حكايات رومانى مكرم، كاملة
حكايات رومانى مكرم، كاملة
سمعت جوزي وحماتى بيتكلمو بصوت واطى في الصالة…
حماتى كان صوتها مليان غل وهي بتقول: «أنت ازاى تكتب باسم مراتك؟ أنت اتجننت يا حازم؟ ضحكت على عقلك فى ثلاث شهور زواج تاخد منك مش كفايه متجوزها ارمله ومعها طفل كمان
جوزي ضحك ضحكة صفره وقال بصوت واطي:
يا امى متبقيش غبية ومش فاهمة حاجة..انتى تعرفى هي وارثة إيه من جوزها ومخبياه فين، كنتي هتقوليلي اكتبلها عمري كله مش بس »وراثه دهب وفلوس وواراضى
جسمي اتنفض مكاني.. حسيت إن الدنيا بتلف بيا.. شيلت ابنى اللي عنده خمس سنين وهو نايم على كتفي، واتسحبت لباب الشقة زي الحرامية.. ومن غير ولا كلمة، فتحت الباب ونزلت جري على السلم مش الأسانسير عشان ميسمعوش صوتي..
واللي اكتشفته بعد كده كان كارثة مفيش شيطان يفكر فيها
قلبي كان بينبض في زوري وأنا نازلة على السلم، كل درجة بنزلها بحس إن رجلي مش شيلاني، وابني يوسف حاطط راسه على كتفي ونايم ولا حاسس بالدنيا ولا اللي اتغرست في ظهري.
خرجت للشارع والهوا الضامس ضرب في وشي، الدنيا كانت بعد أنصاف الليالي، والشارع فاضي مفيش فيه غير صوت كلاب حراسة بتتخانق في البعيد. مشيت وأنا مش عارفة أنا رايحة فين، كل اللي بفكر فيه كلام حازم: “كنتي هتقوليلي اكتبلها عمري كله مش بس .. ورثة دهب وفلوس وأراضي”.
يا ابن الحرامية!
ده أنا كنت فاكراه العوض! بعد ما جوزي الله يرحمه طارق اتوفى في حادثة وسابلي يوسف وربنا يعلم باللي شوفتو، طلعلي حازم كأنه طوق نجاة. راجل طالع نازل يراعي ربنا فينا، حنين على الواد، وبيحلف بأيمانات الله إنه مش عايز غير يستر عليا ويبدالي حياه جديدة. ثلاث شهور جواز كنت شايفاه فيهم ملاك، أتريه بيمثل دور البطولة في مسرحية رخيصة عشان يوصل للمحفظة!
المشكلة إن كلامه طير العقل.. فلوس إيه وورثة دهب وأراضي إيه اللي بتكلم عليها؟! طارق جوزي الله يرحمه كان موظف على باب الله، مات وما حيلتوش غير القرشين اللي طلعو من التامين وجمعتهم عشان مصاريف يوسف. ورثة إيه دي اللي بيتكلم عنها وثقته دي جايبها منين؟!
ركبت توكتوك وأنا إيدي بتتشرشح من الرعب، وقلت للسواق يوديني بيت أبويا في منطقة الوراق. طول الطريق وأنا ماسكة التليفون وإيدي بترتعش، مش عارفة أعمل إيه. لو واجهته هيعمل إيه؟ ولو هربت هيروح فين؟
وصلت بيت أبويا، فتحتلي أمي وهي مخضوضة:
* «في إيه يا منار؟! مالك يا بت نص الليل ويا عيني الواد نايم على دراعك كده ليه؟!»
دخلت وقعدت على الكنبة والدموع نازلة زي المطرة، حكيت لأمي ولأبويا اللي سمعته بالنص. أبويا مسك دماغه وقعد يضرب كف بكف، وأمي صرخت بصوت واطي:
* «يا مري! ده طلع تعبان مالي هدومه! بس فلوس إيه يا منار؟ هو طارق الله يرحمه كان شايل معاكي حاجة إحنا منعرفهاش؟»
رديت وأنا بنهج: «والله العظيم يا أمي ما حيلتي غير الـ 50 ألف بتوع التامين في البنك! ده بيقول أراضي ودهب.. ده واثق من كلامه أكنه ماسك مستندات في إيده!»
هنا أبويا قام وقف، وبصلي بقلة حيلة وقال: «الموضوع ده فيه إنَّ.. حازم مش مجرد طمعان، حازم عارف حاجة إنتي بنفسك مش عارفاه يا منار. طارق جوزك الله يرحمه قبل ما يموت بأسبوع، جاني هنا الشقة وكان شايل شنطة سودا حديد صغيرة، وقال لـ أمك شيلوها عندكوا لغاية ما أطلبها.. ولما مات في الحادثة إحنا نسينا الشنطة خالص من كتر الصدمة!»
جسمي قشعر.. قمت وقفت زي المجنونة: «شنطة إيه يا بابا؟! هي فين الشنطة دي؟!»
أبويا دخل الأوضة الجوانية، وطلع من تحت السرير شنطة حديد قديمة، مقفولة بقفل رقمي. قال لي: «طارق قال لي بلاش تفتحيها يا عمي غير لما يوسف يكمل 21 سنة.. بس أنا شايف إن السر كله هنا».
حاولنا نفتح القفل، جربنا تاريخ ميلاد طارق، تاريخ جوازنا، تاريخ ميلاد يوسف.. وفلقت! القفل اتفتح وصوت اللسان بتاعه وهو بيترفع كان زي صوت إنذار بحريقة هتقوم.
فتحت الشنطة.. وإللي شوفتو جوة خلاني أتنح، وعقلي طار مني خالص!
جوة الشنطة مكنش فيه لا دهب ولا فلوس.. كان فيه:
* عقود ملكية لثلاث عمارات في منطقة التجمع الخامس باسم طارق!
* دفتر توفير في بنك أجنبي باسم يوسف ابني فيه مبلغ يطير العقل!
* والأهم من ده كله.. صورة لـ حازم جوزي الحالي، مع طارق جوزي القديم، ومكتوب ظهرها بخط إيد طارق:
“لو حصلي حاجة، اعرفي إن حازم هو اللي ورا كل حاجة.. حازم مش صاحب عمري، حازم هو الكابوس اللي بيطاردني”.
صرخت وحطيت إيدي على بقي.. طارق ماماتش قضاء وقدر! وحازم متجوزنيش عشان ، حازم اتجوزني عشان يوصل للشنطة دي اللي طارق خباها عنه قبل ما !
#الكاتب__رومانى__مكرم__
وفجأة.. وقبل ما أستوعب البلاوي دي كلها، تليفوني رن.
كان رقم حازم..
رديت وأنا حاسة إن خطوتو الجاية على رقبتي، جه صوته في التليفون هادي، بارد، ومرعب لدرجة تقشعر البدن:
* «إيه يا منار؟ مشيتي ليه من غير ما تقولي؟ طب على العموم.. افتحي شباك صالة بيت أبوعلي عشان تشوفي حاجة هتعجبك قوي تحت العمارة».
جريت على الشباك وفتحت الستارة.. ولقيت…
تحسرت نفسي، وسقطت الستارة من إيدي وأنا شايفاه واقف تحت العمارة، ساند على عربيتو وبيشاورلي بإيده والتليفون على وذنه، وشفايفه اترسمت عليها ابتسامة خبيثة ومستفزة! والأنكى من كده، إنه مكنش لوحده.. كان واقف جنبه راجلين أجسادهم زي الضلف، وعيونهم متسلطة على مدخل العمارة.
رجعت لورا خطوتين وأنا ركبي بتخبط في بعضها، التليفون كان هيقع من إيدي، وصوته جه في السماعة أشد برودة من الأول:
* «شفتي بقى يا حلوة؟ فاكرة إنك لما تتسحبي زي الحرامية وتجري على بيت أبكي هتهربي مني؟ أنا من يوم ما اتجوزتك وأنا خطوتك محسوبة عليا بالثانية. انزلي بالشنطة يا منار.. الشنطة اللي طارق عماكي عنها وعمل فيها بطل، بدل ما اطلع أخدها بطريقتي، وساعتها أبوكِ الراجل العجوز ده مش هيستحمل قسوة إيدي».
قفلت السكة في وشه وأنا بنهج، وعرق سقعان نازل على وشي. أبويا مسكني من دراعي وشهق:
* «فيه إيه يا منار؟! مين اللي تحت؟»
قلت له بصوت متقطع ومكتوم:
* «حازم يا بابا.. حازم تحت العمارة ومعاه بلطجية! عارف إن الشنطة هنا، وعارف كل حاجة.. طارق الله يرحمه ماماتش في حادثة، طارق عشان الشنطة دي وعقود التجمع!»
أمي لطمت على وشها وبقت تترعش، وأبويا عينيه زغللت من ، بس مسك نفسه وبص للشنطة اللي مفتوحة على الترابيزة. الورق اللي فيها يغير حياة عيلة كاملة، والصورة اللي فيها بخط طارق كانت الدليل الوحيد اللي يودي حازم حبل .
أبويا جري على باب وقفل الترباس والحزام الحديد، وقال بصوت حاسم:
* «مفيش نزول، ومفيش حد هيلمس شعرة منك ولا من الواد طول ما أنا فيا نفس.. كلمي الشرطة يا منار بسرعة!»
مسكت التليفون عشان أتصل بـ 122، وإيدي بترتعش، بس قبل ما صباعي يلمس الشاشة، النور انقطع عن الشقة كلها!
الضلمة كتمت على أنفاسنا، وصوت يوسف ابني صحي من النوم وفضل يعيط وهو خايف من الضلمة. جمدت في مكاني، وعرفت إنهم قطعوا كابل الكهربا العمومي بتاع الشقة من بره.
وفجأة.. سمعنا خبط خفيف على باب الشقة!
مش خبط بعنف.. لا، ده كان خبط بانتظام وهدوء يرعب النفس، وبعدها جه صوت حازم من ورا الباب مباشرة، كأنه واقف ملازق للحديد:
* «افتح يا عمي.. بلاش تعمل فيها بطل في السن ده. طارق الله يرحمه عمل فيها شجاع وزمانه تحت التراب. أنا مش عايز أذيتكم، أنا عايز الورق والـ USB اللي جوه البطانة.. هاتي الشنطة يا منار وخدوا والفلوس وعيشوا مستورين، بدل ما الشقة دي تقلب الليلة».
كلمة “الـ USB اللي جوه البطانة” نزلت عليا زي الصاعقة!
أنا وماما وبابا بصينا للشنطة في الضلمة، على نور كشاف التليفون الضئيل. حطيت إيدي جوة الشنطة الحديد، وبقيت أدور وأفرس في القماش المتخيط في الجوانب.. لحد ما صباعي لمس حاجة ناشفة ومستطيلة صغيرة، متخيطة بمهارة جوة البطانة السفلية!
شديت الخياطة بأسناني وطلعتها.. فلش فلاشة صغيرة (USB) سودة.
طارق مكنش بس سايب عقود وصورة.. طارق كان سايب التسجيلات والمعاملات اللي تتدين حازم وتكشف شبكة غسيل الأموال والنصب اللي كانوا شغالين فيها سوى قبل ما يختلفوا، وحازم يقرر يتخلص منه!
أبويا قرب من الباب وقال بصوت جهوري بيحاول يداري بيه خلوفه:
* «امشي من هنا يا حازم بدل ما ألم عليك المنطقة! الشارع مليان ناس وما هسيبكش تاخد حاجة!»
ضحك حازم ضحكة عالية من ورا الباب وقال:
* «منطقة إيه يا راجل يا طيب؟ بص من خرم الباب كده.. تشوف شباب المنطقة بتوعك فين».
أبويا بصل من خرم الباب، ووشه اصفرّ زي الليمونة.. حازم كان جادب معاه رجالة مسيطرين على مدخل العمارة، وجيران العمارة أغلبهم كبار في السن أو ساكتين من الخوف.
حازم كمل بصوت واطي وخبيث:
* «قدامكم خمس دقائق.. لو الباب ده مأتفتحش والشنطة خرجت بالـ USB، هولع في باب الشقة ببديل بنزين، وساعتها اطلعوا بقى ورونا إزاي من الدور الرابع!»
قلبي كان بيموت في الدقيقة ألف مرة.. يوسف ابني ماسك في جلابيتي وبيرتعش، وأمي بتصلي وبتبكي في سرها، وأبويا واقف مش عارف يتصرف.
نظرت للفلاشة اللي في إيدي.. وعرفت إن اللعبة دي كبرت أوي، وإن حازم مش هيسيبنا أحياء حتى لو أديناله الشنطة، لأنه عارف إننا قرينا الورق وشوفنا الصورة!
قربت من أبويا ووشوشته في وذنه:
* «يا بابا.. حازم لو أخد الشنطة هيقتلنا كلنا عشان يداري على .. الحل الوحيد إننا من باب السطوح!»
أبويا بصلي باستغراب:
* «سطوح إيه يا منار؟ السطوح مقفول بجدول وسلسلة من أسبوعين عشان الشتاء!»
قلت له وأنا بأخد نفَس عميق والدموع في عيني:
* «أنا معايا مفتاح السطوح القديم في ميداليتي.. هنطلع السطوح ومنه لسطح العمارة المجاورة، بس لازم نلهيه هنا الأول!»
في لحظتها.. سمعنا صوت كبريت بيترش، وريحة بنزين نفاذة بدأت تتسرب من تحت عقب الباب!
حكايات رومانى مكرم 2
ريحة البنزين بدأت تظبط النفس، والدخان الأسود الهادي بدأ من تحت الباب زي . يوسف ابنيصرخ صرخة مكتومة وهو دفن وشه في رقبتي، وأمي كتمت بقها بإيدها وهي بتترعش وتشهق.
أبويا أخد فازة زجاج ثقيلة كانت على الترابيزة، وقرب من الباب ببطء شديد عشان يعمل صوت حركة، وزعق بأعلى صوته كأنه بيكلم حازم:
* «خلاص يا حازم! اهدى وماتولعش! الشنطة أهي.. بنفتح الكوالين وهنسلمهالك بس ابعد عن الباب!»
حازم رد من بره بصوت فيه نشوة الانتصار والغدر:
* «عفارم عليك يا عم علي.. الراجل الطيب هو اللي بيعرف يشتري عمره وعمر ولاده. ارمي الشنطة الأول من فتحة الباب بعد ما تفتحه شبر واحد!»
في اللحظة دي بالظبط، وأبويا بيصنع كراكيب عند الباب كأنه بيفتحه، سحبت أمي ويوسف من إيديهم واتسحبنا في الضلمة ناحية المطبخ اللي فيه الباب الخلفي المؤدي لسلم السطوح.
إيدي كانت بتتنفض وأنا بحط المفتاح الصدي في قفل السلسلة.. القفل كان مصدي ومبيتحركش!
قلبي سقط في رجلي، وسمعت صوت حازم بره بره بيصرخ بنفاذ صبر:
* «أنتم بتشتغلوني ولا إيه؟! افتح يا راجل انت بدل ما أرمي الولعة!»
دعيت ربنا في سري، وضغطت على المفتاح بكل قوتي لدرجة إن معدن المفتاح جرح صباعي ودمي نزل عليه.. وفجأة، سمعت صوت “تكة” القفل وهو بيتفتح!
فتحت الباب بشويش، وزقيت أمي ويوسف قدامي على السلم الخشبي بتاع السطوح. أبويا جرى وارانا بسرعة، وقفل باب المطبخ وراه بالمفتاح عشان يعطلهم لو .
أول ما حطينا رجلنا على السطوح، الهوا البارد وشنا، بس صدمة ثانية كانت مستنيانا!
سمعت صوت فرقعة نار قوية تحت، وصوت الباب الرئيسي بتاع وهو بيتكسر بضربات ثقيلة.. حازم ورجالته اكتشفوا الخدعة ودخلوا !
أبويا مسك إيدي وقال بنهجة عالية:
* «يلا يا منار! سطوح عمارة عمك حاج رمضان ملازق لسطوحنا، فيه سور أطول منا بشوية بس نقدر نعديه!»
جرينا في ضلمة السطوح بين الغسيل والكركوبة، ونط أبويا السور الأولاني بمهوبة راجل عشان يعيش، وأخد مني يوسف وهو نايم ومخضوض. رفعت أمي بالعافية فوق السور، ولما جيت أطلع أنا.. سمعت صوت باب السطوح بتاعنا بيتكسر بعنف!
التفت بوشي.. ولقيت حازم طالع من باب السطوح، ماسك في إيده كشاف ضخم وشعاعه الأبض ضرب في وشي مباشرة!
ابتسم ابتسامة مرعبة وقال وهو يقرب مني ببطء:
* «رايحة فين يا حلوة؟ فاكرة إنك هتهربي مني بالفلاشة والعقود؟ طارق فكر قبلك إنه أذكى مني، وزمانه دلوقتي أكل للدود!»
صرخت ورميت جسمي الناحية الثانية من السور، وقعت على أرضية سطح العمارة المجاورة وركبتي اتجرحت سالت منها الدم. أبويا شدني بسرعة، وجرينا على سلم العمارة الثانية ونزلنا السلم جري كأننا بنط درجتين درجتين.
سمعت صوت حازم بيزعق ورايا فوق السور:
* «هاتوووهم! أوعوا يخرجوا من الشارع حيّين!»
نزلنا لمدخل العمارة الثانية، وكان الباب الخارجي مقفول بجنزير. أبويا مسك قالب طوب من الأرض وبكل قهر وغل ضرب القفل لما كسره، وخرجنا للشارع الجانبي الضيق اللي ورا العمارة.
الشارع كان ضلمة كحل ومفيش فيه صرصور حقل، بس صوت عربيات حازم ورجالته كانت بدأت تفحط في الشارع الرئيسي وتلف عشان يطوقوا المنطقة.
سحبت أمي وأبويا ودخلنا في حارة ضيقة جداً بين بيتين قدام، واستخباينا ورا كوم خشب ومخلفات مباني.
كتمت نفس يوسف بإيدي بشويش وهو بيعيط بصوت مكتوم، وشفنا نور عربية حازم معدي من قدام الحارة ببطء.. حازم كان مادد راسه من شباك العربية، وعينيه بتدور في الضلمة زي الصقر اللي يدور على فريسته.
مسكت الفلاشة (USB) اللي في جيب جلابيتي وضغطت عليها بقوة.. الفلاشة دي هي السر، وهي السر اللي اتقتل بسببه طارق، وهي السر اللي حازم مستعد يهد المنطقة كلها عشان يمسحها من الوجود.
أبويا ميل عليّ ووشوشني بصوت واطي جداً وهو بينهج:
* «حازم قافل مخارج المنطقة يا منار.. التليفونات شبكتها مقطوعة، والشرطة مش هتوصل هنا قبل ما يوصلنا.. الفلاشة دي فيها إيه بالظبط يجعل راجل عشانها؟!»
فتحت جيب جلابيتي وطلعت الفلاشة والصورة، وعلى نور شاشة التليفون الضعيف اللي فاضل فيه 5% بطارية، بصيت لظهر الصورة ثاني.. ولفت نظري إن فيه كتابة ثانية بخط صغير جداً تحت جملة طارق، كتابة مكنتش شايفاها في الضلمة الأولى:
“يا منار.. لو القفل اتفتح وحازم وصلك، اعلمي إن سر ثروة حازم كلها ومكان الفلاشة الثانية في…”
وقبل ما ألمس الكلمة الأخير وأقراها، شاشة التليفون طفت تماماً.. البطارية فصلت!
وفجأة.. سمعنا صوت خطوات جزم ثقيلة بتدبس على الأرض، وبتدخل الحارة الضيقة اللي إحنا مستخبيين فيها، وصوت حازم جه من على بعد مترين بس منا:
* «أنا سامع نفسكم يا منار.. اطلعي بالتي هي أحسن، بدل ما أخلي الرجالة تتسلى عليكم واحد واحد!»
#الكاتب__رومانى__مكرم__
انقبض صدري والضلمة حاصرتنا من كل ناحية، وصوت كعب جزمه حازم وهو يقرب على كوم الخشب كان زي دقات طبول الموت. أمي غمضت عينيها وبقت تهمس بالشهادة، وأبويا ضغط على قالب الطوب اللي في إيده واستعد يرمي نفسه عليه، بس أنا مسكت إيد أبويا وجمدت في مكاني..
وفي اللحظة اللي حازم مد فيها إيده عشان يشيل لوح الخشب اللي يدارينا، خرج صوت صويح وفزيع من أول الحارة:
* «الحقوا يا جدعان! الحريقة في دور الرابع في عمارة عم علي! الحريقة بتاكل الشقق!»
الرجالة بتوع حازم اتلبكوا، وواحد منهم نادى عليه بصوت واطي ومذعور:
* «يا حازم بيه! الناس اتلمت في الشارع الرئيسي المطافي والشرطة جايين في الطريق من كتر الدخان.. لو اتكشفنا هنا مش هنخرج!»
حازم تف على الأرض بغل، وسمعنا صوته وهو بيتراجع خطوات لورا وبيقول بسخط:
* «اركبوا بسرعة قبل ما الحارة تتقفل! هنجيبهم.. هيترجوا ويرجعوا الشقة ومش هيعرفوا يخرجوا برا الوراق!»
سمعنا صوت تفحيط عربيتهم وهي بتجري بأقصى سرعة وتختفي في الشارع الرئيسي. نزلنا إيدينا من على أبهاتنا ونفسنا رد لينا بالعافية، بس الأزمة كانت لسة مخلصتش.. الشقة ولعت، والشارع بقى مليان ناس ومطافي، وحازم مرقب مداخل ومخارج الوراق كلها.
أبويا سحبنا من الحارة واتسحبنا في شوارع ضيقة ميعرفهاش غير ابن المنطقة، لحد ما وصلنا لورشة تصليح سيارات قديمة ومقفولة ملك لواحد صاحب أبويا الانتيم. أبويا خبط دقات معينة على الباب الصاج، لحد ما فتح لينا راجل عجوز بجلابية وشعر أبيض، أول ما شفنا بالمنظر ده شهق وخلانا ندخل ونزل الصاج بسرعة.
الراجل جاب لنا مية، وأنا قعدت على كرسي خشب وجسمي كله بيتفاض. يوسف كان نام من كتر التعب والخوف في حضن أمي. طلعت التليفون من جيبي وأنا حاسة بالعجز.. البطارية فاصلة!
قلت لعم صاحب الورشة بصوت متقطع:
* «عمي أحمد.. أرجوك عايزه شاحن تليفون بسرعة، فيه كلمة لازم أقراها في ضوء التليفون هي اللي هتحدد مصيرنا!»
جابلي الشاحن وحطيت التليفون في الفيشة.. أول ما الشاشة نورت بـ 1%، فتحت كشاف الموبايل وسلطته على ظهر الصورة المقوية اللي أخدتها من الشنطة.
قربت عينيا من الخط الصغير اللي طارق الله يرحمه كتبه قبل ما ، وقريت الكلمات بصوت واطي وأنا مش مصدقة:
“يا منار.. لو القفل اتفتح وحازم وصلك، اعلمي إن سر ثروة حازم كلها ومكان الفلاشة الثانية في الخزنة السرية اللي جوه مكتب المأذون اللي جوزنا! المأذون يبقى خال حازم وشريكه الأولاني، وكل الأوراق والتوكيلات المزورة اللي استولى بيها على أملاكي هناك.. المأذون هو الراس الكبير يا منار!”
الدم اتجمد في عروقي!
المأذون! الشيخ عبد الجليل اللي كتب كتابي على طارق، وهو نفسه اللي كتب كتابي على حازم من ثلاث شهور وكان طالع بمظهر الشيخ الورع التقي اللي بيخاف ربنا! طلع هو تدبير كل دي، وهو اللي مسجل العقود والتوكيلات لحازم!
أبويا ضرب ايده على ركبته وقال بغضب:
* «يا ابن الحرام! عشان كده حازم كان واثق من نفسه! ده خال المأذون مأمنله كل حاجة ومغطي عليه قانونياً!»
بصيت للفلاشة الأولى اللي معايا، وقلت بصرامة وعيون مليانة تحدي:
* «الفلاشة دي فيها تسريبات وغسيل أموال، بس عشان نوديهم الإعدام ونرجع حق طارق وحق ابني.. لازم نوصل لخزنة المأذون ونسترد الفلاشة الثانية والعقود الأصلية!»
عم أحمد صاحب الورشة قرب منا وقال:
* «المأذون بيته ومكتبه في منطقة إمبابة، وحازم حاطط مراقبة على بيتكم بس اكيد مش متوقع إنكم تروحوا لمكتب خاله في الوقت ده!»
قمت وقفت على حيلتي، ومسحت دموعي بصابعي، وخوف الأم الضيفة تحول لشرار غضب:
* «أنا هروح لمكتب المأذون دلوقتي يا بابا.. الليلة دي يا يخلص الكابوس ده عليهم، يا كلنا!»
أبويا مسك عصاية حديد من الورشة وقال:
* «مش هتروحي لوحدك يا منار.. أنا معاكي، وعمك أحمد هيوصلنا بعربيتو النص نقل من الطرق الخلفية!»
سبنا أمي ويوسف في أمان الورشة، وركبت أنا وأبويا في ظهر العربية النص نقل تحت غطا مشمع عشان محدش يشوفنا. العربية مشيت بينا في شوارع إمبابة الضيقة والدنيا بدأت تفجر أول خيوط الفجر..
وصلنا قبال شارع مكتب المأذون.. الشارع كان هادي جداً، والمكتب في الدور الأرضي بعمارة قديمة، أنواره مطفية.
نزلت أنا وأبويا من تحت المشمع، واتسحبنا لحد باب المكتب. أبويا جاب العتلة الحديد من العربية وبدأ يضغط على قفل الباب الصاج بتاع المكتب.. وصوت صرير الحديد كان بيقطع سكون الفجر!
وفجأة.. “تك”! الباب اتفتح.
دخلنا المكتب بسرعة وقفلنا الباب وارانا. سلطت كشاف التليفون على اللوحة والأثاث، ولفت نظري برقع سجادة عجمي متعلّقة على الحيطة ورا مكتب المأذون.
زقيت السجادة.. وفعلاً! لقيت خزنة حديدية مصفحة مدفونة في الحيطة!
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتكر الأرقام اللي كانت على قفل شنطة طارق.. جربت نفس الرقم السري، وفجأة.. الخزنة عملت صوت صفارة وفتحت!
جوة الخزنة كان فيه أكياس دهب، وعقود بيع وشراء مزورة، والفلاشة الثانية!
مديت إيدي وأخدت الفلاشة والملفات، ولسة بداري وشي عشان نخرج..
وفجأة! النور اتفتح في المكتب كله!
والتفت.. ولقيت المأذون الشيخ عبد الجليل واقف عند الباب، ومسك في إيده موجهها لنص راسي مباشرة، وجنبه حازم وابتسامته الشريرة مالية وشي!
حازم قرب مني وهو بيضحك بصوت واطي ومرعب وقال:
* «كنت عارف إن طارق الغبي مش هيخبي سر خزنة خالي غير في ظهر الصورة.. شكراً يا منار إنك وفرتي عليا تدوير السنين، ودلوقتي.. الشنطة والفلاشتين، وروحك أنتِ وأبوكِ!»
#الكاتب__رومانى__مكرم__
وقف الزمن في اللحظة دي.. صوت طلقة مكتومة كان كفيل ينهي حياتي وحياة أبويا في ثواني، وحازم واقف قدامي في عينيه شر وعمي مفيش بعده، والمأذون ماسك الطبنجة وإيده ثابتة على الزناد.
حازم مد إيده ببرود وقال:
* «هاتي الشنطة والفلاشتين يا منار.. ووفّري على نفسك وعلى الراجل العجوز ده عذاب الموت».
أبويا أخد خطوة لقدامي وحاطط جسمه ساتر بيني وبين ، وقال بصرامة:
* «لو راجل اضرب يا عبد الجليل! اضرب واعرف إن ربنا مش بيسيب حق مظلوم، طارق هيتحسب عليك في الدنيا قبل الآخرة!»
حازم ضحك ضحكة صفرا وقرب خطوة كمان:
* «بلا دنيا بلا آخرة يا عم علي.. الفلوس والعمارات دي تخليني أعيش ملك، وطارق كان غبي لما افتكر إنه يقدر يخرج من اللعبة دي لوحده! انجز يا خال واخلص منهم عشان نلم الورق ونطير على المطار!»
في اللحظة اللي عبد الجليل رفع فيها إيده وثبّت صباع الإشارة على الزناد عشان يضغط..
فجأة! صوت انفجار قوي هز الباب الصاج بتاع المكتب!
الباب الصاج اتقلع من مكانه وافترش الأرض بصوت رعب الشارع كله، وفي نفس اللحظة اقتحمت قوات أمن الدولة ورجالة المباحث المكان، وصوت الجري والصراخ ملا المكتب:
* «اثبت مكانك أنت وهو! ارمي السلاح من إيدك يا عبد الجليل! المكان كله متقفل!»
المأذون اتخض وإيده اترعشت، والطبنجة وقعت منه على الأرض من الصدمة، وحازم وشه اتخطف وبقى لون الملاية البيضا، وحاول يجري ناحية الباب الخلفي للمكتب، بس ظابط المباحث نط عليه وثبته في الأرض وكتف إيديه ورا ظهره بالكلبشات!
قعدت على ركبتي وأنا بنهج ومش مصدقة، وأبويا حضنني وهو بيبكي وبيحمد ربنا.
ظابط المباحث قرب مني، ومسك الفلاشات والأوراق اللي في إيدي، وبصلي وقال بابتسامة طمأنينة:
* «حمد الله على سلامتكم يا مدام منار.. عم أحمد صاحب الورشة أول ما مشيتوا بالعربية، بلغ النجدة وقالنا على خط سيركم وبلّغ باللي حكيتوه كله. وإحنا تتبعنا خط سير حازم والمأذون من بدري لأن المأذون عبد الجليل كان تحت المراقبة في قضايا تزوير واستيلاء على أراضي!»
بصيت لـ حازم وهو مكسور ومتربط في الكلبشات على الأرض، وعينيه كلها غل وعجز.. قربت منه وقفت قدامه، وبصيت في عينيه بثبات وقلت له:
* «كنت فاكر إنك أذكى من الكل يا حازم؟ طارق الله يرحمه كان عارف إنك ، وعشان كده سابلي الدليل اللي يوديك أنت وخالك .. حق جوزي ورزق ابني مش هيلمسه مجرم زيك!»
حازم مقتدرش يرد، ونزل راسه في الأرض والظباط سحبوه هو والمأذون بره المكتب وسط ذهول أهل المنطقة اللي اتلموا في الشارع مع أذان الفجر.
مرت الأيام..
وفحصت النيابة الفلاشتين، وطلع عليهم التسجيلات الصوتية والفيديوهات اللي بتثبت تورط حازم في تدبير حادثة العربية اللي اتقتل فيها طارق الله يرحمه، بجانب عمليات تزوير التوكيلات ومستندات ملكية عمارات التجمع الخامس مع خاله المأذون. وصدر الحكم الرادع عليهم يجزوا بشر أعمالهم.
بعد ست شهور..
كنت واقفة في البلكونة بتاع شقتي الجديدة في التجمع، والشمس طالعة بتنور المكان. يوسف ابني كان بيلعب قدامي وضحكته مالية البيت، وأمي وأبويا قاعدين بيشربوا الشاي في أمان وراحة بال.
مسكت الصورة القديمة لـ طارق، وبصيت لها وابتسمت وأنا بقرأ الفاتحة على روحه، وقلت في سري:
“حقك رجع يا طارق.. وابنك صنت أمانته وحميته، والكابوس انتهى للأبد”.


تعليقات
إرسال تعليق