضعفتها.. البنت اللي أنا استغليت جهلها وقلة خبرتها واقتحمت حياتها وعلمتها الغلط ودست على ضميرها، هي نفسها اللي راحت وجابتلي حقي! هي نفسها اللي وقفت قدام عيلة كاملة بتستغل الناس، وجابتلي كرامتي وفلوس أخدوها مني بالقوة والتهديد!
سألته بصوت مخنوق: “هي.. هي عملت كدة ليه؟ بعد كل اللي أنا عملته فيها؟”
والدها قام وقف، مسك عصايته وبصلي أخر نظرة وقاللي: “عملت كدة عشان هي تربية راجل.. وعشان لما بعتتلها تقولها (أنا أخدت نصيبي وزيادة وبتمنى توقفي دعا)، هي بعتتلك تقولك (القصة لسه ما خلصتش) عشان كانت عايزة تقولك إن عدل ربنا مش بس إنه ينتقم منك.. عدل ربنا إنه يخليك تشوف إن البنت اللي أنت رميتها ونعتها بالنكدية وشفتها مفيش منها فايدة، هي الوحيدة اللي صانتك وردتلك حقك لما أقرب الناس ليك نهبوك ورموك في الشارع.”
الراجل ساب المظروف ومشي.. سابني قاعد في الكافيه لوحدي، قدامي فلوسي وكرامتي اللي اتقصت، بس روحي من جوه كانت بتموت.
طلعت يجري بره الكافيه، ركبت تاكسي ورحت لبيتها. طلعت السلم بسرعة جنونية، وقفت قدام باب شقتهم وخبطت. فتحتلي أمها، بصتلي بهدوء وقالتلي: “ادخل يا ابني.”
دخلت الصالة.. لقيتها واقفة هناك. كانت لابسة إسدالها الصلاة، وشها هادي، صافي، فيه نور عجيب ما شفتوش قبل كدة. ما كانش فيه في عينها أي كره، ولا انتقام، ولا حتى تشفي.
قربت منها وأنا مبحوح، نزل على ركبي قدامها في الصالة وأنا بعيط زي الطفل: “سامحيني.. والله العظيم أنا آسف.. أنا أوسخ بني آدم على وش الأرض. أنا عرفت قيمتك، عرفت إنك أطهر وأنضف حاجة دخلت حياتي وأنا بإيدي دمرتها. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا.. مستعد أعيش خدام تحت رجليكي، بس سامحيني وارجعيلي.”
بصتلي وهي واقفة، مكانها ثابت ما اتهزتش. بصتلي بنظرة كلها رحقة شفقة، وقالتلي بصوت هادي جداً، صوت زي النسمة بس قطع كل أمل جوايا:
“أنا سامحتك من زمان يا (اسمك).. سامحتك لوجه الله عشان أعرف أعيش وأكمل حياتي من غير ما أكون شايلة كره في قلبي. بس الرجوع؟ دا المستحيل بعينه.”
رفعت وشي ليها وأنا بترجاها: “ليه؟ طالما سامحتيني وجبتيلي حقي.. ليه رافضة نبتدى من جديد؟”
قالتلي وهي بتبتعد خطوة لورا: “أنا جبتلك حقك عشان ربنا أمرنا بالعدل، وعشان ما أقبلش إن حد يظلمك حتى لو كان خصمي.. أنا جبتلك حقك عشان أثبت لنفسي وليك إن ربنا ما بيبسيبش مظلوم، وعشان أقفل صفحتك من حياتي وأنا ضامنة إني ما ظالمتكش ولا شمت فيك.”
كملت وهي بتحط إيدها على قلبها: “لكن المشاعر اللي ماتت بسبب القسوة والضغط وتأنيب الضمير.. ما بتموتش وترجع تاني. أنا دلوقتي واحدة تانية خالص غير البنت الساذجة اللي كانت بتصدق كل كلمة بتجاملها بيها. أنا عرفت ربنا، وعرفت قيمة نفسي.. وأنت، بقيت بالنسبة لي مجرد درس قاسي اتعلمت منه، والدرس خلاص انتصى.”
وقفت على رجلي وأنا حاسس إن الدنيا كلها فضيت حواليا. الفلوس في إيدي ملهاش أي قيمة، الحق اللي رجعلي ملوش أي طعم.. لأن الحاجة الوحيدة اللي كانت ممكن تنقذ روحي وتباركلي في حياتي، راحت مني وللأبد.. بإيدي أنا.
سيبت البيت ونزلت.. مشيت في الشارع وأنا شايل حقيبتي وفلوسي، بس قلبي كان فاضي تماماً. عرفت إن أصعب عقاب ممكن يتدوقه إنسان مش إنه يخسر فلوسه أو يتضرب أو يتهان.. أصعب عقاب إن ربنا يخليك تشوف النعمة اللي كانت في إيدك، وتعرف قدرها وحقيقتها، في نفس اللحظة اللي تتأكد فيها إنك مستحيل تطولها تاني.
الشارع كان فاضي والهدوء قاتل. الفلوس والمستندات في إيدي وزنها أتقل من الجبال، ومشيت مسافة طويلة مش عارف أنا رايح فين ولا أقدامي واخداني لفيين. كل خطوة كنت بمسح دموعي وأفتكر نظرتها الأخيره.. نظرة الست القوية اللي سامحت بس قفلت الباب للأبد.
وصلت البيت، ودخلت. أمي وأختي كانوا قاعدين قلقانين، أول ما شافوا المظروف والورق في إيدي، أختي قامت شهقت: “إيه دا؟! الحاجات دي جيبتها إزاي؟!”
حطيت المظروف على الترابيزة وقعدت على أقرب كرسي. حكيتلهم كل حاجة.. حكيتلهم إزاي البنت اللي أنا رميتها وظلمتها، هي اللي جابتلي حقي وحمتني من السجن والفضايح، وإزاي ردتلي كرامتي قدام العيلة والمنطقة، وفي الآخر رفضت ترجعلي وقالتلي إن الدرس انتهى.
أمي بكت وانحنت باست رأسي وهي بتقول: “الحمد لله يا ابني إن حقك رجع، والحمد لله إن البنت دي طلعت بنت أصول وبرأتك.. بس يا خسارة اللي ضاع من إيدك يا ابني، يا خسارة الجوهرة اللي ما عرفتش قيمتها إلا لما راحت.”
مرت الأيام، والأخبار بدأت تتغير في المنطقة. عم طليقتي التانية وأبوها اضطروا يخرجوا قدام كبار العيلة ويقولوا إن حصل “سوء فهم”، وإن القايمة والشبكة اتردوا بالحسنى، وإن ما كانش في أي اعتداء. سمعتي بدأت تتصلح تدريجياً، بس أنا ما بقاش يفرق معايا كلام الناس. الشغف جوايا مات، وبقيت حاسس إني عايش بجسد فاضي من غير روح.
في يوم من الأيام، قررت أبدأ أصلح اللي أقدر عليه. أخدت جزء من الفلوس اللي رجعتلي، ورحت للناس اللي كنت مدين ليهم، سددت ديوني كلها. والجزء الباقي قررت أفتح بيه مشروع صغير بعيد عن منطقتنا، مكان أبدأ فيه من جديد، بس المرة دي على نضافة.. من غير فهلوة، من غير كدب، ومن غير ما أجي على حق حد.
الشهور مرت.. بقيت أروح شغلي من الصبح للبدري وأرجع على بيتي. بقيت أصلي، وكل ما أقف على السجادة، أدعي ربنا يسامحني على السنين اللي ضيعتها في الهوى والتلاعب بقلوب الناس.
وف يوم، وأنا قاعد في المحل بتاعي، دخل عليا واحد صاحبنا مشترك بيني وبين عيلة خطيبتي الأولى. سلم عليا بحرارة، وقعد يشرب معايا الشاي. كنا بتتكلم في مشاغل الحياة، وفجأة قاللي بنبرة هادية:
“عرفت أخر الأخبار يا صحبي؟”
قلبي دق بسرعة.. وسألته بصوت مكتوم: “أخبار إيه؟”
قاللي: “(اسم خطيبتك الأولى).. اتحددت خطوبتها الأسبوع الجاي على واحد مهندس محترم جداً، ابن ناس وشارسها من زمان، وكان مستني بس إنها توافق لأنها كانت رافضة الفكرة تماماً الفترة اللي فاتت.”
الخبر نزل عليا زي الصاعقة، رغم إني كنت عارف إن دا اليوم اللي لازم هيجي.. لكن سماعه كان شيء تاني خالص.
صاحبي كمل كلامه وهو مش واخد باله من ملامحي اللي اتغيرت: “بس الأغرب من كدة يا أخي.. إنها اشترطت عليه شرط واحد بس قبل ما يقرأوا الفاتحة.. شرط غريب جداً ومحدش كان فاهمه غير أبوها.”
بصيتله بعينين زي الجمر وقلتله: “شرط إيه؟”
قاللي: “اشترطت إن كتب الكتاب والزفاف يكونوا في أسرع وقت، وأنهم يسافروا يعيشوا برة مصر.. في الخليج، وقالت لأبوها إنها مش عايزة تفضل هنا ولا يوم واحد زيادة.”
سكت وصاحبي مشي، وقعدت لوحدي في المحل. عرفت إنها بتسافر عشان تبعد عن كل الذكريات، عشان تقفل الصفحة الأخيرة تماماً وما تسيبش أي احتمال إن طرقنا تتقاطع تاني في يوم من الأيام.
قبل خطوبتها بيومين، قررت أعمل أخر حاجة ممكن أعملها عشان أريح ضميري.. نزلت السوق واشتريت هدية قيمة جداً، ومصليّة من أنضف أنواع الحرير، وكتبت كارت صغير وحطيته مع الهدية، وبعثتها مع دليفري لبيتها من غير ما أكتب اسمي على الطرد، بس كنت عارف إنها أول ما تقرأ الكارت هتعرف مين اللي باعتها.
الكارت كان مكتوب فيه كلمة واحدة بس: “شكراً إنك علمتيني أكون راجل.. ربنا يسعدك في حياتك الجديدة.”
عدى يوم الخطوبة، وعرفت إنها قرأت الفاتحة والبيت كان مليان فرحة وضحك. وفي نفس الليلة، وأنا قاعد في أوضتي بالليل باصص للسقف، موبايلي رن..
كان إشعار رسالة جديدة على الواتساب من نفس الرقم.
فتحت الرسالة ببرودة وإيدين بتترعش، لقيت الصورة الشخصية لحسابها اتغيرت.. حاطة صورة إيدها وهي لابة دبلة الخطوبة الجديدة، وتحتها كلمة واحدة كتبتيهالي رد على الهدية..
كلمة واحدة نسخت كل أمل فاضل جوايا، ودخلتني في الصدمة الأخيرة والنهائية..
كانت الكلمة اللي بعتتهالي تحت صورة الدبلة هي: “عفواً.. ودعواتي لك بالهدى.”
كانت كلمة خفيفة جداً، بس وقعها عليا كان كفيل يخليني أحس إن القصة اتقفلت بالأقفال والصاج، وإن كل اللي فات بقى مجرد ماضي مالوش أي رجعة. ما كانش فيها أي كره، ولا شفقة، ولا حتى عتاب.. كانت مجرد نملة حبر بتعلن رسمياً موت آخر خط وصل بيني وبينها.
قفلت الموبايل، وحطيته على الكومودينو جنب السرير. بصيت للسقف وأنا حاسس إن في حاجة جوايا اتغيرت للأبد. للوهلة الأولى حسيت بغصة ووجع بياكل في صدري، بس مع الدقايق، الوجع دا بدأ يتحول لراحة غريبة.. راحة الشخص اللي كان مستني حكم الإعدام ولما اتنفذ أخيراً، استريح من الخوف والانتظار.
عدت الأيام بسرعة. اتجوزت وسافرت مع جوزها الخليج، والبيت اللي كان في شارعنا بقى مقفول وساكن، زي صفحتي في حياتها تماماً.
أنا كملت في طريقي. كبرت محلي الصغير، وبقت كل قرش يدخلي أتأكد إنه حلال مية في المية، مفيش فيه قرش شبهة ولا حق حد. معاملتي مع الناس اتغيرت، بقيت أتقي ربنا في كل كلمة وكل خطوة، وبقيت لما أوفق بين اتنين أو أدخل في نصيحة، أفتكر دايماً إن ربنا مابينساش، وإن اللي بنزرعه اليوم بنحصده بكرة.
أمي وأختي لما شافوا حالي اتعدل وبقيت راجل تاني خالص، بدأوا يفتحوا معايا موضوع الجواز تاني. في الأول كنت برفض تماماً، كنت خايف أظلم حد معايا أو أكرر أي غلطة، بس أمي دعتلي في يوم وقالتلي: “يا ابني ربنا غفور رحيم، وطالما اتعلمت وتوبت واستغفرت، يبقى ما تحرمش نفسك من بيت وحياة.. ابدأ على نضافة وبنية صافية.”
وبالفعل، بعد سنتين كاملين من الشغل والتعب وتقويم النفس، اتعرفت على بنت أصول، هادية، متدينة، وأهم حاجة إنها كانت صريحة معايا في كل حاجة وأنا كنت صريح معاها في كل حاجة. حكيتلها إن عندي ماضي اتعلمت منه، وإن أهم شرط عندي في حياتنا هو الصدق والتقوى، وهي تقبلت دا بكل احترام.
اتكتب كتابنا، والمرة دي ما كانش فيه لا جري، ولا خوف، ولا استعجال عشان أهرب من حاجة. كان فيه هدوء وسكينة أول مرة أحس بيهم في حياتي.
في ليلة زفافي، وأنا واقف في الكوشة وبصيت لمراتي وهي جنبي، افتكرت رحلتي كلها.. افتكرت الشاب الطائش اللي كان فاكر الفهلوة شطارة، والتلاعب بشاعر الناس ذكاء. افتكرت اللحظة اللي حسيت فيها إن الدنيا اسودت لما اتظلمت من طليقتي التانية، واللحظة اللي اتعلمت فيها أصل الرجولة من البنت اللي أنا استضعفتها زمان.
دعيت ربنا في سري ودعوتلي ودعيتلها.. دعيت إن ربنا يسعدها في حياتها الجديدة ويجازيها خير عن كل لحظة وجع سببهالها، ويغفرلي اللي فات، ويباركلي في بيتي الجديد.
القصة اتختمت، مش بالنهاية اللي كنت بتتمناها وأنا مكسور وبترجاها ترجعلي، بس بالنهاية اللي كنت محتاجها عشان أكون بني آدم صح. عرفت إن دعوة المظلوم مش بس بتدمر الظالم.. دي أوقات بتكون هي السبب الوحيد اللي بيفوقه من غفلته ويدله على الطريق الصح قبل ما يفوت الأوان.


تعليقات
إرسال تعليق