ضرتى حامل كامله بقلم امانى السيد
ضرتى حامل كامله بقلم امانى السيد
المرة الأولى لما ضرتي ولدت، قلت معلش.. إنسانية ومساعدة. المرة التانية، اتكسرت من كلامهم اللي كان زي السم، وبقيت أغير الملايات وأعمل الأكل وأنا بدمع في المطبخ. بس لما حملت للمرة التالتة، افتكروا إن خلاص، ضهري اتكسر وبقيت الخدامة المطيعة اللي بتبوس إيدهم عشان سايبينها على ذمة راجل.
جوزى اتجوز واحده تانيه بحجه إنه يخلف عشان أهله بيزنوا عليه وفعلاً وافقت وهو اتجوز وبعد ٩ شهور خلف وقت حمل مراته الاول كنت تحت رجلها زى الخدامه عشان تولد بالسلامة وجوزى يفرح بالعيل الاول كنت اقف اطبخ بالساعات الاكل اللى نفسها بتروح ليه حتى لو مش بحبه عشان هى تاكل وجوزى كان بيأكلها فى بقها بنفسه وبعد ما خلفت الاولانى معداش ٣ شهور وحملت فى التانى وجوزى وقتها حس إنه امتلك الدنيا فى ايده وبقى يخيلنى اراعى الطفل الاول غير شغل البيت وهى كان ليها الدلع كانوا يخرجوا ويسبونى فى البيت مع ابنهم اللة مكملش الاربع شهور وهما بيتفسحوا عشان
نفسيتها ماتتعبش وانا مش مهم المهم هى عشان هى اللى حامل وخلفت العيل التانى بقيت طول الليل سهرانه بالطفلين وهى نايمه بترتاح وبعد خمس شهور تانيين حملت فى العيل التالت ووقتها جوزى مبقاش شايف حد غيرها لما كلمته وقولتله انا تعبت لقيت ملامحه اتغيرت وقالى انى بغير منها عشان بتخلف وانا لأ وانها هى السبب أنى ارفع عينى فى وسط العيله بعد ما أنا بعدم خلفتى وطتها وخليت الناس تشك إن العيب منه هو وانها هى سبب إن الناس تعرف أنى ماعنديش مشاكل
هى سمعت كلامه واستغلت الكلام ده عشان تبعده عنى اكتر وتخليه خاتم فى صباعها اكتر كانت تنادى عليه وهى قاعده على السرير وتؤمرنى انضفلها اوضتها واغسل هدومها على ايدى مش فى الغساله ولما كنت ارفض كانت تروح تدلع عليه وتغير كل الكلام وهو كان يجيى عليه بسببها لما كنت اتعب من ولادها واقولها امسكيهم شويه عشان أنام وارتاح كانت تزعقلى وتتصل بجوزى وتقوله إن طول ماهو فى الشغل انا برميلها العيال وهى مش عارفه تنام وتعبانه من قله النوم وخايفه البيبى يحصله حاجه كان جوزى يجيى من الشغل زى المجنون ويتخانق معايا ويدخل يراضيها ويبوس اديها عشان ماتزعلش فى يوم
كانت قاعدة على الكنبة ببرود تتفرج على التلفزيون، والعيال بيلعبوا في الأرض وبيرموا اللعب حواليها وهي ولا هي هنا، حاطة رجل على رجل . أول ما سمعت صوت خطوات جوزي وهو داخل الشقة شايل أكياس طلباتها، بصتلي بنظرة كلها لؤم وشماتة، ولقيتها بتنادي عليا بصوت عالي وفي نفس الوقت متصنع التعب: — هناء “هاتيلي طبق ماية دافية بملح وتعالي اغسليلي رجلي هنا.. مش قادرة أقف عليها من التورم، وأنا حامل وما باخدش راحة في البيت ده!”
أنا اتسمرت مكاني، والشرشوبه وقعت من إيدي. بصيت لجوزي وأنا مستنية منه كلمة واحدة يرد بيها كرامتي، يفتكر بيها إن دي مراته الأولى اللي شالت البيت على دماغها وخدمت عياله بسهر الليالي. بس لقيت جوزي بيرمي الحاجة من إيده على الترابيزة وبيبصلي بنظرة كلها قسوة وازدراء، — “سمعتِ هي قالت إيه؟ انزلي المطبخ هاتي طبق الماية بالملح وتعالي وطي تحت رجلها اغسليها .. مش قايلك قبل ما أنزل طلباتها مجابة وعينك ما تترفعش عنها؟”
دموعي نزلت بسخونة على خدي، ونفضت إيدي بقوة وأنا برجع لورا خطوة وبصرخ بصوت مخنوق من كتر المهانة: — “لأ يا سعد! لحد هنا وألف لأ.. أنا مش خدامة هنا! أنا مرتك الأولى اللي صانتك وشالتك يوم ما الناس كلها كانت بتتكلم عليك، أكلت واشتغلت وخدمت وولادها شيلتهم على دماغي والسهر هدّ حيلي.. لكن أغسل رجلين واحدة بتستغل حنيتك عشان تذلني؟ على جثتي!” ملامحه اتغيرت لغضب أعمق، وقرب مني ومسكني من دراعي بقوة عصرت عروقي،
— “كرامة؟ أنتِ بتتكلمي عن الكرامة؟ أنتِ نسيتي إن الست دي هي اللي رفعت راسي وسط العيلة؟ هي اللي جابتلي الولد والتاني والحمل التالت في السكة.. إنما أنتِ؟ أنتِ لولا وجودها ولولا الخير اللي جابته معاها كان زمان الناس بتبصلي بنص عين.. لولاها كان زمانك مرمية وماحدش عامل لك قيمة!” زقني ناحية المطبخ بقسوة لحد ما ضهري خبط في الباب، وشاور بصابعه في وشي وهو بيهددني بصوت هز الشقة:
— “طبق الماية بالملح يكون تحت رجلها خلال دقيقة، وتوطي تغسليها لحد ما تقولك خلاص.. وإلا قسمًا بالله، لو سمعت كلمة رفض تانية لتكوني طالق ومرميه بره، واقعدي بقى عند أهلك حيطة سادة كانت مرام قاعدة حاطة مخدة ورا ضهرها، بتتفرج عليا وأنا بنكسر قدامها، وابتسامة شماتة صريحة مرسومة على وشها، ومستنية لحظة انكساري الكامل تحت رجلها. ولما لقتني وافقة مكاني والدموع نازلة مغرقة وشي وبترعش من القهر وما تحركتش أروح المطبخ، حبت تكمل الملعوب وتكسر دماغي أكتر قدامه.
بصت لسعد بنظرة كلها مسكنة ودلع متصنع، ومطت شفايفها وهي بتئن بصوت واطي: — “سعد.. تعال يا حبيبي شيلني أدخلني الأوضة جوه، رجلي وجعتني أوي من القعدة ومش قادرة أحطها على الأرض خالص، عقبال ما هانم تكرم وتجيب طبق الماية!” سعد من غير ما يفكر ثانية ولا يبصلي حتى، جرى عليها زي المسحور، وقرب منها ووطى يشيلها بين إيديه بحنية واهتمام عمري ما شفتهم منه، وهي راحت لفّة دراعاتها حوالين رقبته ورست رأسها على صدره، وبصتلي من فوق كتفه وهي رايحة معاه الأوضة وابتسامة انتصار وشعنونة مالية وشها.
دخل بيها الأوضة ونيمها على السرير بكل رقة وشال طلباتها، وأنا وافقة في الصالة حاسة إن أرض البيت بتتهز بيا، ودموعي بتنزل بسكوت، سامعة صوت ضحكتها الدلوعة جوه وصوته وهو بيراضيها ويقولها: “حقك عليا يا قلبي، الماية جاية لحد عندك دلوقتي.” كانت اللحظة دي هي القشة اللي قسمت ضهري بجد، وعرفت إن القسوة والعمى اللي فيه بسببتها ما بقاش ليهم علاج. خرج من الأوضة بعد ما نيمها على السرير وغطاها بحنية، وقفل الباب وراه بالراحة عشان ما يزعجهاش. أول ما حط رجله في الصالة، اتغيرت ملامحه تماماً ورجعت فيها نفس القسوة والبرود.
قرب مني وأنا واقفة في مكاني مش قادرة أشيل جسمي من كثر القهر، مسك الجردل والطبق من الأرض وزقهم في إيدي بغل وقال بصوت واطي بس يرعب: — “الماية تكون دافية ومش سخنة، وما تطوليش جوه عشان ما تضايقهاش.. تدخل تحطي الطبق تحت رجلها وتغسليها وأنتِ ساكتة، كلمة واحدة تانية يا أميرة وهتكون آخر كلمة تقوليهالي في البيت ده.” مسكت الطبق وأنا إيديا بترتعش، الماية كانت بتتهز جواه زي ما كل حاجة جوايا كانت بتتكسر. مشيت خطوة ورا خطوة ناحية الأوضة، حاسة إن كل خطوة بتمشيها رجلي كأنها ماشية على جمر.
فتحت الباب بالراحة، لقيتها نايمة وساندة ظهرها على المخدة، ماسكة تليفونها وبتقلب فيه بروقان. أول ما شافتني داخلة بالطبق، سابت التليفون وولعت سيجارة انتصار في عيونها، وحطت رجلها على طرف السرير ودلتها لتحت وهي بتقول بنبرة كلها غرور وتكبر: — “بالراحة وأنتِ بتحطي الطبق عشان الماية ما تطيرش على السجادة.. وتعرفي تغسلي كويس ولا أنادي لسعد يعلمك إزاي تريحيني؟”
غمضت عيني والدموع نزلت حامية على خدي، وطيت بجمالي وجسمي كله بيترعش، حطيت الطبق تحت رجلها، وفي اللحظة اللي مسكت فيها الماية عشان أحطها على رجلها، حسيت إن الشرف والكرامة والعمر اللي ضاع في البيت ده بيهونوا في ثانية.. ورفعت عيني بصيت في وشها لقيت ابتسامة الشماتة مالية كل ملامحها شيلت طبق المية الدافي وإيديا بترتعش من كثر القهر، ومشيت بيه ناحية الأوضة وكل خطوة كنت بحس إن أرض البيت بتتسحب من تحت رجلي.
فتحت الباب بالراحة، لقيتها نايمة ساندة ظهرها على المخدة، ماسكة تليفونها وبتقلب فيه بروقان. أول ما شافتني داخلة بالطبق، سابت التليفون ودلت رجلها من على السرير ونطقت بنبرة كلها غرور وتكبر: — “حطي الطبق بالراحة هنا عشان الماية ما تطرش على السجادة.. ودعكي كويس عشان رجلي متورمة ومش قادرة!”
ضرتى حـ,ـامل ٢
امانى السيد
في اللحظة دي، عينيا جت في عينها، شفت كمية الشماتة واللؤم اللي راكبين وشها، واستوعبت إن المهانة دي لو عدت النهار ده، بكرة هتطلب مني أبوس إيدها عشان ترضى عني. حسيت بنار شعلت في قلبي ودمي غلى في ثانية، وكل الخوف والك.سرة اللي كانوا جوايا أتحولوا لبركان غضب.
بدال ما أوطي بالطبق تحت رجلها، رفعت إيدي بكل القوة والغل اللي اتجمعوا جوايا السنين دي كلها، ودلقت طبق الماية الدافية بالملح كله على وشها وجسمها والسرير!
مرام صرخت بصوت هز العمارة كلها وهي بتتنفض على السرير والمية مغرقاها والملايات مبلولة، وقامت واقفة وهي بتصرخ وتتف على هدومها:
— “يا مجنونة! يا سعد.. الحقني يا سعد! الحق المجنونة هتمو.تني هي والبيبي!”
أنا ما تحركتش من مكاني، رميت الطبق الألومنيوم على الأرض عمل صوت يرن في الأوضة، ووقفت بصلها بثبات وقسوة عمري ما حسيت بيهم قبل كده، وصرخت في وشها وأنا بشاور بصابعي:
— “أنا مش خدامة عندك ولا عند اللي جابوكي! الماية دي عشان تفوقك وتعرفي مقامك كويس، ورجلك دي لو تفكري تدليها عشان أخدمك، أقطعها لك!”
في أقل من ثانية، باب الأوضة اتفتح بكل قوة، ودخل سعد زي المجنون أول ما سمع صريخها والمية أغرقت المكان…
دخل سعد الأوضة وعيونه زي الدم، اتسمر ثانية وهو شايف مرام مغروقة مية على السرير وبتصرخ وبتترعش، والطبق مرمي على الأرض بيني وبينها. بصلي بنظرة ما فيهاش أي رحمة، زي ما يكون مش شايف قدامه مراته اللي عاشت معاه السنين دي كلها، وجري عليا ومسكني من دراعي بقوة بغشميه حسيت إن عظمي بيتك.سر في إيده.
زقني لورا جامد لحد ما ضهري خبط في الدولاب، ورفع إيده وصرخ في وشي بصوت هز جدران الشقة:
— “أنتِ تجننتي يا حرمة؟! أنتِ نسيتي نفسك وقدرك ولا إيه؟! بتدلقي المية عليها وتصرخي في بيتي؟!”
مرام استغلت المنظر وفضلت تصوت وهي بتعيط وتتمسكن، ومسكت في قميصه وهي بتشهق:
— “الحقني يا سعد.. دي كانت عايزة تسقطني ومو.ت البيبي! بتقولي أقطعلك رجلك ومستكثرة عليا نقطة مية! طردها من البيت يا سعد، دي مش أمنة على ولادك ولا عليا!”
سعد لفلي وشعنونة الغضب عمياه، مسكني من طوق جلابيتي ورفعني لفوق وهو بيبصلي بقسوة وعينيه متثبتة في عينيا:
— “أنا ساكتلك ومتحملك وبقول معلش ما بتخلفش ونفسيتها تعبانة.. لكن تمدي إيدك على مراتي وتئذي عيالي؟ قسمًا بالله ما تبقي على ذمتي ثانية واحدة تانية!
هتاخدي هدومك على ضهرك وتروحي بيت أهلك طالق بالثلاثة، واقعدي هناك حيطة سادة لحد ما تعفني!”
أنا في اللحظة دي، الغريبة إن الدموع جفت من عينيا تمامًا. القسوة والظلم اللي شفتهم منه فتحوا عيني على الحقيقة اللي كنت بتهرب منها.. مسكت إيده اللي كانت ماسكة طوقي، وبصيتله بثبات وبرود أشد من بروده، ونفضت إيده عني بقوة وقفت على طولي:
— “رميت اليمين عشان فاكر إنك بتك.سرني؟ أنت ما بتك.سرنيش يا سعد.. أنت بتفك أسر واحدة عاشت خدامة تحت رجليك ورجلين أهلك السنين دي كلها وسكتت عشان صايناك! طلقتني؟ ياريتك عملتها من زمان!”
بصيت لمرام اللي كانت واقفة وراه ومربوعة، والابتسامة رجعت تتسلل لوشها لما سمعت كلمة الطلاق، فابتسمت لها أنا كمان ابتسامة وجع وقوة وقيلتلها:
— “اشبعي بيه وبخدمته وبالعيال اللي هتهد حيلك لوحدك من بكرة.. أشوفك كمان سنة لما تتدوري في الساقية دي وتعرفي إن اللي يبيع الأولى عشان الخلفة، يبيع التانية أول ما المصلحة تخلص!”
لفيت ضهري ومشيت ناحية أوضتي بكل ثبات، سيبتهم واقفين مصدومين من رد فعلي، ودخلت ألم هدومي
لميت هدومي في الشنطة وبإيدي اللي كانت بتترعش من القهر بس متمسكة بكل نقطة كرامة فاضلة جوايا.
ما خدتش معايا غير الحاجة اللي جيبتها بفلوسي وعرقي، وسِبت كل حاجة تانية بنيتها في البيت ده على مدار سنين.
خرجت من الأوضة ماسكة الشنطة في إيدي، ولقيت سعد واقف في الصالة ومربع إيديه ومستني يشوفني ببتسحب أو بطلب منه يسيبني، ومرام واقفة وراه لافة الفوطة حوالين جسمها وبتبصلي بنظرة شفقة متصنعة.
أول ما قربت من باب الشقة، سعد وقف في وشي وبصلي بنظرة ناشفة وقال:
— “طالعة بالشنطة فاكرة إنك هترجعي بسهولة؟ الرجل اللي تخرج من البيت ده مش هتعتبه تاني يا أميرة، وأهلك مش هيستحملوكي كتير وأنتِ راجعة لهم بشنطة هدومك لا عيل ولا تيل.”
بصيت في عينه بثبات عمري ما حسيته قبل كده، وما ادتلوش الفرصة يشوف دمعة واحدة نازلة من عيني، وقلتله بصوت هادي ومترتب:
— “بيت أهلي اللي بتهددني بيه أكرملي ألف مرة من العيشة في جحيمك. الشنطة دي فيها كرامتي اللي كنت بدوس عليها كل يوم عشان أحافظ على بيتك، والنهار ده أنا خدتها ورجعت لنفسي. اشبع بالبيت واشبع بالخدمة اللي هتجربها مرام بنفسها من بكرة.”
فتحت الباب وخرجت، وسمعت صوت مرام وهي بتبدأ تنادي عليه وتتأوه عشان تشغله بالولاد وبالبيت اللي بقى كله على دماغها من اللحظة دي.
نزلت السلم وأنا بحس إن كل خطوة بتبعدني عن البيت ده بتشيل جبل كان محطوط على صدري. أول ما فتحت باب العمارة وخرجت للشارع، التفت وررايا بصيت للشباك لآخر مرة، ومشيت في طريقي وأنا عارفة إن الصفحة دي انطوت للأبد، وإن أميرة اللي كانت بتسكت وتتحمل ما.تت خلاص، واللعبة من النهاردة هي اللي هتتغير.
وصلت بيت أهلي والشمس كانت لسه بتبدأ تشرق، أول ما أمي فتحتلي الباب وشافت الشنطة في إيدي والوش الباهت، حض.نتني من غير ما تسأل كلمة واحدة، كأن قلبها كان حاسس باللي بعيشه طوال السنين اللي فاتت.
دخلت أوضتي القديمة، حطيت الشنطة ونمت على السرير، ولأول مرة من سنين أنام ساعتين ورا بعض من غير ما أصحى على صريخ عيل مش ابن أو زعيق سعد وأوامره.
على الناحية التانية، مرام ما لحقتش تفرح بانتصارها كتير.
من ثاني يوم الصبح، البيت انقلب عليها فوق تحت. الولد الكبير بيعيط عايز أكل، والصغير عايز يتغيرله، وهي بحملها التالت ومش قادرة تتحرك ولا تشيل جسمها. كانت فاكرة إن سعد هيجيب لها خدامة أو إنه هيشيل معاها، بس سعد متعود على راحة البال، متعود يرجع يلاقي الأكل متسبك والغسيل متطبق والبيت زي القشطة من غير ما يرفع صابع.
أول ما رجع من شغله المغرب، لقى البيت كركبة، والولاد بيبكوا، ومرام قاعدة على الكنبة بتنهد ومش عاملا له لقمة يأكلها. بدل ما يطبطب عليها، صوته طلع وهز الشقة:
— “أنا راجع من شغلي قرفان وتعبان، فين الغدا؟! والولاد دول سايباهم يعيطوا ليه كده؟!”
مرام بصتله بصدمة ومطت شفايفها بمسكنة:
— “سعد.. أنت مش شايف أنا تعبانة إزاي ورجلي متورمة؟ أنا حبلة في التالت ومش قادرة أقف على رجلي، شيل معايا الولاد ونزل جيب لنا أكل من الشارع!”
سعد اتنفض في وشها وزعق بغشم:
— “أكل من الشارع إيه ورجل إيه؟!
أنا متعود أرجع ألاقي بيتي متروق وأكلي جاهز! هو أنا جايبك هنا عشان تقعدي تدلعي وأنا اللي أخدم في البيت؟! قومي شوفيلك حل في القرف ده!”
مرام وقفت متسمرة، واستوعبت في اللحظة دي الكلمة اللي قولتهالها وأنا طالعة من الباب: إن اللي بيبيع الأولى عشان المصلحة، بيبيع التانية أول ما المصلحة تخلص.
أما أنا، فبعد أسبوع واحد بس من الراحة، قمت وقفت على حيلى، رفعت قضايا المؤخر والمتعة وكل حقوقي الشرعية للقضاء، وبدأت أفتكر إن عندي حياة وكرامة ومستقبل لازم أبنيهم من جديد، بعيد عن سعد ومرام والجحيم اللي سيبته ورايا.
مرت ست أشهر على اليوم اللي خرجت فيه من البيت ده بشنطة هدومي.
خلال الست أشهر دول، الدنيا اتغيرت تماماً.. أنا رجعت كملت تعليمي واشتركت في دورات تدريبية وبدأت أشتغل في مشروع صغير من البيت، القضايا اللي رفعتها مشيت في مجراها، والمحكمة حكمتلي ببعض حقوقي الشرعية اللي سعد حاول يماطل في دفعها بكل الطرق، بس للقانون كلمة ثانية.
رجعت البسمة لوشي، وصحتي ردت فيا، وعرفت قيمة نفسي بعد ما كنت فاكرة إن الحياة وقفت عند باب شقته.
أما في بيت سعد، فالمشهد كان بيزداد ظلام.
مرام ولدت العيل التالت، وبقت عايشة في الساقية اللي كنت طالعة منها، بس من غير الصبر ولا القوة اللي كانت عندي. البيت بقى عبارة عن خناق يومي، الصريخ ما بيبطلش، والولاد التلاتة محتاجين مصاريف وخدمة فوق طاقتها. سعد، اللي كان فاكر إن الجواز الثاني هيريحه ويجيبله النسل والراحة، بقى يرجع من شغله يقعد على القهوة بالساعات عشان يهرب من دوشة البيت والعيال ومطالبات مرام اللي ما بتخلصش.
في يوم، وبعيد عن كل ترتيب، كنت نازلة أشتري طلبات من السوق قريب من منطقتهم القديمة، ولقيت سعد وشاً لوش قدامي.
كان شكله مجهد، الدقن طالعة وهدومه مش مكوية زي زمان، وعينيه فيها كمية إرهاق وقهر مش طبيعية. أول ما شافني، اتسمر مكانه وبصلي بذهول.. شاف قدامه أميرة ثانية خالص، ست واثقة من نفسها، لابسة ونظيفة ووشها منور ومبتسمة.
قرب مني بخطوات بطيئة، ونطق بصوت واطي ومكسور عكس القسوة اللي كانت فيه زمان:
— “أميرة؟.. إزيك؟”
رديت عليه ببرود وثبات، وأنا حاطة إيدي في شنطتي وبصالي بثبات:
— “الحمد لله يا سعد.. بخير، وفي أحسن حال.”
بص للأرض ورجع بصلي بنبرة كلها ندامة ورجاء:
— “أنا أكلتني الحسرة يا أميرة..
البيت من بعدك بقى خراب، مرام ما بتعملش حاجة غير إنها بتطلب وتصرخ، والعيال مبهدلين والشقة بقت زريبة.. أنا عرفت قدرك وقيمتك متأخر أوي، وحقك عليّ.. لو ترجعي، قسمًا بالله لأكتب لك الشقة باسمك وأحطك فوق راسي ومرام دي مش هخليها تفتح بقها بكلمة.”
ابتسمت ابتسامة هادية، ابتسامة حد اتعافى تماماً من الوجع، وقربت منه خطوة واحدة وقلتله بصوت حاسم ينهي كل حاجة:
— “تكتب الشقة باسمي؟ الشقة دي والبيت ده كله ما يسواش عندي نقطة دموع واحدة نزلت مني وأنا بغسل الأكل أو بنضف تحت رجليكم..
أنت ما عرفتش قيمتي يا سعد، أنت بس تعبت من الخدمة والمصاريف ولقتني كنت الخدامة والطباخه ببلاش اللي شايلة عنك كل حاجة. المية اللي اندلقت النهار ده كانت خط فاصل بين عمري القديم وعمري الجديد.. اشبع بانتصارك وبمرام وعيالك، وأنا شبعت بحريتي وكرامتي.”
لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابته من غير ما التفت ورايا ولا مرة، وسبته واقف في وسط الشارع مكسور، عاجز إنه يرجع الزمن، وعارف إن الجرح اللي سابه في قلبي ما بقاش يوجعني.. بل بقى السلم اللي طلعت بيه لحياتي الجديدة


تعليقات
إرسال تعليق