سكريبت عقد عرفى كامل أمانى السيد
سكريبت عقد عرفى كامل أمانى السيد
وانا عندى ١٥ سنه ابويا جوزنى عرفى وقالى لما تتمى السن القانونى نكتب كتابك عند مأذون وقتها كنت طفله ووافقت عشان البس فستان الفرح وابقى عروسه قبل صحابى
دخلت فى بيت عيله مفرحتش بالفستان كتير، ومن تاني يوم بالظبط لقيت نفسي في كابوس مكنتش اتخيله. حماتي من أول يوم اعتبرتني الخدامة الجديدة اللي جت تريحهم كلهم، صحتني من الفجر وزعقت في وشي وقالتلي: “فوقي يا بت.. انتي هنا عشان تخدمي البيت ده رجاله وستات، دلع العرايس ده مش عندنا.”
كنت ببص لجوزي بستنجد بيه ومستنياه يدافع عني أو يقول كلمة، بس هو مكنش ليه أي كلمة ولا حس في البيت وسط أهله، كان أصغر واحد في إخواته ومبيعرفش يفتح بقه قدام أمه أو إخواته الكبار، يقف ساكت وراسه في الأرض، وحتى لما ندخل أوضتنا كان يزعقلى ويقولى بطلى زن .
أما سلايفي بقى فكانوا مستقويين عليا لأقصى درجة، شغالين تقليل مني ومعاملة تقطع في القلب، مفيش واحدة فيهم كانت بترحمني، وكل ما أتعب أو أشتكي يضحكوا عليا باستهزاء. وفي يوم لما قعدت على الأرض من كتر التعب ومش قادرة أقف على رجلي، وقفت سلايفي فوق راسي وواحدة فيهم قالتلي بعين قوية: “انتي هتعملي فيها هانم ولا إيه؟ فوقي لنفسك.. أبوكي رماكي هنا عشان تبقي خدامة لينا واخد مهرك ، وإياكي تفتكري إن ليكي لازمة ولا كرامة، مافيش أي حاجة تثبت إنك متجوزة أصلاً غير ورقة ملهاش عازة ممكن تتقطع في أي لحظة ونرميكي في الشارع لو مسمعتيش كلامنا ونفذتي طلباتنا من سكات.”
ساعتها حسيت بكسرة نفسي وعرفت قد إيه كنت عيلة هبلة لما ضحكوا عليا بفستان وطرحة، وبقيت عايشة تحت رحمة ورقة مهددة بيها في كل دقيقة.
عدت تلت سنين شوفت فيهم كل أشكال الذل والإهانة، كنت بعد الأيام والشهور على نار ومستنية اللحظة اللي هتم فيها ١٨ سنة، قولت لنفسي خلاص هسجل الجواز رسمي عند مأذون وهيبقى ليا ضهر وورقة تحميني والكل هيعملي حساب.
جه اليوم الموعود، صحيت الصبح وقلبي بيدق من الفرحة ومستنياه يجي ياخدني، لكن الصدمة كانت أكبر من عقلي الصغير اللي لسه مش مستوعب كمية الغدر دي. لقيته لابس أحسن ما عنده، متعطر وفارد ضهره على غير عادته، وداخل عليا الأوضة بيبصلي ببرود يقهر الحجر وبيقولي: “جهزي نفسك، العصر نازلين نخطبلي بنت عمي، الشقة دي بتاعتها هي اللي هتعيش فيها، وانتي هتنزلي تحت تقعدي مع أمي تخدميها وتخلي بالك من طلباتها.”
وقفت متنحة، الدنيا لفت بيا والدموع اتجمدت في عيني وقولتله بصوت بيترعش: “تخطب؟! طب وجوازنا؟ والمأذون اللي مستنياه بقالي تلت سنين عشان نسجل ورقتنا؟!”
رد عليا بضحكة سخرية ومفرقش معاه كسرتي: “تسجيل إيه ومأذون إيه يا أم مأذون؟! إنتي صدقتي نفسك ولا إيه؟ أحمدي ربنا إني مخليكي على ذمتي ومأكلك وشاربك.. عاجبك تنزلي تخدمي أمي وتسمعي الكلام كان بها، مش عاجبك الباب يفوّت جمل وروحي لأبوكِ، وكده كده تمن خدمتك وسنين قعدتك هنا إحنا دفعناه لأبوكِ كاش من زمان، يعني ملكيش أي حقوق ولا مليم واحد عندنا، والورقة العرفي دي أبلها وأشرب ميتها في أي وقت.”
لو خايفه الناس تتكلم عنك انزلى لمى بوسى ايديها ورجلها عشان تسمحلك تعيشى معاها وتخدمينا وماترمكيش وسيرتك تبقى على كل لسان
الكلام نزل عليا زي مية مغلية كوت جسمي كله، وقفت مكاني مش حاسة برجلي اللي شيلاني، وبصيت في وشه بذهول وأنا شايفة راجل تاني خالص غير اللي كنت بداري خيبته وضعفه، طالع بكل جبروت وجاي يستقوى عليا أنا بعد ما كان قطة مغمضة وسط أهله.
ساعتها شريط تلت سنين عدى قدام عيني في ثانية واحدة؛ الغسيل اللي كان بيشقق إيدي في عز البرد، الصحيان من الفجر، الشتيمة والتهزيء من حماتي على أتفه سبب، ونظرات الشماتة في عين سلايفي وهما شايفينني بنضف تحت رجليهم. كل ده كنت بستحمله وأبلع الإهانة بحرقتها عشان اللحظة دي، عشان اليوم اللي افتكرت إنه هيديني فيه كرامتي ويحسسني إني بني آدمة مش جارية اشتروها بفلوس.
نزلت دموعي غصب عني، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف وخوف، دي كانت دموع القهر اللي بيحرق في الصدر. قولتله بصوت مخنوق وبيقطع: “أبوس إيد مين ورجل مين يا عديم النخوة؟ بقى أنا اللي ضيعت سنين عمري من وأنا طفلة بخدمكم ليل ونهار، عشان في الآخر تقولي تمنك مدفوع؟ أنتوا مش شاريين عروسة، أنتوا اشتريتوا عبدة وبتساوموني على شرفي وسمعتي!”
لقيته اتعصب وشه احمر ورفع إيده وزعق في وشي: “صوتك ميعلاش هنا يا بت، انتي ناسية انتي مين ولا إيه؟ الكلمتين دول لو سمعتهم أمي هترمي هدومك في الشارع دلوقتي وهتخرجي بفضيحة، ومش هتلاقي كلب يعبرك ولا بيت يلمك، روحي اسألي أبوكِ اللي لهط القرشين ونسي إن عنده بنية!”
سابني ورزع الباب وراه وخرج، وأنا اترمت على الأرض، ضامة ركبي لصدري وحاسة إن الحيطان بتضيق عليا وبتخنقني. كانت الدنيا بتلف بيا وصوت الضحك والأغاني تحت في الشارع بيستعدوا عشان يروحوا يخطبوله، وريحة البخور اللي حماتي مشغلاها طالعة لحد عندي.
في اللحظة دي، ولأول مرة من تلت سنين، الخوف اللي كان مكتفني اتبخر، وحل مكانه غل وقوة معرفش جتلي منين. مسحت دموعي بإيدي اللي خشنة من التعب، وقومت وقفت على حيلي، وبصيت لنفسي في المراية المكسورة اللي في الأوضة، وقولت لنفسي: “لو فاكرين إن الورقة دي هتدفنوني بيها، فأنا اللي هحرق البيت ده باللي فيه قبل ما أعيش مكسورة تاني.”
فتحت الدولاب بإيدين ثابتة لأول مرة، مكنتش بتنفض ولا خايفة، قلبت في الهدوم القديمة لحد ما لقيت الشنطة الصغيرة اللي كنت جايباها معايا من بيت أبويا يوم ما دخلت السجن ده. مكنش فيها غير جلابيتين دبلانين، بس كان فيها أهم حاجة.. صورة قديمة لأمي الله يرحمها، الست الوحيدة اللي كانت بتطبطب عليا قبل ما تموت وتسيبني لراجل مبيعرفش غير لغة القرش.
سمعت صوت زغاريط طالعة من تحت، وصوت حماتي بتجلجل في مدخل البيت وهي بتنادي على الجيران وتوزع شربات بمناسبة خطوبة “سيد الرجالة” اللي رايح يخطب بنت عمه صاحبة النسب والمال. نزلت على السلم خطوة خطوة بهدوء مريب، مكنش باين على وشي نقطة دموع واحدة، عيني كانت زي الجمر.
أول ما رجلي لمست أرض الصالة، قطعت حماتي الزغروطة وبصتلي من فوق لتحت بقرف، وسلايفي واقفين وراها لابسين ومتمكيجين، وواحدة فيهم شايلة صواني الشربات والضحكة شاقة وشها شمتانة. حماتي حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة تقطر سم: “أهو البيه نزل وفهمك مقامك.. جهزي نفسك يا بت، بعد ما نمشي تنضفي البيت من فوق لتحت، وتجهزي العشا للمعازيم اللي جايين يباركوا بالليل، وإياكِ أشوف وشك طالع برة المطبخ، مش ناقصين عرة قدام الناس.”
سكت ثانية، والكل كان متوقع إني هعيط أو أنزل على رجلها أبوسها زي ما جوزي كان فاكر. بس اللي عملته خلا الصالة كلها تسكت كأن طير خطف أرواحهم.
بصيت في عين حماتي مباشرة، بنظرة حادة خلتها ترجع نص خطوة لورا من غير ما تحس، وقولت بصوت واطي بس رنان سمعه كل اللي واقفين: “العشا اللي بتقولي عليه ده تعملوه بإيديكم، والبيت ده مش هحط فيه قشة تانية.. تلت سنين شيلت وساختكم وخدمتكم بلقمتي وكرامتي، والنهاردة خلاص، الحساب اتقفل.”
جوزي اتنطر من مكانه وجري عليا، وشه مخطوف من المفاجأة وقال وهو بيزعق عشان يداري خيبته قدام أمه: “انتي اتجننتي يا بت؟! انتي نسيتي نفسك؟! غوري على فوق بدل ما أمد إيدي عليكي قدام الكل!”
قربت منه خطوة واحدة، ومرفعتش عيني عن عينه وقولتله ببرود يقهر: “تمد إيدك على مين؟ انت مصدق إنك راجل بجد؟ الراجل اللي يقبض تمن مراته ويبيعها ويستقوى عليها وسط حريمه ميتسماش راجل.. انتوا فاكرين إنكم كسرتوني بالورقة العرفي؟ الورقة دي تثبت إني كنت مغفلة، بس تثبت قدام ربنا والناس كلها إنكم نصابين وبتتاجروا ببنات الناس.. وأنا خارجة من هنا ومش راجعة، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.”
رميت مفتاح الشقة على الأرض قدام رجليه، ولفيت ضهري ومشيت ناحية الباب بخطوات تقيلة وواثقة، وسيبت ورايا بيت بيغلي من الصدمة، وأنا عارفة إن اللي جاي مش سهل، بس أهون ألف مرة من العيشة تحت مداس رجليهم.
خرجت من باب البيت والشمس بتضرب في وشي، لأول مرة من تلت سنين أحس بنسمة هوا نضيفة تدخل صدري، مفيهاش ريحة تراب سلالمهم ولا زفارة مطابخهم. رجلي كانت بتمشي بسرعة كأن الأرض نفسها بتطردني بعيد عن كابوسهم، والشنطة الصغيرة في إيدي خفيفة، بس الحمل اللي جوايا كان أتقل من جبال الدنيا.
وصلت حارة أبويا، البيت القديم المتهالك اللي اتربيت فيه. طلعت السلم وأنا قلبي بيدق زي الطبول؛ مكنتش خايفة من مواجهته، كنت مستنية أشوف وشه لما يعرف إن البضاعة اللي باعها رجعتله تاني كاسرة قيودها.
فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي كان لسه معايا، لقيته قاعد على الكنبة بيشرب شاي ويدخن، أول ما شافني تنح وبصلي من فوق لتحت وقال باستغراب: “إيه اللي جابك يا بت في وقت زي ده؟ وفين جوزك؟ مفيش حد بيسيب بيته في عز النهار كده!”
قربت منه، رميت الشنطة على الترابيزة قدامه ووقفت مصلوبة الطول وقولتله بصوت قاطع: “جوزي رايح يخطب بنت عمه يا أبا.. وقالي انزلي اخدمي أمي تحت بعد ما شبعوا مني تلت سنين بالورقة اللي كتبتهالي وضحكت عليا بيها.”
أبويا وشه اصفر في ثانية، وحط كوباية الشاي بإيد مرتعشة وقال وهو بيحاول يداري ارتباكه: “تخطب إيه وتخاريف إيه؟! انتي اتجننتي؟ دا راجل شاري وبيدفع، وأنا متفق معاه أول ما تتمي السن نكتب رسمي.. انتي أكيد عملتي مصيبة ولا قصرتي في خدمته وزعلتيه!”
ضحكت بسخرية وجع وقهر، وقربت منه خطوة زيادة وقولتله: “شاري إيه يا راجل يا طيب؟ شاري خدامة ببلاش؟ قالي بعضمة لسانه إنه دفعلك تمن خدمتي كاش من زمان وإن ملكيش عندي ولا مليم ولا حق.. بعتني بكام يا أبا؟ التلت سنين ذل وإهانة وضرب وقلة قيمة كانوا بكام في جيبك؟!”
أبويا قام وقف وعينه زاغت من الحقيقة اللي انكشفت في وشه، رفع صوته عشان يداري خيبته وقال: “صوتك ميعلاش عليا يا فاجرة! دا ستر وغطا عليكي، وبدل ما تحمدي ربنا جاية تعلي حسك؟ تلمي هدومك وترجعي تبوسي راس جوزك وحماتك، البيت ده ملوش مكان ليكي، والناس هنا مبترحمش المطلقة، فما بالك باللي جوازها ملوش قسيمة رسمي!”
في اللحظة دي عرفت إن الضهر اللي كنت مستنياه يقويني مكسور من زمان، وإن السند اللي كنت فاكراه أبويا كان هو أول واحد غرس السكينة في ضهري.
بصيتله بجمود كأن المشاعر كلها ماتت جوايا، وقولتله: “الناس هتعرف الحقيقة كلها يا أبا.. هتعرف إنك قبضت تمن بنتك القاصر ورميتها لجواز عرفي باطل.. والبيت ده أنا مش قاعدة فيه دقيقة واحدة، بس قسماً بربي، كل مليم خدته من ورايا وكل كسرة اتكسرتها في البيت داك، هتدفعوا تمنها، أنتوا وهو، بالقانون وبالشرع.”
لفيت ضهري وخرجت وسيبته واقف بينادي عليا برعب وهو خايف من الفضيحة وسط أهل الحارة، ونزلت الشارع وأنا باخد عهد على نفسي: مش هرجع لنقطة الصفر، وهاخد حقي تالت ومتلت من كل اللي ظلموني.
نزلت الشارع وراسي مرفوعة، بس رجلي مكنتش عارفة توديني فين. الشوارع كانت زحمة والناس رايحة وجاية، وكل واحد ملهي في حاله، وأنا واقفة في وسطهم شنطتي في إيدي ودمي بيفور، بس مفيش في جيبي غير ملاليم متكفيش حتى أجرة مواصلة لآخر الخط.
افتكرت الست “أم بطرس”، جارتنا القديمة وصاحبة أمي الله يرحمها من زمان، الست الوحيدة اللي كانت بتخاف عليا وبتحذر أمي من طمع أبويا. مشيت لحد بيتها في آخر الحارة ودقيت الباب وأنا حابسة نفسي. أول ما فتحت وشافتني بوشي الشاحب والشنطة في إيدي، سحبتني لجوة وقفلت الباب من غير ما تنطق بحرف.
قعدتني على الكنبة وجابتلي كباية مية، وبصت في عيني وقالت بحنية الدنيا: “عملوا فيكي إيه يا بنتي؟ أبوكي رماكي تاني؟”
ساعتها بس، الوجع انفجر، حكيتلها كل حاجة من أول يوم دخلت فيه البيت بالورقة العرفي لحد ما البيه طالع يخطب بنت عمه وعايزني جارية لأمه.
أم بطرس خبطت على صدرها بذهول وقالت بغيظ: “ولاد الحرام! فاكرين الدنيا سايبة ومفيهاش حكومة ولا قانون؟! ده جواز قاصرات واتجار بيكي يا ضنايا! اسمعي مني، بنتي شغالة في جمعية حقوقية وعندهم محامين بياخدوا حق الغلابة اللي زيك من غير ولا مليم.. قسماً بالله ما نسيب حقك يروح هدر!”
في نفس الليلة، اتواصلنا مع محامية من الجمعية، وقالتلي بوضوح: “إحنا مش بس هنرفع قضية إثبات زواج ونطالب بحقوقك ونفقتك ومتعتك عن التلت سنين دول، إحنا كمان هنقدم بلاغ في النيابة ضد جوزك وأبوكي بتهمة تزويج قاصر وتزوير والتعدي على حقوق طفلة، والقانون هنا هيجيبهم راكعين.”
الخبر نزل على عيلة جوزي وأبويا زي الصاعقة في تاني يوم الصبح، لما لقى نفسه مطلوب في القسم وبلاغ رسمي بيهدد بسجن الكل وفضيحة وسط البلد كلها، وعيلة بنت عمه لغت الخطوبة فوراً وطردوه لما عرفوا إنه مهدد بالحبس وإنه متجوز عيلة عرفي وواكل حقها.
جه أبويا يجري وراه جوزي، مستعطفين ومرعوبين من الفضيحة والسجن، ووقفوا تحت رجل الست أم بطرس يترجوا إني أتنازل وأقفل المحاضر.
فتحت الباب وبصيت لجوزي اللي كان من يومين رافع مناخيره في السما وفاكرني ملطشة، شوفته واقف مكسور ومذلول ودموعه في عينه وبيقولي بصوت واطي: “استري عليا يا بنت الأصول، نكتب رسمي دلوقتي واديكي كل اللي تطلبيه بس بلاش الفضيحة والسجن!”
بصيتله من فوق لتحت بابتسامة نصر باردة وقولتله: “ستر؟ الستر ده مكنتش تعرفه وأنا بتهان تحت رجل أمك؟ متأخر يا سيد الرجالة.. الورقة اللي قولتلي هتبلها وتشرب ميتها، هي اللي هتفتحلك باب السجن على مصراعيه.. وحقي هاخده تالت ومتلت بالقانون.”
سكت ثانية وبصيت في عينيه الاتنين وهو واقف مرعوب، كأنه عيل صغير عمل مصيبة ومستني العقاب. مكنتش شيفاه راجل ولا حتى إنسان، كان مجرد كائن جبان كل همه ينجد رقبته من الحبس والفضيحة اللي كانت هتطين عيلته كلها وسط الناس.
ربعت إيدي وبصيتله ببرود يقص الحبل: “عايزني أتنازل وأقفل المحاضر وأفك حبل المشنقة اللي حوالين رقبتك ورقبة أبويا؟ التنازل ده ليه تمن، وتمنه مش رخيص يا سيد الرجالة.”
رد بلهفة وريقه ناشف وهو بيفرك في إيديه: “اطلبي اللي انتي عايزاه.. والله العظيم أنفذهولك في الحال، بس بلاش النيابة والمحاكم، أهلي هيموتوا من الفضيحة وشغلي هيروح!”
ابتسمت بسخرية وقولتله بكل ثقة: “نص مليون جنيه كاش.. يتحطوا في إيدي بكرة الصبح، وتطلقني وتكتب إقرار رسمي بإنك مديني كل حقوقي ومؤخري ونفقتي، غير كده رجلي على رجل المحامية على مكتب وكيل النيابة، وهتبيت في الحجز مع المجرمين، واختار انت بقى.. كرامتك وفلوسك ولا بدلة السجن؟”
أبويا شهق واتخض وقال: “نص مليون إيه يا مجنونة؟! دا البيت كله على بعضه ميسواش المبلغ ده!”
بصيت لأبويا بنظرة خلت الكلمة تقف في زوره، وقولتله: “وانت متفتحش بؤك خالص يا أبا، عشان لو القانون طبق عليا وعليك، انت أول واحد هيتحاسب على بيعتي.”
جوزي وشه قلب أسود، فضل يبلع في ريقه ويبص يمين وشمال، بس مكنش قدامه مفر؛ القضية لابسة لابسة وبنت عمه طردوه، والنيابة لو فتحت الدفاتر عيلته كلها هتدخل في سين وجيم. وطى راسه في الأرض وقال بصوت مكسور: “موافق.. بكرة الصبح الفلوس والورق هيكونوا جاهزين.”
تاني يوم، وفي مكتب المحامية، تمت البيعة بالعكس.. استلمت الفلوس في شنطة مقفولة، واستلمت ورقة طلاقي واعترافه الكامل بكل مليم كتعويض عن التلت سنين اللي راحوا من عمري، وتنازلت عن الشق الجنائي زي ما اتفقنا، وخرجت من المكتب وأنا حاسة إن الهوا له طعم تاني.
أم بطرس بصتلي وقالتلي بقلق: “هتعملي إيه بالمبلغ ده يا بنتي؟ خافي على قرشك وحطيه في بنك ولا اشتريلك حتة شقة تلمك.”
بصيت للشنطة اللي في إيدي وعيني بتلمع بإصرار عمري ما حسيته: “لو حطيتهم في البنك هعيش خايفة طول عمري أصرف منهم.. الفلوس دي تمن قهرتي، ولازم تكبر وتخليني أقف على رجلي بجد.”
قررت أغامر بكل قرش معايا، نزلت لفيت وسألت واجرت محل في منطقة تجارية حية، وبدأت أجهز لمشروع أتيليه وتأجير وبيع فساتين أفراح وسواريهات. الفستان اللي كان سبب في كسريتي وضحكوا عليا بيه وأنا عيلة صغيرة عندها ١٥ سنة، خليته هو مشروعي وس/لاحي اللي هبني بيه مستقبلي.
بدأت اشتغل ليل ونهار بإيدي، اتعلمت كل تفصيلة في الصنعة، واشتريت أحسن خامات، وكل ما كنت أتعب افتكر كسرة نفسي في بيت حماتي، فأقوم وأعافر أكتر. مكنتش مجرد تجارة، كانت معركة بينت فيها للعالم كله ولنفسي إن العيلة الصغيرة اللي اشتروها برخص التراب، قادرة تبقى سيدة أعمال ناجحة وليها كيان واسم يتهزله السوق.
مرت سنتين، والأتيليه الصغير بقى واحد من أكبر وأشهر محلات الفساتين في المنطقة كلها، وبقى اسمي معروف وسط عرايس البلد وبيجولي بالاسم. ملامحي اتغيرت، لبسي بقى شيك، ونظرة الانكسار والضعف اتمسحت تماماً وحل مكانها هيبة وشموخ يخلوا أي حد يعملي ألف حساب قبل ما ينطق بكلمة.
في يوم، كنت واقفة وسط المحل براجع أحدث كولكشن فساتين وصلت، وفجأة الباب اتفتح ودخلت حماتي.. أيوا، نفس الست اللي كانت بتصحيني من الفجر تزعق وتهين فيا، ووراها سلايفي الاتنين وطليقي داخل وراهم بخطوات مترددة وعينه في الأرض. وشوشهم كانت باهتة، ولبسهم متبهدل، وحالهم اتشقلب بعد الفضيحة اللي طالتهم وخسارتهم للفلوس اللي دفعوهالي تعويض.
أول ما عيني جت في عين حماتي، وقفت مكاني مصلوبة الطول وبصيتلهم ببرود تام. حماتي قربت مني بابتسامة صفرا مرسومة بالعافية، وحاولت تاخدني بالحضن وهي بتقول بصوت ناعم مسمعتوش منها في حياتي: “يا ألف نهار أبيض! قمر يا بنتي والله ما عرفتك، الستر باين عليكي وخيرك مالي المكان.. إحنا ملناش بركة إلا انتي يا أصيلة.”
رجعت خطوة لورا وربعت إيدي بجمود قطّع كلامها: “خير يا ست؟ جاية تشتري فستان ولا داخلة المحل بالغلط؟”
طليقي قرب ووشه أحمر من الإحراج، صوته كان بيترعش وهو بيحاول يمسك إيدي وقال: “إحنا جايين نصلح كل حاجة.. والله العظيم ندمت على كل دقيقة زعلتك فيها، من يوم ما مشيتي والبيت خرب ومشوفتش يوم عدل، أنا مستعد أكتبلك كل اللي تطلبيه ونسجل رسمي ونعملك فرح يتهزله البلد، بس ارجعيلي، مفيش واحدة ملت عيني غيرك.”
وسلايفي بدأوا يرموا كلام نفاق: “حقك علينا يا حبيبتي، شيطان ودخل بينا، ده انتي أختنا وسيدتنا ومن يوم ما سبتينا وإحنا حاسين بالذنب!”
بصيت ليهم كلهم بنظرة احتقار خلت الضحكة تهرب من على وشوشهم، وقولت بصوت واثق سمعه كل العمال والزباين في المحل: “شيطان إيه ونفاق إيه؟! انتوا جايين دلوقتي عشان شوفتوا العيلة اللي دستوا عليها بقت صاحبة مال واسم؟ جايين تطمعوا في قرشين بعد ما كنتوا بتعايروني بلقمتي؟”
بصيت لطليقي من فوق لتحت وقولتله بابتسامة سخرية: “فرح؟ ومأذون؟ متأخر سنتين يا شاطر.. الفستان الأبيض اللي كنت هتموت وتذلني بيه، بقيت ببيعه لناس تفهم قيمته.. وانت وأهلك متسووش عندي تمن طرحة في المحل ده.”
شاورت للأمن اللي واقف على الباب وقولت بصرامة: “خرج الناس دي برة، ومش عايزة أشوف وشهم بيعتب باب المكان هنا تاني.”
طردتهم قدام الكل، ووقفت أتفرج عليهم وهما خارجين يجروا وراهم خيبتهم وعارهم، ساعتها بس حسيت إن روحي رجعتلي بالكامل، وعرفت إن أحسن انتقام مش الأذى، أحسن انتقام إنك تنجح لحد ما يرجعولك راكعين وميطولوش حتى نظرة من عينك.
بعد ما الأمن طردهم برة المحل، وقفت أتابعهم من ورا الواجهة الزجاج الكبيرة. كانوا واقفين في الشارع بيتخانقوا مع بعض، حماتي بتزعق لابنها وسلايفي بيبصوله بغيظ ولوم، وكل واحد فيهم بيرمي الخيبة على التاني. المنظر ده زمان كان ممكن يوجعني، بس اللحظة دي مكنش جواه غير إحساس واحد: الشفقة على ناس كل مقياسهم في الدنيا هو المصلحة والقرش.
رجعت لمكتبي جوة، قعدت على الكرسي وأنا باخد نفسي بهدوء. بصيت للشهادات وفواتير الشغل والتصميمات اللي مالية المكتب، وافتكرت اليوم اللي خرجت فيه بشنطة هدوم قديمة ومكنش معايا تمن تذكرة أتوبيس. الدنيا دارت، والضعيفة اللي كانت بتستخبى في ركن الأوضة عشان متهانش، بقت سيدة أعمال ليها شنة ورنة والكل بيعملها حساب.
الباب خبط، ودخلت “أم بطرس” وهي شايابلي فنجان القهوة اللي متعودة تعملهولي بإيديها، ابتسمت وقالتلي بحنية: “شوفتهم وهما طالعين زي الفراخ المبلولة.. قلبك ارتاح يا بنتي؟”
بصيتلها وابتسمت ابتسامة صافية وقولتلها: “ارتاح من زمان يا خالتي، بس النهاردة حسيت إن الصفحة اتقفلت بجد ومبقاش ليها وجود في حياتي.. مش شايلة منهم غل، بس عمري ما هسمح لحد يرجعني خطوة واحدة لورا.”
قررت بعدها إني أوسع مشروعي، مكنش طموحي يقف عند الأتيليه بس؛ فتحت خط إنتاج لتصميم فساتين الزفاف وبقيت بشغل معايا بنات كتير مروا بظروف صعبة، بنات اتكسروا أو اتظلموا، عشان أعلمهم صنعة تخليهم يقفوا على رجليهم وميتحوجوش لمخلوق ولا يتذلوا عشان لقمة عيش أو حماية مزيفة.
أما أبويا، فكان بيحاول من وقت للتاني يبعت وسايط وناس عشان أرجع أزوره وأصرف عليه، لكن كنت بكتفي إني أبعتله مبلغ شهري يضمنله أكل وعلاج من غير ما أشوف وشه.. مكنتش بعامله بأصله، كنت بعامله بأصلي أنا، بس الحدود اللي بنيتها بيني وبين الماضي بقت حديد ميتكسرش.
بقيت كل ما أدخل المحل وأشوف عروسة صغيرة داخلة تختار فستان فرحها، أبتسم وأفكر في نفسي؛ الفستان مش مجرد قماش وطرحة بتفرح بيهم البنت، القيمة الحقيقية هي كرامتها وقوتها، وإنها تدخل أي بيت وهي مصلوبة الطول وليها كيان.. والدرس اللي دفعته من عمري تلت سنين ذل، طلع هو أعظم درس بنى الست اللي أنا عليها النهاردة.


تعليقات
إرسال تعليق