سكريبت اخت جوزي كامله حكايات زهره الربيع
سكريبت اخت جوزي كامله حكايات زهره الربيع
اخت جوزي باتت في شقتي خمس مرات وفي كل مره لازم اصحى الاقي المفرش بتاع سريرها مقطوع ،ولما سالتها عن السبب قالت بهزار مفارشك قديمه زيك ، لحد ما بنتي اللي عندها 7 سنين صحتني على حاجه ميصدقهاش عقل خلتني طردتها في نص الليل بره بيتي !!!!
أنا صباح، متجوزة من8 سنين.. 8سنين كاملين وحياتنا أنا وجوزي كانت مقفوله علينا. قرايبي وقرايبه يدخلوا، يشربوا الشاي، يتغدوا، يضحكوا، وفي آخر اليوم كل واحد يروح لبيته. محدش بيبيات عندنا، الوحيدة اللي كانت كاسرة القاعدة دي هي هبة، أخت جوزي.
هبة دي مش بس أخت جوزي، دي كانت صاحبتي وبير الأسرار.. كنت بأفرح من قلبي لما تقولي “أنا جاية أبات عندك يا صبوحة”. بس مكانتش تيجي على طول يعني في 8 سنين دول ، باتت عندي يجي خمس مرات بس.. وكل مرة كانت بالنسبة لي زي الفسحة، نفضل سهرانين لوش الفجر نضحك ونتكلم، ونعمل فشار ونفتكر أيام زمان.
شقتنا على قدنا، أوضتين وصالة.. أوضة بنام فيها أنا وجوزي، والأوضة التانية بتاعة بنتنا الوحيدة “نور” اللي عندها سبع سنين. الأوضة كان فيها سريرين: سرير لنور، وسرير تاني صغير احتياط للضيوف .. وهو ده السرير اللي كانت هبة بتنام عليه لما تيجي تنورنا.
كل حاجة كانت ماشية سمنة على عسل، لحد ما بدات الاحظ حاجه عجيبه جدا
البداية كانت لما جات وباتت عندنا اول مره ،صحيت تاني يوم الصبح بدري ، جوزي نزل شغله، ونور كانت بتلعب في الصالة.. دخلت أوضة الأطفال عشان أروقها وأطبق المفارش كالعادة. جيت أطبق المفرش الفايبر اللي هبة كانت نايمة عليه.. وقفت مذهولة! المفرش مقطوع من النص! قطك طولي صريح، الفايبر أبيض وطالع منه كأنه مشقوق بسكينة!
استغربت جداً.. المفرش ده جديد ونظيف، بس قلت في نفسي: “يلا فداها، يمكن اتقطع بدون قصد ومكسوفة تقولي”. وسكت وما فتحتش بؤي كلمة عشان ما أحرجهاش.
عدت الأيام، وجات باتت المرة اللي بعدها.. نفس السيناريو يكرر نفسه بالملي! أصحى الصبح، أدخل الأوضة عشان ألم الغطاء، ألاقي المفرش مقطوع من النص بنفس الطريقة!
المرة دي عقلي كان هيطير.. بقيت واقفة في نص الأوضة أضرب كف بكف. “هو في إيه؟!”.. قعدت أدور على أي مبرر منطقي، قلت يمكن في قطة بتنط من شباك المنور وتدخل الأوضة تشق المفرش بضوافرها وتجري؟ بس قطة إيه اللي هتسيب الأوضة كلها وتيجي على المفرش ده بالذات وتقطعه خط مستقيم كده؟!
سألت نور بنتي بالراحة: “يا نور، هو عمتك وهي نايمة بالليل بتعمل أي حاجة؟ المفرش ده اتقطع إزاي؟”
نور ببراءة الأطفال هزت كتافها وقالتلي: “أنا بنام يا مامي ومش بشوف حاجة، مفيش حاجة غريبة بتيحصل.”
سكت، وقلت خلاص هسألها هي وش لوش.
في المرة اللي بعدها دخلت عليها الصبح وهي بتلم شنطتها، وجمعت المفرش المقطوع في إيدي وقررت أواجهها بنفسي، بس بالطافة: “بقولك إيه يا هبة يا حبيبتي.. هو في إيه سر الملايات والمفارش اللي بتتقطع في الأوضة دي؟ دي تالت مرة أصحى ألاقي المفرش مقطوع من النص كأنه مقصوص بالمقص! ؟”
لقيت وشها اتخطف لحظة، وتوترت بطريقة غريبة، بس سرعان ما ضحكت بصوت عالٍ وحاولت تداري وقالتلي بتريقة: “جرى إيه يا صباح؟ هو أنا باكل المفارش وأنا نايمة ولا إيه؟ معرفش والله بيتقطع إزاي! وبعدين بصراحة كده.. مفارشك قديمة زيك ودايبة، تلاقيها بتتفكك لوحدها من كتر الغسيل!”
جاملتها وضحكت، ورسمت ابتسامة على وشي عشان ما أزعلهاش، بس من جوايا كنت بغلي وهتجنن! قديمة إيه ودايبة إيه؟! المفرش ده أنا لسه شارياه، والقطع مش قطع قماش دايب.. القطع مستقيم وغريب!
القلق أكل قلبي، وبقيت حاسة إن في حاجة مش طبيعية .. بس مكنتش قادرة أحط إيدي على السبب.
الموضوع اتكرر بعدها مرتين وانا مش فاهمه فيه ايه لحد ما جت الليله اللي غيرت كل حاجة.
كانت هبة بايتة عندنا، والساعة كانت تقريباً تلاتة الفجر. البيت كله ساكت ومظلم، وأنا نايمة جنب جوزي غرقانة في أحلى نومة.. فجأة حسيت بإيد صغيرة بتتهز على كتفي وبتشد الغطا بالراحة عشان أصحى.
فتحت عيني بالعافية، لقيت نور بنتي واقفة جنب السرير، وشها أصفر زي الليمونة وعينيها برقان من الخوف. اتخضيت وترعبت، قمت بسرعة وبصيت لها وقلت بصوت واطي: “في إيه يا حبيبتي؟ مالك؟ أنتِ عيانة؟”
نور حطت صباعها على بؤها وشاورتلي بلهفة ورعب حقيقي: “هوش يا مامي..لحسن بابا يصحى!”
قلبي بدأ يدق زي الطبول، نزلت على ركبتي قبالها، وقلت بهمس مرعوب: “في إيه يا نور؟ خضيتيني يا بنتي!”
قربت من ودني، وشفايفها كانت بترتعش وهي بتتكلم، وقالتلي بخوف شديد:
“مامي.. عمتي هبة.. أنا عرفت المفرش بيتقطع إزاي كل مرة.. تعالي معايا بسرعة وشوفي بتعمل إيه !”
جسمي كله قشعر، .. قمت من غير ما أحس، ومشيت ورا بنتي في الضلمة، روحت لأوضة الأطفال.. واللي شفته هناك في اللحظة دي، طير العقل من رأسي وخلاني مسكت هبه من إيدها ورميتها في الشارع في نص الليل من غير ما أتردد لحظة واحدة!
مشيت ورا نور بخطوات مفيهاش أي صوت، رجلي كانت بتترعش والبيت كله كان غرقان في ضلمة ونسيم الفجر البارد. كل خطوة كنت باخدها اتجاه أوضة الأطفال كانت ضربات قلبي تزيد لحد ما حسيت إنها بتخبط في زوري. نور كانت ماسكة في طرف جادوري بقوة، وصوابعها الصغيرة بتترعش، ولما وصلنا لقبل باب الأوضة بخطوتين، وقفت ولقيتها بتشاورلي بعينيها وهي كاتمة نفسها.
باب الأوضة كان موارب حاجة بسيطة خالص، خيط رفيع جداً من النور الأصفر الضعيف بتاع كشاف التليفون كان خارج منه وراسم خط على أرضية الصالة. قربت من الباب بالراحة، وحطيت عيني على الفتحة الصغيرة عشان أشوف في إيه..
اللي شفته خلى الدم يتجمد في عروقي وشعر جسمي كله يقف!
هبة كانت قاعدة على ركبها على السجادة جنب السرير، مش نايمة ولا حاجة. كانت ماسكة في إيدها موس حلاقة بيبرق تحت نور التليفون، والمفرش الفايبر مفروش قدامها على الأرض. كانت بتشق المفرش ببطء شديد وبإيد متمكنة، خط مستقيم وطويل، وكأنها بتعمل ده بتركيز وطقوس غريبة! بس المرعب فعلاً مش الموس ولا المفرش اللي بيتشق.. المرعب كان الحاجة اللي طلعت من جوة الحشوة بتاعة المفرش لما شقته!
لقيتها بتمد إيدها جوة الفايبر وتطلع أكياس بلاستيك صغيرة جداً، شفافة ومتطبقة بعناية شديدة. طلعت من جوة المفرش بتاع أربع أو خمس أكياس، وراحت بسرعة فتحت الشنطة بتاعتها وخبتهم فيها. وبعدين طلعت من شنطتها أكياس تانية بنفس الشكل، وعادت تدككها وتحشرها جوة حشوة الفايبر من فتحة القطع الجديد اللي هي لسه عاملاه!
أنا كنت واقفة مكان يجي دقيقة مش قادرة أستوعب المشهد. يعني إيه؟ هبة بتستخدم مفارش بيتي ونسيجي عشان تخبي فيها أكياس؟ وأكياس إيه دي اللي محتاجة تعمل كل التمثيلية دي وتيجي تبات عندي عشان تستبدلها؟! في لحظة واحدة، كل الشكوك السودا هاجمت عقلي.. هل دي مخدرات؟ هل دي أعمال وسحر؟ ولا هل هي بتنقل حاجة خرقاء من ورا أخوها ومن ورايا واستغفلتني 8 سنين كاملين؟!
ما حسيتش بنفسي غير وإيدي بتدفع الباب بقوة وخبط في الحيطة بصوت صرخة مدوية في سكون الليل.
هبة اتخضت خضة عمري ما شفتها في حياتي، الموس وقع من إيدها على السجادة، ونطت واقفت على حيلها وشها بقى أبيض زي الطباشير، وعينيها كانت هتطلع من مكانها من الصدمة.
“صباح?!”.. نطقها بصوت مخنوق ومكسور.
أنا مكنتش شايفة قدامي، النور كله اتفتح في الأوضة في ثانية، هجمت عليها زي اللبؤة المجنونة، مسكتها من قميصها وصرخت بصوت هز أركان الشقة: “إيه ده؟! إيه اللي بتعمليه في بيتي يا هبة؟! بتدخلي بيتي تخبي إيه جوة سرير بنتي ومفارشي؟ انطقي!!”
هبة اتلخبطت وكانت بتحاول تداري الشنطة بفرجة رجلها وهيا بتترعش: “في إيه يا صباح؟ اهدي بس أنتِ فهمتِ غلط! ده.. دي حاجات خاصة بيا، أنتِ بتفتشيني في بيتك؟!”
“حاجات خاصة بك إيه يا زبالة اللي تشقي لها مفارشي وتستغفليني من ورانا؟!” وقبل ما تصد عني، زقيتها بقوة لحد ما وقعت على السجادة، واندفعت على الشنطة بتاعتها وفتحت السوستة بكل غلي، وقلبتها على الأرض.
اللي نزل من الشنطة خلاني أتنح وأقف ذهولة.. مش بس الأكياس الشفافة الغريبة، ده كان فيه كمان رزم فلوس، وسبائك دهب صغيرة، والأهم من ده كله.. ملف أوراق واختام ومجموعة فلشات وميموري كاردز مكتوب عليها أسماء شركات!
في اللحظة دي، الباب اتفتح على آخره ودخل جوزي “سامح” وهو مخضوع ومرعوب، شعر رأسه منكوش وبيلبس في شبشبه وبيجري: “في إيه؟! في إيه يا صباح؟ صريخكم واصل لآخر الشارع! نور بتعيط بره ليه؟!”
سامح أول ما دخل الأوضة، عينه جات على المنظر: المفرش المشقوق في نص الأوضة، الموس اللي مرمي على السجادة، الفلوس والدهب والأوراق المترمية، وهبة اختة قاعدة على الأرض بتعيط وبتموت من الخوف، وأنا واقفة بصرخ وبنهج زي اللي كنت في سباق.
“إيه المهازل دي؟! هبة؟ صباح؟ في إيه اللي بيحصل هنا؟!” سامح زعق وهو مش فاهم أي حاجة.
صرخت فيه وأنا بشاور على هبة وعلى الأرض: “تعال شوف أختك المحترمة! تعال شوف بئر أسراري اللي كانت بتيجي تبات عندي كل كام شهر! أختك بتستخدم بيتك ومفارش سرير بنتك مخزن لهبابها! بتشق المفارش بالموس وتخبي وتستبدل القرف ده كل مرة تيجي فيها!”
سامح بص لأخته بصدمة مش قاطعها، ونزل على ركبه ومسك الأكياس والأوراق، وأول ما قرا الاسم اللي على الملفات والأختام، وشه اتحول وتغير 180 درجة. بص لهبة بصوت مرعب ومكتوم: “هبة.. الأوراق دي بتاعة شركة “الراوي”؟ الأختام دي أختام شغل طارق جوزك؟! الفلوس والدهب ده بتاع مين؟!”
هبة غطت وشها بإيدها وبدأت تبكي بحرقة وهستيريا: “والله يا سامح ما كان قصدي أضركم.. أنا كنت خايفة، طارق كان هيقتلني! طارق بيتاجر في أجهزة ومستندات مشبوهة، وكان شاكك إن الشرطة بتراقبه، ولو قفشوا الحاجات دي في بيتنا كنا هنروح في داهية! أنا ملقيتش حتة آمنة في الدنيا غير بيت أخويا.. محدش يفيش فيه ولا يشك فيه!”
أنا لما سمعت الكلمتين دول، العقل اللي فاضل في رأسي طار! هجمت عليها وشديتها من شعرها وسحبتها من على الأرض: “يا فاجرة؟! جاية تخبي مصايب جوزك والقرف بتاعه في بيتي وحضن بنتي؟! بتعرضينا للسين والجيم والخراب عشان تحمي نفسك وجوزك الخاين؟! بره!! بره بيتي حالاً!”
سامح كان واقف مذهول ومصدوم في أخته اللي طول عمره بيعتبرها أمنه وأمانه، بس أنا ما استنيتش رأيه. مسكت شنطتها وحشرت فيها الأوراق والدهب والفلوس بكلكعة، ومسكت هبة من دراعها بغل وحقد عمري ما حسيت بيه، وسحبتها وهي بتصرخ وبتترجى: “يا صباح عشان خاطر سامح! يا سامح قولها حاجة! الساعة تلاتة الفجر أروح فين؟!”
“تروحي في ستين داهية!” صرخت فيها وأنا بفتح باب الشقة الخارجي بقوة زلزلت العمارة، وزقيتها بره الباب على السلم، ورميت شنطتها ومفارشها وراها.
وقفلت الباب في وشها ورزعت القفل ورزعت الترابيل، وقفت ورا الباب وأنا بنهج ونفسي مقطوع، وسامح واقف ورايا ساكت تماماً، مش قادر ينطق كلمة واحدة من حجم الصدمة والخيانة اللي أخته عملتها فينا.
لكن المصيبة الكبيرة.. إن القصة مخلصتش عند باب الشقة المغلوق ده.. اللي بدأ بعد ما قفلت الباب بـ 10 دقايق بس، كان كابوس تاني خالص ألعن وأشد، كابوس خلانا نكتشف إن اللي هبة خبيته في بيتنا.. مكنش مجرد فلوس وأوراق!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
وقفت ورا الباب المقفول وأنا بجيب نفسي بالعافية، صدري كان بيترفع وينزل وسناني بتخبط في بعضها من الغل والدموع اللي تحجرت في عيني. سامح جوزي كان واقف ورايا زي الصنم، باصص للبيت كأنه بيشوفه لأول مرة، مذهول ومش قادر يستوعب إن أخته، الوحيدة اللي كان بياخدها في حبه ومستأمنها على بيته، كانت بتبدّل أمننا وبترمينا في النار عشان تحمي نفسها وجوزها.
نور بنتي كانت واقفة عند باب أوضتها مرعوبة، دموعها نازلة على خدودها الصغيرين ومش فاهمة حاجة غير إن الصراخ كان مالك الشقة وأنعكس على وشوشنا. جربت ألم نفسي، مشيت ناحيتها ونزلت على ركبتي وأنا بضمها لصدري وبهمس في ودنها بكلام ملهوش معنى عشان أهديها، بس جسمها كله كان بيترعش.
وفجأة.. وقبل ما تعدي عشر دقايق على رمي هبة بره الباب، السكون اللي كان مغرق العمارة اتكسر بصوت خبط مرعب على باب شقتنا!
مش خبط عادي.. ده كان رزق بالحديد ورجلين بتضرب في الباب بقوة كانت هتخلعه من مفصلاته!
نور صرخت واستخبت ورا ظهري، وسامح اتنطر من مكانه وجري ناحية الباب بصوت مكتوم: “مين؟!”
ما جاش رد بالأسماء، بس الصوت كان أبحّ وخشن وجاي من ورا الباب بكل غل: “افتح يا سامح! افتح بدل ما أهد الباب على دماغكم ودماغ أختك اللي مرمية على السلم!”
الصوت كان بتاع طارق.. جوز هبة!
أنا وسامح بصينا لبعض بصدمة ووشنا اتقلب أصفر. هبة مكنتش لحقت تبعد، وطارق كان وراها أو بيراقبها من الأول!
سامح قرب من العين السحرية وبص، ولقيته رجع لورا خطوتين وهو بيهز رأسه بلا.. بصلي ووشه ماليان رعب وقال بصوت واطي جداً: “طارق مش لوحده.. معاه اتنين شكلهم يقطع الخيط، وماسكين هبة من شعرها بره على السلم!”
صرخت بصوت واطي وأنا بحتضن بنتي أكثر: “يعني إيه؟! هما جايين يكملوا بقية المسرحية في بيتنا؟ اتصل بالشرطة فوراً يا سامح!”
قبل ما سامح يطول تليفونه، سمعنا صوت هبة بتصرخ من بره العمارة صرخة تجرح القلب: “الحقني يا سامح! هيقتلوني يا سامح! افتح الباب أرجوك الأوراق مش معايا كلها!”
طارق بدأ يضرب الباب بآلة حديدية، والصوت كان بيزيد ويهز الجدران، وجيران العمارة بدأوا يفتحوا الشبابيك والبيوب بصوت همهمة خايفة. طارق كان بيصرخ بصوت مرعب بره: “افتح يا سامح بدل ما أطربق العمارة دي باللي فيها! أختك سلمتني وسرقت المفتاح والأوراق، واللي جوة شقتك ده مش بتاعك.. ده يوديك أنت وهي للحبس والموت!”
سامح وقف في نص الصالة، الضغط عليه كان رهيب.. بين أخته اللي بتتصرخ بره وتحت إيد بلطجية، وبين بيته وبنته اللي متهددين في نص الليل. أخد نفس عميق، وعينيه أتحولت لنار.. فتح الترباس الأولاني، ورجعت أنا لورا وأنا بصرخ: “أنت بتعمل إيه يا سامح؟! هتعديهم علينا؟!”
سامح بصلي بصة عمري ما شوفتها في عينيه وقال: “مش هسيبها تتقتل على باب بيتي يا صباح.. بس وحياة ربنا لو قربوا منكم لأكون قاتلهم هنا!”
فتح الباب!
الدفعة كانت قوية لدرجة إن الباب اتفتح على آخره ودخل طارق وهو بيزق هبة قدامه، ووراه اتنين طوال وعراض، لابسين جواكت جلد سودا ووجوههم مفيهاش أي رحمة. هبة وقعت على سجادة الصالة تحت رجلينا، ودموعها وكدمات على وشها بتقول إنها اتضربت بره.
طارق بص في الصالة بعيون زي الشرار، ورفع صباعه في وش سامح: “فين الشنطة؟ فين الأوراق والسبائك والأكياس اللي هي كانت مخبياها هنا؟!”
سامح وقف قصاده ومسكه من ياقة قميصه بقوة: “أنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا إيه يا طارق؟! أنت جايب بلطجية وداعي بيتي في نص الليل وتضرب أختي على السالم؟!”
طارق زق إيد سامح بسخرية وضحك ضحكة مجنونة: “أختك؟! أختك الهبلة دي كانت هتودينا كلنا في داهية! فاكر الأكياس اللي هي كانت بتحشرها في المفارش بتاعتكم دي إيه؟ فاكرها فلوس ودهب بس؟ أختك كانت بتنقل الهاردات والأوراق السرية اللي فيها البلاوي السودا بتاعة الشركاء الكبار! وهي فاكرة إنها شاطرة وبتخبيها عندك عشان محدش يوصل لها، بس الشركاء دول يقتلوا بلد كاملة عشان القرف ده!”
أنا كنت واقفة ورا حيطة المطبخ ومكسورة من الخوف على بنتي، بس الكلام اللي طارق قاله نزل عليا زي الصاعقة.. الأكياس مكنتش بس فلوس، الأكياس كانت فيها هاردات وميموري فيها بلاوي لشركاء كبار ومجرمين! يعني هبة مش بس استغفلتنا.. هبة حطت بيتنا وبنتنا في وش مدفع عصابة كامة!
بصيت لهبة وهي قاعدة على الأرض بتعيط، وقلت بصوت بيترعش من الغضب: “أنتِ عملتي فينا إيه؟ أنتِ خديتي بيتي ملجأ لعصابتك؟!”
هبة بصلتلي بكسرة وقالت: “والله ما كنت اعرف إنهم يوصلوا هنا يا صباح.. طارق كان بيهددني بالقتل لو الأوراق دي اتسلمت، أنا كنت بحاول أحمي نفسي!”
طارق ما استناش، شاور للاتنين اللي معاه وقال: “اقلبوا الشقة! هاتوا الشنطة والمفارش وكل حاجة في الأوضة جوة!”
الراجلين اندفعوا ناحية أوضة الأطفال، وسامح حاول يوقفهم، بس واحد منهم زقه بقوة طيره على ترابيزة الصالة اللي الاتكسرت تحته وسال الدم من جبهته!
“سامح!” صرخت بعلو صوتي وجريت عليه، وهو بيحاول يقوم وجبهته بتجيب دم.
في اللحظة دي، طارق دخل أوضة الأطفال وبدأ يرمي اللعب والمفارش والملايات بره، وطلع الشنطة اللي أنا كنت حشرت فيها الحسابات والدهب والمفارش المشقوقة. مسك الشنطة وفتحها، وبدأ يفتش فيها بلهفة مجنونة.
وفجأة.. وشه اتغير! ملامحه اتقبضت وبص لهبة بصدمة ورعب أشد من رعبنا كلنا: “فين الهارد الأسود؟! فين الفلاشة الحمرا يا هبة؟!”
هبة بصت له بذهول وهي بتترعش: “هما في الشنطة! أنا حطيت كل حاجة جوة المفرش المقطوع!”
طارق مسك المفرش المشقوق اللي أنا كنت مسكته الصبح وقلبه وقطعه بإيديه نصين.. الفايبر الأبيض طار في كل الأوضة وزي التلج، بس مكنش فيه غير أكياس الفلوس والسبائك.. الهارد والفلاشة مكنوش موجودين!
طارق مسك هبة من شعرها ورفعها من على الأرض: “فين الهارد يا خائنة؟! أنتِ سلمتيه لمين؟! الهارد ده لو ضاع، راسي وراسك وراس كل اللي في البيت ده هتقطع قبل الشمس ما تطلع!”
هبة كانت بتصرخ وبتحلف إنها حطتهم جوة المفرش اللي كان على سرير نور..
وهنا.. الصمت نزل على الأوضة فجأة.
كل العيون اتوجهت ناحية واحدة.. ناحية نور بنتي، اللي كانت واقفة ماسكة في جادوري، وفي إيدها الصغنونة.. شنطة ظهر صغيرة بتاعة الحضانة بتاعتها!
طارق بص للشنطة الصغيرة، وبدأ يقرب من بنتي بخطوات بطيئة ومرعبة.. وأنا حسيت إن قلبي بيتقطع 100 حتة. وقفت قدامه وسديت الطريق وجسمي كله بيترعش: “أنت لو قربت من بنتي هقتلك!”
طارق بصلي بعيون مفيهاش أي رحمة، ورفع إيده ومسكني من كتفي بغل عشان يزيحني من السكة.. بس سامح قام من الأرض وهو سايح في دمه ومسك فازة كريستال كانت على الترابيزة ورزعها على رأس طارق بكل قوته!
الفازة اتكسرت مليون حتة على رأس طارق، الدم سال من فروة رأسه في ثانية، وترنح لورا وهو حاطط إيده على دماغه وبيصرخ بصوت مكتوم ماليان غل.
الراجلين الضخام اللي كانوا معاه لما شافوا المنظر، اندفعوا على سامح زي الكلاب المسعورة. واحد مسكه من دراعه ولوى دراعه ورا ظهره، والتاني ضربه ببنيّة قوية في بطنه خلت سامح ينزل على ركبه وهو مش قادر ياخد نفسه، والدم بينزل من جبهته يغرق سجاد الصالة.
أنا صرخت بعلو صوتي: “سامح! سيبوه يا أولاد الكلب! سيبوه!”
هجمت على الراجل اللي كان بيضرب سامح، ضربته بإيدي في وشه وخربشته في رقبته، بس زقني بعيد بقوة خلاني وقعت على الأرض وجنبي خبط في حافة الكنبة.
في اللحظة دي، طارق كان مسح الدم اللي نازل على عينيه بآكمام قميصه، وشه بقى شبه الشياطين من كتر الغضب. بص لنور بنتي اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، بتعيط بصوت يقطع القلب وهي ضامة شنطة حضانتها الصغيرة لحضنها بكل قوتها.
طارق شاور للراجلين: “كتفوا سامح ومراته! أوعوا حد فيهم يتحرك!”
الراجلين ثبيتلوا سامح وثبتوني على الأرض، وأنا بصرخ وبترجى وبحاول أملص إيدي من المسكة الحديدية بتاعة البلطجي، بس مكنتش قادرة. طارق مشي بخطوات بطيئة ناحية نور، كل خطوة منه كانت بالنسبة لي زي ساطور بينزل على رقبتي.
“نور! جري يا نور! ادخلي المطبخ واقفلي الباب!” صرخت بعلو صوتي.
بس نور من كتر الرعب رجليها اتجمدت في الأرض، مكنتش قادرة تتحرك ولا خطوة. طارق نزل على ركبة واحدة قدامها، وابتسم ابتسامة صفرا مرعبة، وحط إيده على شنطة الظهر الصغيرة اللي كانت ماسكاها: “هاتي الشنطة دي يا شاطرة.. عشان بابا ومامي ما يتأذوش.”
نور كانت بتهز رأسها بلا، ودموعها نازلة مغرقة وشها، بس طارق شد الشنطة من إيدها بصرامة وقوة خلت السوستة تتفتح.
قلب الشنطة على سجادة الصالة..
نزل منها كشاكيل التلوين، وعلبة الألوان الخشب، وعلبة العصير.. ومعاهم وقع الهارد الأسود الفلاشة الحمرا!
طارق أول ما شافهم عينية برقت بشرار، ضحك ضحكة مجنونة ووطى بسرعة لمهم من على الأرض وهو بيتفحصهم تحت نور الصالة: “أيوه.. هما دول! هما دول اللي كانوا هيودونا في داهية!”
هبة كانت قاعدة في ركن الصالة بتعيط ومخبية وشها بين ركبتيها من كتر الخوف والكسرة. طارق بص لها بقرف ورفسها برجله في جنبها: “قومي يا حثالة! طلعتِ حاطة الهاردات في شنطة البت؟! فاكرة نفسك ذكية؟!”
هبة صرخت من الوجع وقالت بصوت مكسور: “أنا مكنتش اعرف إن البت خدتهم! أنا حطيتهم جوة المفرش، هي أكيد لقياهم لما المفرش اتشق وأنا نايمة وأخدتهم لعبت بيهم!”
نور بصتلي وهي بتعيط وقالت بصوت يقطع القلب: “مامي.. أنا لقيت البتاع الأسود ده طالع من المفرش المقطوع إمبارح، افتكرتها لعبة زي الحجارة، فبيتها في شنطتي عشان أوريها لصاحبتي في المدرسة…”
قلبي كان بيتقطع 100 حتة وأنا سامعة بنتي.. هبة كانت مستهترة لدرجة إنها ثابت أدوات ووثائق لـ عصابة في متناول إيد طفلة عندها 7 سنين!
طارق حط الهارد والفلاشة في جيبه، وقام وقف وبص للراجلين بتوعه.. ملامح وشه تحولت من الرعب للشر الصريح. بص لسامح اللي كان شبه غايب عن الوعي من كتر الضرب، وبصلي أنا ونور.
“دلوقتي بقى.. أدينا أخدنا حاجتنا،” طارق قالها بصوت هادي ومرعب جداً. “بس المشكلة إنكم شفتوا وشوشنا، وشفتوا الأوراق، وعرفتم المكان.. وسامح نسيبنا وعارف نص البلاوي.”
سامح رفع رأسه بالعافية، وتف دم من بؤه على الأرض وقال بصوت ثقيل: “أنت عايز إيه تاني يا طارق؟ أخدت هبابك بره بيتي وعيلتي مالهمش دعوة بحاجة!”
طارق ضحك ضحكة باردة ومشى ناحية الباب الخارجي للشقة، ووقف عنده وأخد مفاتيح الشقة من على الترابيزة اللي جنب الباب: “أنا مش هسيب فجوة ورايا يا سامح.. الشركاء بتوعي ما بيهزروش. لو الشرطة عرفت بكرة باللي حصل هنا، أنا ورجالتي هنروح في داهية.”
شاور للراجلين بتوعه وقال ببرود: “اربطوا سامح ومراته في كراسي المطبخ.. وهاتوا البت وأختي معاهم. افتحوا أنبوبة الغاز في المطبخ، واقفلوا الباب الخارجي بالمفتاح من بره!”
أنا سمعت الكلمتين دول وجسمي كله اتنفض صرخة مجنونة: “يا مجرم! يا قاتل! عايز تولع فينا وفي بنتك وأختك؟! هبة انطقي! قولي حاجة لجوزك!”
هبة صرخت ونطت مسكت في رجل طارق: “طارق لأ! طارق دول أخويا وبنته! أرجوك خدهم معاك أو اتركهم، ما تقتلهمش كده!”
طارق زقها بجهل وضربها بالقلم على وشها خردها على الأرض: “أنتِ تسكتي خالص يا خائنة! أنتِ لولا إنك مراتي ولسة ليكي لازمة كنت سبتك معاه!”
الراجلين الضخام يبدأوا ينفذوا الأوامر فوراً.. مسكوا سامح وزقوه على المطبخ، وجروني أنا ونور وراهم. كنت بنفرط وبضرب برجليا وبصرخ بعلو صوتي: “يا ناس! يا عالم! الحقونا! الحريقة! البلطجية!”
بس واحد من البلطجية حط إيده الضخمة على بؤي ويكتم نفسي لحد ما حسيت إن روحي بتطلع، والدنيا بدأت تضلم في عيني.
رمونا كلنا جوة المطبخ.. المطبخ الصغير بتاعنا اللي كان دايماً ماليان ريحة الأكل والضحك، اتحول لغرفة إعدام!
جابوا حبال من الشنطة بتاعتهم، وربطوا سامح في كرسي الخشب بتاع السفيرة بقوة، وربطوني أنا في الكرسي التاني جنب سامح. نور كانت بتصرخ وبتمسك في رجليا، راح البلطجي مسكها وربط إيديها الصغيرة بحبل رفيع وكتفها في رجلي الكرسي بتاعي.
طارق دخل المطبخ بنفسه، بص علينا ببرود، وقرب من أنبوبة الغاز اللي تحت الحوض. مسك المفتاح، وبدأ يلف المفتاح ببطء..
صوت الغاز وهو بيكتسح المكان وبيخرج من الأنبوبة كان طالع بصوت حفيف مرعب: “سسسسسسسس…”
ريحة الغاز النفاذة بدأت تنتشر في المطبخ الصغير في ثواني!
طارق طلع بره المطبخ، ومسك الباب وققله علينا، وسمعنا صوت التكة بتاعة الترباس من بره! وبعدين سمعنا صوت خطواتهم العنيفة وهما بيجروا في الصالة، وصوت باب الشقة الخارجي وهو بيتقفل بالمفتاح من بره!
أحنا بقينا محبوسين جوة المطبخ.. الغاز بيطلع من الأنبوبة بغزارة، سامح مربط وسايح في دمه، ونور بنتي بتصرخ ومش قادرة تتنفس من ريحة الغاز، والبيت كله مقفول علينا بالمفتاح من بره في نص الليل!
سامح بدأ يحاول يحرك الكرسي بكل قوته وهو بينهج بصوت مخنوق: “صباح.. حاولي تفكي الحبل اللي في إيدك! الغاز هيخنقنا في أقل من خمس دقائق!”
أنا كنت بفرط وحاسة بالدموع بتكوي عيني والغاز بدأ يدخل في زوري ويخليني أكح بحرقة.. بصيت لنور اللي كانت بتصرخ وتقول: “مامي.. أنا مش قادرة أتنفس يا مامي!”
وفي وسط اللحظة الحرج دي اللي كنا بنصارع فيها الموت والغاز بيملى المكان.. سمعنا صوت حركة غريبة جاية من المنور بتاع المطبخ!
اخت جوزي حكايات زهره الربيع 2
صوت الحركة عند شباك المنور الصغير بتاع المطبخ كان زي القشة اللي اتعلقت بيها أرواحنا في وسط الضلمة وريحة الغاز اللي بدأت تتقل وتخنق الأنفاس. الشباك ده كان ألمونيتال صغير، بنفتحه عشان يخرج ريحة الأكل، ومطل على مسقط النور بتاع العمارة الضيق.
“صباح.. انتِ سامعة؟” سامح قالها بصوت مخنوق ومتقطع، وهو بيحاول يرفع رأسه بالعافية، ودمه النازل من جبهته كان بدأ ينشف على وشه ويضايق عينيه.
نور بنتي كانت بتكح بصوت يرعب القلب، صدرها الصغير كان بيترفع وينزل بصعوبة، ودموعها نازلة كأنها مية مفتوحة: “مامي.. أنا خايفة، ريحة وحشة أوي، مش قادرة أتنفس يا مامي!”
أنا كنت بفرط زي المذبوحة، الحبل كان بياكل في جلدي وعامل حز أحمر في معصم إيدي، بس مع كل كحة من نور، كان بيجيلي جنون مش طبيعي. حركت إيدي بصرامة وغل، وجلد إيدي كان بيتقشر تحت الحبل المشدود، بس مكنتش حاسة بأي وجع جسماني، الوجع الوحيد اللي كان بيموتني هو صوت بنتي وهي بتتخنق.
فجأة، إيد الشباك الألمونيتال اترزعت من بره!
الشباك اتفتح ببطء، وظهر وراه وش جارنا عم “سيد”.. الراجل الخمسيني الطيب اللي ساكن في الشقة اللي قدامنا ومطبخه قبال مطبخنا على المنور. عم سيد كان واقف على سور المنور، مسنود على الماسورة الرئيسية، وفي إيده كشاف كبّاس أبيض قاطع بيه الضلمة، عيلته كلها صحيت على صوت الدبّة والصراخ بتاعنا.
“سامح?! صباح?! في إيه يا جماعة؟ ريحة غاز طالعة من عندكم تخنق البلد! هبة وطارق نزلوا بيجروا ليه على السلم بالمنظر ده؟!” عم سيد صرخ بصوت مذهول وهو بيحط إيده على مناخيره أول ما ريحة الغاز ضربت في وشه من الشباك.
“عم سيد! الحقنا يا عم سيد!” أنا صرخت بصوت مكتوم ومش قادرة أطلع النبرة كاملة من الغاز اللي ملَى زوري. “طارق قفل الأنبوبة والمطبخ علينا بالمفتاح ومشي! الأنبوبة مفتوحة يا عم سيد هنموت! نور بتتخنق!”
عم سيد أول ما سمع اسم نور، وشه اتغير 180 درجة، صرخ في مراته اللي كانت واقفة وراه في شباك مطبخه: “يا أم أحمد! اتصلي بالشرطة والإسعاف فوراً! وقولي لأحمد يجيب العتلة وينزل يكسر باب شقة سامح من السلم!”
وفي نفس اللحظة، عم سيد مكدبش خبر.. مد جسمه بكل شجاعة من شباك المنور، ورغم كبر سنه وجسمه المليان، قدر يدخل رأسه وكتفه من فتحة الشباك الألمونيتال الضيقة. إيده كانت بتترعش وهو بيحاول يوصل لمفتاح الأنبوبة اللي تحت الحوض.
“مش طايلها يا سامح! الرخامة مدارية الأنبوبة!” عم سيد صرخ وهو بيتخنق من كثافة الغاز جوة المطبخ.
“العتلة يا عم سيد! المفك أو أي حاجة عندك زق بيها المقبض!” سامح زعق بكل قوته، وهو بيحاول يهز الكرسي الخشب بتاعه بكل تقله عشان يقع بيه ناحية الأنبوبة، لحد ما الكرسي اتكلفت بيه على جنبه واتبدد على الأرض بصوت خبطة شديدة.
سامح، وهو واقع على الأرض ومربوط في الكرسي، قدر يمد رجله المحبوسة ويضرب مقبض الأنبوبة بكل قوته.. ضربة، في التانية.. لحد ما سمعنا صوت “تكة” المفتاح وهو بيلف ويقفل محبس الغاز!
الصوت تسريب الغاز قفز، بس المطبخ كان خلاص غرقان بالغاز السام، والهوا النضيف مكنش يدخل غير بنسب بسيطة من شباك المنور.
في نفس اللحظة، سمعنا من بره في الصالة صوت رزق هائل على باب الشقة الخارجي! “دب! دب! دب!”.. ده كان أحمد ابن عم سيد ومعاه اتنين من شباب العمارة، بيضربوا باب الشقة بالعتلة والشاكوش العريض. الصوت كان بيزلزل العمارة كلها، وجيران الأدوار اللي تحت وفوق بدأوا يتجمعوا على السلم بصريخ وهرج ومرج.
“كمان ضربة يا أحمد! افتح الباب يا بني الناس بتتخنق جوة!” صوت عم سيد كان جاي من المنور وهو بيصرخ فيهم.
ضربة أخيرة قوية رزعت الشقة، وصوت خشب الباب وهو بيتكسر والترباس بيطير نزل على ودانا زي صوت الفرج!
سمعنا خطوات رجالة بتجري جوة الصالة، وصوت أحمد بيصرخ: “سامح! أنت فين يا سامح?!”
“المطبخ يا أحمد! الباب متقفل بالترباس بره!” صرخت بأعلى ما فيا.
أحمد أخد خطوتين ورزع باب المطبخ برجله، الباب الخشب الضعيف اتفتح وشالوا الترباس. الهواء النضيف بتاع الصالة دخل يكتسح ريحة الغاز الخانقة. الرجالة دخلوا بيجروا، أحمد مسك السكينة من على الرخامة وبدأ يقطع في الحبال اللي مربوطة بيها إيديا وإيد سامح ونور.
أول ما الحبل اتفك من عليا، ما فكرتش في نفسي ولا في دراعي اللي كان بنزف، اترميت على نور وجمعتها في حضني. نور كانت وشها شاحب جداً وشفايفها زرقا، وبتترعش في حضني زي الورقة. سامح قام بالعافية، ومسك في جدار المطبخ وهو بينهج وشه كله دم، وبص لأحمد وعينيه ماليانة ذهول وغضب: “الشرطة يا أحمد.. اتصلت بالشرطة؟”
أحمد رد وهو بيساعد سامح يقف: “أم أحمد اتصلت بالنجدة، وجيران العمارة تحت شافوا طارق وهبة وهما بيجروا وركبوا عربية سودا وكانت طالعة تجري في الشارع! بس يا سامح، إيه اللي حصل ده؟! ده شروع في قتل!”
“ده ألعن من الشروع في القتل يا أحمد..” أنا قيلتها وأنا بقوم وبشيل نور بين إيديا. “دي عصابة! هبة أخته كانت بتخبي عندهم بلاوي ومستندات، ولما انكشفت، طارق كان عايز يدفننا أحياء في شقتنا عشان يمسح أثرهم!”
الهرج والمرج كان مالي العمارة، النسوان يدخلوا الشقة يهدوني وياخدوا نور عشان يشربوها مية ويهدوها، وأنا كنت رافضة أسيب بنتي لحظة واحدة. وبعد حوالي عشر دقايق، صوت سرينات الشرطة والإسعاف كانت مالية الشارع تحت العمارة.
النور المحمر والأزرق بتاع عربيات النجدة كان بيضرب في شبابيك الصالة. دخل الظابط، رئيس مباحث القسم، ومعاه قوة من الأمناء والخبراء الجنائيين.
الظابط بص للمنظر: الباب المكسور، الفايبر اللي مالي الصالة والأوضة زي التلج، ريحة الغاز اللي لسة ثقيلة، وسامح اللي وشه غرقان دم والرباطات المرمية على أرضية المطبخ.
“إيه البلاغ ده؟ مين صاحب الشقة؟” الظابط سأل بنبرة حازمة وهو بيطلع دفتره ومفتش البصمات بدأ يشتغل.
سامح خطى لقدام، مسح الدم من على وشه وقال بنبرة ثقيلة ومكسورة: “أنا صاحب الشقة يا باشا.. سامح عبد الرحمن. واللي عمل كده.. اختي وزوجها!”
الظابط رفع رأسه باستغراب: “أختك وجوزها؟! فتحوا الغاز وربطوكم عشان إيه؟”
هنا أنا دخلت في الكلام، مكنتش قادرة أسكت ولا أداري على أي حاجة، الخوف خلاص اتحول لغل ونار بتاكل في قلبي: “عشان هي كانت بتيجي تبات عندي وتشق مفارش السرير بموس حلاقة وتخبي فيها فلوس ودهب وهاردات وأوراق مشبوهة يا باشا! ولما بنتي كشفتها ونور عرفت، طارق جوزها جه بلطجية الشقة، واخدوا الشنطة والهاردات، ولما شافوا إننا عرفنا سرهم، ربطونا أنا وجوزي وبنتي في المطبخ وفتحوا الأنبوبة عشان نتموت مخدوعين!”
الظابط ملامحه اتغيرت تماماً، وساب الدفتر ونظر لخبراء الأدلة الجنائية: “افحصوا الأوضة والمفارش فوراً، وهاتوا أي أثر للأكياس أو الفايبر المشقوق!”
الخبراء دخلوا أوضة الأطفال، وطلعوا بقايا المفارش اللي هبة كانت شاقاها بالموس، ولقوا آثار الفايبر المتقطع والأكياس الشفافة اللي كانت ملفوفة بحرفية. الظابط بص لسامح وقال: “طارق ده بيشتغل إيه؟ والأوراق دي بتاعة إيه بالضبط؟”
سامح قال بصوت مكسور: “طارق جوز أختي بيشتغل في شركة استيراد وتصدير، بس الأختام اللي شفتها على الملفات كانت أختام شركات وهمية ومستندات تخيص قضايا تهريب وأجهزة إلكترونية غير مرخصة.. والأهم من كده، الهاردات اللي كانت في شنطة بنتي كان مكتوب عليها أسماء كبار الشركاء!”
الظابط بص للظباط بتوعه وأصدر أمر فوري: “وزعوا النشرات على كل الكمائن والمنافذ باسم طارق وهبة! العربية السودا اللي نزلوا بيها تعمم أرقامها في كل المحافظة!”
الإسعاف نزلوا بسامح عشان يخيطوا الجرح اللي في رأسه، وأنا ونور نزلنا معاه تحت حراسة الشرطة، بينما الشقة اتحفظ عليها بالكامل للنيابة والأدلة الجنائية.
طول الطريق في عربية الإسعاف، سامح كان ساكت، باصص للإيدين المحزوزة بالحبال بتاعته وبتاعتي، وعينيه ماليانة دموع حبست نفسها. مسكت إيده وقلت له بصوت مرعب: “أنا مش زعلانة منك يا سامح.. أنا زعلانة إننا أمنّا حيتان وأفاعي في بيتنا 8 سنين. هبة مكنتش أختك.. هبة كانت بتستخدمنا كبش فداء لجرائم جوزها!”
سامح بصلي وقال بصوت مكسور: “والله ما كنت اعرف يا صباح.. والله مكنت أتوقع إن الدم يغدر كده عشان شوية فلوس وورق!”
وصلنا المستشفى، خيطوا جرح سامح بـ 8 غرز في رأسه، وعملوا جلسات أكسجين لنور وليا عشان تأثير غاز البوتجاز.
بس وأحنا قاعدين في الاستقبال تحت حراسة أمين شرطة، الساعة كانت تقريباً ستة الصبح، والشمس بدأت تطلع ورسمت خيوطها على الشبابيك.. تليفون سامح رن!
النمرة كانت رقم مجهول ومغلق..
سامح بصلي بتوتر وفتح السبيكر ورفع التليفون على ودنه: “ألو؟”
جالنا صوت هبة!
صوتها كان بيترعش وبتبكي بهستيريا، والصوت وراها كان ماليان وش وصرخات ودوشة زي ما تكون راكبة عربية ماشية بسرعة جنونية: “سامح! سامح أرجوك اسمعني! طارق اتجنن يا سامح! طارق مش موديني البيت.. طارق واخدني على طريق الإسكندرية الصحراوي وعايز يخلص مني أنا كمان بعد ما الهاردات اتكشفت! طارق كان يخدعني طول السنين دي، والهاردات اللي كانت في بيتكم فيها تسجيلات تدينه هو والشركاء في قضايا قتل وتهريب! الحقني يا سامح هيقتلني!!”
وفجأة.. الصوت اتكسر بصوت صرخة طارق المرعبة في الخلفية: “هاتي التليفون ده يا فاجرة!”
وبعدها سمعنا صوت رزعة جامدة، وصوت فرامل عربية بتصرخ على الأسفلت.. وتلفون قطع الخط!
انقطع الخط، والتليفون فضلت صفارته الميتة تزن في ودن سامح زي السكينة اللي بتتدبح بيها أرواحنا.
سامح كان واقف في نص صالة استقبال المستشفى، ماسك التليفون وإيده بتترعش بشدة، وشه كان شاحب تماماً ولون الدم اختفى منه، والجرح اللي في رأسه والضمادة البيضا الملفوفة حولين رأسه كانت بتنز نقط دم صغيرة من كتر ما جسمه اتشد وتنشن من الصدمة.
“سامح.. في إيه؟ هبة قالتلك إيه؟!” أنا صرخت فيه وأنا قايمة من على الكرسي ورباط الأكسجين لسه في إيد بنتي نور.
سامح بصلي بعيون تائهة ومظلمة، ونطق بصوت عامل زي الصدى: “طريق إسكندرية الصحراوي.. طارق واخدها ومروح بيها هناك، طارق عايز يخلص منها يا صباح! بيقولها الهاردات فيها قضايا قتل وتهريب، ورايح يدق ربتها في الصحرا عشان يمسح أثرها وأثر العصابة كلها!”
أمين الشرطة اللي كان واقف يحرسنا أول ما سمع الكلام، قرب بسرعة ومسك دراع سامح: “أنت بتقول إيه يا بني؟! التليفون ده جه منين؟”
سامح مسك أمين الشرطة من ياقة ميريه وبدأ يهزه بهستيريا وجنون: “أختي بتموت! جوزها واخدها على الصحراوي وهيقتلها! اطلب رئيس المباحث فوراً! اتصل بيه قولوا يعملوا كمائن على طريق مصر إسكندرية الصحراوي! اطلب النجدة يا بني أدم!!”
الأمين مكدبش خبر، مسك الجهاز اللاسلكي اللي على كتفه وبدأ ينادي بلغة الإشارة والرتب: “حولني على المأمور فوراً! المحضر رقم 4022 شروع في قتل، المتهم طارق عبد الجواد واخد المجني عليها هبة عبد الرحمن في عربية سودا ومتحرك بيها على طريق مصر إسكندرية الصحراوي! كرر النشرة فوراً وعمم على كل كمائن الطريق الصحراوي والمرور المركزي!”
أنا مكنتش قادرة أقف على رجلي، الدموع كانت نازلة على خدي بلهب. رغم كل الخيانة، ورغم إن هبة كانت السبب في إننا نتربط في المطبخ والغاز كان هيخنقنا ونموت في نص الليل، ورغم إنها استغفلتني 8 سنين كاملين وحطت سرير بنتي مخزن لمصايبها.. بس في النهاية دي روح، والدم عمره ما يبقى مية، وسامح كان هيموت من الخبر وممكن يجراله حاجة في قلبه أو دماغه المفتوحة.
“أنا رايح وراهم!” سامح صرخ ونزل بيجري ناحية بوابة المستشفى.
“سامح لأ! استنى يا سامح أنت مجنون؟! أنت مخروم في رأسك وسايح في دمك!” جريت وراه وأنا ماسكة نور في إيدي، والناس في المستشفى يبصوا علينا باستغراب ورعب.
“مش هسيبها تتقتل يا صباح! لو ماتت على إيده مش هسامح نفسي طول عمري إنها سابت بيتي وراحت للموت!” سامح كان بيصرخ في الشارع وهو بيكسح بعربيات التاكسي الواقفة قدام المستشفى.
وقف تاكسي بالعافية، زق الباب وركب في الكرسي القدامي، وأنا مكنتش هسيبه يروح لوحده وهو في الحالة دي، أخدت نور وركبت في الكرسي الورااني بسرعة وأنا بقول للسواق: “اطلع على طريق إسكندرية الصحراوي بسرعة يا كابتن! في نجدة وشرطة ورانا!”
السواق بص لرباط رأس سامح والدم اللي على هدومه، ولشكلنا المرعوب، وداس بنزين وأخد الطريق بسرعة جنونية.
الطريق الصحراوي في الوقت ده، مع بداية شروق الشمس، كان ماليان تريلات وشاحنات ضخمة والشبورة البيضا مغطية زجاج العربية. سامح كان ماسك التليفون وبيدق على نمرة هبة كل ثانية، وكل مرة يجيله الصوت الآلي المرعب: “الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة.”
“ردي يا هبة.. ردي يا غبية!” سامح كان بيخبط رأسه في تابلوه العربية وبيعيط بصوت يكسر الحجر.
أنا كنت قاعدة ورا، ضامة نور لصدري، وباصص للأرضية وبدعاء ربنا إن الكابوس ده ينتهي. نور كانت ساكتة خالص، الصدمة خلت الطفلة مابتنطقش، عينين نور الصغيرين كانوا باصين للشارع وكأنها كبرت 10 سنين في ليلة واحدة.
وبعد ما مشينا على الطريق الصحراوي حوالي نص ساعة، وتعدينا كارتة الرسوم.. بدأنا نشوف النور الأحمر والأزرق بتاع عربيات النجدة ومرور الطريق السريع!
سراين الشرطة كانت بتزعق في الهوا، وتريلات واقفة على جنب، وفي تجمع كبير من عربيات المرور والنجدة مقفول بيه حارتين من الطريق!
“اقف هنا يا كابتن!” سامح صرخ في السواق ونط من التاكسي قبل ما العربية تقف تماماً!
أنا نزلت أجدري وراه والنفس مقطوع، وأنا شايلة نور بين إيديا. سامح اندفع ناحية التجمع وهو بيصرخ: “هبة! هبة!”
أفراد النجدة والشرطة حاولوا يمنعوه ويمسكوه: “ممنوع يا فندم! ده موقع حادثة متقفل! وخرابيش ومسرح جريمة!”
“دي أختي! أختي كانت في العربية السودا!” سامح صرخ في رئيس المباحث اللي كان واقف ينظم القوة.
الظابط أول ما شاف سامح وشاف الرباط اللي على رأسه، عرفه فوراً: “أنت سامح عبد الرحمن؟ صاحب شقة العمرانية؟”
“أيوة أنا يا باشا! فين هبة؟! فين طارق؟!” سامح سأل وهو جسمه كله بيترعش.
الظابط ملامحه اتقبضت، وأخد نفس طويل وشاور بإيده ناحية المنحدر الترابي اللي على يمين الطريق الصحراوي: “تعال معايا..”
نزلا ورا الظابط في المنحدر الترابي، واللي شفنا تحت خلاني حطيت إيدي على بؤي وصرخت بكل ما فيا من غل ورعب!
العربية السودا الفارهة بتاعة طارق كانت منقلبة على سقفها، ومفعوصة كأنها علبة كنز مكسورة! الصاج كله كان متطبق، والأزاز متكسر ومغرق الرملة، وآثار فرامل عريضة وسودا على الأسفلت بتقول إن العربية كانت ماشية بسرعة تجاوزت 180 كيلو في الساعة وانحرفت فجأة عن الطريق!
رجال الإسعاف والمطافئ كانوا بيحاولوا يقطعوا صاج العربية بالآلات الهيدروليكية عشان يطلعوا الجثث والناس اللي جوة.
سامح اترمى على الرملة وجري ناحية العربية وهو بيصرخ: “هبة! هبة!”
مسكوه رجال الإسعاف بالعافية: “اهدى يا أستاذ! اهدى عشان نعرف نشتغل!”
بعد خمس دقايق من التقطيع في الصاج، طلعت جثة طارق.. طارق كان ميت فوراً، دماغه متكسرة من خبطة السقف، وفي إيده كانت لسة الشنطة السودا الصغير اللي فيها الهاردات والفلوس، متمسك بيها حتى وهو بيموت!
أما هبة..
رجال الإسعاف طلعوها من الناحية التانية، جسمها كان ماليان جروح وكدمات، ودمها مغرق وشها، بس كانت لسة بتتنفس بصعوبة شديدة وخفيفة جداً!
سامح اترمى على الأرض جنب النقالة اللي شالوها عليها، ومسك إيدها وهي بتترعش: “هبة! هبة رد عليا يا هبة! أنا سامح أخوكي!”
هبة فتحت عين واحدة بالعافية، عينيها كانت ماليانة دموع ودم، وبصت لسامح بنظرة مكسورة مفيهاش غير الندم والعذاب.. شفايفها كانت بترتعش، وحاولت تتكلم بصوت عام زي الفحيح الخافت: “سامح.. سامح سامحني.. أنا.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس هتنجينا.. طارق كان.. كان عايز يرميني من العربية وهي ماشية لما سمع سرينات النجدة.. فمسكت في دركسيون العربية ونزلت بيه في المنحدر…”
سامح بكى بحرقة ومسك رأسها وباسها: “ليه يا هبة؟ ليه عملتي فينا وفي نفسك كده؟!”
هبة وجهت عينها الضعيفة ناحيتي أنا ونور اللي كنا واقفين ورا سامح، ودمعة طويلة نزلت على خدها المليان جروح، وقالت بهمس بصعوبة: “صباح.. المفارش.. المفارش مكنتش قديمة.. أنا.. أنا اللي كنت حقيرة ومريضة بالخوف والحيانة.. سامحيني يا صباح.. احمي نور…”
وقبل ما تفضل تكمل الكلمة.. عينها اتقفلت، والأجهزة اللي ركبوها رجال الإسعاف عليها طلعت صفارة طويلة ومستمرة!
“المريضة دخلت في سكتة قلبية وتوقف في التنفس! ارفع الصدمات الكهربائية بسرعة!” الدكتور بتوع الإسعاف صرخ وهو بيحاول يعمل لها إنعاش قلبي في مكان الحادثة.
سامح انهار على الأرض تماماً، وكان بيضرب برأسه في التراب وبيصرخ بصوت هز الصحرا كلها: “ياااااارب! ليه كدة يا هبة؟! ليه كدة يا أختي؟!”
أنا وقفت مكان مذهولة، ضامة نور لصدري، وباصة لجثة طارق المغطاة بملاية بيضا، ولهبة اللي بيحاولوا ينعشوا قلبها في نص الطريق الصحراوي، والشرطة والأدلة الجنائية بيلفوا حولين العربية وبياخدوا الشنطة والهاردات اللي كانت السبب في تحطيم عيلة كاملة.
الظابط قرب مني ومن سامح وقال بصوت صارم: “الهاردات والأوراق دي هتتحفظ عليها النيابة العامة.. الحادثة دي وراها شبكة كبيرة جداً وهتتفتح فيها قضايا كبرى في البلد، وأنتم لازم تيجوا معانا المجمع فوراً للإدلاء بأقوالكم بالكامل أمام وكيل النيابة.”
أنا بصيت لسامح اللي كان منهار، وبصيت لنور اللي كانت ماسكة في دراعي، وعرفت إن القصة مش بس حادثة وماتت فيها هبة وطارق..
اللي جاي كان ألعن وأشد.. لأن العصابة والشركاء الكبار اللي طارق كان خايف منهم وهبة كانت بتخبي أسرارهم جوة بيتي وسرير بنتي.. عرفوا إن الهاردات والأوراق بقت في إيد النيابة والشرطة، وعرفوا إن صباح وسامح هما الشود الوحيدين اللي فاضلين على قيد الحياة!
المشهد على الطريق الصحراوي كان كأنه حلم أسود مابينتهيش. صوت جهاز الإنعاش اللي بيصفر صفارة ميتة، وجثة طارق المغطاة بملاية بيضا غرقت في التراب، وهبة اللي بين الحياة والموت، وسامح أخيها الواقع على ركبه بيبكي بحرقة ودموعه نازلة تخلط بدم جرح رأسه.
دكاترة الإسعاف فضلو يقاوموا لدقيقتين كاملين، صدمات كهربائية وضغط على الصدر، لحد ما نبض قلب هبة رجع ضعيف جداً ومتردد. رفحوها بسرعة على النقالة ودخلوها جوة عربية الإسعاف، وسامح نط وراها وهو مسك إيدها زي الغريق اللي بيتمسك بقشة، والعربية طارت بيهما وسريناتها بتهز الطريق ناحية مستشفى الطوارئ بالقاهرة.
أنا بقيت واقفة على جنب الطريق الصحراوي، شيلة نور بنتي اللي كانت ساكتة خالص كأن روحها اتسحبت منها، والظابط بتاع المباحث واخد الشنطة السودا والأكياس والهاردات بحذر شديد، وشرطة الأدلة الجنائية بتصور العربية المنقلبة.
“يا مدام صباح..” الظابط قرب مني ووشه صارم جداً ومشدود. “أنتِ والبنت هتركبوا معايا عربية البوكس فوراً. الموضوع كبر وبقى قضية أمن دولة وشبكة تهريب دولية، الأوراق والهاردات اللي كانت في بيتكم وفي شنطة بنتك فيها أسماء شخصيات ثقيلة جداً، وحياتكم كلكم في خطر حقيقي.”
ركبت عربية الشرطة وأنا حاطة نور في حضني ودافنة وشها في صدري عشان ما تشوفش الدم ولا الصاج المفعوص. طوال الطريق للقسم والنيابة، عقلي كان بيعيد السنين اللي فاتت كأنها شريط سينما.. ثماني سنين كاملين! 8 سنين وأنا فاكرة هبة صاحبتي وبير أسراري! 8 سنين وهي بتيجي تبات عندي وتضحك في وشي وتاكل من أكلي، وفي الأصل كانت بتستخدمني ومغفلة بيتي، وبتحط سرير بنتي الصغيرة خط دفاع أول لمصايبها وقذارتها!
نوصل النيابة العامة، والهدوء اللي في المكاتب كان يرعب. التحقيق بدأ من الساعة ثمانية الصبح واستمر لساعات طويلة. وكيل النيابة قعد يسألني عن كل مرة هبة جات باتت فيها عندي، وعن تواريخ القطوعات اللي كانت بتعملها في مفارش السرير بموس الحلاقة.
“يعني يا مدام صباح..” وكيل النيابة قال وهو بيعدل نظارته وبيبص في التقارير. “المتهمة هبة كانت بتستغل بيتك كمحطة ترانزيت؟ بتيجي بالمفرش المحشي هاردات ومستندات، تشقه عندك، وتاخد القديم وتحط الجديد وتخيطه أو تسيبه مقطوع وتعمل نفسها مش فاهمة؟”
“أيوة يا بيه..” أنا رديت بصوت مكسور وناشف. “وكانت بتتريق عليا وتقولي مفارشك قديمة زيك ودايبة عشان تداري على عملتها! ومكنتش اعرف إن الحاجات دي هتوصل إن جوزها يجي يهد بيتي بالبلطجية ويربطنا ويفتح علينا أنبوبة الغاز في المطبخ عشان نموت ومحدش يعرف أسرارهم!”
وأحنا في وسط التحقيق، الباب اتفتح ودخل ظابط كبير برتبة عميد، بص لوكيل النيابة وناداه على جنب، وسمعت همس كلامهم اللي نزل عليا زي الصاعقة:
“الشركاء الكبار عرفوا بالقبض على الهاردات.. وفي تحركات غريبة حولين المستشفى اللي فيها المتهمة وأخوها!”
وكيل النيابة بصلي بملامح حادة، وقفل الملف بقوة وقال للظابط: “اطبع محضر التحفظ فوراً، ونزل قوة حراسة مشددة على شقة المتهمين وعلى غرفة هبة في المستشفى! العيلة دي لازم تتأمن بالكامل لأنهم الشهود الوحيدين في القضية!”
خرجنا من النيابة تحت حراسة شرطية مشددة، وأخدوني أنا ونور على المستشفى اللي فيها سامح وهبة. لما دخلت الدور الثالث، لقيت أمناء شرطة مسلحين واقفين على باب الأوضة وباب الدور كله.
دخلت الأوضة، لقيت سامح قاعد على الكرسي جنب السرير، وشه شاحب ورأسه ملفوفة بالرباط، وباصص لهبة اللي كانت متوصلة بأجهزة تنفس ومحاليل وأسلاك قياس النبض، ووشها كله غرز وكدمات.
“سامح..” أنا همست وأنا بقرب منه.
سامح رفع عينيه ليا، عينية كانوا أحمر زي الدم، ونطق بصوت متهدرج: “هبة دخلت في غيبوبة يا صباح.. الدكتور بيقول المخ جايله نزيف حاد، وممكن ما تقومش منها تاني.”
أنا قعدت على الكرسي التاني ومسكت إيد نور، مكنتش عارفة أحس بإيه.. أزعل على أخته اللي بين الحياة والموت؟ ولا أصرخ واشتمها لأنها كانت السبب في إن بنتي تتخنق بالغاز ورعبنا يعيش معانا طول العمر؟
وفجأة.. ريحة غريبة بدأت تنتشر في كوريدور المستشفى بره الأوضة!
ريحة شياط وحريقة خفيفة، وصوت حركة وركض أقدام عنيفة في الطرقات!
سامح اتنفض من مكانه وبص للباب.. وسمعنا صوت ضرب نار مكتوم “بف! بف!” بره الأوضة في الكوريدور!
صوت أمناء الشرطة اللي كانوا واقفين يحرسونا اختفى، وسمعنا صوت دبة أجساد بتقع على الأرض بره!
أنا صرخت وضميت نور ليا بكل قوتي، وسامح جري على باب الأوضة وققله بالمفتاح ورزع الكرسي وراه عشان يسده!
“في إيه يا سامح؟! مين بره?!” أنا صرخت برعب هز الأوضة.
“الشركاء..” سامح قالها بملامح ميتة وهو ساند بجسمه على الباب. “الشركاء جايين يخلصوا على هبة وعلينا عشان القضايا ما توصلش للمحكمة!”
صوت خطوات ثقيلة وقفت بره باب الأوضة بالضبط.. وسمعنا مقبض الباب بيلف ببطء شديد، وصوت خبيث وجاف نطق من ورا الباب المغلق:
“افتح يا سامح.. طارق مات وهبة كده كده ميتة.. هملنا ناخد الأوراق والنفرين اللي جوة، بدل ما ننزل بالمستشفى دي كلها على دماغكم!”
انقبضت أحشائي وسكت اللسان من كثرة الرعب. النبرة اللي كانت جاية من ورا باب الأوضة مكنتش نبرة تهديد عادي، دي كانت نبرة ناس بايعة حياتها وعارفة هي بتعمل إيه كويس. ريحة الشياط اللي كانت طالعة من الكوريدور بدأت تزيد، وعرفت إنهم ولعوا في حاجة في الصالة بره عشان يخلقوا حالة ذعر ويغطوا على صوت الهرج والضرب.
سامح كان ساند بجسمه كله على الباب، والدم نازل ينقط من تحت الضمادة بتاعة رأسه على قميصه من كتر الضغط والجهد. بصلي وعينيه ماليانة رعب وقوة في نفس الوقت، وقال بصوت واطي ومكتوم: “صباح.. خدوا نور وادخلوا الحمام اللي جوة الأوضة وافلي الباب عليكم بالترباس! أوعي تخرجي مهما سمعتِ من صريخ أو ضرب!”
“مش هسيبك يا سامح!” صرخت وأنا بحاول أجر بنتي اللي كانت شبه غايبة عن الوعي من كتر الرعب. “هيموتوك يا سامح! دول دخلوا على حراسة الشرطة وخلصوا عليهم!”
سامح زقني بقوة ناحية الحمام وهو بيصرخ بصوت يهز الجدران: “ادخلي بقولك!! احمي البت يا صباح! دي أختي وهي اللي جابت لنا المصيبة دي، وأنا مش هسيبهم يلمسوا شعرة منكم تاني!”
مسكت نور من دراعها وجريت بيها جوة حمام الأوضة الضيق، ورزعت الباب وقفلت الترباس من جوة. قعدت على الأرض والدموع نازلة زي السيل، وضميت بنتي بين أحضاني وكتفتها بإيديا ورجليا كأني بحاول أدخلها جوة جسمي عشان أحميها.
في نفس اللحظة، اترزع باب الأوضة بره رزعة هزت الحمام!
الكرسي اللي سامح كان حاطه ورا الباب اتكسر نصين، وسمعنا صوت خبط أجساد ودب ورزع عنيف على الأرض. سامح كان بيصرخ ويقاوم بيأس، وصوت الأشياء وهي بتتكاد وتسقط جوة الأوضة كان مرعب.. أجهزة المحاليل اتكست، ومونيتور النبض وقع على الأرض بصوت دبة عالية.
“فين الأوراق والهاردات اللي كانت في شنطة البت يا روح أمك؟!” الصوت الخشن الزبالة صرخ وهو بيكتم صوت سامح.
سمعت صوت ضرب مكتوم ووجع، وسامح بيصرخ بصوت مخنوق: “الأوراق في النيابة العامة يا أولاد الكلب! النيابة أخدت كل حاجة والشرطة زمانها جاية في السكة!”
“يبقى اختك والبت وأمها يروحوا في داهية قبل ما النيابة تفتح الملفات!” الصوت صرخ بغل.
وفجأة.. سمعنا صوت سرينة إنذار الحريق بتاعة المستشفى بدأت تصرخ بأعلى صوت “بييييب.. بييييب!” والرشاشات بتاعة المية اللي في السقف اشتغلت في كل الدور! المية بدأت تنزل بغزارة وتغرق المكان، والناس والدكاترة بره في الممرات بدأوا يصرخوا وبيجروا بهستيريا: “حريقة! حريقة في الدور التالت!”
الهرج والمرج اللي حصل في المستشفى اتسبب في لخبطة للمجرمين اللي جوة الأوضة. سمعت صوت الباب بيترزع تاني، وخطوات رجالة بتجري بسرعة في الممر عشان يهربوا وسط زحمة الناس والشرارة اللي طالعة من الحريقة.
سامح كان على الأرض بيئن بصوت ضعيف جداً: “صباح.. افتحي يا صباح.. هربوا..”
فتحت ترباس الحمام وخرجت وأنا بجر نور ورايا. المنظر جوة الأوضة كان يهد الحيل! المية بتنزل من رشاشات السقف غرقانة الأرض، والمونيتور مكسور، وسامح ممدد على الأرض جنب سرير هبة والدماء مالية وشه وسدره، وهبة كانت لسة على السرير زي الصنم، أجهزتها متخلعة ونبضها على الشاشة الصغنونة اللي فاضلة كان بيضعف ويروح.
جريت على سامح ورفعت رأسه على ركبتي: “سامح! قوم يا سامح عشان خاطر بنتك!”
سامح فتح عينيه بالعافية وبص لأخته المرمية على السرير: “هبة.. انظري هبة يا صباح..”
بصيت على هبة، ولقيت عينها مفتوحة على آخرها ومثبتة على سقف الأوضة.. خط النبض في الشاشة الأخيرة اتعدل وبقى خط مستقيم ثابت مع صوت صفارة ممتدة: “ببييييييييييييييييييييييييييييييب…”
هبة ماتت!
ماتت وسابت وراها الدمار والخيل والخراب اللي زرعته في بيتنا، ماتت قبل ما تنطق بكلمة واحدة قدام النيابة، وقبل ما تقول مين الشركاء الكبار اللي دفعوا طارق وجابوا البلطجية لبيتنا!
في ثواني معدودة، دخلت قوة كبيرة جداً من الأمن الوطني والعمليات الخاصة، لابسين أقنعة سودا وماسكين أسلحة آلية، ومعاهم رئيس المباحث وكبار الظباط. الظابط مسك سامح وساعده يقف، وبص للجثة اللي على السرير وللمية اللي مغرقة المكان.
“المتهمة ماتت يا فندم..” الظابط قالها وهو بيقفل عين هبة بإيده.
العميد بتاع الأمن الوطني بص لسامح وليا ولنور، وقال بنبرة حادة وصارمة جداً مفيهاش أي مجال للمناقشة: “أنت وهو وهي هتحركوا معايا فوراً تحت الحراسة المشددة لمكان آمن تماماً! القضية دي مش قصة مفارش مكسورة ولا سرقة دهب.. الأوراق والهاردات اللي بنتك وجدتها جوة المفرش فيها أسماء شبكة تجسس وتهريب أموال وسلاح على أعلى مستوى في البلد! وأنتم بقيتوا الهدف الأول والوحيد للعصابة دي عشان يمسحوا القضية!”
سامح بص للظابط بذهول وشهقة مكتومة: “شبكة تجسس وسلاح?!”
أنا مسكت في إيد سامح ونور بكل قوتي، وجسمي كله كان بيتنفض. الحقيقة الكاملة المرعبة بدأت تتكشف قدامنا.. هبة مكنتش مجرد ست خايفة من جوزها، ولا كانت بتخبي شوية دهب وفلوس مشبوهة.. هبة وطارق كانوا جزء من أبشع شبكة خيانة وتجسس، وكانت بتستخدم شقتي الصغنونة وبراء بنتي ومفارش سرير الضيوف كـ ستارة مغفلة لأكبر عمليات تهريب في تاريخ البلد!
والألعن من ده كله.. إن العميد مسك تليفونه وجاته مكالمة عاجلة، وقفت ملامحه ومشى ناحية الشباك، ولما رجع بص لنا وقال بصوت مرعب: “الشقة بتاعتكم في العمرانية.. لسه ولعوا فيها حالا ودمروا كل حاجة فيها عشان يمسحوا أي بصمات أو أدلة فاضلة!”
بيتي.. شقتي اللي عشت فيها 8 سنين سمنة على عسل، اتحرقت وبقت رماد!
وقفنا إحنا التلاتة في نص الأوضة المغرقة مية، بملابسنا المبلولة ودمائنا ونادمتنا، مفيش حتة نرجع لها، ومفيش بيت يأوينا، والأعداء اللي بره مش حاسمين على روحنا ولا روح بنتنا، وفي انتظار الفصل الأخير والنهائي اللي هينتهي عنده الكابوس ده.. يا إما بالقصاص.. يا إما بالدفن تحت التراب!
العميد طوى تليفونه وحطه في جيبه، وبص لنا بعيون صارمة مفيهاش أي مجال للتفاوض: “المكالمة دي بتقول إن الشركاء الكبار خلاص جابوا آخرهم.. بيتكوا اتحرق عشان يوصلوا لكم رسالة مفادها إن مفيش مكان ترجعوا له، وإن الحساب هيكون عسير لو نطقتم بحرف واحد في التحقيقات.”
سامح انهار على الكرسي وهو بيحط إيده على دماغه الملفوفة بالرباط، وبكى بصوت مكتوم بيقطع القلب: “بيتي! شقا عمري والـ 8 سنين اللي بنيت فيهم طوبة طوبة راحت في ثانية! عشان إيه؟! عشان فتحت بابي لأختي وافتكرتها صاحبة بيت ودم?!”
مسكت سامح من كتفه بقوة، ورغم إن دموعي كانت مغرقة وشي، ورغم إن الخوف على بنتي كان هيموتني، بس حسيت بنار جوايا اتحولت لقوة مش طبيعية. بصيت لسامح في عينيه وقلت له بصوت حازم: “قوم يا سامح! قوم على حيلك.. البيت يغور، والعفش يغور، والمفارش اللي كانت السبب في الخراب ده تولع! المهم إننا عايشين، والنذالة والخيانة ماتت مع اللي عملوها.. لازم نجيب حقنا وحق بنتنا اللي اترعبت وشافت الموت بعينيها!”
الظابط شاور للقوة، ونزلنا تحت حراسة أمنية مشددة، أربع عربيات دفع رباعي سودا مصفحة ومظللة. أخدونا على مقر آمن ومجهول، شقة سرية تابعة للأجهزة الأمنية، ومؤمنة بالكامل بالأسلحة والكاميرات.
في اليوم التالي، بدأ التحقيق الموسع في القضية الكبرى. النيابة العامة بالتنسيق مع الأمن الوطني فتحوا الهاردات والفلاشات اللي كانت نور بنتي أخدتها وافتكرتها لعبة وفضلت في شنطتها. المفاجأة إن الهاردات دي مكنتش بس فيها مستندات، ده كان عليها تسجيلات وصوت وصورة، وحسابات بنكية أوفشور، وأسماء شخصيات كبيرة في عالم التجارة والسلاح والتهريب!
هبة وطارق كانوا مجرد أداة صغيرة في الشبكة، وهبة كانت بتستخدم طيبتي وقلة حيلتي ونيتي الصافية عشان تغير الهاردات والمستندات كل كام شهر جوة حشوة الفايبر بتاعة سرير الأطفال، بعيد عن أي شك أو مراقبة أمنية!
على مدار أسبوع كامل، وأحنا تحت الحراسة، الأجهزة الأمنية بدأت تشن حملات ومداهمات مكثفة بناءً على الأدلة اللي خرجت من شنطة نور. وفي يوم فجر هادي، نزل الخبر في التلفزيون والأخبار الرسمية: “القبض على أكبر شبكة تهريب وتجسس وغسيل أموال في البلاد، وتحويل أكثر من 12 متهم من كبار رجال الأعمال والشركاء للنيابة العامة.”
في اللحظة دي، حسيت إن النفس رجع لصدري تاني، وإن الحريق اللي كان بياكل في قلبي بدأ يطفي.
بعد شهرين من الأحداث المرعبة دي.. النيابة أنهت تحقيقاتها معنا وتم إخلاء سبيلنا تماماً كشهود وأحراز مجني عليهم. سامح أخد التعويضات القانونية، وبمساعدة الأجهزة والأهل، قدرنا نأجر شقة جديدة في مكان جديد خالص، بعيد عن العمرانية وعن كل ذكريات الكابوس ده.
الشقة الجديدة مكنتش كبيرة، بس كانت دافية.. أول حاجة عملتها وأنا بفرش الشقة الجديدة، إني رميت كل المفارش الفايبر والملايات القديمة، واشتريت مفارش جديدة خالص، وكل يوم أصحى الصبح بدري، أدخل أوضة نور عشان أروقها وأشوف المفارش سليمة ونظيفة ومفيهاش أي قطع!
نور رجعت لمدرستها، وبدأت تبتسم وتلعب تاني، وسامح ربنا شفاعه وجرح رأسه التأم، بس الجرح اللي في قلبه من خيانة أخته قفل عليه بدرس عمره ما هينساه.
علمتني الأيام دي إن مش كل اللي يدخل بيتك ويضحك في وشك يكون بيحبك، وإن الباب المقفول على أهله بالنظافة والستر أحسن ميت مرة من فتح الباب للي مبيصونش النعمة.. والمفارش اللي هبة كانت بتقول عليها “قديمة ودايبة زيك”، طلعت هي اللي دايبة ومريضة وخاينة، وعاشت وماتت في رخصها، وأحنا خرجنا من وسط النار مرفوعين الرأس.. وأبرياء.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


تعليقات
إرسال تعليق