القائمة الرئيسية

الصفحات

translation
English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

 سكريبت غروركاملة بقلم  امانى السيد



سكريبت غروركاملة بقلم  امانى السيد


سافرت الخليج بعد جوازنا بشهرين عشان أبنيلنا مستقبل زي ما كنت بفهمها دايماً، وسبت “فاطمة” لوحدها في شقة إيجار في مصر، مفيش ونيس غير مكالمة نص ساعة كل جمعة ومصاريف بحولها على قد الإيجار والأكل بالظبط، بحجة إني بحوش كل قرش عشان نشتري الشقة التمليك ونبدأ حياتنا بجد.


السنين مرت وفاطمة شايلة كل حاجة على كتافها، استحملت فقر وظروف وضغط، وقفت جنبي ومشتكتش مرة واحدة، حتى دهبها باعته وإدته لأمي لما طلبت مساعدة عشان عملية أبويا، وكانت بتشتغل تفصيل وخياطة بالليل عشان متطلبش مني زيادة عن اللي ببعته.


في الغربة، قابلت “نورهان”.. مديرة قسم الحسابات في الشركة اللي شغال فيها، شياكة ولباقة ومركز اجتماعي كبير. بدأت أقرب منها، والكلام جر بعضه لحد ما لقيت نفسي بتجوزها في السر عشان مستواها وعلاقاتها اللي فتحتلي أبواب شغل خاصة برة الشركة وخلتني أعمل ثروة حقيقية في سنتين اتنين بس. عيشت معاها في كومباوند فخم برة مصر، وسفريات وهدايا ماركات، وكنت كل ما افتكر فاطمة بطيبتها الزايدة وهدومها البسيطة وطاقتها المهدورة أحس بتقل وذنب، فبقيت أهرب منها وأقلل المكالمات وأتحجج بضغط الشغل.


نورهان قررت ننزل مصر نعمل استثمار عقاري كبير وطلبت نشتري فيلا في التجمع، ونزلت معاها وأنا عامل حسابي أخلص الإجراءات وأسافر من غير ما فاطمة تعرف حاجة، وكنت ناوي بعد ما أستقر أبعتلها ورقة طلاقها مع قرشين يضمنولها عيشة مستورة كنوع من رد الجميل.


بس خطتي مكملتش زي ما رسمت.. نورهان شكت في توتري الدايم، وبذكائها وحيلها قدرت تعرف إن ليا زوجة تانية في مصر لسه على ذمتي. قامت القيامة ومقعدتش، وقالتلى ببرود


“هتيجي معايا لفاطمه، وتطلقها في وشها وقدام عيني عشان أتأكد إنك مش بايعني ولا بتستغفلني.. يا إما ورقتي توصلي الليلة


طبعاً الخوف من خسارة نورهان خلاني، رضخت لشرطها القاسي. حجزنا ونزلنا مصر، وركبنا العربية لحد العمارة القديمة في الحي الشعبي اللي سايبة فيه فاطمة.


طلعنا السلم، نورهان بكامل شياكتها وبرفاناتها الغالية وكعبها العالي اللي كان صوته بيرن على درجات السلم المكسرة، وأنا قلبي كان بيدق من الرعب مش من الندم، بس حاسم أمري إني أخلص المشهد دا بأي تمن.



وقفت قدام الباب الخشب القديم وخبطت. ثواني وباب الشقة اتفتح.. خرجت فاطمة، رابطة شعرها بإيشارب بسيط،  وشها باهت من التعب والسهر، بس أول ما شافتني عينيها لمعت بدموع الفرحة وصرخت:


“حبيبي! جيت إمتى من غير ما تقولي؟ حمد لله على سلامتك يا غالي!”


لسه كانت بتمد إيدها تحضنني، نورهان وقفت في وشها بكبرياء وكتفت إيديها، وبصتلي بنظرة أمر إن الدور عليا.


زقيت إيد فاطمة بجمود وقسوة عمري ما تخيلت إنها تطلع مني، وقولت بصوت عالي سمعه الجيران في العمارة:


“فاطمة.. دي نورهان هانم مراتي وسيدة أعمال وشريكة حياتي.. وإنتي يا فاطمة طالق بالتلاتة، ملكيش قعاد هنا خلاص، خدي هدومك وامشي شوفي طريقك.”


الصمت نزل زي الصاعقة في الممر، وفاطمة اتسمرت مكانها، عينيها اتحولت من لمعة الفرحة لنظرة صدمة


وقفت فاطمة مذهولة، شفايفها بتترعش ومش قادرة تستوعب الكلمة، الدموع اتجمدت في عينيها من هول الموقف، وإيديها نزلت جنبها بضعف وكسرة نفس .


في اللحظة دي، خطت نورهان لقدام بخطوات واثقة ومغرورة، الكعب العالي بيدق على عتبة الباب، وبصت لفاطمة من فوق لتحت بنظرة اشمئزاز صريح، وابتسمت بسخرية


“أهي دي بقى الزوجة الأولى المضحية؟ لا بجد ذوقك كان عالي أوي يا حبيبي! بقى مستحملة سنين الفقر والبهدلة دي وفاكرة إنه هيشيلهالك جميل؟ بصي لنفسك في المراية الأول يا شاطرة.. وشك اللي دبل من الهم، هدومك اللي ريحتها بصل ومسحوق غسيل، وإيدك الخشنة من قلة القيمة! أنتي بجد كنتي متخيلة إن راجل ناجح وعنده مستقبل زي جوزي هيفضل رابط نفسه بواحدة عايشة في خرابة زيك؟ مكانك الطبيعي هنا بين الكراكيب، تخدمي وتستني المصروف بالإحسان!”


طلعت نورهان من شنطتها الماركة رزمة فلوس ورمتها باستهتار على الأرض عند رجلين فاطمة، وكملت ببرود يقطّع في القلوب:


“خدي دول، تمن سنين التعب والخدمة اللي ضيعتيها على الفاضي، ومتبقيش تحلمي بمقامات أعلى منك تاني.. ولو مش لاقيه مكان تروحيه ممكن تروحى تقعدى مع حمايا وحماتى تخدميهم وانا بنفسى هبعتلك مرتب كل شهر


 


فاطمة نزلت عينيها على الأرض، بتبص للفلوس المرمية تحت رجليها بذهول، وكأنها مش قادرة تستوعب كمية الرخص اللي بتتعامل بيه بعد سنين من الشقا والعفة. رفعت راسها ببطء، بصتلي أنا الأول.. كانت بتدور في عيني على أي ذرة رجولة، أي لمحة من الراجل اللي حوشت من قوت يومها عشانه، بس أنا اتسمرت مكاني، حطيت إيدي في جيبي وبصيت في الأرض بهروب وجبن، خايف نورهان تحس بأي تردد مني فتسحب بساط العز اللي عيشتني فيه.



نورهان شافت صمتي ده إذن مفتوح تكمل سحقها لفاطمة، فقربت منها خطوة كمان، لدرجة إن ريحة عطرها الباريسي غطت على ريحة صابون الغسيل اللي طالعة من إيدين فاطمة. وبطرف صباعها اللي متركب عليه ضوافر تركيب غالية، رفعت دقن فاطمة بقرف وقالتلها:


“عارفة إيه اللي يضحك بجد؟ إنك كنتي فاكرة نفسك زوجة! إنتي مكنتيش أكتر من شغالة مؤقتة سابها وراه تنضف وراه وتصرف على أهله لحد ما يقف على رجليه ويلقى الست اللي تليق باسمه وثروته. بصي حواليكي كده.. بصي للحارة المعفنة والشقة الكئيبة دي، متخيلة إن الباشا بعد ما ركب أحدث العربيات وقعد في أفخم مطاعم، كان ممكن يرجع يدخل من الباب المخلع ده تاني وينام على مرتبة قطن؟”


ضحكت نورهان ضحكة رنت في مدخل العمارة كأنها سكاكين، ولفت ناحيتي وحطت إيدها على كتفي بدلال مستفز، وبصت لفاطمة وكملت:


“شكراً على مجهودك يا شاطرة، جه وقت تسليم الوردية لسيدة البيت الحقيقية. لمي بقى كراكيبك دي ومن غير شوشرة عشان البوليس ميجيش يرميكي برة، لأن الشقة دي صاحبها هيستلمها من بكرة، وجوزي ملهوش ذكريات هنا غير إنه يمسح سنين الفقر دي من حياته خالص.”


فاطمة مكنتش بترد ولا بتصرخ، بس الدموع كانت بتنزل على خدودها بصمت يحرق الحجر. شفايفها كانت بتتحرك بكلمات مش مسموعة، ولما عينيها جت في عيني لآخر مرة، حسيت بوجع خفي بيقرص ضميري، بس الخوف من نورهان شل لساني وخلاني واقف اتفرج زي الغريب اللي ملوش أي علاقة باللي بيحصل، مسلمها للذل والإهانة بإرادتي الكاملة.


نظرة فاطمة الأخيرة ليا كانت زي كرباج نزل على ضهري، بس الجبن كان متملك مني تماماً، واقف متخشب مكاني كأني تمثال شمع ملوش إرادة.


نورهان مكنتش شبعت لسه من الإذلال، حست إن سكوت فاطمة وكسرتها بيغذي غرورها أكتر، فمدت بوز جزمتها الجلد الغالية وزقت رزمة الفلوس اللي على الأرض وخبطتها في رجل فاطمة الحافية، وقالت بصوت مليان غل وتكبر:


“إيه؟ مش هتموتي وتاخدي القرشين دول؟ ولا عاملة فيها عزيزة نفس وبنت أصول؟ ده إنتي سنين عمرك كلها متسواش تمن الشنطة اللي في إيدي دي! يلا ورينا كرمك ولمي الفلوس دي من تحت رجلي وادعي للي عتقك وخلاكي تشوفي قرش حقيقي قبل ما تترمي في الشارع.”



فاطمة في اللحظة دي اتنفست نفس طويل، وصوت شهقتها المكتومة قطع سكون المكان. وطت ببطء شديد، مش عشان تلم الفلوس


غرور ٢

امانى السيد


لكن عشان تسند على الباب الموارب اللي كان شاهد على ليالي بكاها وسهرها عشاني. رفعت وشها بهدوء غريب ومرعب، عينيها اللي كانت بتبكي نشفت منها الدموع فجأة، وبصت لنورهان بنظرة خلت ابتسامة نورهان الساخرة تتهز لثانية واحدة.

وبصوت واطي بس كان بيزلزل العمارة من قوة ثباته، قالت:

“الفلوس دي تشتري بيها راجل زيه، راجل يتباع ويشترى في سوق الهوان.. لكن أنا؟ أنا كنت شايلاه يوم ما كانش يسوى في سوق الرجال تلاتة مليم، شيلته بكرامتي وبدهبي وبصحتي. انتي مخدتيش مني حاجة يا هانم، انتي خدتي قشرة بني آدم، خدتي الراجل اللي باع شرفه وأصله عشان يركب عربية وياكل لقمة من عرق غيره.”

لفت وشها ناحيتي، وبصت في عيني مباشرة، نظرة حسستني إني بتجرد من هدومي ومن كل قرش عملته في الغربة، وقالت بنبرة قطعت كل حبل كان رابطنا:

“أما إنت يا أحمد.. فـ حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ربنا مش هيسيبك، والقرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك. من اللحظة دي، إنت ميت في عيني وفي قلبي.”

رزعت الباب في وشنا بصوت زلزل السلم القديم كله، وقفلته بالمفتاح من جوة بجمود حاسم. نورهان حاولت تداري ارتباكها ورجعت تضحك بتصنع وقالتلي: “يلا يا بيبي.. ملكش دعوة بالبيئة دي، خلينا نمشي”، لكن أنا رجلي مكنتش قادرة تتحرك، ودقات قلبي كانت بتدق برعب حقيقي.. حسيت إن باب الشقة ده مقفلش في وشي بس، ده قفل معاه كل باب رحمة وستر كان مفتوحلي في الدنيا.

صوت الترباس وهو بيتقفل من جوة كان عامل زي طلقة رصاص استقرت في نص دماغي، ورزع الباب نزل صوته يرن في منور العمارة وعلى السلم المفتوح زي الرعد.

نورهان مسكت إيدي بقوة، ضوافرها غرزت في جلدي وهي بتشدني وراها، وصوت كعبها العالي لسه بيخبط على درجات السلم المكسرة بانتصار مستفز. وإحنا نازلين، لاحظت إن أبواب الشقق في الأدوار اللي تحت كانت مواربة.. حس الفضيحة كان عالي، واليمين اللي رميته بأعلى صوتي مع زعيق نورهان وتعييرها لفاطمة كان كافي جداً يسمّع العمارة كلها من ساسها لراسها، ويفهمهم إن ابن حتتهم رجع من السفر بواحدة تانية، طلق الست اللي شالت أهله ومرمطها على عتبة بيتها.

نزلنا للشارع، وكان في كام راجل من كبار الحارة واقفين عند دكان البقالة اللي قدام البيت، وشباب الحتة ملمومين على أول الحارة. أول ما شافوني خارج ولابس البدلة النضيفة وجنبي نورهان بكامل شياكتها والعربية الفارهة راكنة وسط الشارع المترب، سكتت أصواتهم فجأة. بصاتهم كانت كلها لوم وعتاب تقيل يكسر الضهر، بصة للي لسه سامعينه فوق وبصة تانية ليا، كأنهم بيقولولي من غير ولا كلمة: “خسارة تربيتك وسطنا، وخسارة العيش والملح اللي هانوا عليك في لحظة.”

حاولت أهرب بعيني منهم، وركبت العربية بسرعة وأنا حاسس بصغر وخزي عمري ما عيشته. نورهان قفلت الباب، خدت نفس عميق، وبصت في مراية الصالون تعدل الروج بتاعها وهي بتقول باستهزاء وبرود:

“شوفت بقى؟ الموضوع مكنش محتاج الدراما والتردد بتاعك ده كله.. شيلنا الهم وخلصنا منها، ومن هنا ورايح مش عايزة اسمع اسمها تاني على لسانك ولا حتى تفكر تبص وراك للبيئة دي.”

دورت العربية وانطلقت بينا في شوارع القاهرة متجهة للكومباوند الفخم في التجمع. طول الطريق كنت ساكت تماماً، باصص على الطريق السريع بس مش شايف غير مشهد فاطمة ودموعها المكسورة، وصوتها وهو بيرن في ودني: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”

الكلمة كانت بتلف في عقلي زي الدوامة، وكل ما نورهان تفرك في التليفون وتتكلم عن الفيلا الجديدة وديكوراتها، كنت بحس ببرودة غريبة بتسري في جسمي، كأن العز ده كله اتبنى على رمال متحركة هتبلعني في أي ثانية.. خلاص، القناع وقع، وأنا بعت أهلي وأصلي برضايا، وبدأ العداد يعد عليا تمن كل دمعة وقهرة سبتها ورايا.

الأيام الأولى بعد المشهد ده كانت ماشية في دوامة سريعة وكأن الدنيا بتحاول تعميني عن اللي عملته. نورهان خدتني في رجلها على المكاتب العقارية، بنمضي عقود الفيلا وبنختار أحدث التشطيبات، وكانت بتتعامل بمنتهى السيطرة، هي اللي بتدير، هي اللي بتدفع، وهي اللي بتحدد مين يدخل حياتنا ومين يخرج. وأنا؟ كنت مجرد تابع، شريك بالاسم وواجهة بتمشي في ضلها.

كنت كل ما أحط راسي على المخدة بالليل في الأوتيل الفخم، أسمع صوت رنة الكعب وصوت المفتاح وهو بيقفل باب فاطمة. حاولت أكلم أمي عشان أطمن، بس أول ما سمعت صوتي، ردت عليا بنبرة كلها وجع وقالتلي:

“أبوك مريض يا أحمد، ومكناش لاقيين حق الدوا لولا فاطمة اللي باعت مكنة الخياطة بتاعتها ووقفت معانا.. انت بعت الأصيلة عشان الفلوس، بس الفلوس هتروح والندم هيفضل لازق في توبك ليوم الدين.”

وقفلت السكة في وشي من غير ما تديني فرصة أنطق.

الكلام نزل عليا زي السم، بس نورهان مكنتش بتديني مساحة أتنفس أو أفكر. بعد شهرين من الجواز الرسمي ونقل كل استثماراتي باسم الشركة المشتركة اللي عملناها، بدأت المعاملة تاخد شكل تاني خالص. نورهان بدأت تزهق من دور “الزوجة المنقذة”، ونبرة التكبر اللي دمرت بيها فاطمة زمان، بدأت تتوجه ليا أنا شخصياً وبشكل يومي.

في يوم، كنت راجع متأخر من موقع الفيلا، لقيتها قاعدة في الصالة، وحاطة قدامها ملفات الحسابات، وشها مكنش فيه أي تعبير غير القسوة والبرود. أول ما دخلت، رمت الملف على التربيزة وقالتلي باستهزاء:

“إيه التخبيط اللي عامله في حسابات المشروع ده؟ هو انت فاكر نفسك بتدير دكانة في حارتكم القديمة؟ الظاهر إن البيئة اللي طلعت منها لسه مأثرة على دماغك، ومش قادر تفهم يعني إيه استثمار بملايين!”

وقفت مصدوم، لساني اتعقد، وبصتلها وأنا مش مصدق إن نفس الإهانة اللي وقفت اتفرج عليها زمان وهي بتتوجه لفاطمة، بتلف الدايرة وترجع تدوس على كرامتي أنا وبنفس النبرة والتعالي.

حاولت أبلع الإهانة وأرد بهدوء عشان ألمّ الموقف: “نورهان، أنا مهندس وعارف شغلي كويس، والأرقام دي مدروسة…”

قاطعتني بضحكة مستفزة قطعت كلامي في نص حنجرتي، وقفت وحطت إيديها في وسطها وبصتلي من فوق لتحت بنفس النظرة اللي بصت بيها لفاطمة على عتبة الباب القديم:

“مهندس إيه وشغل إيه يا حبيبي؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ إنت لولا اسمي وعلاقاتي وفلوسي مكنتش تحلم حتى تعدي من قدام بوابات الكومباوند ده! فوق لنفسك واعرف حجمك.. إنت هنا بتنفذ اللي أقوله بالحرف، مسمعش صوتك ولا أشوف منك تفلسف.”

الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار قايدة في صدري، صرخت فيها: “أنا شريكك في كل مليم ومفيش حاجة دخلتيها إلا بمجهودي وتخطيطي، إنتي مش جايباني من الشارع عشان تكلميني كده!”

نورهان متهزتش، بالعكس، برودها زاد، وابتسمت ابتسامة خبيثة تجمّد الدم. طلعت سيجارة وولعتها، ورمت قدامي على التربيزة ورقة رسمية مختومة وقالتلي بهدوء مرعب:

“شريك مين يا أحمد؟ إنت ماضيلّي بتوكيل عام وإدارة لكل أصول الشركة وحساباتها من يوم ما اتفقنا على صفقة الفيلا.. والورقة دي إخطار بعزلك من كل مناصبك وتجميد توقيعك. يعني بكلمة واحدة مني، ترجع حارتكم بالهدوم اللي عليك، ومن غير حتى القرشين اللي كنا رميناهم للست بتاعتك زمان.”

الصدمة شلتني للمرة التانية، بس المرة دي السكينة كانت في ضهري أنا. بصيت للورقة وبصيت لوشها، لقيت نفسي قدام وحش أنا اللي بنيته وغذيته بظلمي وكسرتي لفاطمة.

في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدى قدام عيني: تضحيات فاطمة، دهبها اللي راح، مكنة الخياطة اللي باعتها عشان أبويا، وأنا اللي بعت ده كله عشان شوية مظاهر وسراب. الدنيا اسودت في وشي، ولقيت نفسي خارج من الفيلا تايه في شوارع التجمع في نص الليل، ممعاييش غير الموبايل ومفتاح عربية مش بتاعتي، وصوت فاطمة بيصرخ جوا عقلي زي الآذان: “القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.”

الدايرة لفت بالكامل، والوجع اللي زرعته بإيدي باستهتار، رجع يحصد روحي وكرامتي لحد آخر نفس.

مرت شهور كأنها سنين، ولقيت نفسي على الحديدة، كل اللي عملته في الغربة راح في قواضي ومحاكم خسرانة قدام نورهان ونفوذها ومحاميها الكبار. نورهان مجرد ما ضمنت كل العقود والتوكيلات، رفعت عليا قضية طرد من الفيلا، ورمت حاجتي كلها في الشارع ببرود، زي ما عملت زمان بالظبط مع فاطمة، بس المرة دي مكنش في حتى رزمة فلوس تترمي تحت رجلي.

بقيت مكسور، عاطل، وعايش في أوضة فوق سطح عمارة قديمة في أطراف القاهرة، بهرب من عيون الناس ومن نفسي. مكنش فاضل في قلبي غير حاجة واحدة بس بتديني أمل إني أتنفس: إني أرجع لفاطمة، أركع تحت رجليها، أطلب منها تسامحني حتى لو مش هترجعلي، بس أسمع كلمة واحدة تطفي النار اللي بتاكل في صدري.

جمعت شتات نفسي، لابس قميص قديم مبهدل، وركبت المواصلات لحد الحارة الشعبية القديمة. كانت رجلي بتترعش مع كل خطوة بقرب بيها من الشارع. الشارع مكنش اتغير، بس لما دخلت، مشيت مطأطأ الراس عشان محدش من الجيران يلمحني ويفكرني باليوم المشؤوم.

وقفت قدام باب العمارة، طلعت السلم بخطوات تقيلة ومكسورة، وصلت لنفس الباب الخشب القديم. رفعت إيدي اللي كانت بترتعش زي ورقة شجر في ريح، وخبطت تلات خبطات واطيين.

ثواني والباب اتفتح..

بس المشهد اللي شوفته شل حركتي وجمّد الدم في عروقي.

فاطمة كانت واقفة قدامي، بس مكنتش فاطمة المكسورة الدبلانة اللي سيبتها بتعيط على العتبة. كانت لابسة فستان هادي وأنيق جداً، وشها منور ومرتاح ومليان هيبة ورضا، وحواليها عينات قماش حرير وأتواب متفصلة بذوق عالي، والشقة من جوة باين إنها اتجددت وبقت ورشة ومقر شغل مليان حركة وبنات بيشتغلوا على ماكينات حديثة.

فاطمة بصتلي.. مكنش في عينيها غل، ولا شماتة، ولا حتى عتاب. كانت بتبصلي بنظرة خالية تماماً، كأنها بتبص لحاجة متسواش تلتفت ليها.

لساني نطق بصوت مبحوح ومخنوق بالدموع:

“فاطمة.. أنا اتدمرت، الدنيا دارت عليا وخدت كل اللي ورايا وقدامي، ونورهان رمتني في الشارع.. أنا جيت عشان تسامحيني، أبوس إيدك اديني فرصة واحدة أصلح اللي كسرته.”

فاطمة وقفت مكانها بثبات جبل، متهزتش منها شعرة، وابتسمت ابتسامة هادية كلها عزة نفس خلتني أحس إني ذرة تراب قدامها، وقالت بصوت نقي وقوي:

“تسامحك مين يا أحمد؟ إنت مش جيت هنا زمان وقولتلي ملكيش قعاد هنا وخدي هدومك وامشي؟.. أنا مخدتش هدومي بس، أنا خدت كرامتي وشقايا وعملت بيهم اسم وشغل ربنا باركلي فيه وفتحها عليا من وسع، بعد ما شيلت أهلك وأبوك اللي مات وهو بيدعيلي وبيتبرى منك.”

بلعت ريقي بصعوبة ونزلت دموعي وأنا بحاول أقرب: “فاطمة، أرجوكي…”

قاطعتني بحركة إيد حاسمة، وطلعت من شنطتها رزمة فلوس، وحطتها بهدوء على التربيزة اللي جنب الباب، وبصتلي بمنتهى الكبرياء:

“القرش اللي كان عميك زمان، مبقاش يلزمني منه مليم.. خد دول يمكن ينفعوك في أكل عيشك، إحسان لوجه الله عشان عيش وملح زمان اللي هان عليك.. والباب ده اتقفل من يوم ما نورهان هانم ضحكت، ومش هيتفتح لواحد رخيص باع أصله.”

وقبل ما أرد أو أنطق بحرف، قفلت الباب بهدوء ومن غير عصبية، وسمعت صوت المزلاج وهو بينزل مكانه للمرة الأخيرة..

وقفت على السلم في الضلمة، باصص للفلوس اللي ملمستهاش، وعرفت إن العدالة مش بس إنك تخسر فلوسك، العدالة الحقيقية إنك تشوف اللي ظلمته في أعلى مكان، وإنت عاجز حتى إنك ترفع عينك في عينه.

ضربة فاطمة كانت القاضية لروحي، بس القدر مكنش لسه خلص حسابه مع نورهان اللي شافت نفسها على خلق الله.

الغرور عماها تماماً بعد ما عزلتني واستولت على كل أصول الشركة، وافتكرت إنها لوحدها قادرة تدير مشروع استثماري ضخم بالحجم ده في التجمع. دخلت في مضاربات عقارية طائشة ومضت شيكات بنكية بملايين على بياض من غير دراسة جدوى حقيقية ولا استشارة فنية، ومكنتش تعرف إن السوق مش بيرحم، وإن العلاقات اللي كانت بتتباهى بيها كانت مجرد مصالح وقتية بتنتهي مع أول هزة.

المقاولين بدأوا يهربوا بسبب تأخر السيولة، والشريك الخليجي اللي كانت معتمدة على ضخ فلوسه فسخ العقد فجأة بسبب مخالفات هندسية وتراخيص مضروبة كانت نورهان استرخصت فيها عشان تزود أرباحها. البنوك فتحت دفاترها، والديون اتراكمت زي الجبل فوق دماغها في ظرف أسابيع قليلة.

في يوم، كنت واقف في كشك جرايد قريب من المحكمة وأنا بدور على أي محامي يقبل يرفعلي استئناف بالتقسيط، وفجأة لمحت صورة نورهان في صدر الصفحة الأولى من ملحق الحوادث والاقتصاد: “التحفظ على أموال سيدة أعمال شهيرة وهروبها بعد انهيار مشروعها العقاري وإصدار أحكام غيابية ضدها في قضايا شيكات ونصب”.

مسكت الجورنال بإيدين بتترعش.. الفيلا اللي اتعالت بيها اتحجز عليها، والبراندات والمظاهر الكدابة اتبخرت، والست اللي كانت بتمشي تدوس على كرامة الناس بكعبها العالي بقت مطاردة ومطلوبة للعدالة في كل كمين.

في اللحظة دي بالذات، فهمت معنى “يمهل ولا يهمل”. نورهان اللي اشترتني بفلوسها واستكترت على فاطمة حق السنين، خسرت كل مليم جمعته بالحرام والغرور. وإحنا الاتنين اللي ظلمنا وتكبرنا انتهينا في قاع الهوان، بينما فاطمة، اللي اتمسكت بربها وبشرفها، فضلت عالية في مكان ميوصلوش غير ولاد الأصول.


تعليقات

التنقل السريع
    close